الرئيسية » نقد » ادب » الدكتور جمال خضير الجنابي : دراسات في الادب العربي؛ التشكيل الصوري وألوان الطيف الروحي عند هشام القيسي

الدكتور جمال خضير الجنابي : دراسات في الادب العربي؛ التشكيل الصوري وألوان الطيف الروحي عند هشام القيسي

jamal khudier aljanabiإشارة نظرية …
تختلف الصورة عن التشبيه في ان التشبيه يجمع بين طرفين محسوسين،انه يبقى على الجسرالممدود بين الاشياء .فهو لذلك،ابتعاد عن العالم،اما الصورة فتهدم هذا الجسر،لانها توحد فيما بين الاشياء،وهي اذ تتيح الوحدة مع العالم،تتيح امتلاكه(1) لقد جاء شعرالحداثة بشكل عام ليخترق بنية التشبيه متجاوزاً اياها الى بنية الصورة ذات المنحى النفسي العميق،فـ الصورة الشعرية باعتمادها على العلاقات الداخلية التي تثيرفي الشاعر استجابة لمقتضيات التجربة انما تنفلت من حالات الحضورالى حالات الغياب.ومن هنا يقترب مدلول الصورة الشعرية في القصيدة المعاصرة من مدلول الحلم،من حيث كونهما يستجيبان لرؤى الذات الشاعرة وذلك من خلال ما تعبرعنه تحت ضغط الحدث الخارجي الذي تنفعل له اعماق هذه الذات،فتفرزعملاً فنياً،يكون نابعاً من التجربة الجمالية،التي تشكل وعي الشاعرفي تجسيد الرؤية المرتبطة بالوجود منذ لحظة إدراكه(2)لهذا فإن للصورة الشعرية عبرمدلولها المتاخم لمدلول الحلم وظيفة نفسية من جهة،ووظيفة تكثيف من جهة اخرى،أي اختزال التجربة الحياتية بصورة دقيقة ومركزة بعيدة عن الترهل والاستطالة،ومن ثم فإن الحلم (الومضة):هو نمط من انماط التكثيف وتجربة باطنية لحفظ توازن الانسان .
وقد اصاب احد الباحثين حين قال:إن الحلم ليضع تحت الضوء مشاعراخلاقية رهيفة رهافة قصوى،بل وميتافيزقية.وانه ليدعم المعنى الاكثر دقة للمعاني الانسانية. وهو يسمح بالاختلاف الراقي.ويمتلك معرفة من اعلى المعارف الحضارية.وباختصار،ان له منطقاً واعياً مترابطاً ترابطاً رهيفاً لامثيل له،لايستطيع امتلاكه سوى عمل يقظ مكثف .وبإيجاز، ان الحلم يجعل كل ما ليس في وما ليس اجنبياً عني يتكلم:ان هذه نادرة غيرمتحضرة ضعت بمشاعر جد متحضرة(3) اما عن علاقة الصورة الشعرية بالواقع فإن الصورة الفنية تركيبة وجدانية تنتمي في وجودها الى عالم الوجدان اكثرمن انتمائها الى عالم الواقع،ومن ثم يبدو لنا في كثيرمن الاحيان ان الشاعراو الفنان يعبث في صوره بالطبيعة وبالاشياء الواقعة، وقد نطلق على هذا العبث لفظة (التشويه)،فإذا الحقيقة الواقعة تبدو ناقصة امامنا وقد تبدو،مزيفة غيران الحقيقة انه لا تشويه هناك ولاتزييف،لانه ليس من الضروري ان يكون عالم الوجدان مطابقاً لعالم الواقع،او ان يكون الذاتي تكراراً للموضوعي،بل الغالب ان يكون للذاتي واقعيته الخاصة(4).
وهذا لايعني انه لايوجد مصطلح (الصورة الواقعية)،او لا توجد تلك الصورة حقيقة،ذلك ان الصورة الواقعية تبدأ من الواقع الى الذات،ومن الذات الى الواقع،وتغلب الواقع على الذات من وجهة النظرالتي تقول:ان الذات- في اساسها- انعكاس للعلاقات hosham alkaisyالاجتماعية ويأخذ الخيال دوره في النفاذ الى جوهرالواقع واكتشاف الايجابي الاصيل والسلبي الزائف،وتكوين الانموذج الفني وصياغته على مستوى العمل(5)وثمة في شعرالحداثة الصورة المفردة،والصورة المركبة،وهذه الاخيرة هي الصورة الفنية التي تمتد،فيها تحمله،الى اكثرمن اتجاه.وتقوم خصوبتها،ليس على احتمالاتها المطروحة،وانما على تعدد الصورالتي ينهض بها سياق النص،الجسد العام للصورة، وعلى كثافة هذه الصورايضاً،وتمثل التجربة الشعرية،بمستوياتها كافة،ابرزمحمولات الصور المتكاملة المتضمنة، والهادفة الى خلق جو غني ومثير،غايته كشف عالم التجربة وتوضيح المكونات التي يتأسس عليها بمقتضياتها النامية(6) والصورة المفردة تدخل في اطارالصورة المركبة الشاملة، انها ومضة من ومضات الحلم الشامل.ان اكثرما يعترض الصورة الشعرية في تيارالحداثة مسألة(الغموض)التي لها علاقة بالمتلقي،فالغموض وصف يطلقه القارئ على نص لم يقدران يستوعبه،ان يسيطرعليه،ويجعله جزءاً من معلوماته .فالحداثة،هنا،هي مكان الغموض. الحداثة انقطاع في سلسلة معطيات يصر وارثوها على ان تتطاول وتستمر،بهيئتها وعناصرها. ومثل هذا الانقطاع يقود الى ضياع القارئ الذي لا ذخيرة له غير الذاكرة الحافظة،وغيرالتقليد والعادة،فالغموض اسقاط:انه وليد هذا الضياع.انه ناتج عن عدم ادراك الفرق بين طريقة التعبير القديمة،والطريقة الحديثة،وعن عدم ادراك معنى زمنية الشعر,وعن الحكم على اللحظة الحاضرة بلحظة تعود الى حوالي عشرين قرناً،والعجزعن الحياة في حركية التحول(7)فالغموض صفة ايجابية في الفن وليست سلبية،ولاتكون سلبية الا اذا وصلت الى مرحلة التهويم والغوغائية، والتهويم في الشعر ظاهرة نحوية بعيدة عن الظاهرة الفنية الاصيلة .
بل نجد احد الباحثين يشيرالى اهمية الصورة في شعرالحداثة وعدها تعويضاً عن سحرالموسيقى فقال:لقد اصبحت الصورة الجديدة بما تمتلكه من شحنات ذهنية والمعتمده على (الحركة والصوت واللون)تعويضاً عن السحرالموسيقي في الشعرالتقليدي والذي كان يخلق مجرد عملية تلاحم صوفي بين المتلقي والشعر،واستطاع الشاعرالجديد،بما منح من حرية،ان يشكل صورته الخاصة به،يتحكم هو دون غيره بإطارها ومحتوياتها،فتعبر حينذاك عن وعيه الحقيقي للعالم(8)وأخيراً. .. لابد من ان نشير الى علاقة الصورة الشعرية بالمستوى الرمزي الاسطوري،إذ بنيت الصورة الشعرية في اطارها الرمزي الاسطوري على مجموعة من المكونات من شأنها ان تستقطب الابعاد النفسية لرؤية الشاعر(9)وهي:(المكون النفسي،والمكون الاجتماعي،والمكون الحضاري) (10)وكما يقوم الرمزالاسطوري والرمزالتاريخي الحياتي بعملية الدلالة والايحاء،فان الصورة تفعل هذا ايضاً،تقوم بعملية الترمبز ،فهناك علاقة وثيقة بين الرمزوالصورة وهي علاقة تفاعل ضمن جدلية التأثروالتأثير،فالصورة هي الرحم الدافئ الذي ينمو فيه الرمز…فهي من خلال عناصرها المتمثلة بالواقع والفكر والعاطفة واللاشعوروالخيال – تضيف الى الرمزاشياء جديدة، وتضعه ضمن مناخ خاص يكفل وصوله الى المتلقي،وتأثيره فيه،كما انها- من خلال طبيعتها الحسية تساعد على تجسيد الرمز ،وعلى وضعه ضمن مساحة الحواس(11)وما دمنا في بحث الصورة، فلابد من الاشارة الى ان شعرالحداثة انطوى في ما انطوى عليه من تقنيات فنية،على ما سمي بالنص المغلق وما سمي بالنص المفتوح،وذلك يعني ان النص المفتوح:هو نص ايحائي في بنائه الصوري ويحتمل التأويلات المتعددة للوقوف على اسراره،بخلاف النص المغلق الذي يعطي نفسه للمتلقي بدون مماطلة او تمويه،ولا يوحي بأكثرمن حالة واحدة.
القص ذو المنحى النفسي
والآن سوف نتناول عدداً من النصوص الشعرية من زوايا نقدية مختلفة.سوف نستخدم التحليل النفسي في الكشف عن مكونات الصورة ومصادرها اولاً،ومدى القيمة الفنية والجمالية والدلالية التي يقدمها هذا النسق بفتح كوى النص التخيلية عليه ثانياً.وتتركزعناقيد الصورفي هذه القصيدة حول صورالاتية: (اسطورة الحب/واسطورة الموت والانبعاث/والرموزالطبيعية)، وتعد الصورة الاولى المفتاح الرئيس للنص ولسائرالصور،انها التعويذة السحرية وكلمة السرالمتكررة التي تنفتح على وقعها مغيبات النفس والارض منذ اقدم الازمنة،فالحب والموت لهما في ميدان الاناسة وضعان متداخلان متقابلان يصوغان انموذجه الفذ في الشعائرالعليا البدئية للجماعات البشرية,لهذا فهما جالب الخيروالحنان والعطاء,وفيهما القسوة حيث يقول الشاعر:
(حين انظر اليك
تبدو الايام زهرة
تنصت للعشق)
اما صورة الحبيبة فقد بدت في النص ولها وضعان هي الاخرى الوضع الاول:العودة الى الماضي او الهرب اليه،ومن هنا جاءت صورة الحبيبة تتوسط التحليل النفسي التي تتداخل في اعماق الشاعر,وهي ليس اكثرمن انسحاب من العالم ازاء الخطر ونكوص إلى ما يشبه الحياة الجنينية،والوضع الثاني لصورة الحبيبة يتمثل بوصل الماضي بالحاضر والتعلق به . وارتباط الفرد بالمجموع وبالام الكبرى- الوطن،وعشق له يقربه من عقدة اوديب،واعتقد ان كلا الوضعين لصورة الحبيبة مستمد في مكوناته ومصادره لدى شاعرمن عهد طفولته.حيث يقول :
(هي الادرى
حين تمر في افق لا يطوى
وحين تدنو خلف الزجاج
تلاحق خلوة الليل)
وتتداخل الصور بين موقفين متناقضين حيث نجد موقف القلق والاضطراب الذي يتوغل داخل نفسيه هذه الشخصية الغير مستقرة,وفي الجانب الاخرنجد موقف على العكس من ذلك فيه نوع من الثبات والتحدي.لهذا نجد الشخصية الاول تغرق في دوامة اليأس والهروب من واقعها الذي تعيشه,حيث النفسية القلقة,ولكن شخصية الثانية متماسكة يملائها الامل وحب الحياة,كما في المقطع الاتي:
(اني حلت
تطوف بخطوات بهيجة
وهي لا تهدأ
وحيث تنتهي تبدا)
هكذا تنفتح الصورعلى نسقها النفسي لنتبين طبيعة المصدرالذي جاءت منه،من النماذج العليا او من التجارب الشخصية وذكريات الماضي،ويبرزبوضوح دورالمكونات الاولية في صناعتها، وتدعم الى جانب هذا وذاك قدرة التحليل النفسي على الوصول الى مفاتيح لاتتناقض مع الادوات التي نسبربها ادبية النص وجماليات الصورة بقدرما يعاضدها ويتفاعل معها لتحقيق هذه الغاية.
القص الشعري
اما نص الشاعرهشام القيسي فسنتناوله بوصفه من القصص الشعري.واحدة من قصائد هشام القيسي التي تتوسل لغة السرد وتحاول،ما أمكنها،الاستغناء بالحكاية عن توليد الاستعارات وانواع المجاز الاخرى . ثمة دخول في مغامرة التخلي عن العناصرالتي شكلت جوهر شعرية القصيدة الحديثة،والاكتفاء بالعنصر الموسيقي مضافاً اليه بعض عناصرالسرد والمفارقة التي تقوم عليها الكثيرمن قصائد هشام القيسي،ولعل هذه القصيدة هي واحدة من القصائد البارزة الممثلة لتيار خاص في الكتابة الشعرية يعتمد المفارقة مادة اساسية لبناء شعريته. يروي هشام القيسي في هذه القصيدة عن صديقه لقمان محمود وكيف لهذا الانسان الذي يسكنه,حيث الحب الكبير الذي يوزعه على كل من حوله,ويبني جسوراتحمل بين طياتها قدسية ونقاء القلب.ويكمل الراوي (الشاعر)القصة حيث يوصف المشاعر وافكار صديقه,حيث يقول:
(بين اماكن تتسكع بلا رغبة,تئن غربة
تحت اسرار يتيمة,وتختفي واحات
ثم تحلم بطريق ينظر باستغراب,وهناك)
الشخصية تقاسم الشاعر تفكيره واحلامه وتعيش بداخله ومعه بكل تفاصيل حياته,وتدور القصيدة من ثم حول الشخصية الموصوفة في القصيدة واحلامها في الانطلاق نحو افاق من الحرية غائبة وممنوعة ومغتصبه,خاصة ان الشخصية مثقفة,وتشكل على مدار القصيدة العنصر المحوري الذي تحوم حوله هواجس الشخصية وافكارها حيث الشاعر يقول:
(قد قلت
لماذا نرى الشوارع مملوءة بالصرخات
ولماذا يزدحم الموت)
ولكن العنصرالبارزفي القصيدة هوالاتكاء على السرد ووصف التفصيلات الدقيقة في العلاقة بين الراوي والشخصية التي يروي عنها.ثمة افراط في ايراد التفاصيل اليومية،وهو ما يجعل شعرهشام القيسي يقترب اكثرواكثرمن شعراء قصيدة النثرالجدد.ولا يعني هذا الكلام ان قصيدة النثرالجديدة لاتعتمد الاستعارة او انواع المجازات الاخرى،لكن الاتكاء على السرد وعناصره البنيوية واستخدام المفارقة التي تعد عنصراً اساسياً في بناء الانواع السردية،من رواية ومسرح وقصة قصيرة وسينما،يجعل شعر هشام القيسي شديد القرب من تلك التجربة…واذا عدنا الى القصيدة نفسها فسنجد ان القصيدة كلها قائمة على مفارقة بارزة : ان الشخصية المروي عنها ملتصقة بالراوي،هي جزء منه او بالاحرى قرينه الذي يمثل ضميره الصاحي المعذب.وما يستطيع القارئ ان يحسه منذ السطورالاولى للقصيدة هو ان الراوي يجرد من نفسه شخصاً يروي له على طريقة الشاعر القديم،لكن انفصال الشخصية عن الراوي تجعل الحكاية كلها مجرد مفارقة تكشف عن العالم الداخلي للراوي وتجعل القرين موجهاً لاحلام الراوي وكاشفاً عذاباته وتوقه الى الحرية والانعتاق من اسرالوضع الكابوسي.ومما يعززحضورالمفارقة هو معرفة القارئ بجوهرها في الوقت الذي يبدو فيه الراوي غارقاً في وهم وجود شخصية اخرى يروي عنها.بهذا المعنى يمكن ادراج هذا النوع من المفارقات في ما يسمى (المفارقة الدرامية):وهو نوع من المفارقات يكثراستخدامه في المسرح والانواع المنحدرة منه،من اعمال درامية تلفزيونية وغيرها …
الصورة
اما الصورة عند الشاعرهشام القيسي فتكاد ان تنفرد عن صور الشعراء الاخرين بطريقة البناء على وفق ادوات التقنية التي يمتلكها الشاعر؛وذلك بسبب من انطوائيته – وما يتصل بها من هواجس وخواطراغترابية درج على استقبالها طوال حياته- والتي انعكست على طريقة تعاطيه الشعراذ ولد بمجمله ذهنياً ،مجرداً من الثقل المادي .ان القاء نظرة نقدية فاحصة على مجاميعه الشعرية التي احتفظ بها تحت عناوين(ثمة ما يجري دائما/المخاطبات)،تؤكد وجود رابط خفي بين كل النصوص يجمع الاغتراب الى التصوف،الى استشراف المجهول،الى القلق من الحاضروالخوف من المستقبل ،والمكوث في الماضي،فلنقرأ قصيدته(المخاطبة الثانية):
(وفي ايامك متسع من زهو غير شارد
ومن خطى غير ضائعة,وباتجاه سواق
تفرغ احزانا لا تعتق ايامها)
وفي الصورة نجد الشاعريخاطب صدقه ,ويصف ما فيه من اخلاق ,ويتطرق الى صفات صديقه,الذي يراه من خلال الكلمات.فيواصل الشاعر مخاطبة صديقه حيث يقول:
(وتدخل ايضا مواسم الجراح العاشق
وتكون في صفحاته لحظات تورق)
ياخذ الحلم عند الشاعرمساحة اكبر في هذا المقطع فهو يرى ان العالم الاخرهو اجمل من العالم الذي هوعليه الان,لانه سيكون مرتاح في عالمه الاخر,ونجد في مقطع اخريسرد تفاصيل اكثرحيث يقول:
(ها هو النزف يفتش بقية الدموع
ويفتك بمخاضات تعيش في الضلوع)
الرمز الاسطوري
لقد استعمل شعرالحداثة الاساطير،ولا سيما اساطيرالانبعاث لما تحمله من قدرات تنفيسية،فهذه الاساطيرتمنح الشاعرقدراً من الامل بالخلاص من مشكلة ما،بيد انها تبقى ظاهرة فنية ومحض حلم،وهذا ما حدث فعلاً عند الشعراء(عبد الرزاق عبد الواحد/وسامي مهدي/وحميد سعيد/ وعبد المطلب محمود/وعادل الشرقي …وغيرهم)،ولاشك في ان الاسطورة على سبيل المثال، تمتلك – كما في الحلم – بنية خيالية عميقة تكون فكر الاسطورة،وعمل الاسطورة مثل عمل الحلم وهو ان يحول هذه الخيالات الى شكل مقبول للأنا او للذات،يصنع المحتوى الظاهر للأسطورة – مثل الحلم – من عناصرمأخوذة من الحياة اليومية وخبرات الشعوب ،وكذلك من المادة التي تنظر عموماً باعتبارها ملائمة لخلق الاسطورة،وتختلف الاسطورة عن الحلم فيما يختص بالجماعة الاجتماعية،في انها تمتلك شكلاً خارجياً ممتداً قابلاً للتعديل مع مرورالزمن ويخضع بالتالي لتنوعات مختلفة(12)
ويبدوان وظيفة تكون الرمزهي ربط وافراغ الطاقة النفسية،ففي التجارب التي منع فيها الشخص من الحلم،بإيقاظه لحظة بداية الحلم كانت النتيجة اصابته بقلق وعدم ارتباح،ويبدوان احدى وظائف الاسطورة والشعائروالطقوس،هي ربط الطاقة التي سوف تنفث القلق غيرالمحتمل للوصول الى عواقب اجتماعية مرغوبة(13)وذلك يعني ان للرمزوالاسطورة وظائف نفسية ذات اهمية بالغة، وخاصة في العملية الفنية الابداعية .اما(الرمزالاسطوري)فهوتجسيد شعوري حيوي،لكلية الشاعرفي تجربة ما،اريد منه تكثيف التجربة الانسانية وتعميمها، والايحاء بظلالها،في الوقت الذي يعجز فيه أي اسلوب اخر،عن اداء ذلك(14)لهذا فان شعراء الحداثة لاسيما المعذبين منهم،يستدعون(الرمز الاسطوري)لاسقاطه على العصرفي واقع اخذ بالانهيار والتداعي،ومن ثم تحقيق حالة الحلم التي ترتكزعلى معطيات مشرقة في الماضي تتمثل باساطيرالانبعاث،ذلك ان عالم الرمزالاسطوري في القصيدة المعاصرة يقوم اساسا على التذكير والتداعيات المبنية على الاحلام،لان حلم الشاعربخاصة والفنان بعامة يتحقق في ما يبدعه من نتاج فني هو في الحقيقة سبيله لافراغ شحنته النفسية والفكرية معاً .وهذا يعني ان الشاعريستعين بمخيلته على استقراء ما ابتدعته الثقافة الاسطورية والتجربة الوجدانية التي تستثيرخياله المبدع فتمنحه قوة انفعالية تستقر في تجربته لتمنح حياته اهمية خاصة .ان الآمال المقموعة لشاعرالحداثة في هذا القرن الممتلئ بصورالخوف والقلق والموت لابد لها من مواز يفتح امامه ابواب التفاؤل،موازعلى قدركبيرمن القوة والحيوية ممثلاً بآلهة الانبعاث في الفكرالاسطوري القديم ولذلك،اتخذ الشاعرالمعاصر الرمزالاسطوري اداة تعبيرية لمعاناته الفكرية والنفسية ،وبقدرما اعيقت رغبات الشاعر،ولجمت اراؤه بقدرما وجد في ذلك متنفساً لآلامه وآماله الحبيسة التي جسدها في الاحداث التاريخية،اذ توغل في شعره الرمزالاسطوري،وذلك بعد ان ادرك الشاعرما في هذا التوظيف الدلالي من قيمة فنية يتقمصها،حتى يستطيع التوفيق بين توظيف الرمزالاسطوري والمحتوى الدلالي الذي يحمله هذا الرمز(15) .
وجاءت اسطورة (البعث)رمزاً حضارياً موازياً ومعادلاً للموت الحضاري وبذلك يؤكد احد الباحثين على اننا نفهم من تحويل الاسطورة الى رمزحضاري ان تخرج الاسطورة عن دلالتها الاسطورية التاريخية البدائية الى دلالة جديدة يتفتح في قلبها مضمون وجداني فكري او فلسفي،او اجتماعي يستمد عناصره من مكتسبات الحضارة بوجهها الايجابي(16)غير اننا من المفترض ان نضع في حسباننا امراً ذا اهمية بالغة ، وهو ان شعراء العذاب في شعرالحداثة لم يكتفوا باساطير الانبعاث،بل استدعوا الاساطيرالتي تحمل في طياتها شخصيات معذبة،كشخصية سيزيف- على سبيل المثال- ولم يقف شعراء الحداثة عند الرموزالاسطورية الانسانية بل انهم شكلوا رموزاً خاصة بهم من بعض الشخصيات المعروفة من تراثنا العراقي وتاريخنا العربي الاسلامي،وذلك من خلال اسقاطها بصورة معاصرة على الواقع عبرما تحمله من ملامح تعزيز ظاهرة العذاب لديهم .واذ تبدوبعض هذه الشخصيات في مسيرة حياتها التاريخية غير معذبة،غيران اسقاطها على واقعنا المعاش يحملها الكثيرمن العذابات،كما انها في بعض الاحايين تعمق الاحساس بالعذاب من خلال الرؤيا التي تغذي النصوص الشعرية.هشام القيسي احد ابرزالشعراء الذي استدعوا الرموز الانسانية العربية والدينية في الشعرالمعاصر،ولذلك فلابد من تناول احد رموزه،وقد اختارالباحث رمز(الدار)لهذا كان التعبيرفي السريع محددا,واذا كانت(الذات)في النص منطلقة نحو(الموضوع)فان الموضوع في هذا النص يرتد نحو الداخل وسبب ذلك هو يأس الشاعرمن الوضع الذي يعيشه.ان انبناء الصورة الفنية على الرمزاذ يضيف اليها طاقة ايحائية ،يوسع امكانيتها التعبيرية في استيعاب ظواهروحالات وتجارب اجتماعية ونفسية وروحية جديدة،مما يؤكد سيرورتها الجمالية. وهذا ما نلمسه في الكثيرمن الصورالفنية المبنية على الرمز السياقي،يقول هشام القيسي في الداربوصفها رمزاً سياقياً :
(لا شيء ينقصك غير دار يفتح النوافذ كل
يوم
ولا شيء يحزنك غير موت يضحك كل يوم)
ان الشاعرهشام القيسي عاش في المنافي،في هذه الصورة الدار بقدرما هي رمزي,انها الوجود والكينونة والمصيروالذات،مثلما هو محيطها واشجارها. ولذا فلا غرابة في ان تكون الدارهو بؤرة الايحاء الجمالي،في هذه الصورة وعلى الرغم من ان الشاعرقد توقف عنده طويلاً، الا انه لم يحاول شرحه او توكيده.بل كان ينطلق منه لتوسيع دائرته التعبيرية.وهوما جعل ايحاءه متعدداً ومتنوعاً،فمن الصعب ان يتحدد في بعد واحد.ولابأس من الاشارة الى ان سمات الرمزالفني قد
تجسدت كلها في هذا الرمزالمحوري – الدار.فهو رمزسياقي اولاً،لم يتكئ الشاعرفيه على ما هو ناجزمن افكار حول الدار؛كما لايمكن استبداله أو حذفه بأية حالة من الاحوال .ومن جهة ثانية،فان هذا الرمزممتلئ بالانفعال الجمالي.انه يصدرعن الاثارة والتحريض والتفاعل،لا عن المعالجة الذهنية، ولهذا فان ايحاءه انفعالي لا ذهني او فكري .اما من حيث الحسية،فواضح ان الرمزلم يجرد الدار،وانما نقله من مستوى حسي الى اخرمختلف،مع احتفاظه بايحاء المستوى الاول.وفي هذا يكمن التخييل الذي ينهض من التعامل المجازي مع الدار،انه تخييل يستنبط القيمة الجمالية لدار،ليعمقها بقيمة اخرى .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *