وتبقى الكلمة (13)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد (ملف/29)

Zeki aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيله حيث غادر عالمنا في الغربة يوم 29/كانون الثاني/2201 . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة .هذه المادة المهمة التي تكشف ثراء ثقافة الراحل وتعمّقه في حقل مضاف هو المسرح وصلت من الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد فشكرا لها .

النصوص : 

إلى صديق ميت
أنت تفتح قلبك، أيها الصديق الغارق في النوم،
وأنا أُطبقُ مقلتيّ وأعيش الصحو
مَن مِنا يرشف نبعَ الصدق
أخطبُ في الموتى، وأنتَ تنادي في الأحياء
*****
زهرة على قبركَ أيها الصديق الذي لا يريد البعد
وشوكة في قدمي أنا الذي أريد الهربْ
هل أجرؤ أن أسملَ عيني؟
لماذا أريد النجوم،
وتحت أقدامي الحصى؟
*****
أيها الصديق انقطعت رسائلك
وأنا أُمّيٌّ لا أجد من يكتبُ لي حرفا
فأحاول أن أرسم فوق الرمل قلبا
لكن الموجة والريح وأقدام الأحياء
مسحتْ قلبي
هل أشعلتَ المصباح في ظلمة قبرك،
وأنا أطفأتُ الشمس عن هذي الأرض؟
*****
يا من يأكلكَ الدود سلاما
يأكلني هذا الخوف من الآتي المجهول

عذابات ما بعد الساعة الواحدة
رجفة بين دمعِك والرؤيا
وبين الضباب وخيط الضياء
وساحرة تركب الريح والنجم
عندما يضيق بِك الليل
فلا تتنفس!
فهذا الصداع الغريب يكاد يصكّ على صدغِك الأيمن
كل الهموم!
تعاليتَ، فلتهبط الآن دوداً على سبخة
طينها الملح
يأكل روحكَ، يشرب دمعك؟!
وأين لكَ اليوم حق البكاء!
أنسيتَ الطاووس
لم تبقَ في ظهره ريشة ليزهو
كما كان!
(فيا رحمتا للغريب في البلد النا
ئي، ماذا بنفسه صنعا)*
****
لوحة من دم القلب، أفي الحبر لون الدماء؟!
تدنيتَ حتى انتهيت إلى قبرك حياً
ونمتَ وحيداً
وهذا الصداع الغريب يأكل من صدغِك الأيمن
ويمتد حتى وراء الكتف
أللميت حق الصراخ
وحق الألم؟
وقفة عند بابِك منتصف الليل؟!
أعرافة تقرأ الليل والنجم والحظ
وتعطيكَ من جسمها ما تشاء!
أذئبة ليل تصكّ بأسنانها
وتطرق بابك؟!
أهي الريح تحمل أخبار موتاك؟!
لماذا يطول انتظارهم في الكفن؟
تباطأتَ، تبغي النجوم
نسيتَ التراب وحلّقتَ
لكن لمن؟
إلمسِ الجلد، تضج عروقكَ حمى
وفي الضلع صوت!
ألا أيها الأبله المتهم
ألمّا يجدك الألم
يتيماً فآوى**
وساقاكَ كأس الندم
فهلاّ ارتويت!
* تضمين بتصرف لبيت الشاعر علي بن الجهم (توفي 863).
** إشارة إلى الآية 6 من سورة الضحى.

عراقيات
أيُّهذا السيّدُ الجنرال
أيُّهذا السيّدُ الجنرال
ها أنتَ وحدك
خطاك الواهنة تذرع غرفة الاستقبال
وسيف انتصاراتك مصلوبٌ في الزاوية
والنياشين التي كانت تزيّن صدرك
صدئة في ظلمة الذكريات
وفي مقلتيك الغائرتين
تلوح خطوات الجرحى
مثقلة بالطين والدماء!
والاستعراض العظيم
وأنت تقود جحافلك
يصكُّ أذنيك التصفيق
وها أنت وحدكَ
لا الحَرَسُ شاكي السلاح عند بوّابتك
ولا تردُ عليك التحية
إلا قناني البيرة الفارغة
لتتساقط حول منخريك الدموع
فما أجدَرَ العظماء بالبكاء!
وتذكّرْ
أن كلّ شموس العالم
لن تمنح من الضوء
مثل قطرة دم
تسطع على صخرة يابسة!

الانتظار
وحكينا في الليالي الماطرة
كلّما غابَ عن البصرةِ ركب السندباد
عادَ محمولاً على كفّ الرياحِ الهادرة
يحمل اللؤلؤَ
يختال بأطواق الحرير
والحكايات عن الجنِّ
وأضواءِ العيونِ الساحرة!
وسألنا: ’’لِمَ لا تحملنا الريح إلى أرض العراق‘‘
قد سهرنا الليلة الألف
فهل تشرق بعد الألف ليلة؟!
وركبنا الرَحَلات الخمسَ
فالستَّ
عَبرْنا لُججَ البحر الغريب
فهل ثمّة رحلة
في الغد الآتي القريب؟

(1)
الملويّة
سألوا الملويّة ذات يوم،
لماذا أنتِ ملويّة؟
قالت: كيفما تكونوا أكُنْ!
(2)
القُبّة
عند مطلع الفجر
تكوّر العراقُ على نفسه
فكان قُبّةً ذهبية
على ضريح عليِّ الهادي!
(3)
في حَلَكِ الظلمة
ليس مُهمّاً أن تصبح ثورياً مرّة
أو انتهازياً مرّات
في حَلَكِ الظلمة
تتساوى الأشياء
(4)
التحدّي
من ’’الأعظمية‘‘
إلى ’’الكاظمية‘‘
يتحدّى سِربُ الحَمام
كلَّ نقاطِ التفتيش!
(5)
تمثال السعدون
تمثال السعدون
اختفى عن الساحة
قيل: انتحرْ!
(6)
آهة الألم
سلاماً آهة الألَمِ      فهذا الجرحُ لم يَنَمِ
يكاد الحزن يألفنا     فمن سأمٍ إلى سأمِ
ومن شكوى بلا ألَمِ إلى شكوى من الألَمِ
فإنْ لم يأتنا حَزَنٌ     سكبنا الدمعَ عن نَدمِ!!
(7)
المربد
مائة شاعر يكرعونَ كؤوس الويسكي
ممزوجة بالدماء
يلعقون أحذية السلطة
وينفثون القصائد
ثعابينَ تأكلُ بعضَها
والقوافي تترنح
على إيقاع سياط الجلادين
والكلمةُ الخبيثةُ كشجرةٍ خبيثة!

قصائد للحبّ
كلّ عام
وكما جئتِ إلَيّْ
أنتِ يا أحلى قصيدة
كلَّ عامٍ لكِ، للورد قصيدة
وأغنيكِ مدى العمر قصائدْ
نجمةً سكرانةً في إثرِ نجمة
عن هوىً يسكر من خمر الشعاعْ
****
ولقد قالتْ وألقتْ رأسها فوق ذراعي
’’إنها أروع من كل القلائد‘‘!
وصمتنا
عاشقاً يمسك كفّ العاشقة
وعلينا ذرذر النورَ قمرْ!
****
أنتِ لو تدرين معناكِ لديّْ
ولماذا أنسج العمر قصائد!
آه يا أحلى قصيدة!
بغداد، 1964

قطعنا الدرب
إلى عينيكِ، يا قدري، عتابي
وشوقي واحتراقي واغترابي
وكأساً من دمي ساقيتِنيها
فما جفّت على طول انسكابِ
فأسكرُ في هواكِ، وإن خمري
مزاج من عذابك أو عذابي
وألمس كلّ ما تخفين عني
وأعلم أنّ ما بك بعض ما بي
****
قطعنا الدربَ، كفُّكِ في يميني
وفي روحي حديثُكِ واضطرابي
وفي عينيكِ، يا قدري، اغترابي
وشوقي واحتراقي للعتابِ
25-12-***
*** السنة غير واضحة نظراً لقدم الورق الذي كتبت عليه القصيدة، وأرجح أنها في أواخر الستينات أو أوائل السبعينات

خجل
تنام الشمس في عينيك سكرانة
وتنهمر الأغاني حلوة حلوة
وفي قلبي يموت الموت والأحزان
على كتفي تنام الآن ’’إنسانة‘‘
****
أحبّكِ، كل هذا الليل للحبِّ
أحبّكِ، كل هذا الصبح للحبِّ
فيا خجلاً يعذّبني
ويُرعش كلّ أعراقي
ويترك في فمي رجفة!
تراقصتْ منه في خديكِ أضواءُ
وفي عينيكِ أنباءُ
وفي كفّيكِ أشياءٌ وأشياءُ!
فتخدر كل أعماقي!
وتسكر كل أشواقي!
بغداد
15-7-1971

يا ليتهم يبكون
أعلم بعض الناس لا يعشقون
لا يعرفون الوجد، لا يرقصون
لم يعرفوا الحديث في الأكف والصَخَبْ
في ليلةٍ تمنح من أحَبّْ
ولادة جديدة
في قبلةٍ سكرانةٍ، في لحظة العَتَبْ
****
حبيبتي، أرفع كأسي قمراً
وأنتهي في سكرتي مغنّياً مفتونْ
أعشق هذا الثائر المجنونْ
ولمسة الساعد والهمسةَ والسكونْ
أعرف ما يظلّ في الشفاه
رجفةً
وما تقوله العيونْ
****
حبيبتي، يا ليتهم يبكون!
بغداد
1971

الأسرار****
يحضن البحر أسراره
ويغفو
وأنتِ التي تسهرين
تقولينَ: ’’إن القمر
يسامر ظلي
ويسهر مثلي
وحيداً‘‘
تقولين: ’’إن البشر
أضاعوا القمر
فضاعوا!‘‘
ويرشفُ قلبيَ أسرارَهُ
ويبقى القمر
وحيداً
بعيداً
وإن باح للبحر أسراره

**** من قصائد الحبّ النادرة غير المؤرخة

حلم*****
قلتِ: هل يمكنُ للشكِ الذي يأكل روحينا
أن يُولَدَ وردا
قلتُ: والصمتِ الذي يسرقُ عينينا
أن ينسابَ ودا
قلتِ: والوهمِ الذي يركض في الرملةِ
أن يخضّلَ بردا
وتراخت كفكِ اليمنى على صدري
هدأنا صامِتَينْ
دقت الساعةُ
قلتِ: انتصف الليلُ
وعلى الشرفةِ قد نامَ القمرْ
وسرت أضواؤه بين الشجرْ
نفض البلبل للذكرى جناحيهِ
ونامْ
لو نفضنا كلّ ما نحملهُ
وحملناهُ إلى سرب الحمامْ
وتركنا الحبَّ للذكرى
ونمنا!
****
كانت الساعةُ عند السادسة
قلتِ: إن الأرض سكرى
شربتْ خمرَ النهار!
وضحكنا!
ورأينا الشكَّ وردا
وعلى الرملةِ يزهو الجُلّنارْ
وعلى خدكِ أضواء اليقينْ!

***** تراجع الملاحظة في نهاية القصيدة السابقة

غزل
(1)
كلّ أحلامي تلاشتْ
إلا حلمي بالمرأة التي أحبّ
(2)
حين كانت تغتسل بماء الضياء
رأيتُ النجوم
تقبّل قدميها!
(3)
نظرتُ إلى الينبوع
فعرفتُ كيف تكون البحار
ولمستُ أوراق الزهرة
فرأيتُ أجمل الحدائق
وتأمّلتُها
فلمحتُ انعكاس الشمس
فوق ثلوج القفقاس!
(4)
’’هل تقبلين بي
رفيق دربٍ
تحت لهب الشموس
وتحت ظلال الغيوم؟‘‘
أمسكتْ يده
وسارا
يمنحان الشموسَ الشَرَرْ!!
والغيومَ المطر!!
كرفيل، تكساس 2002

هاجس الانتظار!
وسيأتي ساعي البريد
يفتح الصندوق رقم 111
حاشراً فيه قوائم الديون
الإعلانات
الرسائل التجارية
والوريقات التي لا يدري
ساعي البريد أين يضعها
يخطّها الحاسوب لكلّ من يقرأ!
ويعاودني الشوق القديم
لعلّي أرى
رسالة زرقاء من رسالاتِك!
****
الضباب الشفيف يطوف على مقلتي
أيتها القريبة جدّاً
أيتها النائية جدّاً
كوربس كريستي
2010

شاهد أيضاً

يحيى السماوي في محراب الحب والأسطورة والجمال
(قبل دخولي فردوسها)
مفيد خنسة – سوريا (ملف/131)

إشارة : يوما بعد آخر، تتراكم المقالات والدراسات والكتب والأطاريح الجامعية عن المنجز الشعري الفذّ …

موسيقى الكائن للشاعر سعد جاسم
فانتازيا التنبؤات والتمازج مع اناشيد الروح
قراءة: سمر محفوض* (ملف/37)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

أنتِ تشبهينني تماماً للعراقي سعد جاسم: طقسٌ أنثوي يُشبهُ قصيدة واحدة
قراءة: صالح الرزوق (ملف/36)

إشارة: يسرّ أسرة موقع “الناقد العراقي” أن تقدّم لقرّائها الأعزاء هذا الملف الأسبوعي الثر عن …

2 تعليقان

  1. سعاد المانع / جامعة الملك سعود

    تبدو شعرا آتيا من آفاق بعيدة وليست من الشعر المألوف

  2. عبد الناصر فتح الله

    الف شكر لرمز الوفاء الدائم الدكتورة حياة الجاسم على حرصها الدؤوب على تخليد ذكرى شاعرنا الكبير الذي يستحيل أن ينساه كل من جالسه لحظات ، و كيف لي أن أنسى أخا و صديقا و أستاذا فذا من قيمة دكتورنا زكي الجابر و انا الذي عرفته لسنوات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *