د. ثائر العذاري : (ما وراء السرد) و(التخييل الذاتي) محاولة لفك الاشتباك

thaer alethari 2بات واضحا أن الرواية أصبحت اليوم (ديوان العرب) إذ تقدمت على الشعر، ومع هذا التقدم بدأ البحث عن أساليب التجريب التي تجعل عملا روائيا ما مميزا من غيره، وكما حدث مع الشعر لجأ كثير من الكتاب إلى استيراد تقنيات غربية لما تزل في مرحلة التطوير والتجريب ولم تستقر بعد. ومن هذه التقنيات مصطلحان يختلطان بشدة ويعتريهما غير قليل من انعدام دقة التحديد، هما (Meta-Fiction) الدي يحلو للكثيرين ترجمته بصياغة مشوهة هي (ميتا سرد) انطلاقا من (عقدة الخواجة) كما يقول المصريون، ولا أظن أن هناك مشكلة في الترجمة الصحيحة (ما وراء السرد) بدلا من تعبير أعرج نصفه لاتيني ونصفه عربي.
أما المصطلح الثاني الذي يختلط بالأول فهو (Auto-Fiction) الذي استقرت ترجمته على (التخييل الذاتي) وأراها ترجمة معقولة. وسنحاول هنا فك الاشتباك بين المصطلحين وتحديد دلالتيهما بوصفهما تقنيتين سرديتين.
أما (ما وراء السرد) فهي ظاهرة ثقافية قبل أن تكون جمالية، قائمة على تغيير فلسفة العمل الروائي، ويمكن مقاربتها بما يعرف في المسرح (Presentational Theatre) أو مسرح التغريب البريختي وما يسميه بعض الدارسين (نظرية المسرح التعليمي)، فقد عمد برتولد بريخت على هدم جدار المسرح الرابع وجعل الجمهور جزءا من العمل المسرحي بحيث يكون في ذهنه دائما أن ما يشاهده ليس سوى تمثيل، وهكذا سيعمل وعيه بدل عاطفته مما يتيح فرصة التحريض على الواقع.
هذه الفكرة ذاتها هي لب تقنية (ما وراء السرد) فالهدف قبل كل شيء جعل القارئ واعيا طوال مدة القراءة أن العمل ليس سوى رواية وعليه أن لا يتوهم أنها أحداث حقيقية. ومن المهم أن نشير إلى أن بريخت نفسه استلهم رؤيته المسرحية من الدراسات الأدبية للشكلانيين وتحديدا من مقولة تفيد أن انتزاع حدث ما من تسلسله الواقعي وزرعه في تسلسل سردي سيؤدي حتما إلى تغريبه.
يتيح (ما وراء السرد) طيفا واسعا من التقنيات التي تؤدي الغرض، شاع منها أن تكون الرواية متضمنة داخل رواية أخرى، لكن هناك الكثير من التنويعات منها:
• التلاعب بثوابت الرواية التقليدية (العنوان، بناء الشخصيات، المكان، الفقرات والفصول، الحبكة) حتى تبدو أنها لعبة يتحكم بها الكاتب.
• أن يفضح الراوي نفسه بأنه هو من يكتب الرواية.
• أن يظهر القراء داخل العمل ويجبرون المؤلف على تغيير مصائر الشخصيات.
• أن يضع المؤلف تعليقاته في حواشي الصفحات.
• أن تعبر الشخصيات عن قلقها من أن تكون محض شخوص رواية يتحكم بها المؤلف.
• أن تقوم الشخصيات بالإشارة إلى المؤلف أو أعمال سابقة له.
وقد يكون المثال الواضح هنا رواية (أسد قصر النيل) للروائي المصري (زين عبد الهادي) الذي تشير إليه الشخصيات على امتداد الرواية بأنه هو المتحكم بمصائرها، كما يظهر هو نفسه وهو يمارس فعل الكتابة في الفصلين الأخيرين منها.
أما (التخييل الذاتي) فهي تقنية تقوم على أن يضع المؤلف نفسه –باسمه الحقيقي وصفاته الشخصية وقدرا محدودا من سيرته- داخل الرواية بوصفه شخصية روائية يغلب أن تكون ثانوية ولكن بقصد الإيحاء بأن أحداث الرواية حقيقية وأنه شاهد عليها، فالهدف هنا تماما عكس ما ترمي إليه تقنية (ما وراء السرد).
ويمكن القول أن (التخييل الذاتي) جنس من الكتابة السردية يقع في منطقة تتوسط بين الرواية والسيرة الذاتية وتقترب من أحد هذين الطرفين أو تبتعد عنه بقدر ما يضع الكاتب من مكوناته في عمله.
وقد اشتغل بهذه التقنية الروائي الكويتي (طالب الرفاعي) في رواياته الخمسة، وفي مجموعته القصصية (الكرسي). غير أنه يستغل التوسط بين الرواية والسيرة بمرونة فبينما يبدو (طالب الرفاعي) في رواية (سمر كلمات) شخصية ثانوية، يظهر في رواية (الثوب) شخصية رئيسة لتقترب الرواية من شكل السيرة الذاتية بشدة.
ما نخلص إليه هو أن التقنيتين متعارضتان في الهدف فبينما ترمي (ما وراء السرد) إلى انتزاع القارئ من وهم تصديق الأحداث، تهدف تقنية (التخييل الذاتي) إلى إقناعه بأن كل شيء حقيقي وأن المؤلف شاهد عليه.

شاهد أيضاً

روايات مترجمة: (8)أناس في ليل الصيف (من الأدب الفنلندي) فرانس ايميل سيلامبا
ترجمة: كاظم سعد الدين
قراءة: ناطق خلوصي

يقول توماس ووربرتن في الدراسة التي كتبها عن الروائي الفنلندي ” فرانس ايميل سيلامبا” ان …

شوقي كريم حسن: د. سلمان كاصد… قرءات التحول المعرفي.

*قد تنحرف الرغباتْ، دون تخطيط او دراية، ثمة ما يشير الى طريق غير ذاك الذي، …

حكمة النص: مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (14)

توق التغيير في مجابهة تحديات المكان محمد حسين الداغستاني يشكل هاجس الاغتراب دافعاً مهماً للتغيير …

تعليق واحد

  1. ا.د محمد سرحان

    مقالك جدير بالتقدير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *