هادي الحسيني : حسب الشيخ جعفر ودموع غازي العبادي ! (ملف/19)

hadi alhusainiما أن يمّر ذكر الشعر العراقي في أي جلسة او ندوة ادبية حتى يقفز اسم الشاعر حسب الشيخ جعفر كطائر حمل سر التكوين بين جناحيه , وحمل كل اريج المحبة والمعاناة التي جثمت على الانسان العراقي منذ عقود طويلة , هذا الشاعر الذي اخلص للشعر منذ ايام الصبا الاولى ظل يجوب الفضاءات كل الفضاءات بدون رتوش . يتعامل في حياته اليومية مع الانسان بشفافية عالية جداً تحيلك في أحايين كثيرة الى البراءة والطفولة الصافية البيضاء كبياض الثلج , انه لا يخاف من الاعالي , لكنه يخشى الاعماق , يخاف من المرأة الرائعة , المرأة المتحولة والمتقلبة من حال الى حال , ويحبها ويرتعب امامها , يحلم بان يسكنها , ان يتلمس اعماقها , عله يجد الرعشة التي تأخذه عميقاً وبعيداً , حيث سر الجمال الرهيب , الى الفكرة الجمالية المخفية التي تحترق بها الاعالي في الاعماق .
ففي بداية ستينيات القرن الماضي حصل الشاعر حسب الشيخ جعفر على بعثة دراسية الى موسكو عندما كان شاباً يافعاً همه الاول الدراسة والشعر , ولم يكن قد زار العاصمة بغداد بعد . فمن مدينته ” العمارة” التي ولد فيها عام 1942 الى موسكو , غير انه قد مر مرور الكرام بعاصمته بغداد التي لم يرَ منها شيئاً ابدا , كان ذلك ليلاً في السيارة التي نقلته الى مطار بغداد . الشاعر الشاب آنذاك انهمك بدراسته في معهد غوركي متفوقاً على اقرانه من الطلاب الذين معه في نفس المعهد حاصلاً على ماجستير في الاداب , فقد أتقن اللغة الروسية ودرس الادب الروسي بطريقة مكنته من ان يكون واحداً من الادباء القلائل الذين زودوا المكتبة العربية بالعديد من الترجمات عن الادب الروسي, فترجم بوشكين ,انا أخماتوفا , مايكوفسكي , يسنين ,الكسندر بلوك , باثيو , حمزاتوف وغابرييلا ميسترال . ما بين 1979 – 1999 , واصدر من المجاميع الشعرية التي قفزت قفزات تاريخية لا مثيل لها , مثل نخلة الله , الطائر الخشبي , زيارة السيدة السومرية , عبر الحائط في المرآة, في حنو الزوبعة , اعمدة سمرقند , كران البور , ورماد الدرويش , وغيرها والتي جعلت من هذا الشاعر ان يخلق ثمة انفلاق شعري فريد من نوعه في تاريخ القصيدة الحديثة .
