محمد الدمشقي : بغداد في حلتها الجديدة نص رائع للشاعر العراقي الفنان الأستاذ : كريم عبد الله

mohamad aldemishkiكعادة شاعرنا القدير كريم عبد الله دائما يكتب من صميم الواقع و هموم الوطن متجولا بين شوارع العراق و ازقته باحثا عن كل لقطة عميقة مؤثرة ناثرا الضوء رافضا للعتمة .. مصراً على التنوير مهما بلغ حجم الظلام عندما نقرأ لكريم عبد الله نشعر بأنه إنسان يشعر بعمق المأساة التي نعيشها في أوطاننا المنكوبة التي تعصف بها الفتن و الويلات أسلوبه الخاص يجعله دائما منبرا مختلفا و راقيا من منابر الفكر و الثقافة و الحرب على الجهل والطائفية و الانغلاق الرائع هو أنه فعلا يستخدم تلك العبارة التي تحلق في نصوصه ( لغة المرايا و النص الفسيفسائي ) المرآة هي أصدق طريقة لرؤية الواقع بصدق دون تجميل و تنميق و المرآة هنا هي مرآة المجتمع و الوطن و القلب … مرآة يظهر فيها الواقع و تتكشف من خلالها الحقائق و النص الفسيفسائي يرصد صورا متناثرة هنا و هناك و يجمعها لتشكل لوحة اجتماعية صادقة جدا الرائع كريم عبد الله يعيش بين الناس بكل متناقضات الحياة في مجتمعه و واقعه و لهذا نراه يرصد هموم الوطن بأسلوب يهز الوجدان و يدخل القلوب و العقول رغم قوة تعابيره و لغته و عمق معانيه و رموزه لكنه لا يستخدم لغة غامضة تتعب القارئ و تصيبه بالصداع بل على العكس يستخدم صورا راقية و مفردات سلسة تجعل القارئ يعيش ضمنها و كأنه جزء منها ما هي الحلة الجديدة لبغداد ؟ و ما المقصود بها ؟ هل هي حلة أمل ؟؟ أم حلة وجع و أسى ؟ يبدأ شاعرنا بعبارة تهز الوجدان فيخاطب بغداد قائلا : وأنتِ المغضوبِ عليها تنتظرينَ العطايا تأتيكِ بالبريدِ الدولي يغربلُ وجهَ دجلةَ سهمٌ نابتٌ في العيونِ لعلكِ تغنينَ أيّتها الفالتة مِنْ جهنم العمياء ! المغضوب عليها !! عبارة تهز القلب و توجعه … لماذا غضب على الوطن ؟ ما ذنبه ؟ ما جريمته ؟ ذنبه أنه وطن يأبى الخضوع و المهانة … ذنبه حضارته العميقة الممتدة قرونا من حنين غضبوا عليه لأنهم يرفضون أن يحيا كريما يخاطب شاعرنا كل عراقي من خلال بغداد هنا و هي تمثل كل العراقيين و ينصحهم بعدم انتظار الفرج من الخارج و من المجتمع الدولي الكاذب المنافق الظالم وجه دجلة يرمز هنا لكل معاني الطهر و النقاء … هناك سهم خرج من عيون غادرة أو ربما المقصود هنا سهم من عيون العاشقين كي تغني بغداد بعد أن فلتت من قبضة الجحيم و المقصود بهذا الجحيم الفتنة التي تعصف بالعراق و بالشرق بشعارات مختلفة و تحرق الأخضر و اليابس و ينتقل شاعرنا لسؤال حزين فيقول : مَنْ يعيدُ بيرقكِ والدهشة تنتشلُ مِنَ الهاويةِ صباحكِ المشرق بأحلامكِ المنهوبة و تموز عادَ شيخاً هرماً عجوز ! من يعيد النور و السمو و النضارة للوطن … هل هي دهشة تنتشل صباحاتها من الهاوية ؟ تلك الهشة تتمثل بمعجزة ما أو لحظة صدق مع الذات تجعلنا نندهش من سوء أفعالنا التي أودت ببلادنا إلى هذه الهاوية … من نهب أحلام الأرض ؟ هي صرخة هنا في وجه كل من نهب هذه الأحلام من تجار باسم الدين و السياسة و ظلاميين و إرهابيين و مخربين تموز طبعا هو إله سومري معروف في حضارة و تاريخ بلاد الرافدين و هو أسطورة ذلك الراعي الذي أحب عشتار و أخذه الشياطين نحو العالم السفلي و بكت عليه عشتار طويلا و لا نعرف إن عاد أو لا لكنه هنا عاد عجوزا و تموز يرمز مع عشتار للفصول و للطبيعة و النماء فلو عاد عجوزا فهذه مأساة و يتابع شاعرنا مع أساطير بلاد الرافدين و كأنه يصل الماضي بالحاضر و كأن التاريخ يعيد نفسه …. من يخرج العراق الحبيب من هذا الجحيم و العالم السفلي ؟ هل نبكي العراق كما بكت عشتار تموز ؟ كيف نخرج من هذا الجحيم ؟ يقول شاعرنا : لا ترحلي ( ننماخ )* إنْ أجدبتِ السماء يوماً وبيوت الفقراء غيماتهم العقيمة تمشّطُ أشجار الصنوبر وجذورها تبحثُ عبثاً عنْ نبعٍ يتفقدُ مفاتيحَ مباهجكِ ننماخ طبعا هي تلك المرأة العظيمة التي كانوا يتعبدون في معبدها و هي تناجي الإله .. يخاطبها لا ترحلي و لا تيأسي صحيح أن السماء أجدبت و الغيم صار عقيما لكن الفقراء و البسطاء ما زالوا يبحثون عن نبع يعيد لهم الحياة و ينقذهم و يعود الخطاب بعدها لبغداد و كأن شاعرنا يشبه بغداد بتلك المرأة العظيمة الصابرة المؤمنة فيقول بعدها : لماذا أنتِ غريبة دائماً وأحلامكِ يتناهبها قطاع الطرق ! تتوسدينَ وحدتكِ وتحتمينَ مِنْ رصاصاتِ الغدرِ بابنائكِ اليافعين الغربة هنا عميقة جدا عندما يخاطب بغداد بقوله : لماذا أنت غريبة …. هي غربة ترمز للكثير من أحزان العراق … غربة في الداخل نفسه بحثا عن مكانها الحقيقي بين الأمم … بحثا عن الأمان المفقود و الاستقرار المنشود هناك الكثير من قطاع الطرق الذين يسرقون الأحلام و يبيعون و يشترون في الأوطان و أنت يا بغداد وحدك في وجه وحوش تريد نهبك و قتلك تحتمين بأبنائك الذين يحبونك و يذودون في حماك و تقدمينهم قرابين لبقائك .. هل ذنبهم أنهم يحبون الوطن فتقتلهم رصاصات الغدر و الظلم ؟ و بعدها ينتقل شاعرنا لمشهد أكثر حرارة في تصاعد درامي رائع فيقول : تتيهينَ في حزنكِ الطويل للصبرِ تغزلينَ رداءَاً وحرائقكِ كثيرة يجدّدها الملثّمون , حيثُ لا فرحة تتهادى في أزقتكِ المحرومة مِنَ الأبتسام , كيفَ يؤتمنُ على صباحكِ والذئاب حولَكِ تنتظرُ ساعةَ الصفر ! . وضح شاعرنا هنا كل هموم العراق الحبيب الصابر حيث الحرائق حوله تأكل بهجته و تعبث برونقه … فتن كثيرة تعصف بأوطاننا و تحرمنا من الفرح و حتى من البسمات … كل الذئاب تتربص بها و بخيراتها و تنتظر سقوطها بين أنيابهم في كل لحظة و ينتقل شاعرنا نحو بصيص الأمل و يعبر عن صمود بغداد الصابرة بقوله : ستبقينَ تليّنينَ هذه العتمة يا لهفة العشّاقِ ويستقطرُ عشقكِ يملأُ حقائبهم , الثكناتُ على إمتدادِ طريقِ عودتكِ عجيبُ أنْ تتحدّى زرقةَ عينيكِ وتدسُّ فيهما الرمادَ هل تلين العتمة بالحب ؟ هل يرسم الحب طريقا نحو الفرج و النجاة ؟ و لماذا تلك الثكنات العسكرية المتضاربة التي تحيط بالوطن بشعارات مختلفة حتى صار صوت السلاح يطغى على كل الأصوات و يدس الموت و الرماد في عيونها الزرقاء كناية عن الصفاء و الأمان و السماء الزرقاء الخالية من غيوم الحزن و الكآبة و البؤس و الموت و يوضح لنا قدرة هذه البلاد على البقاء و الصمود و تحدي الموت فيقول شاعرنا : مازلتِ تجيدينَ تفريغَ الحزن والفرات يمسحُ عنْ وجه القمرِ دخانَ المدافع . سينقشعُ البياضَ مِنْ عينيكِ وتردّدينَ ( إحنا ياما للحبايب شكثرْ وشكدّْ سامحينهْ شفنهْ منهم كلْ مصايبْ لكن نحبهم بقينهْ )* نعم سيمسح الفرات دخان الموت و يعيد للعراق الأمن و الأمان و الطمأنينة .. و سيبقى قمر بغداد ينير ليلاتها و سيعود لها البصر كما عاد البصر لسيدنا يعقوب عليه السلام بعودة سيدنا يوسف عليه السلام و ما أجمل استشهاد شاعرنا بهذه الأغنية الشعبية الرقيقة التي يكسوها الحب و تعبر عن بساطة هذا الشعب العراقي الطيب المحب المتسامح و فيها دعوة للحب و التسامح و الوفاء و يختم شاعرنا بالأمل و اليقين فيقول : سيحملُ الحصّادونَ خيباتهم معهم , قدركِ أنْ تهتكينَ أستار قسوتهم و تنجبينَ صبحاً جديداً زاهياً يركضُ في حقولِ القمح يحملُ أفراحَ نيسان , أيّتها المبلولةُ بأريجِ الحضاراتِ يامَنْ تعمّدها الآلهة ستتأبطينَ المحنةَ تحرسكِ نجومَ السماء ويتطايرُ السخامُ مِنْ حيطانكِ المتعبة وتُخضّبُ بالحنّاء مِنْ جديد . نعم سيخيب المجرمون الحصادون و لن يحصدوا إلا الندامة و الخسران و ستشرق الشمس و تتبوأ بغداد مكانتها الحقيقية في ريادة الأمم و الصبح قريب مهما طال الليل نص رائع و أسلوب رقراق اعتمد على الجمل الطويلة بنفس خاطري شعري رائع و أسلوب فسيفسائي بديع ربط الماضي بالحاضر بأسلوب رائع و عميق

شاهد أيضاً

ثامر الحاج امين: تداخل السِيَر في رواية (رُقم الغياب)

ضمن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق صدر مؤخراً رواية ( رُقم الغياب ) …

مريم لطفي: بصمة الهايكو وتاثيرها على النفس..

“الرسم شعر صامت والشعر تصوير ناطق”.. سيمونيدس يرجع المؤرخون اصالة الهايكو الى اليابان على يد …

شوقي كريم حسن: تحسين كرمياني.. سرديات المخفي والمجهول.

* كيف يمكن نقل الوعي التراكمي، الى بياض السرد، ومن خلال لغة قد لاتكون الارثية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *