نوال هادي حسن : المونولوج الداخلي لقصة (سمفونية الرماد) للقاص( محمد رشيد)

mohamad rashidالسمفونية : تَأْليف مُوسِيقِي مُتَكَامِل تَشْتَرِك فِيهِ مَجْموعَة مِنَ الآلات ، وَيَتَكَوَّن مِنْ عِدَّةِ حَرَكَات ، تُصَوِّرُ مُوسِيقِيّاً حَالَةً أَوْ مَعْنى أَوْ مَوْضُوعا أَوْ حِكَايَةً.(1)
والرماد هو بقايا هو ما تخلف من احتراق أي شيء وجاء هنا في القصة ما تخلف من احتراق الحلم.
استهل الكاتب القصة بقوله: (نادرا ما أقتنص ( لحظات حُلمي ) وأمتطيها صوب الواقع لأعيشها) مشاهدٌ صيغت بألفاظٍ أنيقة، لكنها بمعانٍ تقطرُ موتاً بطيئاً اتضح فيها قلة الحظ في تحويل الأحلام الى واقع، وضياع الفرص لا لشيء، إلا إن الظروف المريرة ترغمه دوما على ذلك.
هذه الظروف لم تكن حكرا على بطل القصة وإنما كان للعراقيين النصيب الأكبر من فوات الفرص وتضييع الأحلام. لأنها الحرب متى ما حطت رحالها اشتد الرحيل إلى الآخرة.
لقد تدخلت هذه الحرب في التفاصيل الدقيقة من حياتهم وغيرت مسارها وحطمت ما تبقى من تمنيـــات بسيطة .
بلغت كلمات قصة (سمفونية الرماد) (748) حسب برنامج (المايكروسوفت أوفس وورد) وفي إحصائية سريعة للحروف الأكثر استعمالا فيها توضح ان لحروف (اللام والتاء والياء والميم )الحصة الأكبر من حروف هذه القصة وهذه الحروف على اختلافها إلا أنها جميعها تشترك في كونها حروف جهورية.(2)
مما لاشك فيه إن ما في هذه القصة من المعاناة ما يجعل بطلها وهو في حديث داخلي مع نفسه يتملكه الإصرار في ان يسمع الجميع ألمه، فكانت قصته عبارة عن سمفونية متصاعدة بالشجن المتخفي تارة والصريح تارة أخرى .
تبقى أحلام بطل القصة كالأوهام لا تجرؤ على مجاراة الواقع وبطريقة المونولوج الداخلي الإحساس ينقل لنا هذا الواقع المنهك وهنا ينبغي ان اعرف المونولوج الداخلي (الإحساس) وهو إحدى تقسيمات المونولوج الداخلي وهو يعبر عن الحالة الروحية للشخصية كالفرح والحزن والحب والكراهية ويتضح هذا الأسلوب جليا في كامل القصة فعلى سبيل المثال قوله: (لكن مأساتي هي أن مخالب الحرب غالبا ما تطال هذه ( اللحظات ) وتقبل ( من أحب ) بعنف لأصحو بعدها متوجا بانكساراتي .
وبهذا الأسلوب السردي – المنولوج – للسمفونية الحزينة يبدأ ليبرر لنفسه سبب عدم اقتناصه الفرص لتحقيق حلمه وتحويله إلى ملموس فها هو يلقي اللوم كما ذكرت سابقا على الحرب لأنها هي لا تجلب غير الدمار (مخالب الحرب) مع ما في هذه الجملة من انزياح جميل إلا إن لمعناها شراسة بشعة، فهذه المخالب هي التي طالت تلك اللحظات الجميلة والأحلام العادية وقتلتها.
ومثل هذه العبارة – مخالب الحرب- وردت انزياحات لافتة للإعجاب منها على سبيل المثال لا الحصر قوله:( متوجا بانكساراتي)، (الطريق الطويل يغرز في دواخلي السأم) (امتطيها صوب الواقع)… وقد أعطت للمعاني حدودا ملموسة لقسوة الظروف.
ثم يمضي ليروي لنا في رحلته هذه وعن طريق أسلوب السرد ألمونولوجي إحدى هذه الفرص الغير مقتنصة وهي فرصة لقاء الحبيبة المنتظرة إياه، وهي إحدى أمانيه: (كانت فكرة التوجه إلى تلك المدينة تنمو في دواخلي منذ أعوام لكن الضوء الأحمر لا يزال متمرسا … ناشرا عباءاته على كل الفصول).
وهكذا ظلّ يرسم لنا صور المركبة التي اقلها للقاء بحبيبته وهي مركبة قديمة خاصمت التكنولوجيا، وكذلك الطريق الذي قطعته المركبة كان طريقا قفرا خاليا من أي خضرة ورغم هذا فهناك من يستحق ان يتحمل من اجلها كل هذه الرمادية تراه يقول: (المركبات يقلقني خصامها الأزلي مع التكنولوجيا ….الطريق الطويل يغرز في دواخلي الســأم لأنه لا يزال يجهل فن التغزل بخضرة الطبيعة ليدنيها منه لكن لابد من التوجه إليها)
ويمضي واصفا سبب الرحيل إليها (لتنعش ذاكرتي …لتخلع ما تبقى من ثيابي التي نسجت برائحة البارود والمثقبة بمخالب الحرب ..لأغتسل بدموعها ..لأغفو فوق تلَييها الحنونين …لتغطيني بشلالات شعرها الذي يمطر علي أزهارا أثمل بأريجها وفراشات أتدفأ بألوان أجنحتها ..لتعزف على ما تبقى من أوتار قلبي بأناملها ( قلوب النخيل *) سيمفونياتها الكونية التي تذوبني في طقوس خاصة تفر منها الكلمات خجلى لأنها لم تستطع ان تصفها).
يفيق قليلا من غفوة الذكريات وليعيد لنا نفسه واصفا الشارع المبلط والمركبة التي تلتهم بأقدامها الدائرية هذا الطريق، ليوصلنا بالحديث الى امر مهم وهو ارتطام شيء ما بالزجاجة الخلفية للمركبة التي يستقلها، وكان لهذا الارتطام أثرا نفسيا سيئا عليه في تلك اللحظة. وتبدأ مع وساوسه وقلقه والحيرة التي رافقته من غرابة المشهد إعلاء جديد لصوت منولوج اخر.
نراه في كل هذه المشاهد احتكم الى العين أكثر من احتكامه الى السمع رغم وروود كلمة الصوت في إحدى جمله السردية ( حيث كان الصوت غير عادي بالمرة لم تحتضنه إذني)
فارتطام الطير فاق كل الحواس العين والإذن وكذلك الذهن والزمن وهو خليط مابين الواقع والخيال فاقت واقعيته درجة.
وبدأ القاص يرسم لنا المشهد الذي اثار التشاؤم في نفسه حينما قال (الأقدام الدائرية ظلت تدور وتدور حتى دوى ارتطام في الشاشة من الخارج حيث كان الصوت غير عادي بالمرة لم تحتضنه أذني بقدر ما طعن قلبي الذي بدأ ينكمش تدريجيا ، وقتها اغتسلت الشاشة بالقاني من الدماء وتقدد لحم ذلك الطائر المسكين بحافات تصدع الشاشة وبات المشهد موضع تفرس من قبل الجميع) ولاحظ انه هنا أشار الى خصيصة معروفة عند العرب على وجه الخصوص بالتشاؤم والتطير وماعلاقة هذا التطيّر بالطيور على وجه الخصوص رغم انه لم يصف لنا هذا الطائر الا في مشهد لاحق للقصة حين قال: (/ مشهـد /
كل اللذين احتشدوا حولهما اندهشوا عندما شاهدوا طائرا بلون الشمس ولامع كالذهب خصوصاً عند الرقبة وباقي جسمه أرجواني وذيله لازوردي تشوبه ريشات بلون القرنفل ، يزين رأسه عرف رائع تنتصب عليه قنزعة وريش طويل يضوع بشذا البنفسج أنبعث من مكان النبض لذلك الغريب وراح يحلق عاليا يتبع ذلك الريش والنوتات بخطوات راقصة إلى فضاء لا منتهي .)
ولابد لي هنا ان أوضح هنا شيئا عن قضية التطير او التشائم التي ارتبطت كثيرا بالحيوانات ومنها الطيور(إن التطيّر مشتقة من الطير ، وكان الواحد من أهل الجاهليّة إذا خرج لأمر استعمل الطير فإن رأى أن الطير طار يمنة تيمن به واستمر ، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع عن أمره ، وكانوا يسمون الطائر أو الحيوان الذي يأخذ ذات اليمين بالسانح ، ويسمون الذي يأخذ ذات الشمال بالبارح ويتشاءمون منه. (3)
وقد تحدث علماء كثيرون عن هذا الامر- التطّير او التشاؤم- اذكر لكم مثلا قول البعلبكي :
(الاعتقاد بان عالمنا هذا هو أسوأ العوالم الممكنة ، وإن كفة الشر والشقاء أرجح من كفة الخير ، والسعادة فيه فجميع الأشياء تنزع بطبيعتها الى الشر
– وقال الأنصاري:
التشاؤم بأنه التوقع السلبي للأحداث القادمة ، اذ يجعل الفرد ينتظر حدوث الأسوأ ، ويتوقع الشر والفشل وخيبة الأمل ،ويستبعد ماخلا ذلك إلى حد بعيد.)(4)
ثم يتابع الحوار ألمونولوجي وسط كميات هائلة من التشاؤم بحادثة الطير مستندا الى العين، وهي ترى أشكالا مختلفة من الرسوم على زجاجة السيارة، وريشا مصبوغا متطايرا ، يتابع البطل ساردا لنفسه المتعبة بعض الأوقات التي قضاها مع الحبيبة بين عدو ورقص وعزف على قيثارة زمن ولى ولم يمسك به.
وفجأة ينقطع الوتر تلو الأخر وهو يصطدم بأمنيته الأخيرة ملقاة على قارعة الانتظار بقوله (تلاشت هذه المشاهد حالما توقفت أقدام المركبة ,لامست قدمي حافة الرصيف متوجها إلى ذلك المكان تحسست حينها بثقل وتباطؤ في خطواتي وكأن خدرا قد دب بهما ,مضيت مسرعا لأغتال بعض الوقت ,تحسست يمناي مكان النبض وكأن دبوسا انغرس فيه وكلما أسرعت في خطواتي بافتراس الطريق كانت تعاودني تلك المشاهد اللعينة ,وصلت ذلك المكان ,اندهشت حينما شاهدت حشدا من المارة ملتفين من حوله ,اقتربت منه , دنوت أكثر حتى اشرأب عنقي من بين الأكتاف المتلاصقة ,سمعت البعض منهم : (خطية …مسكينة ..كانت تحبه ..ظلت مخلصة له..كانت تنتظره هنا يوميا وبلا كلل ..) هذه الكلمات راحت تثقبني حينما سمعتها ,شاهدتها مســــجاة فوق الأرض تعلوها قطعة من القماش ملطخة ببقع من الدم , اقتربت أكثر ,جثوت على ركبتي وأزحت من على وجهها تلك القماشــة ببطيء فوجئت بتطاير ذلك الريش (الذي فقده الطائر) إلى السماء يتراقص مع نوتات تلك السيمفونية ( سيمفونية الرماد ) التي كانت تعزفها لي (…..) ارتعدت حينها وتضببت الرؤيا من حولي ولم أحس سوى ظلاما راح يطبق على الأرض ورأسي راح يتوسد ذراع الرصيف ).
الحوار الوحيد الخارجي الذي حضر في هذه القصة هو حوار جماعي للمجتمعين على جثة حبيبته مطلقين أصوات تبعثها الشفقة والأسى من صدورهم وكأنهم على علم بقصتها مع حبيبها قليل الحظ والنادر في اقتناص فرصته (خطية …مسكينة ..كانت تحبه ..ظلت مخلصة له..كانت تنتظره هنا يوميا وبلا كلل ..)
ركز القاص في إيصال فكرته إلى القارئ بطريقة المونولوج الداخلي في حديثه عن الذات والذكريات والغوص في أعماق الأنا، أبعدها عن اللبس والغموض حيث جعلها لا تتطلب جهدا جهيدا من اجل الاستحواذ على فكرتها لأنها لا تفضي الى تأويلات متعددة فكانت نظرته نظرة صريحة وطويلة مع نفسه ومع تطيره ببقايا الطير ليكون رفيقا امينا مع حبيبته الوفية في رحلتهم الى السماء.
…………………………………………….
1. معجم المعاني http://www.almaany.com/ar/dict/ar-ar/%D8%B3%D9%85%D9%81%D9%88%D9%86%D9%8A%D8%A9/
2. ظ/ علم الاصوات اللغوية، مناف مهدي الموسوي، ص45 ومابعدها.
3- ملامح اسطورية في الشعر الجاهلي،محمود شكيب انصاري، عاطي عبيات، منشور في افاق الحضارة الاسلامية العدد 25.
4- مقالة منشورة في مجلة النور الالكترونية على هذا الرابط http://www.alnoor.se/article.asp?id=42896

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة الجباري : قراءة الدلالات الشعرية عند الشاعر صلاح حمه امين في ديوانه “عقارب الساعة التاسعة”.

* صلاح الدين محمد أمين علي البرزنجي المعروف بالاسم الحركي صلاح حمه أمين،  شاعر وفنان …

| اسماعيل ابراهيم عبد : على هامش ذاكرة جمال جاسم امين في الحرب والثقافة – تحايثاً بموازاة عرضه .

الكاتب جمال جاسم أمين معروف بين المثقفين العراقيين باتساع نتاجه وتنوعه كمّاً وجودة , فضلاً …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *