علي شبيب ورد: علي البزاز طالبا السلامة للموج

ali_shbebيعود الشاعر علي البزاز في كتابه (بعضه سيدوم كالبلدان) الصادر عن منشورات الغاوون/ بيروت 2009، الى لغته الأم العربية. بعد إصداره لأربعة كتب باللغة الهولندية، هي(شمعة ولكن تكسف الشمس2002/ نادل أحلامي2003/ تضاريس الطمأنينة2008/ صوت في عريشة 2008). إذاً هو كتاب عودة بعد قطيعة مقصودة من لدن الشاعر، وغورنا في ثنايا الكتاب، ربما يوصلنا لأسباب وجدوى هذه القطيعة. توزعت قصائد الكتاب البالغة(102 قصيدة) الى أربعة حزم شعرية هي: إبقي ساهرة أيتها الزينة/ ساعي الموجة/ مرحباً أيها الطريق يا حلاّج الوعورة/ معاً نقلّد الوردة مداها. ولكن أية عودةٍ هذه، بعد غيابٍ طويل؟ وهذا ما يحاول الإجابة عنه، إجراؤنا القرائي للكتاب. والذي يسعى الى اهمال ما هو خارج النص الماثل، باعتباره، خير ممثل لمحترف الشاعر الكتابي، الذي تقطنه مرجعيات شتى للنص. وسنعمد الى اجراء ثلاث تأمّلات تأويلية للكتاب، وكما يلي: تأويل النسق العلامي/ تأويل النسق الدلالي/ تأويل المغامرة السياقية، مع ملحق رؤيوي.
تأويل النسق العلامي/ تأمّل أول
تتنوع متون النصوص الماثلة للفحص، في أنساقها العلامية، وهذا التنوع في التشكيل الأيقوني للسواد على البياض، يتمثل في كلمة/ جملة/ مقطع/ متن. فلربما يتشكل السطر من كلمة، أو يشكل تجاور الكلمات، جملةً قصيرةً أو طويلةً مدورةً بعدة سطور. وقد يشكل التتابع العمودي للجمل، مقطعاً يتباين في هيئته وطوله، ولربما يجيء المتن متوحداً في مثوله، دون مقاطع. وهو بهذا التنويع لبنية النص العلامية، يحاول كسر الرتابة الاتصالية، مخافة أن يهيمن الملل، في فضاء التلقي. وربما يبدو هذا طبيعيا بالنسبة لأي شاعر، يبحث عن كفاءة بث في عملية الاتصال والتلقي. ولكن هذا الاهتمام الاشتغالي بتنويع النسق العلامي، يحيلنا الى(القطيعة المقصودة) التي أشرنا إليها سلفا. تلك القطيعة- الزمكانية- مع سكونية الفائت ورتابته، وعذابات شراسة أحداثه، ومعاناة متاعب المواجهات مع شخوصه. كما أنها قطيعة تجربة وعزلة مشغل، بحثا عن خصال فرادة ومنطقة انزياح عن المألوف، وذلك بانصراف تام عن محاكاة النسق العلامي ذي الخطاب الصوتي. وهي قطيعة رؤية فلسفية لمعضلة وجوده، حيث يتحول فيها مشروعه الكتابي الى معادل موضوعي مقنع لتوازن الذات مع العالم. وقطيعة بحث عن نص يتخادم فيه حضوره البصري مع كنهه الدلالي، لتحقيق كفاءته الاتصالية، التي هي مبعث سعادته وجدوى وجوده(أيها السطح ضعْ العمق شرطاً يسطع، أيها العمق أنكرْ ملاحة عقيمة وشدّ الرحال إلى رياح نادرة، أيها السرور رفرفْ على هوى مَن جعل جوع المصائر كفايةً له وسمّى النهر ببلله لا بجريانه المقدّر من سواه. لا أغيّر عادتي بذمّ المائل وإن بدا مصبّاً للنعيم.)ص10
ولكن ما الملفت في النسق العلامي للنصوص الماثلة؟!
ولعلنا فيما سنذهب إليه، نقدم إجابة مقنعة للسؤال أعلاه، بالقول أنه كان جريئاً في مواجهتنا بجملة طويلة مدورة. ليس هذا فحسب، بل إنه ذهب بعيداً في جرأته، ليقدم لنا جملة متشظية لأنساق علامية شتى. إنها جملة شعرية طويلة، جامعة لتجاورات جمل قصيرة، منفتحة على بعضها، رغم وجود إشارات تمفصل، كالفوارز وسواها. والشاعر إذْ يعمد لذلك، إنما يضع التلقي في مفترق طرق، فالذائقة الواهية-الأكبر كماً- ربما تكون غير ودودة مع نصوصه. وهو على ما يبدو، لا يعقد آمالاً على الذائقة الخام التي لم تتخلص بعد من عبادتها لنصوص النسق العلامي المتعكّز على بلاغة الخطاب الصوتي. لا، بل من المؤكد، أنه متحسّب لهكذا خسارة اتصالية، مع الذائقةً الباحثة عن نصوص لا تحتاج جهداً، لفهم شفرات أنساقها العلامية. بينما الذائقة الفطنة-الأصغر كماً- تكون عكس ذلك، إذْ تتعامل مع الأنساق العلامية لنصوصه، ببصيرة تأملية منتجة لنصوص التأويل القرائي. حقا نحن نواجه نصوصاً بشبكة علامية مثيرة للانتباه، لما تتوفر عليه جمل متونها، من تجاورات ملفتة، بين مكونات متباينة، منفتحة على بعضها البعض. حتى يخيل للقاريء الجاد، أنه أمام لوحات تشكيلية، تتبارى في عرض مفاتن مكوناتها البصرية، بتجريد تعبيري واخز للذائقة والعالم معا(يعوزني الآن: نارٌ علاقتها بالدفء مرضوضة تنشد الحرائق دون فوائد أُخرى، شللٌ يتنزّه، عرينٌ يخلو من الرأفة، سطوٌ علنيّ على الإخلاص لا يعطش لصوصه، دهشةٌ لا تتخثّر كأنها عبوة. في استقبالكَ للفاقة وقبولكَ أن تتشرّد كائناتٌ ملعونةٌ في سبائككَ يا أيها الذهب يتعالى معنى عند بوّاباته تنتكسُ رايات الأعداء.)ص11
تأويل النسق الدلالي/ تأمّل ثانٍ
الذائقة ذات البصيرة التأملية، ستعمل حتماً، على تنشيط متحفها الخيالي، لملاحقة شبكة إحالات النسق العلامي الى النسق الدلالي، بشتى علاقاته المرجعية. وعلى المستوى الدلالي، فالمخيلة الشعرية تورّطنا لمشاركتها في لعبتها الكتابية، وهي تتعرض لذات فطنةٍ قلقة، وضانّةٍ بوجودها القسري في عالمٍ مريب. إن الغور العمودي فيما وراء النسق العلامي، يوقع التلقي في شبكة أنساق دلالية منتجة في إحالاتها لعوالم الخفاء، تلك المنضّدة صورها في مخيال الشاعر. والتي أسهمت بدرجات متباينة، في أدائها المؤثر، لتأثيث هذا التنوع المحتدم للنسق الدلالي، المفضي الى تهشيم أفق التلقي. كيما يعيد النظر في مسلّماته، سيما وأنه متورط في فضاء شعري متعدد العوالم، بفعل تعدد المثول التنافسي والإغوائي للصور الشعرية أمامه. إن وعورة تضاريس حياته الفائتة، في بلادٍ متمنّعةٍ على محبيها وطيّعةٍ لكارهيها، منحته جلداً للتكيف مع الآتي(عرفتُ أخيراً كيف أفتح نافذةً على مجاعة أعراس لا يكتفي نهمها من الزينة. أنا نزعة ملوّنة كالأعياد. معي أزهار لا تقع في الصدأ, معي عيون لا تحنث بأبصارها. لا أسمع من الألم سوى بلبلٍ وسيم قفصه أراه طليقاً دون حصار)ص14
إن ذات الشاعر في تشظّيها الفني لذوات جديدة تسبح في عوالم النص، تكشف عن قلقها الوجودي إزاء عالم غير مُطَمْئِن. عالم يراه من خلال بلاده التي تعملق فيها الدنس لتشويه البراءة، وتسلط فيها القبح على أعناق الجمال. بلاده التي رغم قطيعته لها، ظل مكبلاً بقيود حبها، ومحتفظاً بطقوس التصاقه الوجداني معها(سأهرع إلى القواميس لتوصيف البلاد؛ ما حدودها ما حقوقها. يصونها الأموات ويخونها الأحياء، تلك هي قوانين حفظ الإرث، ثديٌ مدنّس هي البلاد، كاهنٌ اشتياقي إليها)ص15ولعل البلاد بكل ما تستبطنه دواخله عنها من مشاعر متباينة، هي المحرض المركزي لمعظم قصائد الكتاب الماثل للفحص. فالمنافي مع ما توفره للشاعر من حرية، لحراك مشغله الكتابي صوب التطور، تظل غير قادرة على طرد انشداده الروحي للرحم. وكيف لا وهي حاضنة تشكّله وصباه ونضجه، حيث أولى المحبات/ الإشارات/ الكلمات/ القراءات/ الصداقات/ المعانات/ التساؤلات/ والانهماكات المعرفية/ وسواها؟! وها هو يجري كشفاً احتفائياً، لعلاقته الحميمة بالشاعر(عقيل علي) بوصفها علاقة توحد وجداني ومعرفي(هذا المغنّي الشاسع المكان، الطائر وحده من يناله/ هذا الذي بعضه سيدوم كالبلدان/ كلانا من اللحاء الذي يجود بالإملاق/ نارهم مشبوهة النار/ ناركَ:/ حفنةٌ من القصائد قادرةٌ على إيواء السنبلة/ قادرةٌ على تنقية صراخنا من التجاعيد.)ص51
تأويل المغامرة السياقية/ تأمل ثالث
يشير المستوى الدلالي كذلك، الى أن المخيلة الشعرية أنتجت نصاً جريئاً في انفتاحه السياقي على الحسّي والذهني معا. وهذا المنحى الشعري، عادة ما يكون محفوفاً بخطر الارتماء في احضان الفكر والفلسفة، طارداً عن الشعر طقسه العاطفي. غير أننا لمسنا تفوقه في إجراء موازنة منتجة، بين طرفي المعادلة المتنافسَين- الأحاسيس والأفكار- في مغامرته الاشتغالية هذه. فالجملة الشعرية معمولة بعناية، تفضي الى تكثيف دلالي ذي تشفيرات إيحائية، تنفتح على فضاءات رؤية فلسفية، ولكن ضمن مناخ حسي أو جداني ممتع. بمعنى أنه عمد الى شحن الجملة الشعرية بمحمولات فكرية متوهجة بطاقات معرفية، لتتماهى وبلاغة الحكمة في الكلام المأثور، ولكن بشاعرية عالية(وحدي في السهوب أرعى بأسكَ/ وأنصتُ إلى ما تثيره الدهشة في الترحال./ إنها النار تُضرم العبارةَ/ وتصنع من الدخان سلّةً من الرحيق./ هل تجني الثمارَ والبرعم ما زال في ازدهارِه؟/ أيها الموج وحدي أُريد سلامتكَ.)ص26
اللغة في تجاورات مفرداتها تنتج مفارقة دلالية، ذات بعد معرفي، كما أن الاقتصاد في التركيب اللغوي للجملة الشعرية، يؤثث غنى النسق الماورائي. وربما يبدو هذا النسق مشوباً بالغموض أحيانا، بيد أن التأمل القرائي الجاد يفتت الغموض، ويفتح مغاليق البنى الدلالية، صوب تأويلاتٍ شتى. وهذا ينسحب أيضا، على التنوع الدلالي لجمل المتن الشعري، وهي بهذا المثول التنافسي المربك لأفق التلقي، والذي يتطلب حسن قراءةٍ وفطنة. إننا نواجه جملة شعرية معمولة بتشكيل لغوي ذي تشفيرات إيحائية متنوعة في إحالاتها البلاغية لدى التلقي. الشاعر بعمله يهدم تصوراتنا السابقة عن النص والعالم، لبناء تصورات جديدة قابلة للتحول في قراءاتنا اللاحقة المحتملة له. وكذلك لأنه يضعنا أمام تنوع مشهدي متنافس في تبايناته الدلالية، ومتغير في تحولاته الإيحائية، في تعاقبيةٍ متواصلةٍ على طول المتن الكتابي(استريني أيتها الغصّة/ من وردة تندلع سخاماً/ أملي في التراب ما نفع الذهب المُقوّى/ خارجٌ لأنه لا يُهادن هذا الذي أفكّر فيه/ ليس لديه أسنان ليجعلها أدوات للصداقة.)ص103
ملحق رؤيوي
إن الحضور التنافسي للتباينات الدلالية في الفضاء الشعري، لجمل أغلب النصوص الماثلة للفحص، يعني توفرها على بانوراما مشهدية تُحسب للشاعر. إنها نصوص لا تنفتح مغاليقها بيسر، لذا تتطلب توفر التلقي على مهارة رصدٍ وتقصٍّ لتلميحاتها الدلالية، ليفلح في انتاج نصوص التأويل. حقا لقد ضيّفنا الشاعر، في فضاء شعري ذي تنويعات مشهدية مؤثثة على مرتكزات مرجعية بليغة، في أدائها التحريضي للمخيال الشعري((ولا أجد مفرّاً من المفاجأة بشاعريّة ذات ثراء صوري واشتباك في الدلالات اللمّاحة التي تجعل من لُغته مثل شاشة على درجة عالية من الكثافة، كثافة ما تكاد تُمعِن فيها حتى تنبعثَ عن خلجاتٍ وصور ورؤى ذات رخاء شعري))*
ستدوم قراءتنا لنصوص الكتاب، لأنها تستبطن أسرار لعبة الكتابة الشعرية الجادة، المستنفرة لكل مخصّباتها المرجعية، على المستويين المراني والمعرفي.
————————-
* شوقي عبد الأمير/ جريدة الأخبار اللبنانية/ العدد(847)١8/6/ ٢٠٠٩

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.