فيما كان له الدور الاول في استخدام وتوظيف القصيدة المدورة , الامر الذي جعل البياتي وسعدي يوسف ومحمود درويش ان يحذوا حذوه على الرغم من مكانتهم وقامتهم الشعرية الكبرى في ريادة القصيدة العربية . وقد كان الشاعر من اشد المعجبين بشعر البياتي ونازك الملائكة ,. وبينما هو يدرس في موسكو شاءت الصدف ان يلتقي بعبد الوهاب البياتي , وكان لقاءاً حميمياً , وقد أهدى البياتي ديوانان جديدان للشاعر الشاب كان قد أصدرهما بعد ديوانيه , ملائكة وشياطين واباريق مهشمة , وهما , كلمات لا تموت , وعيون الكلاب الميتة, كعربون صداقة , بينما حسب الشيخ جعفر قدم للبياتي ديوانه المخطوط الاول , نخلة الله , سائلاً اياه هل آن الاوان لطبعه , فاجابه البياتي بعد ان قرأ نخلة الله , انه ديوان جميل ومهم ومادمت في الثامنة عشرة من عمرك فعليك التأني , كان ذلك في عام 1960 وفعلاً فقد اخذ الشاعر بالنصيحة وأجل طباعة ديوانه حتى عام 1969 وتعاقبت بعد ذلك hasab 8المجاميع والكتب النثرية والترجمات والتي بشرت منذ نخلة الله بمستقبل رائع وكبير . وقد امتدت صداقة البياتي وحسب الشيخ جعفر منذ ذلك التاريخ حتى رحيل البياتي في دمشق عام 1999 وفي موسكو كان حسب الشيخ جعفر قد ألتقا بالعديد من الادباء والفنانين العراقيين ومن بينهم سعدي يوسف وغائب طعمة فرمان والفنان والمعماري المعروف د خالد السلطاني وغازي العبادي والفنان والكاتب احمد النعمان واخرين , وكان قد عقد في موسكو مهرجاناً شعريا شارك فيه الجواهري الكبير والبياتي وحسب الشيخ جعفر , وعندما قُرأت نصوصهم مرفقة بترجمة فورية صفق الجمهور كثيراً لقصائد الشاعر الشاب , الامر الذي جعل من الجواهري الكبير ان يحتضن حسب الشيخ جعفر ويضمه الى صدره قائلاً له: جميل ايها الشاعر الشاب الذي رفع رؤسنا عالياً , وطبعا هذا لا يعني ان قصائد الجواهري العظيم والبياتي اقل جمالا من قصائد حسب الشيخ آنذاك , الا ان الترجمة لعبت دورها في ذلك امام الجمهور , كون ان قصائد حسب سهلة الهضم روسياً بعد ترجمتها , والجميع يعرف ان من الصعوبة هضم وترجمة شعراً مثل شعر الجواهري وغيره من الشعراء الكلاسيكيين . وبعد ان تخرج هذا الشاعر من معهد غوركي كانت جائزة ” لينين” قد اعلنت عن فوزه بها , فقد كان حسب الشيخ جعفر اول شاعر عربي يفوز بتلك الجائزة والتي لا تعطى الا للشعراء العالميين آنذاك .. وبينما هو يعود الى العراق بعد ان اكمل دراسته المبعوث اليها , اذ بدأ كشاعر يعتلي سلم المجد الشعري ليكون في طليعة شعراء العقد الستيني , الا انه كان ينظر اليه كحالة خاصة وفريدة , فيما اذا مّر ذكر شعراء الستينيات ضمن سياقات النقد الادبي , فعندما كان يفاجيء القاريء والناقد بمجموعة شعرية او قصيدة جديدة , تجده يردف باخرى , وبقوة شعرية فريدة مكنته ليكون في المقدمة , وعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي اكتسبها حسب الشيخ جعفر على الصعيد العراقي والعربي , والتي كانت نابعة من شعريته العالية فقط , لا من التسابق لخطف الاضواء كما يفعل البعض من خلال الحوارات الشبه يومية في الصحف والمجلات وعبر شاشات التلفزة , فقد كان وما زال هذا الشاعر يكره الاضواء والحوارات المجانيه فهو مخلص لشعره فقط ولنفسه كأنسان kh hasab 1همه الاوحد كيف يخرج الثمار الصافية والطازجة من ذلك البستان الشعري الكبير ليقدمه على طبق من ذهب بين يدي القاريء , لقد كان هذا الشاعر صاحب القلب الصافي يتعامل مع الاشياء وكل من هو حوله بدقة وبحرص شديدين , كونه ابن بيئة جنوبية طيبة مكنته وعلمته على كل ما يمت للأنسان بصلة .وقد عاش الشاعر حياة ملؤها الفقر والعوز على الرغم من انه يعيش في اغنى بقعة على وجه الارض ، ارض الرافدين , لكن الظروف الدروماتيكية المتقلبة باستمرار التي كانت البلاد تعيشها وما زالت حتى يومنا هذا وخاصة الفترة السياسية العصيبة التي مّر بها العراق في ظل نظام الحزب الواحد.. وبعد حربين ضروسين ذهب ضحيتهما الآلاف من الابرياء دون سبب او ذنب , جاءت صفحة الحصار الذي تسبب بمقتل الآلاف ايضاً كنتيجة طبيعية في النقص الكلي لكل ما هو ضروري للأنسان , وفي نفس الوقت ازداد النظام الحاكم آنذاك في الحد من حرية الانسان وقمعه بشتى الطرق المتاحة لديه الامر الذي سبب هجرة كبيرة من العراقيين الى خارج البلاد على الرغم من ان كل الذين خرجوا كانوا على دراية تامة في المعاناة الصعبة التي تنتظرهم في تلك الغربة المذلة في احايين كثيرة , وكانت قد تزايدت هجرة الادباء والفنانين الى الاردن , وقد عانوا الامرين , الغربة والصعوبات الناتجة من جراءها , والمعاملة المذلة التي كانوا يتلقوها من العديد من الاخوة العرب , اشياء واشياء كثيرة عصفت بالاديب العراقي عندما وضع اولى خطواته على اعتاب المنفى القسري مخلفاً وراءه الاهل والوطن والاحبة وذكرياته التي تطايرت عنوة دون سابق انذار, . وقد كانت العاصمة عمّان المحطة الاولى لأغلب الادباء العراقيين قبيل ان تتلاقفهم المنافي الواحد تلو الاخر !
حينها أي في بداية التسعينيات كان البياتي وسعدي يوسف قد استقروا في تلك العاصمة بعد غربة طويلة علهم من خلال هذا القرب ان يشموا رائحة العراق ولو من بعيد , بعد ان ثكلتهم الغربة كل احبتهم وكل ما هو جميل في وطنهم , كان الجميع يهم هماً كبيراً بحسب الشيخ جعفر الذي بدأت اوضاعه المعيشية تزداد سوءاً بعد سوء , وهو الشاعر الذي يتقاطع مع السلطة في كل طروحاته اليسارية المعروفة للجميع , حتى اواخر العام 1996 فقد وصل الشاعر بعد كبير عناء الى عمّان , وكان قد استأجر غرفة في فندق داخل العاصمة وبثمن باهظ دون علم مسبق بالاشياء في تلك المدينة , وحيث انه كان لم يملك مبلغاً يؤهله للعيش غير بضعة ايام قلائل , وما ان عرف البياتي بوصوله حتى ارسل الشاعر نصيف الناصري على الفور ليخرجه من الفندق ويسكن في غرفته التي كان قد أستأجرها مؤخراً من الشاعر علي الشلاه بعد سفره الى ايطاليا ومن ثم استقراره في سويسرا , كانت الغرفة جميلة وفي حي راقي قريباً من غاليري الفينيق , بعدها ظل البياتي وحسب الشيخ يلتقون شبه يومياً في الفينيق مستمتعين بذكرياتهم في موسكو, والحق يقال فنحن الشباب الذين كنا نجلس معهم في تلك الجلسات الخمرية وغيرها قد استفدنا كثيراً من تلك التجارب الكبيرة والجبارة التي يظل الانسان واقفاً امامها باحترام وخشوع . لقد اندهشتُ كثيراً من الاحترام المتبادل بينهما حتى وهم في حالات الشرب, وبعد فترة قصيرة اضطر نصيف الناصري وضيفه القادم من بغداد الى مغادرة المكان الجميل الذي كانوا يسكنونه بسبب عدم قدرتهم بدفع الايجار , الامر الذي أضطر حسب الشيخ جعفر ان يسكن مع صديقه القديم النحات العراقي اياد صادق في بيت من صفيح الطين وسط بستان صغير جداً في قلب العاصمة عمّان , فعندما تبدأ بدخول ذلك البستان عليك الانحدار من سلم كونكريتي قديم يفضي بك الى هاوية جبل اللويبدة , ومن ثم تدخل في معترك الاشجار المثمرة التي كنا نقطف منها باستمرار لنزيد من مطيبات الشراب في اواخر الليل يومياً . وكان النحات اياد صادق كريما مع ضيفه على الرغم من ظروفه المادية الصعبة مع إننا كنا جميعا نمّر بتلك الظروف الا انها متفاوته من حالة الى اخرى .
بعد ايام قلائل زار حسب الشيخ صديقه القديم الشاعر الكبير سعدي يوسف في بيته والذي فارقه سنوات طوال فقد كان لقاءاً حزيناً وجميلاً استمر لساعات طويلة , واستمرت هذه الزيارات بصورة اسبوعية , يكون فيها سعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر كأنما في بغداد بداية عقد السبعينيات عندما كانوا يشعلون الليالي بالشعر والخمر , ولطالما احتدوا بالنقاش في مسيرة الشعر العراقي بشكل خاص والعربي بشكل عام , ومن ثم الانتقال والمقارنة في الشعر الروسي والانكليزي والامريكي , معرجين الى المتنبي وابو نؤاس ,والوقوف عند تجارب الشباب الشعرية وما طرحته المكتبات من الكتب الجديدة , في تلك الاثناء كنت وصديقي الشاعر نصيف الناصري نقف مذهولين امام تجربتين كبيرتين خطت اسمائها بحروف من ذهب . . وبينما كانت ظروف حسب الشيخ جعفر المادية سيئة دون أي وارد يذكر ما عدا ما بدأ ينشره في جريدة الدستور الاردنية في ملحقها الثقافي وما ينشره في مجلة عمّان الثقافية الشهرية . كانت المعارضة العراقية قد فتحت مكاتبها في العاصمة عمّان حتى اتصلت به بواسطة البعض لكي تنقذه من الوضع المعاشي الصعب مقابل الكتابة لها في صحفها واذاعاتها , الا انه رفض رفضاً قاطعاً في الانخراط في صفوفها , كونه قد طلق العمل السياسي منذ سنوات طويلة , وان كان في قلبه بعض الحنين الى الماضي الذي يحترمه, تجده دائماً يعشق الحسين( ع ) وجيفارا وسلام عادل وكل الثائرين بالحق والعدل في تواريخ الشعوب المغلوبة على امرها … بعد ذلك بايام فقد استقر الحال بذلك الشاعر الكبير في غرفة فاضل جواد الواقعة بجبل الحسين والتي تركها هو ووسام هاشم وعبود الجابري بعد ان قدمت عوائلهم من العراق الى عمّان , بطريقة غير شرعية خوفا من سلطات القمع انذاك , كانت الغرفة سكناً مريحا نوعا ما ذلك انه خالي من الجيران الاردنيين , الامر الذي مكننا من بسط راحتنا في سهراتنا الليلية اليومية تقريباً , وكنا حسب الشيخ ونصيف الناصري وحسن السعيدي وانا في تلك الغرفة التي شهدت جلسات خمرية ادبية وامسيات شعرية وموسيقية وغنائية قليلة من نوعها , ولم تفارق ذاكرتي ابداً تلك الجلسة الحميمية في ليلة رأس السنة من عام 1998 والتي زارنا فيها اصدقاء ِحسب الشيخ جعفر القدماء , القادمون من المنافي البعيدة اذكر منهم ,الشعراء فوزي كريم وصلاح نيازي وخزعل الماجدي وهذا الاخير قد تألق ذلك اليوم شعرياً وفنياً وجمالياً , وقد استقبل الجميع السنة الجديدة بمزيد من القصائد التي قرأوها في تلك الغرفة والتي ما زالت جدران الغرفة تقف بصلابة غير معهودة من شدة القصائد التي قرأت في ذلك اليوم الجميل , انها لحظات لا تنسى ابدا …
kh hasab 5وبعد وصول الشاعر الى عمّان بايام كانت دار المدى قد اصدرت كتابه النثري اوكتاب السيرة والذي هو بعنوان ( الريح تمحو والرمال تتذكر ) كان سعدي يوسف قد جلبه معه الى صديقه حسب الشيخ جعفر عندما كان يزور دمشق شهريا اثناء ترأسه لتحرير مجلة المدى , وقد تحدث الشاعر في ذلك الكتاب عن سيرته الشعرية وايام موسكو بطريقة فنية غاية في الجمال والروعة , والكتاب واحد من الكتب المهمة التي اصدرتها دار المدى ضمن مسيرتها الطويلة برفد الحركة الثقافية العراقية والعربية ., وقد كان الشاعر لا يكن الكثير من الارتياح للطارئين الذين كانوا يحاولون التسلل عنوة الى غرفتنا , فقط كان يحب الجلوس مع الشباب الذين يعرفهم من بغداد خاصة الادباء نصيف الناصري وفاضل جواد وحسن السعيدي وعلي السوداني ومحمد النصار وعلي عبد الامير وسعد جاسم وصديقه النحات اياد صادق ووسام هاشم , وهذا الاخير كان يزورنا اسبوعياً ويبقى حتى الصباح مع حسب الشيخ جعفر يسامره بطريقة فريدة من نوعها .. ولطالما استضاف الشاعر اصدقاءه الذين يكن لهم مودة واحترام كبيرين خاصة للدكتور المعماري الفنان خالد السلطاني الذي لم يمض اسبوع في عمّان الا وقد جاء من جامعة موته في محافظة الكرك سائلاً عن احوال صديقه الشاعر , ولطالما تنفس الشاعر الحرية التي كان محروماً منها في بغداد عندما التقى اصدقاء الابداع الحقيقي بعمّان . وكالمعتاد ففي كل يوم كنا نجلس في مقهى السنترال نهاراً , كان المرحوم القاص غازي العبادي يجلس في شرفة المقهى حيث انه جاء عمّان قبل حسب الشيخ بشهر او اكثر , وقد سألني عنه قلت له : انه في البيت , بعد فترة قصيرة استأذنته في الذهاب الى صندوق البريد لأرى ما وصل من الرسائل لي ولأصدقائي الشباب , وما ان فتحت صندوق البريد حتى وجدت برقية قادمة من بغداد , ومضمونها : الى حسب الشيخ جعفر , احضر حالاً لمجلس الفاتحة على روح زوجتك , ام نؤاس ..كانت البرقية لا تحمل عنوان صندوق بريدي انما عنوان غاليري الفينيق والذي هو عنوان حسب منذ اول يوم وصل فيه عمّان , ولحد الان لا اعرف كيف جاءت تلك البرقية على عنواني البريدي بالخطأ . بقيت متأملاً كيف لي ان ابلغ الشاعر بوفاة زوجته التي تركها في بغداد مع ابناءه , عدت ادراجي الى مقهى السنترال وتمعنت في الامر جيداً , فليس امامي غير غازي العبادي والذي هو اقرب شخص لحسب الشيخ… فهم ابناء مدينة وقرية واحدة واصدقاء طفولة , فلما قلت له بالامر انتفض واراد الصراخ الا انني هدأت من روعه وانزلني مسرعاً الى الشارع قائلاً لي هل تعرف مكان سكن حسب قلت: نعم , قال : فلنذهب اليه على الفور , وفي الطريق اتفقنا بعد ان فكرنا كثيراً في كيفية وقوع الخبر عليه وهو مازال في سباته , على اننا لم نقوم بابلاغه , فبعد الساعة الخامسة عصراً سوف نجتمع جميعاً على مائدة البياتي في غاليري الفينيق ولسوف يقوم البياتي بتلك المهمة كونه اكبرنا سناً …وما ان طرقنا باب الغرفة على الشاعر حتى فز من نومه مرعوباً وكأنه يعلم ثمة امر ما ؟ وما ان فتح الباب وشاهدنا قال لنا اهلاً , وقبل ان يكمل صرخ غازي العبادي باكياً بقوة ومعانقاً حسب الشيخ جعفر, قائلاً له البقاء في حياتك يا اخي حسب , قال حسب مندهشاً: بمنْ , قال له زوجتك ام نؤاس , في تلك الاثناء جلست انا على الاريكة وهم واقفون في جل المأساة , قلت لغازي العبادي بعد ان اخذ حسب يفكر وحده في الامر , ما هكذا كان الاتفاق يا ابا ضفاف , قال لا يا ابني انت لا تعرف ماذا يعني لي حسب الشيخ جعفر ! لم ينطق حسب بكلمة واحدة بعد ان افرغ غازي العبادي ما بقلبه , فقد اشعل سجارته ويده ترتعش من شدة الصدمة التي باغتته وهو يضع خطواته الاولى في المنفى , ثم التفت لي وسألني عن صحة الخبر , وبعد ان تيقن انه حقيقة , ظل يتأمل كثيراً , ذلك انه اعتقد انها خدعة من المؤسسة الصدامية لكي تعيده الى بغداد خاصة ان حميد سعيد ظل يلح عليه كثيراً في العودة وعدم الانخراط في المعارضة قبل سفره من بغداد … ذهبنا الى مركز المدينة وقمنا بالاتصال في بغداد وقد تأكد صحة الخبر , لكن اولاده قالوا ان العزاء انتهى منذ ثلاثة ايام فلا داعي لمجيئك ,..
لقد مّر هذا الشاعر بايام صعبة حقاً الا انه كان اقوى منها واستطاع ان يتغلب عليها بالرغم من ظروفه المادية السيئة , وشاءت الاقدار ان يكتب شاعر اردني مقالاً في صحيفة الدستور الاردنية ان من المخجل على وزارة الثقافة الاردنية ان يكون في ضيافتها شاعر بحجم حسب الشيخ جعفر يسكن في غرفة بائسة في جبل الحسين , بعد يوم من نشر المقال جاءنا الى الغرفة عبد الله حمدان رئيس تحرير مجلة عمّان الثقافية قائلاً ان امين عمّان الاستاذ محمود العبادي سوف يقوم بزيارة الشاعر بهذه الغرفة عصراً , وبالفعل جاء السيد محمود العبادي امين عمّان وجلس في غرفة حسب لساعتين سائلا عن اوضاعه ومن خلال الحديث تبين ان امين عمان يعرف الشاعر منذ الستينيات حيث كان يدرس ايضا في موسكو , كانت صدفة اثلجت قلب امين عمان , في حينها كانت الصحافة الاردنية قد تحدثت عن هذه الزيارة والتي لأول مرة يقوم بها مسوؤل اردني رفيع المستوى لشاعر عراقي … وبينما تنثال المواجع على الشاعر, فقد ظل ينزف شعراً يومياً دون ان يدري حتى انه في اقل من شهر اكمل مجموعة شعرية … وقد انجز حسب الشيخ جعفر اكثر من ثلاث مجاميع شعرية وكتب في الترجمة والنثر خلال فترة مكوثه في العاصمة الاردنية عمّان , ومازال عطاءه يتدفق بشكل كبير من خلال ما يكتبه في زاويته الاسبوعية بجريدة الخليج الاماراتية منذ اكثر من خمس سنوات بعد ان عرض عليه الكتابة فيها الشاعر الفلسطيني المبدع الصديق يوسف ابو لوز وخصص له راتبا شهرياً كان قد اعانه في غربته , وكذلك ما يكتبه بشكل مستمر في جريدة الزمان اللندنية وبعد كل هذا العطاء الثري لشاعر كبير بحجم حسب الشيخ جعفر ظل مواظباً على ابداعه في الشعر والترجمة حتى بعد أن غادر العديد من اصدقائه الى المنافي الواحد بعد الآخر وما أن سقط النظام عاد الشاعر الى وطنه العراق .

* عن موقع سطور

شاهد أيضاً

د. نجم عبد الله كاظم: المثقف .. والذات المسعورة (ملف/2)

بدايةً من جميل ما يتعلق بكتابتي لهذا الرد أنه يأتي مباشرةً بعد عودتي وزوجتي من …

الناقد الكبير د. نجم عبد الله كاظم.. سيرة حافلة بالعطاء (ملف/1)

نجم عبد الله كاظم (1951- 31 تموز 2020) ناقد وأكاديمي عراقي.. يحمل شهادة الدكتوراه في …

التقنيات الأسلوبية في شعرية الومضة قصيدة:
(أسئلة الشعراء) للشاعر العراقي “سعد جاسم” أنموذجاً
د. وليد العرفي (ملف/6)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *