عبدالزهرة لازم شباري: قراءة في مجموعة خان الدراويش ( الرمز والحداثة ) للقاص حميد المختار

abdl_zhra_lazmجميل .. وبكل ما تحمله هذه الكلمة من لطافة وبكل ما تحمل من عبق بهيج ينقلك الى أجواء بعيدة طالما عشت بها أيام عمرك او بالأحرى طفولتك بعد ان تراكم عليها غبار السنين العتاة وأصبحت نسيا منسيا رغم تذكرنا لها بين الحين والحين ومكاشفة خيوطها التي اصابها البلى جراء الأتربة والأقذار ودبق الرياح الرطبة في الجنوب :: أنها الحياة التي عشنا تجلياتها عمرا” بكاملة بين صخبها ومرها وفقرها وطينها الذي لا يفارق إقدامنا حتي إذا أوينا الى فراشنا البائس.

جميل أقولها واكتبها مرارا لتنطلق مني كالفراشات على أزهار الصباح الندية ’وقد تلوح لي هذه الكلمة الدافئة وتنقلني الى أجواء عاش بها الجميع منا نحن الفقراء والبائسين تحت ظل عقود من القهر والحرمان .. أقولها بعد ان أكملت قراءة خان الدراويش المجموعة القصصية للأديب حميد المختار والتي اختار بها قصصه التي تنقل القارئ الى أجواء حياته المنقضية بالقهر والحرمان والتبعية الى أقوام لا يعرفون سوى التسلط والاضطهاد لبنى البشر.أريد ان ابدا من عنوان هذه المجموعة الجميلة جدا (خان الدراويش ) الذي أختاره كاتبها ليحقق به هوية النص في قصص مجموعته حيث تكمن أقامة العلاقة الوطيدة بين المضمون الذي يحاول المبدع اضهاره للقارئ وبين عنوان المجموعة وما يؤكد من دلالات التراث ومعالجة القضايا الانسانية والاجتماعية آنذاك محاولا التذكير بها في هذا الوقت كيلا تنسى ثانية .
واللاهداء الذي ينتقل به المبدع حميد الى أرواح هذه الثلة من المؤمنين الذين قضوا نحبهم من اجل المبادئ والعقيدة وينقلنا جميعا الى الكشف عن الحزن والألم والخوف من المجهول الذي عاش به الكاتب في خصم صراعاته النضالية في ذلك الوقت ، فهو يقدم بهذا اللاهداء الى القارئ إرهاصا سرمديا وتحذيرا لما سيأتي من فواجع مولمة في سياق قصصه التي ضمتها هذه المجموعة .

في الزمن الغابر قصته الأولى من خان الدراويش راح الكاتب يعدد الإحداث والحركات والمعاملات والتفاعل اليومي كما هي في الواقع العراقي وما نراه يوميا في حياتنا المكتضة بأنواع الحوادث والقصص الواقعية التي أحاطت بالناس كأسوار السجون وزنازين السلمان والنهايات من قصور القتل والتعذيب في الزمن الغابر ؛ وكان أخرها صياد الذباب هذا الذي يجمعه في أكياس من النايلون ليبيعه على الناس كعلف للحيوانات التي هي الأخرى عاشت في خضم قحط هذا الزمن الغابر ::

وينتقل الكاتب المبدع الى قبائل الماء الذين هم عاشوا على خيرات الآهوار ومياهها لما يكسبون منها وحيواناتهم (الجواميس) التي تعيش فيها   …

عاشت فيه قبائل كثيرة مستفيدة من هذه الخيرات التي وهبها الله سبحانه لهم وبات دخان التنانير الطافي يغطي فسحات الأرواح الهائمة على المسطحات المسقوله كالمرأة كما يقول الكاتب حتى تأتي عليهم أقوام يحملون حقد الدينا وضغينة الاجداد ليقضوا على كل شئ ……

فاجزرت مصادر المياه وأحرقت النباتات الطويلة (القصب والبردي ) الذي كان مصدر حياتهم وحيواناتهم وبنيت السواتر الترابية هنا وهناك حتى أصبحت هذه الجنائن جرداء لإماء ولا زرع ولا حيوانات ولا طيور ولا حياة سوى قسطل الأتربة المتصاعد الى عنان السماء فهاجرت هذه البيوت بعد حرقها الى مشارف المدن وكان ما كان من اشمئزاز أهلها لهذه الأقوام المهاجرة والتي تحمل بؤس الحياة وشقائها . وكلما توغلنا في قراءة قصص هذه المجموعة نراها تزخر باستدعاءات عدة لوقائع ومواقف تتعين على ابراز مواقع وشخصيات من واقعنا

الذي نعيش فيه كما في التاريخ القديم وهذه الأستدعاءات  تشكل جزء منه بالطبع ولعل ابرز ما يميز هذه  المجموعة في هذا الوصف الدقيق هو ذوبان القاص مع تلك المواقع والوقائع بوصفها جزء منه أولا واعتبارها جزء من التاريخ الذي عاشه ضمن مرحلة من القهر والحرمان والعوز الشديد مع ابناء شعبة الذي هو همه الوحيد ثانيا.

حيث ان الذات تواجه ما هو أقوى منها تصورا وفاعلية بحيث تصبح رهينة هذا التصور فيجعلها مكسورة ويحد من صلابتها وهنا يلجأ الكاتب الى البديل عن الانكسار وهو الكتابة التي قد تخفف جزء من هذا الهم الثقيل الذي يشعر به جراء ما يراه او يعيشه أضافة الى كون  السجن والغربة القاسية بعيد عن ما هو محبب لنفسه وذاته يجعل منه مبدع يعبر عن هذه الهواجس والصراعات ولانكسارات والتحولات بصدق ولهذا نرى قصص هذه المجموعة جاءت لتعبر عن ذات الأديب حميد المختار المؤمنة الصادقة لتكون بالتالي منجز إبداعي يختزل الزمن والإحساس النفسي الذي يشعر به المتلقي او القارئ لهذه المجموعة .ولو دققنا النظر في الفترات التي كتبت بها هذه القصص نجد بصورة واضحة الفترة الزمنية التي تحدد التاريخ الصعب جدا” في حياة المختار والمؤثر جدأ” لما فيه اعتقال وغربة حيث تبدأ هذه المعاناة بها حيث يجسدها هنا منذ بدء الغربة التي يحدد تاريخها نفسه بعد ان تكالبت عليه الأمور في بلده فلا  بد له ان يبحث عن وطن أخر بديل وارض غير الأرض التي يعيش مضطهد فيها وهنا لابد للحنين الى الوطن إلام ان يتولد ويتقد لدرجة لا يستطيع الإنسان مقاومتها فتتفجر عند اذن هذه الذات في تحولاتها وصراعتها وتترجم هذه المعاناة بكل تجلياتها الى هذه القصص الجميلة المعبرة التي ضمتها خان الدراويش اضافةالى كونه يحمل قضية فلا بد له ايضا ان يدافع من اجلها ولذا ترى ما يجسده أساسا لما يحدث لكثير من أمثاله من المبدعين اللذين  سبقوه حيث لا زالت إبداعاتهم ماثله إمامنا اليوم . ويمكن إيضاح هذه السمة من قصصه التي ضمتها خان   الدراويش الذي اختزل فيها كل مقاصد القصص الذي نرى هذا الفعل الموثر على سير الوعي لديه موجها هذا الوعي ورابطه بالتاريخ والإحداث التي وقعت به موضحا العبر والحكمة منها الى حد التذكير والتحذير من أزمنة قادمة قد تكون هي الاخرى أداة ثانية لحرمان الشعب من الواقع المحزن الا ان بعض القصص في المجموعة قد استمدت موضوعها من الواقع المحزن الا ان بعض القصص جاءت تعبر عن كنايات رمزية لأحداث واقعية اوما يتصل بهذه الأفكار والمفاهيم بالواقع كما في قصتي (الطبل وذيول ) او في كثير من قصص الاخرى وهنا تجب الإشارة الى الفقرة (4) من الصفحة (42) التي تقول وتفسر هذه الرمزية (…وقبل ان يمضي التفت الى قائلا ..اذا نظرت إمامك على مد البصر فماذا ترى ؟ قلت لا ارى شيئا غير الأفق …فماذا ترى ؟ وهو يحد السماء الزرقاء قال أنت اعمي يا صديقي  لأنك لم ترى الإعداد الهائلة للمخلوقات  المتزاحمة في رحبة الفضاء ) وهنا يؤكد الكاتب بصورة واضحة جدا عن هذه الكنايات حيث يتوسل بمفردات هذا الواقع الذي نعيش فيه كما هو الحال عند الصوفيين في ابتهالاتهم وموالاتهم ونسج قصائدهم التي يعبؤنها بدلالات غير مفهومة (رمزية) على المستوى الكنائئ ولعل المراد منها الطرق على أفكار القارئ او المتتبع لجره الى الواقع وما يحدث فيه وان الولوج بهذه الكنايات الرمزية يجسد بصورة دقيقة تلك المعاناة التي إحاطة به بهالة من الخوف والرهبة لما عاشه وشاهده في سجن أبى غريب حيث كان على ما اعتقد يجتاز مرحلة قاسية جدا في مواجهة الذات والخوف من هذا العالم الشرس الذي يعيشه وعليه نرى مجمل قصصه التي كتبها في السجن تدل على هذا التوضيح والإضاءة

القصصية الدالة على هذه الفترة العصيبة . فقصته (ليلة الرؤيا ـ ليلة الاستهلال ـ ليلة الوفود ـ ليلة الشفعاء ـ ليلة النذور ـ ليلة التعازيم ـ ليلة اليقيين ) وغيرها من القصص الاخرى كلها تدل على هذا الجو القاسي المشبع بغيوم الخوف والرهبة وجنوح المختار فيه الى ترجمة هذا الواقع بأسلوبه  المعهود والمحبب للقراء بغيت ألفات القارئ الى الإحساس بالحياة والتتشبت بها ومعرفة ما يدور للاخرين من إرهاصات وتعذيب وقتل جماعي خلف الكواليس وأخيرا “ان المتتبع لقراءة عتبات نصوص هذه القصص وفبركة معانيها والتمعن الى عملية النسج بصورة صحيحة ودقيقة يرى بعين لا تقبل اللبس ولا المماحكة ان مجمل هذه القصص قد

غلب على سير السرد فيها البلاغة الشعرية حتى يمكن ان يرى القارئ بها جمالية الشعر النثري وميولها نحو التكثيف وجمعها بين ما هو بلاغي وما تكييلي وصلتها بما يسميه هردر ( اللذة الجمالية التي تنجم على شكل الموضوع ولغته) .كذلك تسير بالقارئ  الى إثراء الإعياء بدلالات مختلفة للتحفيز الجمالي الذي يجعل الاشتغال السردي عملية توار وظهور للإحساس العابث والمأساوي بالحياة ( كما يقول  د. عبدا لله أبو هيف وصفه لمجموعة ابراهيم كبه أضفاث أحلام .

كما في الدلالات التي تبين بوضوح التداخل الشعري النثري في النسج الإبداعي ان لم اقل السمة الشعرية هي الغالبة على بعض نصوص هذه القصص …

((ليكن الشباب وبالا عليك ولعنة أيها العاق )) (وكان على العداء وهو يعبر الحواجز ان يرى الطرق جيدا ) ( العناقيد الأخيرة التي في الشجرة عزفت عن النضوج حتي لا تأكلها الديدان   الكسولة ) .(أبى غرتك بيضاء .. هذا صحيح ولكن من سيجرؤ على القول انك الحصان الخاسر ).(الوحيد الذي يراني بوضوح .. هو الشخص الذي صنعته يداي) (أبى كلما أرخيت عنانك اشد لحمتي ، ولكنني أرخي سدولى في حالة شدك للرحال) ( أيها الولد العاق كلما أراك صاعدا” على سفوحي أتذكر الشعرة التي وهبتك الحياة وتركت لى.. الد…م) (على عيني يعلو الحبيب ويبعث عبير الابتداء ، وعند اعتمال الوجع وارتجاع العلامة ..تعمي العيون ، الاك ياعيني ففيك الوجود ومنك العدم ) (انا البرهان ..انا عقد الأيمان ، أنا شديد القوى ..انا حامل اللوا،انا أمير ..النمل ) وغيرها كثير ..مشاهد مسرحية تمر بك خلال تجوالك في خان الدراويش تشدك إليها كما لو تكون أنت جالس في مسرح  وإمامك الممثلون على الخشبة.. كما في المناظر الثابتة والمشاهد الثابتة من ليلة السلحفاء والتهليلات والدهماء وغيرها من قصص هذه المجموعة الغنية ، وانت مشدود لهذه التحولات وهذه الحوارات تتمنى لو لا تسدل الستارة وتنتهي

هذه المشاهد التي إمامك فجأة تنتبه من حلمك .. الجميل لتتابع هذه الخلجات الجملية للانتقال الى ما هو أبدع وأجمل في هذه المجموعة .. ان ما يمكن القول عند انتهائنا من قراءة خان الدراويش يفضي بنا الى ما قرأناه من مبدعين آخرين كانوا قد أثروا الحياة الثقافية ولا زالوا وساروا بالمثقف العربي نحو التقدم والإبداع أمثال القاص والروائي الأستاذ محمد خضير والأستاذ محمود عبد الوهاب  وغيرهم كثير ، ولى ان ارى في ختام قرائتي لهذه المجموعة الثرية بالمفاهيم اللغوية بأن تقدم للمثقف العراقي بصورة عامة شئ مما قد فقدناه في عصور مظلمة استطاعت ان تستقصي الادب والثقافة .

في البصرة 3/8/ 2009

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.