د. وجدان الخشاب : لهاث تايتنك

wejdan alkhashabالعراق

كُن شاهداً متوحداً يحكي انفلات الصمت من حنجرة تكاثرت شموسها ورياحها ونخلها …. ليسقط هذا الصمت في مركز دائرة الذاكرة / والدائرة عزل وحيرة – دائماً كانت الدائرة عازلة ومعزولة – يدور على محيطها / وينظر إلى زمنه محاذياً أو معاتبا هذا الزمن الذي ينهمر ليتراكم في طقس صائح ينتظر الصمت ليخترقا قناع الصوت معاً … لكنَّه الزمن يخاتل أبداً ليسيل مُهرِّجاً فوق رؤوسنا الغارقة في برودة زجاج غامقُ … وأنا أقف في /الآن / أتلقط هوسي المنثور في ظل نشوة أثارتها لحظة طفولة راكضة وراء فراشة تنثر ألوانها/ مسكوناً بلحظتي المفقودة التي صحت على نور زمن أبله / زمن أنصتُ فيه إلى عصف رياحك وهي تخترم فضاءآتي / رياحك التي تداعت تحت دبيب أظافرها أجنحتي…. مَن يمنحني أجنحة توقفني في قعر كأس ؟
أجنحة تراوغ رياحك الهوجاء …
– رياحي ؟
– وهل لي رياح تعصف بوجه طوفان ؟
– لك رياح تتلوى في كهف زمن غائر / تغادره لتهيل ترابه في عينيَّ ورئتيَّ وتأريخي / تُعبِّد طريق الهجر بزخات مطر تقسو ثمَّ تخندق المسافة إلى فراغ قائم بيننا …
المسافة أنا كوّرتُ أيامها … خفقاتها … رفضها وقبولها /المسافة بيننا مرسومة بحدِّ الهجر والكبرياء / وأنت …
أنت ياليل – كما بدوتَ لنا دائماً – من أتباع الضوء … مسكوناً بحفيف يقبع في فراغ ضيّق بين طرف اللسان وحافة الشفة / هناك الصمت قوّام والكلام مؤجّل بل ممهور بصفحة سجل الذاكرة الثقيل / هناك …
أنتَ- تماماً- محشور ….
وتتهيأ لتركض في وجه شمس لها نداءات مُصوّتة تعلن انعتاق النهار / نهار يُلوِّنً لحظات – هي أشبه بالمأزق – تدفع بالدماء إلى غزو ما يبدو من ملامح وجهك / أو … تفرِّغه هذا الوجه من الدماء .
دائماً … بشئ من القلق والكبرياء …
أردتَ أن تنحفر في صلصال فضائي الورقي / يا … ليل … فضائي الذي اتقد / ذاكرتي تناهضت / والطقس ينتظر خلف رتاج الباب / الأسوار ترتعب وتحترف الوقوف المتلفت / الخطوة تنقاد وصمتها مرفرف … يوقد غبار الأسئلة والتوقع …
آن لك أن تختار بين رمل ينحل مهاجراً لا يعرف مثواه … وبين ضحك رنان تُهرِّج وراء أستاره دمعة …
ها نحن …
– مَن ؟
– ليل وأنا
أعصابنا تهوي وتلتقي في النار / هتافها تتناقله الدروب / هتاف لا يتراجع / أعصابنا تملكتها أبوب وأقفال جامحة / ويرتعش النداء / تتشابك أبعاده / نداء …. بدا مأسوراً في ضجة / لا .. بل هو حائر / يدور على الأقفال / يرتكن إلى هتاف العصب ثم يتسلل بعضه إلى بعضه / ويرى إليها النداءات تجالس بعضها / تآلفت / تقيّأت أسرارها / وليل … وأنا نشهد انغراس العصب في لُجّة النار / يا … عصب / لهاثك يمزّق اللحظة /اللحظة تمزّق أوردتها ودمها اللاهث في مسارات الجلد المُعبأ بجسد يتخلّى عنك وينتمي إليك / وأنت يا عصب لاهث أبداً / بلا يأس خلف أسوار تأبى اختراقك لها / أبوابها مأجورة لقبضات مسنونة وفتحاتها محروسة بأنياب تومض مكشِّرة عبر الظلمة … وأنت ؟
– ….
– أنتَ احتراق يدور على قدمين !
احتراق الحرف أو احتراق الذاكرة التي بدت مغتربة خارج ذاتها / تمدُّ نواياك مجسّات نحو أجساد ملونة تنبض / مجسّات هائمة تبعثر أنفاسها وتجهد لالتقاط نبضة ما / علَّها تنفض صراعات اللحظة الماضية أو الآتية …
لا فرق … صراع يحاور ذاته لحظة ثم يعود رافلاً بأشعة قمر مساء شاحب … ولا لقاء
صراع …
– صراع ؟
– نعم … أنتَ / الآن / في بؤرة صراع …
تغرس أنيابكَ في قلبك / ينزف القلب قطرات مائه / قطرات بمذاق مالح تتوهج بمسار انحدارها / تقطر على وجه صحرائكَ / تتعفر بغبارها / وقلبكَ يوصد وجهه وذراعيه على ذاته … وينكفيء هو الآخر منهوشاً بذرات غبار توشوش الجسد المنهك للقطرة وتخدِّره / لكنَّها قطرات من قلبكَ المراوغ أبداً / تنزلق غارسة مجساتها / لتنفلت من مدار ينتظم لينغلق على ذاته / قلبكَ المراوغ أبداً عصفور يصارع ما فيه من إرث نسر أو صقر … يختبيء تحت أجنحته المدهوشة بفوران إرث لم تحسب له حساب …
ما بعد الآن … ؟
– ماذا؟
– قد …
تنشطر بوابات العالم لتدفع إلى اعصابكَ ضجة الظلمة أو صمت النور / لا فرق …
فيما أنا أرقب الشاشة … وأصرخ :
يا للبهاء …
ليوناردو يتشمع في معرض شمعي …
ألواح تايتانك تؤرق صحوتي / تغافلني / تفتح ميراثي أو ميراث البحر الذي عشقها … وفتح بوابات الحنان / ليدثِّر طفولتها / يهدهد خوفها فيما يشبه الجنون / يهذي / يتراقص بوحشية ظفر يتسلل عبر الجسد …
تايتانك …
تغفو أشلاء في حضن البحر … على شاطئه ركنت حصاة اختزنت تأريخ ما قبل التأريخ … وربما … ما بعده … لتعلن دائماً :
خرافة هو ايقاع البحر
– نعم !!
– دائما … أعلنتَ :
خرافة هو ايقاع البحر …
– وتايتانك …
– ماذا ؟
– تايتانك … وارتعاشة بحر وأصابعه التي بدأت تلتهب وتقلِّب الأزمنة / تمنح فصوله غير أثوابها / تثور وتهدأ / لكنَّها تايتانك التي تُمسي في نهار أو في منتصف نهار / تعلِّقه
– الماء أو النهار – لتعلن لإيقاع البحر :
أعد إليّ قسمات وجهي التي تساقطت في كفيّ
/ كفيَّ الآن بلا أصابع .. وصحوي مهزوم توهَّج
صوته ثم خبا في بقاع تاهت عن سُلالتها /
أغفو وأبوابي مشرعة / يا أنا .. أنا التي لم
تحصن برجائي أو غزواتي / ناديتُ رملك
الممهور بالصمت والقهر / تعلقت بصبّاره علّه
يورق أو يُرحِّل نداءاته إلى تخوم الفراغ
…… يا أنا …
وعينيَّ مقصيّة عن مدى الرؤية / يراودني
حنين شفتي إلى صرخة / نسيت أعصابي
انتسابها إليَّ / لم أغضب ……
لــ م أ غــ ضــ ب
لــ م أ غ ضــ ب
لكن
يفجرني الحنين إلى دمي الذي هجرني وطاف في دروب تبعت خطواتكَ .. لكنَّها في لحظةٍ ما اكتشفت أنَّها … وحيدة …
وحيدة أغتسل بناري / وأطوف حول حواف دخاني / ترى مَن يتسآءل عن بقاياه التي انحفرت في رُقُـم طينية خزَّنتها أصابع التأريخ في زاوية بحر يُعتم ؟
أنا !!
نطق البحر ليفور بحروف تعلن:
علَّقتُ أعصابي وقسمات وجهي على مشجب
يغفو في ظل زمن بذر بذرته الأُولى ثم عجز
عن إيقاف تناسلها …
مَن يوقف فوراني …؟
مَن يوقف فوراني … ؟

تلمست تايتانك بعضها … احتوت البحر لتهمس إلى عروقه :
نقتسم دمي ودمعك / نمتد / نلتصق / ننبعث /
نتهدم / يلتحم الوهج بالشفاه اللاهثة التي تنسحق
مثل انسحاق عابد في لُجّة بهاء معبود …
وينزوي النهار …
لينعتق الليل الذي نامت في هدأته أصابعي / أنا السفينة – الخرافة / التفّتْ بقايا عيوني بومض هاديء الانفاس / اتكأ بعضي على بعضي … وغفا هامساً للبحر :
نَمْ يا صغيري …
نَمْ يا صغيري …
نَمْ يا صغيري …
نَمْ يا صغيري …

شاهد أيضاً

مقداد مسعود: الأخضر بن يوسف

وَلِهٌ بهذا الليلِ . في النهارات : أنتَ منشغلٌ بالأرض تجتث ُ ما تكدّسَ في …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/2) بقلم: سعيد بوخليط

العمل في المقاهي كالجلوس المتعفف داخل فضائها،يقدم لصاحبه أطباق حكايات حياتية متعددة،تنطوي على ألغاز ثرية …

الأيام الأولى في أوستن، 1998 / جيمس كيلمان
ترجمة صالح الرزوق

من أجل ماك على الطريق السريع للحياة ، سيكون هناك فرص تكسبها على الطريق السريع …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *