د.ثائر العذاري: (نليباثي) المغامرة اللغوية الفريدة

حين تحدث (بيرسي لوبوك) عن فكرة (زاوية النظر) رصدها بوصفها من الجوانب الجمالية في الرواية، حيث تعرض الأحداث كما تراها أحدى شخصيات الرواية من وجهة نظرها من غير أن تكون لها المقدرة على سبر الوعي الداخلي للشخصيات الأخرى. غير أن لوبوك لم يكن معنيا بالعلاقة بين اللغة السردية وزاوية النظر. لغة الشخصيات التي يمكن أن تتحول إلى أداة بالغة الأثر في رسم الجو الانفعالي في القصة كما هو الحال في الشعر.
(تليباثي) مجموعة قصصية للقاص العراقي هيثم بهنام صدرت عام 2008 غن دار ناجي نعمان بعد أن حصلت على جائزتها التكريمية. تمثل نموذجا حيا للعلاقة بين زاوية النظر واللغة.
تتألف المجموعة من أربع قصص هي على التوالي (نليباثي) و(الملحمة) و(الصورة الأخيرة) و(الأقاصي)، وتشترك جميعها بالموضوع واللغة حتى لتبدو كأنها أربعة صور لقصة واحدة، ففي القصص الأربع تجد الشخصيات الرئيسة نفسها في نقطة صفرية في عالمها، فهي على حافة عالم لم يعد من الممكن لها مواصلة الحياة فيه، ولا مناص لها من مغادرته. وهذا ما تعبر عنه لغتها التي تروي بها حكاياتها،  تلك اللغة التي جاءت بشكل لغة بوح شعري أكثر مما هي لغة سرد. على أن تشكيل الوحدات السردية هو المظهر الذي تتمايز فيه القصص الأربع، لأن هيثم بهنام يمارس لعبة التشكيل في كل قصة بصورة مختلفة مثلما يفعل طفل يلعب بلعبة المكعبات الملونة.
تحكي القصة الأولى (تليباثي) حكاية نحات عشق ذاته، فنحت تمثالا من الشمع لفتاة تشبهه، لكنه وقع في عشقها بما يشبه حكاية النحات اليوناني بجماليون وصنيعته الحسناء جالاتيا، في حوار داخلي مشحون بالتوتر، يظهر خلاله بجماليون ليعلم النحات كيف يصلي لفينوس لتمنح الحياة  لمعشوقته الشمعية، غير أنه بعد أن ييأس من ذلك يلقي تمثاله في الموقد ليكتشف عندها أنه تعجل وأن الروح كانت تنمو داخله.
تمثل اللغة في القصة بتراكيبها الفريدة أهم مفتاح لفهمها كأخواتها في المجموعة:
((نهض من كرسيه، وقف كالتمثال، تحت المصباح تماما، صار ظله أمامه، تأمله بإمعان، وجده ملموما مضغوطا، تخيل نفسه بجسده المفتول الفارع وقد استجاب إلى تكوين لا أبعاد محددة له، أراد أن يلعب قليلا ليطرد الملل من نفسه، مد يديه إلى الأمام، فخرجت من الظل أسطوانتان قميئتان، ثم تلاقتا استجابة لفعل الجسد الأصيل……))
يبني القاص الانطباع غن توتر النحات الشديد عبر لغة السرد، فالجمل القصيرة تعبر عن تسارع الأفكار واختلاطها، والتشبيهات والصفات توفر الشحنة الانفعالية التي ترسم مزاج الشخصية، ففي المقطع السبق يمكن ملاحظة الدور الذي قامت به الكلمات (كالتمثال، ملموما، مضغوطا، لا أبعاد مجددة، الملل، قميئتان…..) ففي كل النص رسمت مثل هذه المفردات توتر النحات وإحساسه بالغربة عن عالمه الذي لم يعد بإمكانه المكوث فيه.
اللغة وحدها هي التي تجعلنا نفهم أن كل ما حدث في القصة ليس سوى هلوسة، وأن التمثال الشمعي ليس الا النحات نفسه:
((….. ويتجول في الغرفة راسما في ذاكرته السرمدية صورة فريدة في ليل فريد، تحتفل برجل ممد على ظهره وقد  تفحم جسده بفعل حريق غريب، الشيء الوحيد الذي يحتفظ به عينان مفتوحتان على سعتيهما…..))
فهذه النهاية المبنية على الهلوسة ذاتها، تذكرنا بصورة تمثال الحسناء وهو يصارع نار الموقد التي تصهره:
((ولشدة دهشته وجد الوجه، وجه ساحرته يتغضن ويتحزز من الألم وبقايا آهة واهنة تخرج مثل نسمة ربيعية فوق الشفتين المنفرجتين.))
أما القصة الثانية )الملحمة) فقد بنيت بطريقة تفسح المجال للغة البوح بحيث تكون المظهر الفني الأبرز فيها، فهي تروي حكاية مطر وملحن وشاعر عملوا معا حتى حققوا المجد في بغداد حتى فرقتهم الحرب فهاجر المطرب ومات في منفاه وأبعدت العسكرية الشاعر وظل الملحن الذي يعاني من قصر نظره وحيدا تائها.
تروى الحكاية، أثناء إقامة حفل تأبين للمطرب، بطريقة غير تقليدية فهي أربعة عشر مقطعا يتناوب فيها الملحن والشاعر زمام السرد، حيث كان يضع كلمة (هو) في صدر مقاطع الملحن، و(الآخر) في صدر مقاطع الشاعر، الا المقطع الأخير الذي يسرده (أحد الحضور).
ولم تكن اللغة في هذه المقاطع لغة السرد المعتادة التي تتمحور حول الوصف والحدث، بل كما في القصص الأخرى كانت لغة بوح شعري:
((هو:
من مكمني الراسف بالليل السرمدي لا أبصر سوى داخلي المغتسل بشمس سرمدية، وأما ما وراء السور الشاهق الذي يعتقل عيني ويضع حاجزا ناصع البياض بيني وبين ما يحيط بي، فهو عالم  غامض، مدهش، سري، بكر … يترامى ويتصادى خلف الحاجز الأسود للنظارات الثقيلة الجاثمة على أرنبة انفي… أنا لاأبصرهم بعيني، بل أستشف أبعاد كلماتهم التي تتبعثر في الفضاء كفقاعات الصابون))
الدور الرئيسي الذي تلعبه اللغة هنا هو بناء الجو الانفعالي، فالقاص يتصرف مثل الرسام التجريدي، يهمه الشعور أكثر من الحدث، وهو لذلك يركز جهده على اختيار المفردات والتشبيهات. فلا يمكن أن يقول إنسان عن نفسه إنه محبط وانطوائي، لكن القاص أشعرنا بهذا عبر لغة شخصيته، التي ترى داخلها عالما أبيضا مغتسلا بالشمس، وترى العالم حاجزا أسودا يرسف بليل سرمدي، وجاء تشبيه كلام الآخرين بفقاعات الصابون لإظهار عدم مبالاته بكل ما هو خارج ذاته.
وفي (الصورة الأخيرة) صياد أطاحت به مطاردة غزالة في الصحراء ليسقط فريسة للجوع والعطش والنسور الجارحة، ولغته، مرة أخرى ، هي التي كانت ترسم حالة الاستسلام للموت واليأس :
((يرفع سبابته ويحك أنفه،يتحسس شفتيه المتيبستين كشقوق مفتوحة لأرض ممحلة خنقها الظمأ فتحولت أخاديد موات تنتظر القطر أو الغيث أو السيل لتروي ظمأها لفترة وجيزة، ومن ثم فليحل التصحر أو الطوفان…))
ققي ثلاثة أسطر ليس هناك من حركة سوى رفع السبابة، لكن اللغة كانت هنا الحاضر الأبرز الذي يرسم الشعور بالعطش، تشبيه الشفاه العطشى المسهب بالأرض الممحلة في مقابل القطر والغيث والسيل، التي صارت كل ما يريد من الحياة التي لا يهمه أن تنتهي بعد ذلك.
أما  القصة الأخيرة (الأقاصي) فالشخصية الرئيسة فيها شاب اعتزل الحياة في قريته وآثر معاشرة الطير على معاشرة البشر، الطيور التي تعلم التحدث معها وأقلع عن التحدث بلغة البشر، غير أن صورته ترسم من خلال عين الراوي وهو صديق بعمره :
((والشفق يتهيأ للمغادرة ليسلم أمره ليوم صاح، كنت أقف على سطح دارنا أتأمل قرص الشمس الناهض من مضجعه في الأفق الشرقي المفروش بالرباب، وروحي الغضة المحلقة نحو ربيعها الخامس عشر تتنسم الإشراقات الأولى لليوم القادم بكل ما يختزنه من دفء نابض من السماء العالية))
ثمة لغة هنا تولي الانفعال والشعور المرتبة الأولى من الاهتمام ليتراجع الحدث السردي خلفه، تعلق  هذا الشاب بالحياة هو الذي أرادت اللغة رسمه، وليس فعل الوقوف على سطح الدار.
الشخصيات الرئيسة في القصص الأربعة تعيش حالة انفصال أبدي عن محيطها وتحلم بفناء العالم واستبداله بعالم آخر أكثر طيبة. غير أن القصص تنطوي على مفارقة ذات مغزى كبير، فهي تركز على استبطان الشخصيات لرسم مشاعرها الداخلية ورؤيتها للعالم، تلك الرؤية اليائسة التي تظهر تميزها  وتفردها، وفي الوقت نفسه هي شخصيات بلا أسماء، إذ خلت المجموعة من أي اسم لأية شخصية من شخصياتها.
فإذا نظرنا إلى المجموعة على أنها صورة مصغرة للعالم، سنصل إلى المفارقة التي بنيت عليها، فهو عالم ينظر إلى الأفراد كما لو كانوا وحدات بنائية متناظرة من غير أن يكون هناك ما يميز أحدهم عن الآخر، وفي الوقت ذاته يرى كل منهم  نفسه مركزا للعالم يعيش الإحباط لأنه يعجز عن حمل محيطه على الانصياع لرغباته. إنها مشكلة إنسان العصر، فقدان الهوية وانفصام الكينونة المتفردة.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : كيف تصبح كاتبا عظيما من وجهة نظر”ستيفن كينغ” …اضافة لوجهة نظري؟! .

  ابق متزوجا وانعم بصحة وعش حياة جيدة، امتلك الشجاعة للتخلي عن الأجزاء والجمل المملة، …

| بكر أبوبكر : النازية والصهيونية، ومحمود عباس .

ولد الزعيم النازي أدولف هتلر في 20 نيسان 1889 في مدينة براوناو النمساوية على نهر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.