المبدع العراقي الكبير طلال حسن يتحدث : محطاتي على طريق أدب الأطفال

talal hasanإشارة :
أمام هذه المسيرة المتطاولة الثرة الحافلة بالعطاء والإنجاز الإبداعي الرائع المستمر ، لا يسع أسرة الناقد العراقي إلّا أن تقف بإجلال أمام المبدع العراقي الكبير الأستاذ “طلال حسن” .. متمنية له الصحة الدائمة والإبداع المميّز المتجدّد . وإن أمام القاريء المدقّق لهذه المسيرة المشرّفة دروساً غنية هائلة يستشفها لعلّ في مقدمتها هذه الروح العصامية والإرادة الحديدية المصرّة على الحضور الإبداعي والمكلّلة بالموقف الأخلاقي العالي . إنّ ربع منجز طلال حسن كفيل بأن ينقله إلى ميدان العالمية في أدب الأطفال لو .. نقول “لو ” توفّرت العناية والترجمة اللازمتين . تحية للمبدع العراقي الكبير طلال حسن .
محطاتي على طريق

في سطور
ـــــــــــــــــــــــ
1 ـ ولد في الموصل في 24/ 2 / .1939
2 ـ دخل مدرسة الأحداث الابتدائية في سن السابعة .
3 ـ انتقل إلى دهوك ، وهو في الصف الثالث ، وبقي فيها سنتين .
4 ـ عاد إلى الموصل ، وهو في الصف الرابع ، وتنقل في عدة مدارس ، حتى استقر في مدرسة النظامية ، وأنهى فيها المرحلة الابتدائية .
5 ـ أنهى الدراسة المتوسطة في مدرسة الغربية .
6 ـ أنهى الدراسة الثانوية في مدرسة الاعدادية الغربية
7 ـ تخرج عام ” 1958 ” ، في العام الذي قامت فيه ثورة ” 14 ” تموز .
8 ـ عين في نفس العام معلماً مستخدماً في مدرسة ” القيارة ” جنوب الموصل .
9 ـ دخل الدورة الصيفية عام ” 1959 ” لمدة ثلاثة أشهر، ثم عين مديراً لمدرسة ” المنكوبة ” قرب القيارة.
10 ـ نقل بأمر إداري في عام ” 1960 ” إلى مدرسة ” باقوفة ” التابعة لناحية تلكيف .
11ـ نقل إلى مدرسة ” باطناية ” في عام ” 1965 ” التابعة لناحية تلكيف .
12ـ نقل إلى مدرسة ” ميسلون ” في مدينة المنصور العمالية في الموصل ، وهي أبعد مدرسة عن بيته ، وبقي فيها حتى أحيل على التقاعد عام ” 1986 ” .
13ـ كتب مسرحيته الأولى للأطفال عام ” 1971 ” بعنوان ” الأطفال يمثلون ” ، ونشرت في مجلة النبراس عام ” 1976″ .
14ـ نشر أول قصة كتبها للأطفال في جريدة ” المزمار ” عام ” 1975 ” ، وعنوانها ” العكاز ” .
15ـ نشر أول قصة للأطفال في ” طريق الشعب ” عام ” 1975 ” بعنوان ” حدث في صيف شديد الحرارة ” .
16ـ صدر له أول كتاب للأطفال ، عام ” 1976 ” بعنوان ” الحمامة ” ، عن دار ثقافة الأطفال .
17ـ نشر أول قصة للأطفال في ” مجلتي ” بعنوان ” الحطاب ” عام ” 1978 ” .
18ـ نشر أول قصة في مجلة ” تموز ” بعنوان ” الحصان العجوز ” عام ” 1978 ” .
19ـ صدر كتابه الثاني ، بتعضيد من نقابة المعلمين ، بعنوان ” البحر ” عام ” 1979 ” .
20 ـ نشر ملفاً حول أدب الأطفال في العراق ، في مجلة الجامعة ، التي تصدر في الموصل ، عام ” 1979 ” .
21ـ نشر آخر قصة له في ” طريق الشعب ” بعنوان ” الشمعة ” بتاريخ 16 / 4 / 1979 ” .
22ـ نشر أول قصة للأطفال في مجلة ” أسامة ” السورية بعنوان ” الشمعة ” ، عام ” 1979 ” .
23ـ صدر كتابه الثالث بعنوان ” ليث وملك الريح ” عن دار ثقافة الأطفال ، عام ” 1980 ” .
24ـ نشر أول سيناريو للأطفال في مجلة ” تموز ” بعنوان ” الفيل والأرنب ” ، عام ” 1980 ” .
25ـ نشر أول مسرحية من ثلاثة فصول ، في مجلة الطليعة ، بعنوان ” غابة اليوتوبيا ” ، عام ” 1980″ .
26 ـ نشر أول قصة للأطفال ، في ملحق جريدة الثورة ” جيل الثورة ” بعنوان ” القرد الصغير ” ، في عام ” 1980 ” .
27ـ نشر أول مسرحية للأطفال خارج العراق ، في مجلة ” أفكار ” الأردنية ، بعنوان ” الذئب ” ، عام ” 1980 ” .
28ـ صدر كتابه ” حكايات قيس وزينب ” عن مجلة ” أسامة ” السورية ، عام ” 1983 ” .
29ـ صدر كتابه ” الفرّاء ” عن دار ثقافة الأطفال عام ” 1984″ .
30ـ نشرت أول مسرحية له للأطفال في جريدة ” الحدباء ” في الموصل ، بعنوان ” النملة والأسد ” عام ” 1985 ” .
31 ـ صدر كتابه ” نداء البراري ” عن دار ثقافة الأطفال، عام ” 1985 ”
32ـ صدر أول كتاب له عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، بعنوان ” عُش لاثنين ” عام ” 1988 ” .
33 ـ نشرت أول قصة له للأطفال ، في مجلة ” العربي الصغير ” بعنان ” العصفوران الصغيران ” عام ” 1988 ” .
34 ـ نشرت له أول مسرحية للفتيان ، في مجلة ” الأقلام ” بعنوان ” ريم ” عام ” 1989 ” .
35 ـ نشرت له أول قصة في مجلة ” الشبل ” السعودية بعنوان ” الأرنب العجوز والأيل ” عام ” 1998 ” .
36 ـ نشرت له أول قصة مصورة في ” مجلتي ” بعنوان ” من الأحمق ؟ ” عام 1989 ” .
37 ـ صدر كتابه ” العش ” عن دار ثقافة الأطفال ” عام ” 1989 ” .
38 ـ نشرت له ثلاث مسرحيات قصيرة للأطفال في مجلة ” البيان ” الكويتية ، عام 1990 ” .
39ـ نشرت مسرحيته ” اشتار ” في مجلة الأديب المعاصر في بغداد ، عام ” 1992 ” .
40 ـ صدر كتابه ” من يوقظ الشمس ؟ ” عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، عام ” 1993 ” .
41ـ صدر كتابه ” مغامرات سنجوب ” عن دار ثقافة الأطفال ” ، عام ” 1995 ” .
42ـ أذيعت له أول قصة للأطفال من إذاعة بغداد ، بعنوان ” ماذا تقول الريح ؟ ” ، في ” 21 / 10 / 1995 ” .
43ـ صدر كتابه ” دروس العمة دبة ” عن دار ثقافة الأطفال ، عام 1997 ”
44ـ صدر كتابه ” حكايات ليث ” عن دار كندة في عمان ـ الأردن ، عام ” 1998 ” .
45ـ صدرت مسرحيته ” انكيدو ” ، عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، عام ” 1999 ” .
46ـ أشرف على أول صفحة للأطفال في تاريخ الصحافة الموصلية ، بعنوان ” براعم نينوى ” في جريدة نينوى ، عام ” 2000 ” .
47ـ صدرت مسرحيته ” داماكي والوحش ” ، عن دار التوحيدي في حمص ـ سورية ، عام ” 2001 ” .
48ـ نشرت له أول قصة للأطفال في مجلة ” ماجد ” بعنوان ” النظارة المفقودة ” ، عام ” 2001 ” .
49ـ نشرت مسرحية ” الضفدع الصغير والقمر ” في أبو ظبي ، عام ” 2001 ” والتي فازت بالمرتبة الثانية في مسابقة ” مسرح الطفل العربي ” عام ” 2000 ” .
50ـ نشرت مسرحيته ” اورنينا ” في مجلة ” الحياة المسرحية ” السورية ، عام ” 2002 ” .
51 ـ صدر كتابه ” زهرة بابنج للعصفورة ” عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، عام ” 2002 ” .
52 ـ نشرت له أول قصة في ” طريق الشعب ” عام ” 2003 ” ، بعد أن عادت للصدور ثانية .
53ـ نشرت مسرحيته ” عذراء اريدو ” في مجلة ” الحياة المسرحية ” السورية ، عام ” 2004 ” .
54 ـ صدر كتابه ” جلجامش ” عن دار الشؤون الثقافية ، عام ” 2004 ” .
55ـ أصدر ملحق ” براعم عراقيون ” في جريدة عراقيون ، عام ” 2004 ” .
56ـ صدرت مسرحيته ” الإعصار ” ، عن اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، عام ” 2005 ” .
57 ـ نشرت مسرحيته ” انليل وننليل ” في مجلة ” بيفين ” ، عام ” 2005 ” .
58 ـ أشرف على ملحق ” براعم المسار ” للأطفال في جريدة المسار ، عام ” 2006 ” .
59 ـ صدرت مسرحيته ” قمر نيبور ” عن دار الشؤون الثقافية في بغداد ، عام ” 2009 ” .
60ـ نشرت له أربع مسرحيات للفتيان ضمن كتاب ” مسرحيات بيفين ” عام ” 2009 ” .
61ـ أعادت مجلة ” بانيبال ” التي تصدر في عنكاوة ، نشر مسرحيته ” الإعصار ” عام ” 2010 ” .
62ـ أصدر بالتعاون مع الكاتب المسرحي المعروف ” ناهض الرمضاني العدد صفر من مجلة للأطفال بعنوان ” بيبونة ” ، عام ” 2010 ” .
63ـ أشرف على مجلة جديدة للأطفال بعنوان ” ينابيع ” تصدر عن دار عراقيون ، عام ” 2010 ” .
64 ـ صدرت مسرحية ” انانا ” عن مؤسسة مصر مرتضى للكتاب العراقي عام 2010.
65 ـ أشرف على صفحة للأطفال في جريدة ” الموصلية ” عام 2011.
66 ـ صدرت له مسرحيتان للفتيان في مجلة ” بيفين ” هما الحلم ، والقصر المسحور ، عام 2011 .
67 ـ صدر كتابه ” هيلا يا رمانة ” عام 2012 عن مركز دراسات جامعة الموصل ، ويضم خمس مسرحيات للفتيان .
68 ـ منذ عام 2013 ، بدأت مسرحياته للفتيان تظهر بكثرة على موقعي الناقد العراقي والديار اللندنية ، كما بدأت مسرحياته للأطفال تظهر على مدونة حي بن يقظان .
69 ـ في عام 2014 صدر له عدة كتب ، وهي : مسرحية النملة الصغيرة والصرصار عن دار ثقافة الأطفال في بغداد ، كتاب حكايات عبر الزمن صدر عن جامعة بير زيت واليونسيف طبع على قرص مدمج ووزع من قبل اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، وكتاب حكايتنا صارت مثل عن دار البراق في النجف ، في ستة أجزاء ، وقد فاز بالمرتبة الثانية في مسابقة العنقاء الذهبية ، كما رشح في القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد لأدب الأطفال .
70 ـ أصدر بالتعاون مع المركز الثقافي في الموصل مجلة للأطفال في ” 48 ” عام 2014 ، وله الآن كتاب للأطفال تحت الطبع في المملكة العربية السعودية .
المحطة الأولى
ـــــــــــــــــــــــ

منذ وقت مبكر من طفولتي ، في بيتنا العتيق بمحلة الجولاق في الموصل ، الذي يضم خمسة أعمام ، أربعة منهم متزوجون ، والخامس غير متزوج ، فتحت عينيّ على أهم مصدر من مصادر أدب الأطفال ، ألا وهو .. الحكاية .
وأولى الحكايات ، التي سمعتها ، والتي تجذرت في أعماقي ، ونمت مع الزمن ، وأزهرت ما أنا عليه الآن ، كانت من أمي ، ومازال صوتها الأمومي ، بنبراته التمثيلية ، المتوافقة مع تطور أحداث الحكاية ، يتردد في دواخلي ، ويعود بي إلى أجواء تلك الحكايات ، التي ستبقى حية فيّ حتى النهاية .
حكت لنا أمي حكايات عديدة ، لن أنسى منها حكاية ” الدامية ” و” كبة السليل ” وخاصة ” لعبة الصبر ” ، تلك اللعبة الغريبة المرعبة ، التي تثير ـ كما المآسي اليونانية ـ الخوف والشفقة ، هذه اللعبة ـ الدمية كانت تنصت إلى امرأة مأزومة ، تعاني من القهر والظلم ، وكأنها صورة للمرأة العراقية ، في السابق واللاحق ، فتتضخم وتتضخم مع استمرار المرأة بالشكوى والتظلم ، حتى تنفجر ، وتنتهي الدمية ، وتنهي معها المرأة ، نهاية مأساوية حزينة .
أما ” الدامية ” ، التي كنا لا نمل حكاياتها ، حتى لو حُكيت لنا كلّ يوم ، فتؤكد أمي بأنها رأتها رأي العين ، على درج حجري ينحدر إلى النهر ، فقد كان بيت أهلها ، وبيوت عدد من أقاربها ، في محلة ” الميدان ” ، القريبة من نهر دجلة .
وحدثتنا أمي مراراً عن المرة الأولى ، التي رأت فيها ” الدامية ” ، وقالت إنها كانت تلعب يوماً مع صديقة لها ، في يوم شتائي يغشاه الضباب ، وكانت هذه الصديقة مسيحية من بيت ” أحد مراد ” ، وكانت الغرفة التي تلعبان فيها ، والتي تقع في الطابق الثاني من البيت ، مطلعة على النهر ، وحانت من أمي نظرة عبرة النافذة ، فتراجعت مصدومة خائفة ، فقد لمحت على الدرج المؤدي إلى النهر ما يشبه امرأة ضخمة ، منفوشة الشعر ، عارية تماماً ، وثدياها الضخمان يتدليان حتى بطنها . ورأتها صديقتها على ذلك الحال ، فقالت تطمئنها : لا تخافي ، نحن نراها كثيراً ، إنها الدامية .
واقتربت الفتاة من النافذة ، ونقرت بإصبعها على الزجاج ، فهبت ” الدامية ” من مكانها ، وألقت بنفسها في النهر ، وسرعان ما توارت عن الأنظار .
كما حدثتنا مراراً عن رجل طيب ، اسمه ” أبو داهي ” ، ينقل الخضراوات من قرى شمالية ، بواسطة الطوف ، إلى مدينة الموصل . وذات يوم ، وفيما هو في طوفه ، تناهى إليه صوت امرأة ، من بين أشجار الضفة القريبة ، تستغيث بصوت متحشرج باك : دخيلك يا أبا داهي ، يا أبا الغيرة والنخوة ، أغثني ، أغثني .
وأدار ” أبو الغيرة والنخوة ” طوفه ، وأسرع إلى الشاطىء ، ومضى راكضاً نحو مصدر الصوت ، وإذا الدامية تأسره بين ذراعيها ، وتقول له : أهلاً أبا داهي ، لا تخف ، لن أوذيك ، ستبقى معي ، وستكون زوجي .
ولكي لا يهرب ” أبو داهي ” ، بعد أن تزوجته الدامية فعلاً ، لحست أسفل قدميه ، حتى صار لا يقوى على السير ، أو الهرب بعيداً .
وظل ” أبو داهي ” مع الدامية ، فترة ليست قصيرة ، كان يتحين خلالها الفرص للهرب ، والعودة إلى أهله. وذات ليلة ، رقد كالعادة إلى جانبها ، وأغمض عينيه ، لكنه لم ينم .وانتظر حتى نامت الدامية ، وعلا شخيرها ، فنهض بهدوء ، وتسلل إلى طوفه ، وانحدر به مع التيار مسرعاً باتجاه الموصل .
واستيقظت الدامية ، بعد حين ، وهبت من مكانها ، حين لم تجد ” أبو داهي ” إلى جانبها ، وكالمجنونة بحثت عنه في الجوار ، لكنها لم تعثر له على أثر .وحين عرفت أنه هرب بطوفه ، وانحدر مع النهر بعيداً عنها ، راحت تركض على امتداد الشاطىء ، وتعول وتصيح . وسمعها ” أبو داهي ” من بعيد تهتف به بصوت مجروح مبلل بالدموع : أبا داهي .. عد إليّ يا أبا داهي .. إنني زوجتك .. عد إليّ .
لكن ” أبو داهي ” لم يعد إليها ، بل ولم يعد للعمل على الطوف ، أو الاقتراب من النهر مرة أخرى ، بعد أن مرّ بتلك التجربة الغريبة القاسية على يد الدامية .
وبالإضافة إلى أمي ، وحكاياتها المدينية ، كانت زوجة أحد أعمامي ـ وهي من أصل ريفي ، عاشت طفولتها وصباها في الريف ، حتى تزوجت من عمي ، وانتقلت إلى المدينة ـ كانت تروي لنا حكايات من نوع آخر ، سمعتها في طفولتها من راويات العشيرة ، فحكت لنا عن الذئب والثعلب والضبع والغرير و” افريش الأكرع ” ، حتى إنني أخذت إحدى حكاياتها عن الثعلب والأسد ، وكتبت منها قصتي ” الفراء ” التي صدرت عام ” 1984 ” عن دار ثقافة الأطفال في بغداد ، ورسمتها بشكل رائع الفنانة ” هناء مال الله ” ، وقد فازت على رسومها بجائزة جامعة الدول العربية . وما زلت أذكر حتى الآن ، الكلمات الأخيرة للثعلب ، كما ترويها زوجة عمي ، بعد أن أخذه اللقلق ، وطار به عالياً .. عالياً .. عالياً ، وألقاه من حالق ، حيث يقول بصوت خائف : يا ربي وقعني على فروة راعي … لا ينكسر كراعي ” .
وفي مرحلة تالية انضمت إلى أمي وزوجة عمي ، بل وحلت محلهما ، أختي الكبيرة ، وكانت صبية ربما دون الخامسة عشرة من العمر . وأخذت تقرأ علينا بصوتها العذب المؤثر ، حكايات مستلة من كتاب ” ألف ليلة وليلة ” ، أذكر منها ” الحمال والسبع بنات ” و ” علاء الدين والمصباح السحري ” و ” الأميرات الثلاث ” ، وأولئك الأميرات ، كنّ يحلقن بأجنحة صنعنها من ريش الطيور ، ويأتين بين فترة وأخرى ، إلى أحد الأنهار ، فيلهين ويسبحن طول النهار ، ثم يعدن عند المساء إلى قصر أبيهن الملك .
لقد تأثرت كثيراً بحكايات ” ألف ليلة وليلة ” ، لكني حين أردت أن أعتمد حكاية من تلك الحكايات ، في كتابة عمل للأطفال أو الفتيان ، لم تجذبني سوى حكاية واحدة ، هي ” الأميرات الثلاث ” ، التي قرأتها علينا أختي الكبيرة ، في يوم بعيد من أيام طفولتي المبكرة ، فصنعت منها مسرحية للفتيان بعنوان ” شمس النهار ” .
هذه أولى الدروس الحكائية ، التي لا تنسى ، والتي تلقيتها في حدود بيتنا العتيق بمحلة الجولاق في الموصل ، ومن المؤسف أن مثل هذه الدروس ، لم أتلقَّ أيّ شيء منها في المرحلة الدراسية الأولى ، فلم يبدِ أي معلم أو معلمة ، ممن علموني في المرحلة الابتدائية ، أي اهتمام بالحكاية ، على أهميتها ودورها الفعال في تربية الطفل وتعليمه . ولولا منهج اللغة العربية ، وكتاب القراءة بالذات ، لما تواصلت مع الحكاية خارج نطاق البيت ، فقد كان ذلك الكتاب زاخر بالحكايات ، التي كانت تجذب التلاميذ ، وتحبب إليهم هذا الدرس ، ومن تلك الحكايات ، التي لا تنسى ” ليلى والذئب و نظارات الدب أبو فهد والسندباد البحري ” ، ولعل حبي للحكاية ، وإدراكي لأهميتها ، في تربية الطفل وتعليمه ، دفعني إلى الاهتمام المتزايد بالقراءة ، وكذلك الكتابة ، كما دفعني لأن أقدمها للتلاميذ الصغار ، حين صرت معلماً ، وتخصصت بتعليم اللغة العربية ، فكنت أحول درس القراءة أحياناً إلى درس قراءة خارجية حرة ، أوزع فيه الكتب القصصية المصورة على التلاميذ ، فيقبلون على قراءتها بلهفة وتركيز ، وقد أفادتهم بلا شك ، أكثر مما أفادهم الكتاب المقرر .

المحطة الثانية
ـــــــــــــــــــــــــ

عملت في الصحافة ، منذ أواسط السبعينيات حتى آخرها ، وقد أجريت العديد من اللقاءات الصحفية ، مع أدباء وفنانين من داخل محافظة نينوى وخارجها ، وكان من أهمّ الأسئلة التي أوجهها إليهم هو : كيف ومتى اكتشفت الأديب أو الفنان في داخلك ؟ فأنا ، من خلال تجربتي ، أعرف أن الكثيرين من الأدباء والفنانين ، يكتشفون أنفسهم ، قبل أن يكتشفهم الآخرون .
ومن جهتي فقد اكتشفت الأديب ـ الفنان في داخلي ، منذ وقت مبكر ، ربما منذ أواخر المرحلة الابتدائية ، وكنت وقتها ، ومازلت حتى الآن ، مغرماً بالسينما ، والسينما التاريخية بالذات . ففي صباح أحد الأيام ، سافرت بسيارة ” لوري ” حمل إلى أبي ، وكان يعمل في مديرية الاستهلاك في دهوك . ولأني مسافر بلا كراء ، فسائق ” اللوري يعرف أبي ، جلست فوق أكياس السكر والرز وصناديق الشاي والصابون ، وسارت السيارة ببطء ، تنوء بما تحمله ، وماكنتها المتعبة تئن متوجعة . وخلال الطريق ، الذي يبدو بلا نهاية ، أشغلت نفسي كالعادة بأحلام اليقظة ، لكن هذه المرة كان الحلم على شكل رواية سينمائية تاريخية ، حول شاب من مدينة ” نينوى ” ، يتناهى إليه ظهور نبيّ جديد في مكة بالجزيرة العربية، فيعتلي صهوة حصانه ، ويتجه إلى هناك ، وعلى غرار الأفلام الأمريكية ، التي كنت مغرماً بمشاهدتها آنذاك ، أروي ما يلاقيه البطل من صعاب وعقبات ومخاطر طول الطريق ، حتى يصل مكة ، وينتمي إلى الدين الجديد .
وحين عدت عصراً إلى الموصل ، التقيت بابن عمي وهبي ، وكان مثلي مغرماً بالسينما ، ورويتُ له الرواية ـ الفيلم ، فقال لي مندهشاً : هذا فيلم جيد ، أين يعرض ؟ في أية سينما ؟
وأفرحني قوله جداً ، فقلتُ له : هذا ليس فيلماً ، إنها رواية ، أنا كتبتها .
وبدت خيبة الأمل على ابن عمي وهبي ، فقال : آه ، أنت كتبتها ، إنها غير جيدة .
لم يحبطني قوله ، فمطربة الحي لا تطرب ، لكني كنت أتمنى أن يبقى على قوله الأول . ومهما يكن ، ومنذ ذلك اليوم ، اكتشفت الأديب ـ الفنان في داخلي ، وعرفت أن لي قدرة طيبة على تخيل وصياغة أعمال قريبة من الأفلام السينمائية ، وربما لتأثري بالسينما ، فقد كتبت ، ومازلتُ أكتب ، بما أظن أنه .. عين الكاميرا .
وفي عام ” 1956 ” ، خلال توقف الدوام في المدارس ، بعد المظاهرات المنددة بحكومة نوري السعيد ، أثناء العدوان الثلاثي على مصر ، كتبت عدة روايات من هذا النوع ، لكنها جميعاً كانت بعيدة عن الواقع ، وقريبة من أجواء الأفلام الأمريكية ، التي كنت مدمناً على مشاهدتها ، في ذلك الوقت .
وبعد تخرجي عام ” 1958 ” ، وعملي في التعليم ، انغمست في قراءات متنوعة ، أدبية وفلسفية وسياسية ، لكن المسرح راح يجذبني أكثر فأكثر ـ وخاصة بعد قراءتي لمسرحية الكاتب الأمريكي تنسي وليمز ” عربة اسمها الرغبة ” ـ حتى كاد يستحوذ على معظم اهتمامي في هذا المجال . ولعل انهماكي بالقراءة ، في تلك الفترة ، أبعدني بعض الشيء عن الكتابة ، لكني مع ذلك ، كنت أكتب بين حين وآخر ، فكتبت أكثر من مسرحية ، منها ” الثلوج ” و ” الجدار ” ، وقد أعدت كتابتهما مراراً قبل أن أنشرهما فيما بعد ، فقد نشرت مسرحية الثلوج في مجلة ، النبراس ” عام ” 1974 ” ، أما مسرحية ” الجدار ، وكانت في ثلاثة فصول ، فقد نشرتها في مجلة الأقلام ، في العدد الخاص بالمسرح العربي ، وهو أضخم عدد صدر في تاريخ مجلة الأقلام عام ” 1980 ” ، كما كتبت بعض القصص القصيرة ، وشاركت بإحداها في مسابقة نظمتها جريدة ” فتى العراق ” وكانت بعنوان ” النبتة التي تتنفس ” ، وكنت قد كتبتها ، بعد توقيفي في عام ” 1962 ” ، على أثر تمزيق صور الزعيم عبد الكريم قاسم في المدرسة ، والتي لم يكن لي يد فيها ، وقد فازت تلك القصة بالجائزة الثالثة ، رغم مخالفتها لأحد شروط المسابقة .
ومن الغريب أن أول مسرحية أكتبها ، لم تعرض كما كتبتها باللغة العربية ، وإنما عرضت باللغة السريانية .وهذه المسرحية ، التي لا أذكر الآن حتى اسمها ، إن كان لها اسم ، كتبتها لتلاميذي في مدرسة ” باقوفة ” ، وقد أعجب بالمسرحية معلم معنا من أهالي ” القوش ” ، فترجمها إلى اللغة السريانية ، وأخرجها مستعيناً بالتلاميذ لأداء أدوارها الرجالية والنسائية . وعرضت المسرحية في فناء المدرسة ، وحضرها أولياء أمور التلاميذ رجالاً ونساء ، ووقفوا في فناء المدرسة فرحين ،وهم يرون أبناءهم يمثلون بلغتهم الأم ، اللغة السريانية ، مرتدين الأزياء المحلية الجميلة .
وفي بداية السبعينيات ، كنت أحاضر في مدرسة ” أم المعونة ” الابتدائية ، وهي مدرسة أهلية ، داخل كنيسة في منطقة ” الدواسة ” في الموصل ، مديرتها راهبة متنورة ، ودمثة ، وطيبة القلب ، وفي نفس المدرسة ، كان يحاضر معي الفنان المسرحي المعروف علي إحسان الجراح ، فطلبت منه المديرة أن يعدّ مسرحية ، ليقدمها تلاميذ وتلميذات المدرسة بمناسبة أعياد الميلاد ، فاعتذر علي إحسان الجراح ، وقال لها ، بأنه ممثل ومخرج ، وليس كاتباً مسرحياً ، ثم أضاف : إن أفضل من يقوم بذلك هو طلال ، فهو كاتب مسرحيّ .
ودعتني المديرة ، وطلبت مني أن أعد لهم مسرحية للأطفال ، فقلت لها : إنني أكتب مسرحيات للكبار وليس للأطفال .
فقالت ببساطة : من يكتب للكبار يكتب للأطفال أيضاً .
ومهما يكن ، ولاحترامي الشديد لمديرة المدرسة ، وعدتها أن أحاول إعداد مسرحية للأطفال تفي بالغرض. وتذكرت أنني استعرت كتاباً عن مسرح الأطفال ، يضم عدة مسرحيات للأطفال ، من الفنان المعروف الراحل عز الدين ذنون ،فاستعرت الكتاب ثانية ، ووجدت فيه مسرحية قريبة من اهتمامات الأطفال ، لكن مشكلة تلك المسرحية ، أنها كانت قصيرة جداً ، لا تزيد على الصفحتين أو الثلاث صفحات ، ولكي ” أمطّ ” المسرحية ، وضعت لها مشهداً كمقدمة ، وإذا المقدمة أضعاف المسرحية نفسها ، فما كان مني إلا أن أعيد كتابة المسرحية لتتلاءم مع المقدمة . وعرضت المسرحية ، من إخراج الفنان علي إحسان الجراح ، وأداء تلاميذ وتلميذات من مدرسة ” أم المعونة ” عشية أعياد رأس السنة ، على قاعة الربيع ، وهي أكبر قاعة في الموصل ، وحققت نجاحاً طيباً ، وهكذا كتبت أول مسرحية للأطفال ، بعنوان ” الأطفال يمثلون .. ” .
وفي العطلة الصيفية ، من ذلك العام ، أردت أن أعيد النظر في المسرحية ، وبحثت في أوراقي عن النص ، لكني لم أعثر له على أثر ، وذهبت إلى المدرسة ـ الكنيسة ، والتقيت ببعض التلاميذ ، الذين شاركوا في تمثيل المسرحية ، وطلبت منهم أن يقرؤوا عليّ أدوارهم، لكن أياً منهم لم يبقَ في ذهنه من المسرحية إلا الشيء القليل ، الذي لا يعول عليه في استعادة المسرحية. وأسقط في يدي ، لا فائدة ، لقد ضاعت المسرحية الأولى ، التي كتبتها للأطفال .
لم يفتر حنيني إلى المسرحية ، وبدل أن أعاود البحث عنها في أوراقي ، رحت أقلبها في ذهني ، و رحت أعيد كتابة المسرحية من الذاكرة ، وكتبتها بحرص وأناة ، معتمداً أسلوب المسرح داخل المسرح ، وهكذا استعدت أول مسرحية كتبتها للأطفال ، ونشرت هذه المسرحية في مجلة ” النبراس ” عام ” 1976 ” ، وترجمت إلى اللغة الكردية ، ونشرت في مجلة ” كروان ” ، التي تصدر في أربيل ، عام ” 1989 ” . ومن الطريف ، أن العاملين في تلفزيون الموصل ، وفي مقدمتهم الفنان الراحل طارق فاضل ، عندما أرادوا أن يُخرجوا مسرحية لي ، طلبوا مسرحية باللغة الكردية ، فقدمت لهم مسرحية ” الأطفال يمثلون ” المنشورة ـ كما ذكرت ـ في مجلة كروان ، لكن الطائرات ، التي قصفت العراق في حرب الخليج الأولى ، وأحرقت تلفزيون الموصل ، أحرقت معه مشروع تقديم هذه المسرحية ، مسرحيتي الأولى ، مسرحية ” الأطفال يمثلون .. ”
ولعل الصدفة ، التي قادتني ” في أوائل السبعينيات ” إلى اكتشاف قدرتي على كتابة مسرحية الأطفال ، قادتني في أواسط السبعينيات نفسها ، إلى اكتشاف قدرتي على كتابة قصة الأطفال أيضاً . ففي أواخر عام ” 1974 ” ، التقيت بالأخ الأديب حسب الله يحيى في شارع النجفي في الموصل ، وقال لي بأنه ستنشر له يوم الخميس قصة للأطفال ، في جريدة ” المزمار ” ، عنوانها ” النهر ” ، وطلب مني أن أقرأها ، وأبدي له رأيي فيها .
وفي يوم الخميس ، قرأت قصة ” النهر ” في جريدة ” المزمار ” ، وقلت في نفسي ، إنها قصة بسيطة ، وأنا أستطيع كتابة قصة مثلها ، إن لم يكن أفضل . بعد يومين أو ثلاثة أيام ، كتبت قصتي الأولى للأطفال ، وكانت بعنوان ” العكاز ” ، ثم أعقبتها بعد أيام بقصة ثانية ، بعنوان ” البطة الصغيرة ” ، وكلتا القصتين كانتا عن القضية الفلسطينية ، ثم كتبت قصة طويلة بعض الشيء ، بعنوان ” البلبل ” ، ولأن بلبلي كان يغرد ضد الظلام والدكتاتورية ، ولأني لم أنشرها في مجلتي أو المزمار ، بل نشرتها في جريدة ” طريق الشعب ” ، حرمت من النشر في دار ثقافة الأطفال أكثر من سنتين .
أرسلت القصتين ، الأولى والثانية ، إلى صفحة ” مرحباً يا أطفال ” في جريدة ” طريق الشعب ” ، لكن محرر الصفحة لم يوافق على نشرهما ، فأرسلتهما على الفور إلى مجلتي والمزمار ، وقد نشرتا على التوالي في جريدة ” المزمار ” ، وقال لي أحد الأصدقاء من العاملين في ” دار ثقافة الأطفال ” ، أن مدير الدار وقتها ، الأستاذ مالك المطلبي ، أمسك بالقصتين ، وقال : اكتشفت كاتباً جديداً للأطفال.
المحطة الثالثة
ـــــــــــــــــــــــ

بعد أن نشرتُ قصة أو قصتين ، في صفحة ” مرحباً يا أطفال ” في جريد ” طريق الشعب ” ، وقصتين أو ثلاث قصص في ” المزمار ” ، وصلتني رسالة من الفنان المعروف ” عمو زكي ” ، وفرحتُ برسالته فرحاً غامراً ، فقد أشاد هذا الفنان الرائد بقصصي ، وقال أنه بصدد تقديم برنامج جديد للأطفال ، في الإذاعة والتلفزيون ، وطلب مني أن أزوده ببعض القصص الملائمة ، ليقدمها في برنامجه .
وفي نفس اليوم ، ونتيجة لاهتمامي البالغ بالمشاركة في البرنامج ، خطرت لي فكرة قصة جديدة أسميتها ” الحمامة ” ، وخلال أيام قلائل ، أنجزت كتابة القصة ، وكانت أيضاً حول القضية الفلسطينية . لكني ترددتُ في إرسال هذه ” الحمامة ” إلى عمو زكي ، فالقصة جميلة جداًً ، وستضيع في برنامج إذاعي للأطفال ، يذاع عادة في وقت عرض أفلام كارتون في التلفزيون ، فلا يسمعه إلا عدد قليل جداً من الأطفال ، حتى أن ابنتي ” رشا ” ، وربما كانت عندئذ في العاشرة من العمر ، قالت لي ، عندما بدأت في المشاركة بالبرنامج ، وراحت قصصي تذاع مراراً عبر الأثير : بابا هذا البرنامج لا يسمعه في العراق أحد غيرك .
والسبب الثاني أن القصة كانت طويلة ، ومن الصعب إذاعتها في برنامج إذاعي للأطفال . وأخيراً أرسلتُ ” الحمامة ” إلى ” مجلتي والمزمار ” ، لكن هذه ” الحمامة ” الجميلة أزاحت ” الدرس ” ، وحلت محله في سلسلة مجلتي والمزمار ، الموسومة ” مكتبة الطفل “، و” الدرس ” قصة كتبتها عن القضية الفلسطينية ، التي كنت مسكوناً بها ، في تلك الفترة ، وقد أثارت إعجاب المسؤولين في مجلتي والمزمار ، فتقرر نشرها ضمن سلسلة ” مكتبة الطفل ” ، لكن ” الدرس ” لم تظهر مطلقاً ، لا في السلسلة القصصية ، ولا في أي مكان آخر ، فقد طغت ” الحمامة ” عليها ، وحلت محلها في السلسلة القصصية .
وعُهد برسم ” الحمامة ” إلى واحد من أفضل رسامي الأطفال في العراق ، ألا وهو .. الفنان المبدع صلاح جياد . وزرتُ دار ثقافة الأطفال مرة ، والتقيت بالفنان صلاح جياد ، وأراني الرسوم التي رسمها لقصتي ” الحمامة ” ، فقلت له : أصارحك ، إن رسومك أجمل من قصتي .
لكن الفنان صلاح جياد أشاد بقصتي ، وقال : إن فيها حساً طبقياً .
ورغم أن القصة ، في رأيي ، لم يكن فيها ” حس طبقي ” ، إلا أنها تعثرت ، وكادت ” تقتل ” ، كما أخبرني صلاح جياد نفسه ، فقد اعترض البعض ـ على خلفية علاقتي بجريدة ” طريق الشعب ” وبالحزب الذي تمثله وتنطق باسمه ـ على عنوان القصة ، ” الحمامة ” ، والحمامة في رأي هذا البعض ، هي ” حمامة السلام ” ، الرمز الأثير لدى اليسار ، واقترح أحدهم استبدال هذا الاسم باسم ” اليمامة ” ، وحاججهم صلاح جياد : وما الفرق بين الحمامة واليمامة ؟
ولعل النقاش لم يدم طويلاً ، فقد حسمه مدير الدار قائلاً : هذه القصة معنا ، وسننشرها .
ونشرت ” الحمامة ” ، عام ” 1976 ” ووزعت بإخراجها الجميل على نطاق واسع ، ونفدت من مكتبات الموصل في أيام قلائل ، وحظيت باهتمام المثقفين والنقاد والكتاب ، وخاصة كتاب أدب الأطفال ، وقد كتبت عنها عدة مقالات من بينها مقالة مهمة للناقد باسم عبد الحميد حمودي ، نشرت عام ” 1976 ” في جريدة الجمهورية. ونشرت لي في العام نفسه ” 1976 ” ، قصة جميلة في ” مجلتي ” بعنوان ” الحطاب ” ، وقد سبق لي أن أرسلت هذه القصة إلى ” مرحباً يا أطفال ” في جريد ” طريق الشعب ” ، لكن محرر الصفحة اعتذر عن نشرها، فهو لم يتفهم كيف يمكن أن يتحاور ” الحطاب ” مع أشجار الغابة ، وقد مسرحت هذه القصة فيما بعد ، ونشرتها في مجلة ” مدارات ” عام ” 1998 ” ، التي كانت تصدر في كلية التربية ـ جامعة الموصل . كما مثلتها إحدى الفرق الشبابية ، وكانت من إخراج الفنان المعروف يسن طه .
وتكررت إشكالية ” الحمامة ” ، بعد عدة سنوات ، في عام الطفل الدولي ، عام ” 1979 ” ، وهو العام الذي انهارت فيه الجبهة الوطنية في العراق ، تكررت مع قصة أخرى ، سبق أن تمت الموافقة على نشرها في سلسلة ” مكتبة الطفل ” وعنوانها ” الزهرة ” ، وهذه ” الزهرة ” كانت عندي من أجمل وأحب القصص ، التي كتبتها عن القضية الفلسطينية ، وانتظرت صدور هذا الكتاب بلهفة كبيرة ، لكن الرياح لا تهب دائماً بما تشتهي سفن طموحاتنا وآمالنا ، فقد زرت ” دار ثقافة الأطفال ” ، ربما في شتاء ” 1979 ” ، أثناء إعدادي لملف حول ” أدب الأطفال في العراق ” ، لمناسبة عام الطفل الدولي ، بتكليف من مجلة ” الجامعة ” التي كانت تصدر عن جامعة الموصل ، والتي كان سكرتير التحرير فيها الدكتور عمر الطالب . والتقيت بالعديد من فناني الدار وكتابها منهم : مالك المطلبي ، جعفر صادق محمد ، فاروق سلوم ، عزي الوهاب ، و .. الفنان المبدع .. مؤيد نعمة ، وإذا كانت هذه اللقاءات ، وجميع القصص والقصائد قد ظهرت في الملف ، الذي شظاه للأسف الدكتور عمر الطالب ، ونفى اسمي عنه ، إلا أن اللقاء مع مؤيد نعمة لم يظهر ، ولذلك قصة سأرويها فيما بعد .وتلك الإشكالية كانت بطلتها هذه المرة مدير عام دار ثقافة الأطفال ، السيدة أمل الشرقي نفسها . فقد سألتني ، بعد أن أجريت اللقاء معها ، والذي نشرته في أول الملف : هل رأيت رسوم قصتك الزهرة ؟
قلت : نعم ، رأيتها .
سألتني ثانية : ما رأيك فيها ؟
فأجبتها صادقاً : رائعة جداً .
لم توافقني على رأيي ، وقالت : لا ، أنت مخطىء ، إنها رسوم كبار ، لقد سحبتُ القصة ، وسأحيلها إلى رسام آخر .
وانقبض قلبي ، فقد أدركت أن ” الزهرة ” في خطر ، ” فالزهرة ” لم تسحب لأن رسومها كانت للكبار وليس للأطفال ، بل لأن كاتبها هو .. طلال حسن . وقبل أن أغادر الدار ، رأيت مدير النشر ، شريف الرأس ، فقلت له : لقد سحبت قصتي الزهرة .
قال : أعرف ، وأعرف السبب .
سألته : صارحني ، ما رأيك في رسومها ؟
أجابني : رائعة .
فقلت : لماذا لم تقل هذا للسيدة أمل ؟ أنت مدير النشر .
فردّ شريف الرأس : لا ، أمل هي المدير العام .
وتحققت مخاوفي ، ف ” الزهرة ” ، التي سحبتها أمل الشرقي ، بحجة أن رسومها ، التي أبدعها الرسام الكبير حسن عبد علون ، كانت للكبار وليس للأطفال ، لم تحل إلى رسام آخر ، فقد وصلتني رسالة من شريف الرأس ، بعد فترة ليست طويلة ، يعلمني فيها بأن ” الزهرة ” لن تنشر في دار ثقافة الأطفال ، وأن المكافأة التي استلمتها عن القصة تبقى من حقي ، وقال لي : ولكي أثبت لك إنني أحبك ، أرسلت القصة ورسومها إلى لبنان لتنشر هناك .
لم تنشر ” الزهرة ” ، ولم أقع لها على أثر ، ويبدو أنها احترقت مع ما احترق ، في أتون الحرب الأهلية اللبنانية.
لم تكن ” الزهرة ” آخر الضحايا من كتبي ، فالكتب كالإنسان العراقي ، تقع على الطرق مضرجة بمدادها ، لهذا السبب أو ذاك . ففي أواسط التسعينيات ، والحصار القاتل في أوجه ، وفي مقدمته الحصار الثقافي ، تمت الموافقة على طبع مجموعتي القصصية ” قمر الطفولة ” ، وطبع الكتاب فعلاً ، هذا ما قيل لي ، ولكن لسبب ما سحب الكتاب ، ولم يُوزع ، وبذلك أستشهد لي كتاب آخر على الطريق .
ولأختم هذه المحطة بالحديث عن الراحل المبدع مؤيد نعمة ، فقد التقيت به في دار ثقافة الأطفال ، في اليوم الذي أجريت فيه لقاءاتي مع الأستاذة أمل الشرقي ، مدير عام دار ثقافة الأطفال ، وكذلك مع عدد من فناني الدار وكتابها ، لكني كنت على عجل من أمري ، فأعطيته عدداً مكتوبة من الأسئلة ، وطلبت منه أن يجيبني عليها ، ويرسلها لي مع صورة له بالبريد .
ووصلتني رسالته ، بعد أيام قليلة ، وفيها إجاباته عن أسئلتي ، لكن لم يكن معها صورته . وقدمت الملف إلى سكرتير مجلة الجامعة عمر الطالب ، لكنه أصر على نشر اللقاء مع صورة للفنان مؤيد ، وعلى عجل ، أرسلت رسالة إلى مؤيد ، قلت له فيها ، أنني أردت منه صورة لتنشر مع اللقاء ، ورجوته أن يرسل لي صورة بأسرع ما يمكن ، وجاءني الرد بسرعة ، وفتحة الرسالة ، لكني قبل أن أقرأها بحثت عن الصورة ، فلم أعثر لها على أثر ، وقرأت الرسالة ، وإذا الفنان يخبرني فيها أنه أرسل لي صورة في الرسالة السابقة ، ويرسل لي صورته في هذه الرسالة أيضاً ، وطبعاً لم ينشر الدكتور عمر الطالب اللقاء مع الفنان الراحل مؤيد نعمة ، بسبب تلك ألصورة ، ترى أين اختفت صورة .. مؤيد نعمة !

المحطة الرابعة
ـــــــــــــــــــــــ

بعد انهيار ” الجبهة الوطنية ” عام ” 1979 ” ، وتوقف جريدة ” طريق الشعب ” عن الصدور ، انهارت آمالي في صفحة الأطفال فيها ، والتي أحببتها كثيراً ، وعلقت عليها آمالاً كبيرة في أدب علمي إنساني مناضل. لكني مع ذلك ، تواصلت مع مجلتي والمزمار ، وكذلك مع مجلة ” تموز ” ، ملحق الأطفال لجريدة الجمهورية .
ومن المفارقات ، أنني أرسلت قصة ، في حدود تلك الفترة ، إلى صفحة ” مرحباً يا أطفال ” ، قبل توقف جريدة ” طريق الشعب ” عن الصدور ، بعنوان ” زهرة القداح ” ، لكن محرر الصفحة اعتذر عن نشرها ، لأنها ـ في رأيه ـ قصة متشائمة ، فأرسلتها بعد فترة إلى مجلة ” تموز ” ، فنشرت على الفور ، بل وكرمتُ بعدها من قبل وزير الثقافة ، لطيف نصيف جاسم .
وهذا التكريم لا يُنسى ، لا لأنه التكريم الأول بالنسبة لي ، ولا لأن الذي كرمني هو وزير الثقافة ، بل لأن ذلك التكريم تم في يوم ” متميز ” من تاريخ العراق . فبعد نشر قصة ” زهرة القداح ” في مجلة ” تموز ” بأيام قلائل ، أبلغني مراسل جريدة الجمهورية في الموصل ، أن أحضر إلى مبنى الجريدة في بغداد لتكريمي ، وفي اليوم التالي كنت في مبنى الجريدة ، واستقبلني أحد المسؤولين ، وأشاد بمستوى كتاباتي في ملحق ” تموز “،وسلمني كتاب شكر من الجريدة ، وطلب مني أن أذهب إلى وزارة الثقافة ، لاستلام هدية من السيد الوزير لطيف نصيف جاسم نفسه .
وعلى الفور ذهبت إلى وزارة الثقافة ، وصعدت إلى مكتب السيد الوزير ، وقد لاحظت أن مبنى الوزارة يكاد يكون خالياً ، ويسوده صمت غريب . وأخذني أحدهم إلى إحدى الغرف ، وقال لي : تفضل ، استرح هنا ، لحظة .
وجلست لحظات ولحظات ، وأخيراً جاءني الشخص نفسه ، ومعه ملف في يد ، وعلبة صغيرة في اليد الأخرى ، ثم مال عليّ ، وقال في ما يشبه الهمس : السيد الوزير لن يستطيع استقبالك ، فهو مشغول جداً .
وقدم لي العلبة ، وقال : هذه هديتك ، تفضل .
أخذت الهدية ، وصافحني الرجل وقال مودعا : في أمان الله .
وخرجت من الوزارة ، وأنا حائر ، ما الأمر ؟ هل جئت من الموصل إلى هنا لأستلم هذه الهدية ، وفي هذا الجو الجنائزي ؟ وعرفت في ما بعد حقيقة الأمر ، يا إلهي ، أي صدفة هذه ؟ إنه يوم لا ينسى ، تقرر فيه مصير العراق وشعب العراق ، بل وشعوب المنطقة برمتها ، إنه يوم ” 4 / 9 / 1980 ” ، أي اليوم الذي بدأت فيه الحرب ـ الجحيم بين العراق وإيران ، واستمر حريقها ثماني سنوات ، احترق خلالها ، وفي كِلا البلدين ، الأخضر واليابس ، بما فيها الثقافة العراقية ، وفي مقدمتها .. ثقافة الأطفال ، كما احترق الإنسان المنتج لهذه الثقافة .
ومن حسن الحظ ، أنني خلال الفترة الأخيرة ، بعد زيارة الرئيس السوري حافظ الأسد لبغداد ، عرفت مجلة ” أسامة ” السورية ، فأرسلت لها على الفور قصة ” الشمعة ” ، وهي آخر قصة نشرتها في ” مرحباً يا أطفال ” ، ولم يصل من الجريدة وقتها سوى عدد واحد ، مازلت أحتفظ به في أرشيفي . ونشرت ” الشمعة ” ، بعد فترة قصيرة ، على أربع صفحات ملونة ، وبإخراج رائع ، مما شجعني على إرسال المزيد من القصص ، ولاحظت عدداً بعد عدد ، أن المجلة التي ترأس تحريرها كاتبة الأطفال المعروفة دلال حاتم ، تحتفي كثيراً بقصصي ، فتنشرها إما في الصفحات الأولى ، أو في الوسط ، بل وخصصت الغلاف الأول لقصتين من قصصي ، الأولى عن القضية الفلسطينية بعنوان ” البشارة ” ، والثانية قصة من قصص ” قيس وزينب ” ،بعنوان ” القطة والكلب ” . ويبدو أن قصص ” قيس وزينب ” ، قد استهوت الأديبة دلال حاتم ، رئيسة التحرير ، فأصدرت لي كتاباً بعنوان ” حكايات قيس وزينب ” ، عام ” 1982 ” يضم ثلاث قصص هي :
1ـ الكابوس
2 ـ الخفاش
3 ـ الساحرة
وأعلمتني دلال حاتم ، حال صدور الكتاب ، عام ” 1982 ” ، بأنها أرسلت لي بالبريد ” 25 ” نسخة منه . وانتظرت وصول نسخ الكتاب بفارغ الصبر ، دون جدوى ، لقد تبخرت ” حكايات قيس وزينب ” ، ولم يصلني منها نسخة واحدة . وعلمت بعد فترة ، أن كتابي ” حكايات قيس وزينب ” ، ربما دخل ” دهاليز الرقابة ” ولم يخرج . وهاتفت بعض الأصدقاء في بغداد ، ومنهم الأخ حسيب الله يحيى ، وكلهم يعملون في مجال الإعلام ، وربما كان بعضهم قريباً من الرقابة ، وطلبت منهم أن يحصلوا لي ولو نسخة واحدة من الكتاب ، لكن ما يدخل دهاليز الرقابة ، على ما يبدو ، لا يترك أيّ أثر يُستدل به على وجوده .
وذات يوم ، كنت في بغداد ، وكالعادة قصدتُ دار ثقافة الأطفال ، ودخلت مكتبة الدار ، وسألت موظفة شابة تعمل هناك : هل وصلكم كتاب ” حكايات قيس وزينب ” من سورية ؟
ردت الموظفة : نعم .
قلت لها : أرجوك ، أحب أن أراه ، إن أمكن .
فردت الفتاة قائلة : لا يمكن ، فالكتاب ممنوع .
فقلت لها : هذا الكتاب من تأليفي .
ورفعت الفتاة رأسها ، ونظرت إليّ ، وتساءلت مندهشة : من تأليفك !
قلت لها : نعم ، وأتمنى أن أراه .
ونهضت الفتاة ، وقالت بصوت هامس : انتظر ، سآتيك به .
وغابت الفتاة فترة ليست قصيرة ، ثم عادت ، وقالت لي آسفة : لم أعثر عليه للأسف .
فقلت لها ، رغم خيبة أملي : أشكرك .
عادت الفتاة إلى مكانها ، وقالت : تعال بعد أيام ، لعلي أعثر عليه .
قلت لها : إنني من الموصل ، ولا أزور بغداد إلا في فترات متباعدة .
فقالت الفتاة : إذا جئت ، في أي وقت ، تعال إليّ .
وبعد عدة أشهر سافرت إلى بغداد ، وذهبت إلى دار ثقافة الأطفال ، وقصدت المكتبة . وما إن رأتني الفتاة ، حتى أشارت لي أن تعال ، وأسرعت إليها ، ففتحت مجراً في مكتبها ، وتناولت كتاباً صغيراً قدمته لي قائلة : خبئه ، ولا تريه لأحد .
وأخذته ، أخذت الكنز ، وخبأته في حقيبتي ، ولم أره لأحد ، اللهم إلا لطالبة دراسات عليا من جامعة الموصل ، كانت تعدّ رسالة ماجستير عن قصة الأطفال في الموصل من ” 1970 إلى 2000 ” .
واستمرت علاقتي بمجلة ” أسامة ” ، وكنت أتابع المكتبات كلّ يوم ، وخاصة الدار الوطنية ، خشية أن يفوتني عدد واحد منها . وذات يوم ، دخلت الدار الوطنية ، وسألت البائعة عن المجلة ، فقالت أنها نفدت ، وأنها باعت آخر عدد منها لطفل خرج قبل قليل .
وأسرعت في أثر الطفل ، ورأيته يقتعد الرصيف ، ويتصفح المجلة ، مع صديقين أو ثلاثة من أصدقائه ، فقلت له : بنيّ ، أرجو أن تسمح لي أن أتصفح المجلة .
وقدم الطفل المجلة لي ، وفي عينيه شيء من الدهشة ، فلم يخطر له أن ” رجلاً ” في عمري ، يمكن أن يهتم بمجلة للأطفال .
وفتحت المجلة ، ورحت أقلب صفحاتها صفحة صفحة ، وفي وسط المجلة ، وعلى صفحتين متقابلتين ، رأيت قصة لي ، وقد رسمت وصممت بشكل رائع ، فقلتُ للطفل ، وأنا أريه القصة : أنظر ، هذه القصة لي ، وأنت أخذت آخر نسخة من المجلة ، ما رأيك ، اقرأها الآن ، وبعها لي بأي ثمن تريده .
وبدون تردد ، دفع الطفل المجلة لي ، وقال : لا ، خذها ، وأعطني ثمنها فقط .
وكالعادة لم يدم شهر العسل طويلاً ، بين سوريا والعراق ، فاختفت المطبوعات السورية ، واختفت معها للأسف مجلة ” أسامة ” .
المحطة الخامسة
ـــــــــــــــــــــــــ

ضاق الحبل على أعناق نصوصي داخل العراق ، وخاصة داخل مجلتي والمزمار ، وتقطعت السبل بيني وبين مجلة ” أسامة ” ، فقد سدت الكوة ، التي كنتُ أطل منها على المجلة ، فلم تعد تصل ـ على ما يبدو ـ حتى إلى مكتبة دار ثقافة الأطفال في بغداد .
وهنا ، وسط هذه العتمة ، برقت ومضة جديدة ، قدر لها ولسنين طويلة مثمرة ، أن تنير الطريق أمام قصصي وسيناريوهاتي ، لتصل إلى قطاع جديد ومهم من قطاعات أطفالنا ، في الوطن العربي ، والذي لم تصله نصوصي من قبل .
ففي أحد الأيام ، في أواخر الثمانينات ، من القرن الماضي ، كنت في زيارة لصديق العمر ، الأديب الدؤوب ،الفكه ، الأستاذ مثري العاني ، الذي أجد عنده دائماً ، كلّ جديد ومفيد من ثمار المعرفة والأدب ، وفي مقدمتها المسرح ، الذي يمثل عشقه وعشقي ، والذي جمعنا منذ البداية ، في أواسط الستينيات ، لكنه هذه المرة قدم لي مجلة للأطفال ، وقال لي : هذه مجلة سعودية ، اطلع عليها .
والمجلة تلك كانت هي ” الشبل ” ، مجلة الطفل العربي المسلم ، وهي نصف شهرية ، تصدر في الرياض ، في المملكة العربية السعودية ، صاحبها ومديرها العام الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد ، تأسست عام ” 1981 ” . وقرأت المجلة خلال تلك الزيارة ، وأخذت عنوانها لأراسلها ، لعلي أصل إليها بما أكتبه للأطفال من قصص ومسرحيات وسيناريوهات ، كما وصلت قبل ذلك إلى مجلة ” أسامة ” في سورية ، ومجلة ” العربي الصغير ” في الكويت .
وبعد أيام قلائل ، وعلى مبدأ اطرق الحديد وهو ساخن ، أرسلت رسالة إلى ” الشبل ” ، ومعها عدة قصص من قصصي . وسرعان ما جاءني الردّ من صاحب المجلة ومديرها العام الأستاذ عبد الرحمن الرويشد ، يرحب بمشاركتي ، ويشيد بها ، ووعدني بنشر ما أرسلته لهم من نصوص . وكان عند وعده ، فقد نشرت أول قصة لي في ” الشبل ” بتاريخ ” 15 / 9 / 1989 ” عنوانها ” الأرنب العجوز والأيل ” ، بل وأرسل لي العدد الذي نشرت فيه القصة ، ومنذ ذلك اليوم ، وحتى الآن راحت المجلة تصلني بانتظام ـ عدا فترة من الحصار دامت أكثر من عقد ـ ، حتى صارت جزء من حياتي الأدبية ، وخاصة بعد أن بدأ ابني عمر ، الذي تخرج في كلية الفنون ، وعُين مدرس للفن التشكيلي في معهد الفنون للبنات ، يساهم في رسم أعمالي ، التي نشرتُ معظمها في مجلة ” الشبل ” .
وكما اختفت مجلة ” أسامة ” اختفت مجلة ” الشبل ” ، وكذلك مجلة ” العربي الصغير ” ، بعد دخول القوات العراقية إلى الكويت ، بتاريخ ” 4 / 8 / 1990 ” . وبدأ الحصار ، وبدأت سحبه القاتلة تغشى كلّ مظاهر الحياة في العراق ، وفي مقدمتها الحياة الثقافية . وبدل جهودي الموزعة بين الكتابة والنشر ، انغمست في الكتابة فقط ، حتى أنني كتبت في عام ” 1991 ” وحدها أكثر من ” 270 ” قصة ومسرحية ، وهذا رقم قياسي لم أستطع تجاوزه إلا في عام ” 2005 ” ، الذي أسميته عام ” أغنية التم ” ، والذي نشرت فيه أكثر من ” 600 ” قصة ومسرحية ، بينما لم أنشر في العام الأول للحصار سوى ” إحدى عشرة ” قصة فقط .
وفي العام التالي ، علمت من صديقي مثري العاني ، بأن المجلات السعودية ، عادت إلى الظهور في المكتبات . فقصدت البريد المركزي في الموصل ، وسألت أحد المسؤولين فيه : هل تصلكم رسائل من السعودية ؟
فأجاب : نعم .
وبنبرة فرح ، لم أستطع أن أخفيها تماماً ، سألته ثانية : ورسائلنا ، هل تصلهم ؟
وأجابني ثانية : نعم .
وعلى الفور ، عادت رسائلي المحملة بقصصي ، تطير على جناح السرعة ، إلى الشبل في المملكة العربية السعودية ، وإلى ” أسامة ” في سورية ، وانتظرت ، انتظرت طويلاً ، لكن رداً واحداً لم يصلني ، لا من ” الشبل ” ، ولا من ” أسامة ” . وبدأ اليأس ، هذه المرة ، يدب في أعماقي ، حصار في الداخل ، وحصار في الخارج ، أين المفر ؟ وإلى متى ؟ هل انتهى كلّ شيء ؟ ربما لا ، لكن ما العمل ؟
وقررت أكثر من مرة ، أن لا أكاتب ” الشبل ، وأن أكفّ عن إرسال القصص إليها ، فما جدوى ذلك ماداموا لا يردون عليّ ؟ لكني سرعان ما أعود عن قراري ، بعد أن أقلب الأمر في ذهني ، من يدري ، لعلّ رسائلي الأولى لم تصلهم ، أو أنها وصلتهم ، وربما نشروا قصصي ، أو نشروا بعضها على الأقل ، لكن .. ” الشبل ” كانت تصلني على الدوام ، فأين هي الآن ؟ ولماذا لم يعد يصلني الآن منها عدد واحد ؟
وعشت هذا البحران سنين عديدة ، عانيت خلالها وحشة العزلة وقسوتها ، ولم أجد متنفساً أو عزاء ، إلا في الانغماس في الكتابة ، وإلى جانب القصص والسيناريوهات ، بدأت أطور كتاباتي المسرحية ، فكتبت مسرحيات عديدة للفتيان ، استقيت أحداثها من تاريخ العراق القديم ، لكني حرصت أن تكون أفكارها ومعالجاتها معاصرة ، تنتمي إلى عالم اليوم . ورغم جودة هذه المسرحيات ، ولقلة فرص النشر ، بسبب الحصار ، في الداخل والخارج ، إلا أنني اضطررت إلى نشر بعضها ، عام ” 1995 ” في إحدى الصحف ، المحدودة الانتشار ، في بغداد ، ومن تلك المسرحيات ” فرسان الشمس ، شيروكين ، سمورامات ، داماكي والوحش ، الأميرة غزالة ، وغيرها كثير ” .
وفي أواخر الشهر الثاني من عام ” 2001 ” ، كانت المفاجأة المفرحة ، فعلى غير توقع ، فوجئت بساعي البريد ، يأتيني بعدد جديد من مجلة ” الشبل ” ، وقد نشرت لي فيها قصة بعنوان ” الناقر ووحيد القرن ” ، فرحت بالمجلة ، وفرحت أكثر لان الحصار ، ومشاعر الإحباط ، التي رافقتني طوال تلك الفترة ، لم تمنعني من مواصلة الكتابة لها ، خلال تلك الفترة ، التي بدأت باجتياح الكويت ، وانتهت في عام ” 2001 ” بوصول العدد الأخير من مجلة ” الشبل ” ، أي أكثر من عقد من الزمن ، عقد ! آه ، وكم عقداً يعيش الإنسان ؟ ثم .. كم عقداً هو عمر الإبداع ؟ مهما يكن ، فهاهي ” الشبل ” بين يديّ ، وهاهي رسائلي المثقلة بالقصص تطير ثانية ، وبهمة أكبر ، إلى مجلتي الأثيرة ، مجلة ” الشبل ” .
وذات يوم ، وبعد فتر من عودة ” الشبل ” كانت المفاجأة الثانية ، فقد وصلتني رسالة من المدير العام لمجلة ” الشبل ” الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد ، يقول لي فيها ، أنهم وعدوني في السابق ـ قبل اجتياح الكويت ـ بهدية ، مكافأة لي على مساهماتي في المجلة ، لكن الظروف السابقة حالت دون إرسالها لي ، وطلب مني أن أرسل لهم عنواني كاملاً واسمي الثلاثي ، ليتسنى لهم إرسال الهدية الموعودة .
وأرسلت لهم ما طلبوه ، وأنا أتساءل بيني وبين نفسي ، عن ماهية هذه ” الهدية ” ، أهي مبلغ من المال ، أم ماذا؟ والحقيقة ، ولأن أوضاعي الاقتصادية كانت صعبة للغاية ، فقد تمنيت أن تكون الهدية مبلغاً من المال .
وتحقق هذه المرة ما تمنيت ، فقد جاءني الردّ بعد فترة قصيرة ، وإذا الهدية .. ألف دولار ، أي ما يعادل مليوني دينار بالعملة العراقية ، وما يزيد على راتبي التقاعدي لمدة سنتين أو أكثر.
واتصلتُ بالأستاذ عبد الرحمن الرويشد ، مدير عام مجلة ” الشبل ” ، في اليوم التالي ، وشكرته على هديته القيمة ، فقال من بين ما قاله لي : لقد وفينا بوعدنا ، وأنت الآن حر في التوقف أو مواصلة الكتابة لنا .
فأجبته : لقد كتبت لكم طويلا ، دون أن أفكر في مكافأة ، والآن وبعد هذه المكافأة ، كيف يمكن أن أتوقف عن التواصل معكم ؟
وشكرني الرجل ، وعرض عليّ أن نتفق على مكافأة مقطوعة قدرها ” 10 ” دولارات عن كلّ صفحة مكتوبة ومرسومة ، وكنت وقتها قد بدأت أرسل لهم قصصي وسيناريوهاتي برسوم ابني عمر وصديقي الفنان محمد العدواني .
وطبعاً وافقت على عرضه ، بل وشعرت بالفرح والفخر والاعتزاز ، فهذه أول مرة أتعاقد فيها مع مجلة ، سواء داخل العراق أو خارجه . وبدأت قصصي المصورة وقصصي وسيناريوهاتي تظهر في كلّ عدد من مجلة ” الشبل ” ، محتلة مكانة بارزة فيها .
وتبقى مجلة ” الشبل ” ، التي بدأت النشر فيها منذ أواخر الثمانينات وحتى الآن ، مرحلة مهمة جداً في رحلة الطويلة والمثمرة على طريق ” أدب الأطفال ” ، فقد احتضنت كتاباتي بكل محبة واحترام ، ونشرت لي أكثر من ” 250 ” قصة مصورة وقصة وسيناريو ، والرحلة مستمرة ، والبقية تأتي .
وبنفس الاحترام والمحبة ، تعاملت الشبل مع ابني الفنان عمر ، فقد كانت له بمثابة المدرسة ، أخذ منها ، وأعطاها أولى رسوماته ، وواكبت تطوره وسيره الحثيث نحو النضج والإبداع ، كما كانت مسرحاً مفتوحاً لإبداعات الفنان المقتدر محمد العدواني ، نشرت له على صفحاتها العديد من القصص المصورة والسيناريوهات ، التي لا تنسى .
ويبقى الأستاذ عبد الرحمن بن سليمان الرويشد ، مدير عام مجلة ” الشبل ” ، أستاذاً جليلاً ، ومربياً فذاً ، وقد قيمت جهوده في وطنه العزيز ، المملكة العربية السعودية ، فكرم في العام الماضي ” 2009 ” باعتباره واحداً من الرواد في مجال ثقافة الأطفال ، وهو أخ عزيز ، دعمني ، ودعم جهودي في مجال أدب الأطفال، ودعم ابني عمر ، كما دعم الفنان محمد العدواني .
إنني لم أنس الشبل يوماً واحداً ، ولن أنساها مطلقاً ، وسأبقى على تواصلي معها حتى النهاية ، فالشبل مجلة عربية رصينة ، لها حضورها المتميز ، في المشهد الثقافي العربي ، الخاص بالطفولة ، وأدب الأطفال .

المحطة السادسة
ـــــــــــــــــــــــــــ

لم يكن ما حاق بي من ضيق ، في مجال النشر خارج العراق ، بغياب مجلة ” أسامة ” السورية ، بأقل من الضيق الذي حاق بي بغياب مجلة ” الشبل ” السعودية ، والعربي الصغير الكويتية .
فبعد ” سني العسل ” ، التي استمرت أكثر من عقد من السنين ، ارتحت تماماً خلالها لما كان ينشر لي في ” أسامة ” ، رغم ما شابه من قلق وخوف وتهديد مبطن ، ورغم صعوبة الحصول على الأعداد التي نشرت فيها قصصي ، انقطعت آخر الخيوط ، التي تربطني بالمجلة ، فقد انقطعت رسائل هذه المجلة ، عقب اجتياح العراق للكويت ، ولم يعد يصلني من الأستاذة دلال حاتم ، رئيسة تحرير المجلة ، أية رسالة ، مع أن رسائلي لها ، لم تنقطع أبداً .
وكما تواصلت مع ” الشبل ” دون جدوى ، فبدون جدوى أيضاً تواصلت مع ” أسامة ” .وطوال عقد من السنين تقريباً ، كانت رسائلي تزحف إليها ، محملة بالعديد من القصص ، رغم أني ، وفي نفس الفترة ، كنت أتواصل مع اتحاد الكتاب العرب في دمشق ، الذي نشر لي خلال هذه المدة ، ثلاثة كتب هي على التوالي :
1 ـ من يوقظ الشمس ؟ عام ؟ ” 1993 ”
2 ـ انكيدو.. عام ” 1999 ”
3 ـ زهرة بابنج للعصفورة .. عام ” 2002 ”

وفي أواخر التسعينيات من القرن الماضي ، سافر خال أولادي ، ضياء ممدوح ، إلى سوريا ، ليجدد إقامته في الأردن الشقيق ـ ويا للأشقاء العرب ـ ، فقد اضطرته الظروف الصعبة ، التي واجهها في العراق ، إلى مفارقة أهله وبيته ووطنه ، والسفر إلى عمان ـ الأردن ، طلباً للعمل ، ولقمة العيش .
وفي دمشق ، قصد مجلة ” أسامة ” ، بناء على طلبي ، والتقى بالأستاذة دلال حاتم ، رئيسة التحرير ، فرحبت به ، عندما أخبرها أنه من قبلي ، وأرته تسع رسائل حبلى بقصصي ، لكنها لم تفتحها ، ولماذا يا ترى ؟ فهذه القصص ـ على حد قول الأستاذة دلال حاتم ـ لو نشرت ، فكيف سيتسنى للأستاذ طلال استلام مكافآتها ؟
وكأن ” الأستاذ طلال ” ، أرسل تلك الرسائل إلى ” أسامة ” ، كما أرسل ما يشبهها من رسائل ، إلى الشبل في السعودية ، والعربي الصغير في الكويت ، ووسام وبراعم عمان في الأردن ، وماجد في أبو ظبي ، التي كلفته كل واحدة منها أحياناً ربع راتبه التقاعدي ، إن لم يكن أكثر ، طمعاً في المكافأة ؟ رغم حاجتي الماسة وقتها إلى أي مبلغ ، مهما صغر ، لما كنت أعانيه وعائلتي من ظروف قاتلة ، تحت وطأة الحصار .
وروت الأستاذة دلال حادثة مخجلة ، تدلل على ما أيقظه الحصار ، في نفوس البعض من العراقيين في الخارج ، من فنانين أو أدباء أو أناس عاديين ، فقالت : جاءني قبل فترة شخص متوسط العمر ، وقدم لي رسالة ، وقال لي : هذه رسالة من الأستاذ طلال حسن .
وفتحت الرسالة ، وقرأت فيها تخويلاً لحامل تلك الرسالة باستلام مكافآته المتراكمة في المجلة ، فنظرت إليه ، وسألته : أهذه الرسالة من الأستاذ طلال ؟
أجاب : نعم .
فقلت له : أنت تكذب ، إنني أعرف خط الأستاذ طلال ، وهذا ليس خطه .
وعلى الفور ، استدار مضطرباً ، ولاذ بالفرار .
ولعل ما روته الأستاذة دلال حاتم ، دفعني للبحث عن طريقة ، أحصل بها على مكافآتي ، التي بدأت تتراكم منذ عام ” 1982 ” ، لكن كيف السبيل إليها ، وبعضها قد ” توفاها الله ” منذ فترة بعيدة ؟
وجاءتني الفرصة ، حين قرأت مرة ، أن وزيرة الثقافة السورية ، الدكتورة نجاح العطار ، دخلت قاعة احتفالات في دمشق ، وقد أمسكت بيدها يد الكاتب المسرحي السوري الكبير سعد الله ونوس ، وكان الأديب الكبير وقتها يعاني من مرض عضال ، وأقيم له بحضور الوزيرة احتفال تكريمي كبير . وأوحى لي هذا الحدث البالغ الدلالة بفكرة نفذتها على جناح السرعة ، فكتبت رسالة إلى الدكتورة نجاح العطار ، وزيرة الثقافة في سورية ، طلبت فيها أن تسهل أمر حصولي على مكافآتي في مجلة ” أسامة ” ، وكذلك في ” اتحاد الكتاب العرب ” التي لم أستطع الحصول عليها بسبب الظروف المعروفة ، منذ عام ” 1982 ” .
ولابد أن الدكتورة نجاح العطار ، وزيرة الثقافة ، التي دخلت قاعة الاحتفالات في دمشق ، يداً بيد مع الكاتب المسرحي الكبير سعد الله ونوس ” قدرت ما يواجهه ويعانيه الأديب العراقي من صعوبات ، تحت وطأة العزلة والحصار ، فأوعزت إلى الجهات المعنية ، بصرف مكافآتي ، وبعضها قد مات بالتأكيد بتقادم الزمن ، واستلمها خال أولادي ، ضياء ممدوح ، وكانت مبلغاً لا بأس به ، أعانه وقتها على مصاعب الحياة في الغربة ، بعيداً عن أهله وبيته ووطنه .. العراق .
وجاءتني ، فيما بعد ، أكثر من نجدة مالية ، خففت عني وطأة الحصار ، منها راتب شهري خصصته لي وزارة الثقافة العراقية ، قدره خمسون ألف دينار ، ثم مبلغ الألف دولار ، الذي أهداه لي الأستاذ عبد الرحمن الرويشد ، مدير عام مجلة ” الشبل ” ، أما النجدة الأهم ، فقد جاءتني من أبو ظبي ، عام ” 2000 ” ، فقد شاركت في مسابقة ” مسرح الطفل العربي “، في أبو ظبي ، وفزت فيها بالجائزة الثانية ، والطريف أن أياً من أولادي ، عندما كان يطلب شيئاً ، قبل ظهور نتائج المسابقة ، ويلح في طلبه ، أقول له مازحاً : صبراً ، سأفوز في المسابقة ، واشتري لك ما تريده .
وذات ليلة ، وكنا نشاهد ، أنا وأولادي ، سباقاً لكرة القدم بين العراق وربما الصين ، وإذا بلاعب اسمه عماد يسجل هدفاً لصالح العراق ، وضج أولادي فرحاً ، كما فرح كل من شاهد ذلك الهدف من العراقيين ، وهنا دق جرس الهاتف ، فرفعت سماعة التلفون على مضض ، وقلت : ألو .
وجاءني صوت شاب ، لم أسمعه من قبل ، يقول : أستاذ طلال ؟
قلتُ : نعم ، تفضل ، من حضرتك ؟
أجابني : أنا عماد .
يا للصدفة ، عماد اللاعب في الفريق العراقي ، سجل هدفاً قبل لحظات للعراق ، أفرح العراقيين جميعاً ، فمن يكون عماد هذا ، وماذا يريد ؟
تساءلت : عماد ؟
قال عماد : أنا رسام في دار ثقافة الأطفال .
رحبتُ به بحرارة ، وقلت : أهلاً عماد ، أنت رسام مبدع ، وقد رسمت لي أكثر من قصة ، تفضل عزيزي .
وتفضل عماد قائلاً : أهنئك أستاذ .
صمتُ مفكراً ، لعلي أخمن دواعي هذه التهنئة ، لكني لم أصل إلى نتيجة ، فقلت متردداً : أشكرك ..
وأنقذني عماد من حيرتي ، حين قال : اتصلت بي رئيسة تحرير مجلة ” وسام ” الأردنية من عمان ، وطلبت مني أن أتصل بك ، وأهنئك على فوزك بجائزة ” مسرح الطفل العربي ” في أبو ظبي .
شكرته ، شكرت عماد الفنان على ما بشرني به ، وكما أفرح اللاعب عماد كلّ العراقيين بالهدف الذي سجله لمصلحة العراق ، فإن الفنان عماد أفرحني ، وأفرح كلّ أولادي ، بما زفه لي من خبر ، لم أكن أحلم به . لكن يا للحيرة ، أحقا ما يقول هذا ال .. عماد ؟ أم إنها مزحة ، لا ، مستحيل ، لقد فزت ، نعم فزت .
وعدتُ إلى غرفة الجلوس ، وأولادي يتابعون المباراة ، وفرحة الفوز على وجوههم ، فسألتني زوجتي : من كان على التلفون ؟
فأجبتها : عماد .
والتفت أولادي إليّ ، عماد ! أي عماد ؟ فقلت بلهجة احتفالية : فزت بجائزة مسرح الطفل .
طار الجميع فرحاً ، وطرت أنا معهم ، لكني لم أطر مثلهم عالياً ، ما العمل ؟ أريد أن أقطع بعض الشك هذا بكل اليقين ، فاتصلت بصديقي الموصلي العريق زهير رسام ، المقيم في بغداد ، وقبل أن أسأله عن أي شيء ، هتف بصوته المميز : أهنئك طلال ، اتصل بي عماد ، وأعطيته رقم تلفونك .
الخبر إذن صحيح ، ولي أخيراً أن أطير مع أولادي من الفرح عالياً .. عالياً .. عالياً . وفرحت أكثر ، حين تسلت الجائزة ، بعد عدة أشهر ، وكانت أكثر من أربعة ملايين دينار عراقي ، علماً أن راتبي التقاعدي ، كان حوالي سبع آلاف دينار ، أما راتب زوجتي التقاعدي ، التي قضت أكثر من خمسة عشر عاماً موظفة في رئاسة جامعة الموصل ، فهو مائة دينار فقط أي أقل من ثمن بيضة واحدة ، وعلى سبيل الفكاهة السوداء ، فذات مرة ، استلمنا راتبها التقاعدي عن ثلاثة أشهر ، وكان ” 300 ” دينار فقط ، فشربنا بالراتب كله قنينتي ببسي كولا مغشوشتين، وعدنا إلى البيت ، وليس في جيوبنا دينار واحد من الراتب التقاعدي .

المحطة السابعة
ــــــــــــــــــــــــــ

منذ وقت مبكر ، وبسبب التضييق والتهميش ، ورغبتي في التوسع والانتشار ، في الساحة العربية ، رحت أتطلع إلى إطلاق قصصي في فضاءات مفتوحة واسعة خارج العراق .
ووصلت قصصي ، في البداية ، إلى مجلة ” أسامة ” السورية ، وبدأت النشر فيها منذ أواخر السبعينيات ، وكانت أول قصة لي فيها ، هي قصة ” الشمعة ” ، التي نشرت في ” حزيران / 1989 ” . وفي أواخر الثمانينيات وصلت طلائع قصصي إلى المملكة العربية السعودية ، فنشرت أول قصة في مجلة ” الشبل ” بتاريخ ” 15 / 9 / 1989 ” وكانت بعنوان ” الأرنب والأيل الصغير ” .
واقتحمت قصصي قلعتين حصينتين ، لهما مكانتهما الكبيرة في جغرافية ” أدب الأطفال ” خارج العراق ، وعلى امتداد الساحة العربية ، وهما ” العربي الصغير ” في الكويت ، أواخر الثمانينات ، ومجلة ” ماجد ” أواسط التسعينيات ، في أبو ظبي ، وكِلا المجلتين تطبعان طبعة جميلة مترفة ، وترسمان من قبل أبرز رسامي الأطفال في الوطن العربي .
وقد نشرت في مجلة ” العربي الصغير ” خمس قصص ، هي على التوالي :
1 ـ العصفوران الصغيران ” في 1 / 12 / 1988 ”
2 ـ الثعلب فات فات ” في 1 / 5 / 1989 ”
3 ـ البومة الصغيرة ” 1 / 9 / 1989 ”
4 ـ ستمر العاصفة ” ف 1 / 11 / 1989 ”
5 ـ حكاية شجرة الجوز ” في 1 / 5 / 1990 ”

أما مجلة ” ماجد ” ، التي تصدر في أبو ظبي ، فقد نشرت فيها أربع قصص ، هي على التوالي :
1 ـ النظارة المفقودة ” في / 9 / 2001
2 ـ حرب قيس الخاصة ” في 7 / 11 / 2001
3 ـ الأسد الصغير ” في 6 / 3 / 2002
4 ـ عندما بكى الشبل ” في 27 / 3 / 2002

وإذا كانت مجلة ” ماجد ” ، وهذا أمر غريب من مجلة كبيرة وثرية ، لم تدفع لي أية مكافأة ، فإن مجلة ” العربي الصغير ” كانت تدفع لي ” 150 ” دولار عن القصة الواحدة . ومن المضحك ، والمثير للسخرية المرة ، أن المصرف الحكومي ، لا يدفع لنا المكافأة بالدولار ، بل يحولها إلى العملة العراقية ، فيدفع لنا ثلاثة دنانير عن الدولار الواحد ، ولكن إذا أردنا شراء دولارات من نفس المصرف ، فإنه يبيعنا الدولار الواحد بثلاثة دنانير ـ عجبي ـ .
وعلى عادتي ، حين يفسح لي المجال في مجلة ما ، أغرقت مجلة ” العربي الصغير ” بفيض من قصصي ، خاصة بعد أن عرفت من أحد محرري مجلة ” مجلتي ” أنهم في ” العربي الصغير ” معجبون بقصصي . فقد زار نائب رئيس تحرير مجلة ” العربي الصغير ” دار ثقافة الأطفال في بغداد ، وقال أمام بعض كتابها : يكاتبنا أديب من الموصل هو طلال حسن ، إن قصصه جميلة جداً .
فقال أحد الحاضرين : نعم ، طلال حسن ، واحد من كتابنا .
ولديّ حتى الآن عدة رسائل من هيئة التحرير في مجلة ” العربي الصغير ” ، يعلمونني فيها موافقتهم على أكثر من خمس عشرة قصة ومسرحية واحدة ، رغم أنهم لم ينشروا ـ على حد علمي ـ مسرحية واحدة على امتداد أعداد المجلة طوال عمرها المديد .
واقتحمت القوات العراقية الكويت ، واحترقت في ما احترق ، مجلة ” العربي الصغير ” ، ومعها قصصي ومسرحيتي ، ولم يرَ النور أياً منها ، حتى بعد التغيير ، وسقوط النظام السابق .
وعادت المجلات الكويتية ، ومنها مجلة ” العربي الصغير ” إلى الظهور في المكتبات العراقية ، ولكن هل يمكن الوصول إلى مجلة ” العربي الصغير ” . المنطق يقول : نعم ، لماذا لا ، مادام النظام السابق ، الذي اجتاحها ، قد سقط ؟ لكن متى كان للمنطق صوت في علاقاتنا العربية ؟ فلنقطع الشك باليقين ، ولنحاول .
وحاولت ، أرسلت قصة إلى ” العربي الصغير ” ، على أمل أن أعاود التواصل مع هذه المجلة الكبيرة ، لكن على غير عادتهم ، لم يردوا عليّ بكلمة واحدة ، لا بأس ، فلأرسل قصة أخرى لعلّ وعسى ، وأرسلت قصة ثانية ، مرفقة بصورة من كتاب الموافقة ، الذي وصلني منهم قبل ” الحريق ” ، ومرة أخرى لم يردوا . وعدت إلى أعداد المجلة ، التي وصلت العراق بعد التغيير ، ولاحظت ما لاحظته سابقاً ، غياب المبدع العراقي ، أديباً وفناناً ، عن صفحاتها ، بل غابت عنها أيضاً ، إلا فيما ندر ، حتى صور الأطفال العراقيين ورسائلهم البريئة . ومن المؤكد أن هذا الموقف لا يخدم ثقافة الطفل العربي ، ويضر ضرراً بليغاً أدب الأطفال ، الذي رعته بنجاح سنين عديدة من عمرها المديد . وتبقى مجلة ” العربي الصغير ” ، ومهما كان موقفها ، مجلة عربية متقدمة ، أتابعها باستمرار ، وأقرأ باهتمام وإعجاب كلّ ما يكتب فيها ، وخاصة القصائد والقصص والسيناريوهات .
وبعد غياب مجلة ” العربي الصغير ” ، اقتحمت قصصي ـ كما أسلفت ـ مجلة ” ماجد ” ، التي تصدر في أبو ظبي ، ولعل هذه المجلة ، كانت ومازالت من أنجح مجلات الأطفال في الوطن العربي ، وربما أكثرها انتشاراً على صعيد العالم كله .
ولعل رغبتي الشديدة في الوصول إلى معظم مجلات الأطفال العربية ، والمجلات المتقدمة منها على وجه الخصوص ، دفعني إلى متابعة العديد من المجلات العربية في المشرق العربي ، فالمغرب العربي ، وفي مجال أدب الأطفال بالذات ، قارة مجهولة ، لم يصلها بعد ” ماجلان ” ثقافة الطفل العربي .
وللأسف لم أنجح دائماً ، ولا في معظم الأحيان ، في الوصول إلى تلك المجلات ، فالمجلات المصرية ، على كثرتها ، تكاد تكون مقفلة على الكتاب المصريين ، رغم أن العديد من كتابهم ـ وهذا حق مشروع ـ ينتشرون على الساحة العربية كلها ، من مشرقها ، وربما حتى مغربها ، دون أية حواجز أو عقبات . و المجلات الخليجية النشطة والمتقدمة ، مادة وطباعة وإخراجاً ، والمنتشرة انتشاراً واسعاً ، داخل الوطن العربي وخارجه ، لا يصلنا منها سوى مجلة ” العربي الصغير ” ومجلة ” ماجد ” . أما المجلات العربية المشرقية الأخرى ، أي السورية والأردنية واللبنانية ، فلا يكاد يصلنا منها أي شيء ، لكني بطريقة أو أخرى ، أحصل على عناوين بعض تلك المجلات ، وأراسلها ، و قلما أحصل على نتيجة مرضية ، لكني مع هذا ، نشرت أكثر من قصة في مجلة ” وسام ” ومجلة ” براعم عمان ” الأردنيتين ، ونشرت مسرحية للأطفال في جريدة ” الرأي ” الأردنية بعنوان ” العالم بالألوان ” في ” 6 / 11 / 1992 ” وسبق لي أن نشرت مسرحية للأطفال في مجلة ” أفكار ” الأردنية بعنوان ” الذئب ” عام ” 1982 ” ، ولم أحصل على المجلة التي نشرت فيها المسرحية ، وإن حصلت على نسخة مصورة منها ، بعد عشر سنوات ” فقط لا غير ” .
ولعل أكثر جريدة أردنية نشرت لي قصصاً ، وبالأخص حول القضية الفلسطينية ، كانت جريدة ” الدستور ” ، وكانت وراء هذا النشر الكاتبة الأردنية المتألقة روضة الهدهد ، و يعود الفضل في تعرفي عليها ، وتواصلي معها ، إلى الرسامة العراقية المبدعة انطلاق محمد علي ، التي كانت تعمل في دار ثقافة الأطفال في بغداد ، والتي فازت بالعديد من الجوائز العالمية ، ومنها جائزة ” نوما ” اليابانية ، فقد كنت في زيارة لها يوماً ، في دار ثقافة الأطفال ، في أواخر التسعينيات ، وهي تعرف اهتمامي بالقضية الفلسطينية ، فنصحتني أن أراسل الأستاذة روضة الهدهد ، في الأردن ، فهي تشاطرني هذا الاهتمام ، وهي تشرف على صفحتين مخصصتين للأطفال في جريدة الدستور الأردنية .
وراسلت روضة الهدهد ، أرسلت لها بعد أيام ، كلّ ما نشرته في جريدة الحدباء حول القضية الفلسطينية ، أرسلتها في قصاصات كما نشرت في جريدة الحدباء ، الموصلية . وصادف وقتها انعقاد مؤتمر اتحاد الأدباء العرب في عمان ، وجاءني الردّ سريعاً ، قالت لي فيه روضة الهدهد ، أنها بكت ، عندما قرأت قصصي ، وظنت أني فلسطيني ، يعيش بعيداً عن وطنه ، في مدينة بشمال العراق ، لكنها عرفت أني عراقي ، فقالت أن هذا ليس بغريب عن العراقيين .ووعدتني أن تنشر جميع القصص في صفحة الأطفال في جريدة ” الدستور ” ، ثم تجمعها وتنشرها في كتاب مستقل ، في دار ” كنده ” ، التي تملكها ، والتي تنشر فيها كتبها ، وجلها عن القضية الفلسطينية . وهذا ما فعلته فعلاً ، فقد نشرت جميع القصص في صفحة الأطفال ، في جريد ” الدستور ” ، ثم جمعتها ونشرتها في كتاب بعنوان ” حكايات ليث ” ، بمناسبة مرور خمسين عاماً على احتلال فلسطين ، صدر عن دار ” كنده ” ، وكتبت روضة الهدد مقدمة للكتاب ، قالت فيها : ” عندما قرأنا بعض هذه القصص أول مرة ، أحسسنا باحتفالية خاصة ، فهذه القصص ذات المستوى الراقي ، وذات الشفافية والأناقة المميزة ، تتحدث عن أطفال الحجارة ” . وقالت أيضاً ” لو كتب الفلسطيني عن قضيته لكان الأمر طبيعياً ، ولكن أن يكتب كاتب يبعد آلاف الأميال عن فلسطين ، فإن ذلك أفعل وأبعد أثراً ، ومن هنا كان احتفالنا بقراءة طلال حسن ” .
وصدر الكتاب في عمان عام ” 1998 ” ، لكن جميع المكتبات أحجمت عن استلامه ، فالكتاب يمجد ثورة الحجارة ، بينما الأردن في حالة تطبيع مع إسرائيل ، فما كان من الأستاذة روضة الهدهد ، إلا أن تقوم بتوزيع الكتاب على الأدباء والفنانين والصحفيين ، بعد أن أرسلت لي مجموعة منه . وهكذا فإذا كانت بعض كتبي ، قد حوصرت أو طوردت أو صودرت هنا وهنك ، فهذا هو كتاب ” حكايات ليث ” ، الذي ينتصر للقضية الفلسطينية ، ويمجد ثورة الحجارة ، يحاصر في الأردن ، وتحجم المكتبات عن استلامه ، والغريب أن هذا هو ما واجهه كتابي ” البحر ” ، وكان أيضاً عن القضية الفلسطينية ، وطبعته في الموصل بتعضيد من نقابة المعلمين ، فأحجمت بعض المكتبات عن استلامه ، فاستلمه بالكامل ، صديقي المحامي ” الأستاذ سليمان الطائي ، صاحب مكتبة ” اقرأ ” في الموصل .
ووصلت قصصي محلقة إلى بلد الأرز ، الواحة الثقافية ، وسط الموات والتصحر العربي ، التي أراد ويريد بعض العرب وأدها وطمرها برمال الصحراء . وقبل ذلك ، نشر لي الشاعر العراقي المبدع والأخ العزيز جليل خزعل قصة في لبنان ، فقد اتصل بي ذات يوم ، وقال لي : أرسلت لك قصة إلى مجلة ” أحمد ” في بيروت ، وقد نشرت ، وحصلت لك على نسخة من المجلة ، كما حصلت على المكافأة .
شكرته على جهوده ، ومبادرته الطيبة ، وقلت له مازحاً : أرسل لي المجلة ، ولا أريد المكافأة .
فقال لي بطيبته المعهودة : المكافأة أربعون ألف دينار .
ضحكت ، وقلت له : هذه مكافأة لا تفوت .
ووراء تعرفي بالأخ جليل صدفة طيبة ، ففي ذات يوم ، دخلت دار ثقافة الأطفال ، في وقت متأخر ، وصادفت شاباً يتجه إلى المصعد ، فقال لي : أستاذ ، لن تجد أحداُ ، لقد انصرف الجميع .
فأجبته : أشكرك ، سأحاول .
وحاولت ، لكني بالفعل لم أجد أحداً ، وعدت إلى المصعد ، وإذا ذلك الشاب مازال ينتظر . وجاء المصعد ، فدلفنا إليه معاً ، وأثناء هبوطنا ، نظرت إلى الشاب ، وقلت له : أظن أنني أعرفك ، فقد رأيت صورتك مراراً في الصحف والمجلات .
ابتسم الشاب ، فقلت له : أنت جليل خزعل .
واتسعت ابتسام الشاب ، وقال : نعم ، أنا جليل خزعل .
قلت له : أنت شاعر أطفال بحق ، لقد قرأت لك قصائد جميلة جداً في مجلتي والمزمار .
شكرني جليل ، وقال : أشكرك أستاذ ، من حضرتك ؟
أجبته : أنا طلال حسن .
وفوجئت بجليل يهتف ، وقد بدا عليه الفرح والدهشة : أنت طلال حسن !
وعانقني ممتدحاً كتاباتي ، ثم أخبرني بأنهم يقيمون أمسية حول أدب الأطفال ذلك اليوم ، ودعاني إلى حضور الأمسية ، والتحدث عن تجربتي في مجال أدب الأطفال ، فاعتذرت منه ، وقلت : إنني على عجلة ، وسأسافر الآن .
سافرت في ذلك اليوم ، لكن جليل بقي معي حتى الآن ، صديقاً وأخاً ومبدعاُ قلّ نظيره ، وقف إلى جانبي دوماً ، وبكل محبة وقفت إلى جانبه ، نشر لي في أفضل المجلات العراقية ، وفي مقدمتها مجلة ” حبيبي ” ، ونشرت له في ما أشرف عليه في الموصل من صفحات متواضعة وزوايا و.. مجلات .

المحطة الثامنة
ـــــــــــــــــــــــــ

في أواسط التسعينيات ، من القرن الماضي ، وفي محاولة مني لإيجاد مرتكز لصحافة الأطفال في الموصل ، عرضت على الدكتور محيى الدين توفيق ، رئيس تحرير جريدة الحدباء ، التي كنت أنشر فيها باستمرار الكثير من القصص والمسرحيات ، أن يخصص زاوية للأطفال في الجريدة ، ولا يهم من يشرف عليها أو يحررها ، لكنه اعتذر ، وأخبرني محرر في الجريدة ، أنه يقول : إننا ننشر لطلال ما يقدمه من قصص ومسرحيات ، والجريدة صغيرة ، لا تتسع لزاوية خاصة للأطفال .
والحق أن جريدة الحدباء ، برئيس تحريرها ومحرريها ، كانوا متعاونين معي ، وقد نشروا لي ، منذ أن بدأت الكتابة فيها ، وحتى التغيير ، أكثر من”250 ” قصة ومسرحية ، رغم أن بعضها ربما كانت ترفض في الصحف الأخرى ، ولأسباب ليست فنية .
في عام ” 2000 ” صدرت جريدة جديدة في الموصل إضافة إلى جريدة ” الحدباء ” ، عن المحافظة باسم ” نينوى ” ، رئيس التحرير فيها الدكتور ادهام محمد حنش ، وهو أديب وخطاط ومؤرخ معروف في الموصل ، وقد كان تلميذي في مدرسة ميسلون الابتدائية في السبعينيات ، ودعاني رئيس التحرير إلى الإشراف على زاوية للأطفال في الجريدة ، فوافقت شريطة أن لا ألتزم بالدوام يومياً ، وأكتفي بتقديم مادة الزاوية كلّ أسبوع . وهكذا نشأت أول زاوية للأطفال ، في تاريخ الصحافة الموصلية ، نشرتُ فيها قصصاً وقصائد ومسرحيات لأدباء من الموصل وبغداد وبعض المحافظات الأخرى ، من بينهم حسب الله يحيى وزهير رسام وشفيق مهدي وجعفر صادق محمد وناهض الخياط وغيرهم ، وكانت أغلب هذه النصوص من رسم ابني الفنان الشاب عمر ، وكذلك الفنان القدير محمد العدواني .
وبعد حوالي السنة ، انتقل رئيس التحرير الدكتور إدهام محمد حنش ، إلى بغداد ، وعين رئيس تحرير جديد ، كان يعمل معنا في الجريدة ، ورغم أنه عبر لي غير مرة عن حرصه على بقائي في الجريدة ، إلا أنه خفض مكافآتي إلى النصف ، دون أي داعي ، فاعتبرت هذه البادرة إشارة إلى عدم رغبته في مواصلتي للعمل في الجريدة ، فاستلمت المكافأة ، وغادرت الجريدة ، دون أية نية في الرجوع .
وطوال فترة عملي في جريدة ” نينوى ” ، كنت على تواصل مستمر مع جريدة ” الحدباء ” ، وكنت أنشر فيها أكثر مما أنشره في زاويتي في جريدة ” نينوى ” .
وانفتحت أمامي ، بعد التغيير ، الذي جرى في 9 / 4 / 2003 ، آفاق جديدة ، تنبيء ـ ربما ـ بفرص طيبة ، وإن كانت تلك الآفاق ـ على ما يبدو ـ لا تخلو من غيوم وأمطار حمضية وعواصف وبروق حارقة . وجاءت الفرصة الأولى سريعاً ، فأصدرت خلال شهور قليلة ، وبالتعاون مع مطبعة الزهراء في الموصل ، مجلة للأطفال باسم ” قوس قزح ” ، وتقع في ” 28 ” صفحة ملونة ، وكانت أول مجلة للأطفال تصدر في العراق بعد التغيير ، وقد ساهم في رسم هذه المجلة عدة فنانين معروفين في الموصل منهم ، شاهين علي ، ومحمد العدواني ، وعمر طلال . وقد أرسلت نسخة من هذه المجلة إلى الأستاذ مفيد الجزائري ، وربما كان وقتها وزيراً للثقافة ، فرفع المجلة بيده ، وقال باعتزاز ، هذه المجلة مجلتنا .
وهيأت العدد الثاني والثالث ، لكن لم يُقدر لهما أن يريا النور ، فالمجلة لم توزع بشكل مرضي ، لا في محافظة نينوى ولا في المحافظات الأخرى ، بسبب الأوضاع السياسية والأمنية ، وطبعاً لم تغطِ ثمنها ، وقد صارحني صاحب المطبعة وممول المجلة ، أنه لن يستطيع تمويل المجلة إذا لم تغطِ تكاليفها .
وطبعاً لم تغطِ مجلة ” قوس قزح ” تكاليفها ، وبقيت أعدادها الجميلة مكدسة في المطبعة ، وهكذا توقفت أول مجلة للأطفال تصدر في الموصل ، وأول مجلة تصدر في العراق بعد التغيير .
توقفت مجلة ” قوس قزح ” ، لكني كالعادة لم أتوقف ، كما لم أتوقف في أواخر السبعينيات ، حين انهارت الجبهة الوطنية ، وتوقفت ” مرحباُ يا أطفال ” بتوقف جريدة ” طريق الشعب ” عن الصدور . وواصلت النشر في الداخل والخارج ، لكن همي الأساس ، وبعد ” نينوى ” و” قوس قزح ” ، أن أواصل العمل على طريق بناء صحافة للأطفال في الموصل . فعرضت على الأستاذ أثيل النجيفي ، صاحب دار عراقيون للنشر ، التي تصدر عنها جريدة عراقيون ، أن نصدر ملحقاً لجريدة عراقيون من أربعة صفحات ، تصدر مرة في الشهر ، وتوزع مع الجريدة نفسها ، ووافق الأستاذ أثيل بدون تردد ، وصدر العدد الأول منها في ” 6 / 7 / 2004 ” ، وضم الملحق إضافة إلى القصص والقصائد والسيناريوهات ، مواضيع علمية وتاريخية ، وقد رسم هذا الملحق ابني عمر ، فقد كان محمد العدواني مشغولاً عن الرسم بهموم الحياة ، وما أكثرها في الظروف الراهنة . وقد لاقى الملحق صدى طيب ، بين الأدباء والفنانين والأطفال . وركزت فيها على أدباء الموصل ومنهم : فيصل قصيري وميسر الخشاب وزهير رسام وعبد الله جدعان وغيرهم ، لكن الملحق للأسف لم يعش طويلاً ، فقد توقفت جريدة عراقيون ، وتوقف معها الملحق ، الذي لم يعش إلا حوالي السنة . وقد كتبت الأستاذة رائدة ، الحاصلة على شهادة ماجستير عن ” قصة الأطفال في الموصل من ” 1970 إلى 2000 ” ، مقالة ضافية عن الملحق ، ونشرتها في مجلة ” “التي تصدر عن مركز الدراسات في جامعة الموصل .
وخلال هذه الفترة ،أشرفت على صفحات للأطفال في عدة صحف ومجلات تصدر في الموصل منها :
1 ـ جريدة دجلة .
2 ـ جريدة الحقيقة .
3 ـ جريدة المسار .
4 ـ مجلة الأسرة والطفل .
5 ـ مجلة زرقاء ـ نت .
6 ـ مجلة التربية

وكالعادة لم تستمر معظم هذه الجرائد والمجلات ، فقد غابت على التوالي ، جريدة الحقيقة ، وجريدة المسار ، ومجلة الأسرة والطفل ، ومجلة زرقاء ـ نت ، لكن ما لم يغب أبداً هي طموحاتي في إطلاق صحافة للأطفال في الموصل ، مهما كانت الظروف .
ولم تتوقف محاولاتي في هذا المجال ، وكان أملي أن أرى مجلة للأطفال تصدر من الموصل ، الغنية بالأدباء والفنانين والمثقفين ، خاصة وأني أصدرت مجلة للأطفال ، في نفس السنة التي جرى فيها التغيير . حاولت التعاون مع منظمة أجنبية تدعم إصدار مجلة في دهوك ، دون جدوى . وعبثاً حاولت مع وزارة الثقافة في إقليم كردستان ، لكن وزير الثقافة الكردي الأستاذ فلك الدين كاكائي ، لم يوافق على دعم مجلة للأطفال تصدر في محافظة نينوى .
وبلغت محاولاتي الذروة ، عندما قابلت وزير الثقافة نوري الراوي ، مع وفد من أدباء وفناني الموصل منهم عبد الله البدراني ومثنى عبد القادر وشفاء العمري وآخرون . وقد سبق هذه المقابلة لقاء لي مع وكيل وزارة الثقافة في كازينو الفنجان ، في المجموعة الثقافية بالموصل ، وقد أخبرني بأنهم دعوا الدكتور شفيق المهدي لحضور الاجتماع مع الوزير ، لأني سأعرض موضوع إصدار مجلة للأطفال في الموصل . لم يتفهم وزير الثقافة مطلبنا أول الأمر ، لكني حين أريته مجلة ” قوس قزح ” ، بُهر بها ، وقال للدكتور شفيق المهدي : دكتور ، لماذا لا تعتبرون هذه المجلة جزء من عملكم في دار ثقافة الأطفال ، تصدر من الموصل .
عارض الدكتور شفيق المهدي هذا الاقتراح ، وكذلك عارضته ميسون الدملوجي ، وكيلة وزير الثقافة ، حتى إني مازحتها فيما بعد قائلاً : كيف تعارضين هذا ، وأنت موصلية ؟
عدنا من بغداد ، بعد أن قابلنا وزير الثقافة ، بخفي حنين ، لكن عزائي أني التقيت ، أثناء مقابلتنا الوزير الراوي ، الرفيق الراحل ، الإنسان الرائع كامل شياع ، وبعد اللقاء أخذني إلى مكتبه ، وهو مكتب غاية في التواضع ، أهذا مكتب وكيل وزير الثفافة ؟ لكنه يبقى مكتباً رائعاً ، فهو مكتب كامل شياع .
وذكرني بالمبلغ ، المخصص للمشاركين في مؤتمر المثقفين ، الذي عقد في الأشهر الأخيرة من وجود الأستاذ مفيد الجزائري في الوزارة ، وسألني : هل وصلك المبلغ ؟
أجبته : لا ، لم يصلني .
فقال بشيء من التأثر : كيف لم يصلك ؟ أنا أرسلته لك بنفسي مع ..
وتوقف ثم قال : مهلاً ، اسمه عندي .
فأمسكت يده ، وقلت : لا تتعب نفسك ، مادام لم يوصل المبلغ إليّ ، فلا أريد أن أعرفه أو أعرف اسمه .
وفي انتظار فرصة أخرى ، لابد أن تأتي في يوم ليس ببعيد ، رحت أواصل النشر في الداخل والخارج ، بل وبدأت أنشر قصصي ومسرحياتي ، حتى في مجلات محلية ، تصدر في بلدات صغيرة من سهل نينوى ، فنشرت في مجلة ” النوطير ” التي تصدر في قرقوش ، ومجلة زهرة نيسان ، التي تصدر في بعشيقة ، ومجلة الكرمة ، التي تصدر في كرمليس ، ومجلات سريانية تصدر في أماكن أخرى ، مثل مجلة بانيبال ، التي تصدر في عنكاوة ، ومجلة السراج ، التي تصدر في القوش .إضافة إلى ما أنشره ، بالتعاون مع الشاعر المبدع جليل خزعل ، مدير تحرير مجلة ” حبيبي ” في مجلة ” حبيبي ” الرائعة ، التي نشرت لي العديد من القصص الطويلة ، برسوم أبني عمر .
وبعد توقف مجلة ” حبيبي ” ، عاودت الاتصال بدار ثقافة الأطفال ، وشاركت في مسابقة ” مسرح الطفل ” ، التي أقامتها الدار بمناسبة مرور ” 40 ” عاماً على تأسيس مجلتي ، وفزت بالجائزة الثانية ، عن مسرحية ” وداعاً جدي ” ، وسبق لي ، قبل سنتين أن فزت بالجائزة الثانية في مسابقة السيناريو ، عن سيناريو بعنوان ” لصوص التاريخ ” .
وفي هذا العام ، ” 2010 ” ، أشرفت على صفحة للأطفال في جريدة ” الموصلية ” ، وتصدر حالياً مرتين في الأسبوع ، يرسمها بالأسود والأبيض ابني عمر ، وعملنا أنا والأستاذ ناهض الرمضاني ، الكاتب المسرحي المعرف ، ومدير مدارس الأوائل في الموصل ، على إصدار مجلة ملونة للأطفال في ” 32 ” صفحة ، وقد أنجزنا منها العدد صفر ، ونأمل أن نبدأ العمل قريباً في عددها الأول . وعلى نفس الصعيد ، أنجزنا أنا والفنان محمد العدواني وابني عمر ، العدد الأول من مجلة للأطفال ، تقع في ” 32 ” صفحة ، بعنوان ” ينابيع ، وقد صدرت بعد فترة قصيرة .
وكما توقفت المجلة الأولى ، قوس قزح ” توقفت المجلة الثانية ، لكني عدت في عام ” 2015 ” بمجلة ثالثة عنوانها ” بيبونة ” ، وتخطينا فيها عقدة العدد الأول ، فأصدرنا العدد الثاني ، وكاد العدد الثالث يرسل إلى المطبعة ، حين أصيبت المجلة ” بالسكتة ” .

شاهد أيضاً

صمـــــت
خلود الحسناوي – بغداد

طلقتُ الحديث لأجلكِ .. ولأجل عينكِ تآلفت مع صمتي .. طال انتظاري خلف أبواب ، …

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *