الرئيسية » ملفات » سبتي الهيتي : سبعة أعوام على رحيل المفكر “مدني صالح” (ملفات/28)

سبتي الهيتي : سبعة أعوام على رحيل المفكر “مدني صالح” (ملفات/28)

sabti alhitiيختلف اثنان من المهتمين بالنقد الادبي في العراق و بنطاق السرد الروائي والمقالي والمدونات المعاصرة بأن مقالات مدني صالح ومقاماته التي انجزها على مدى نصف قرن من عمره الادبي ونشرها في الصحف والمجلات الادبية تعتبر وبحق فنناً أدبياً متميزاً بحد ذاته لانها جزء من منجزاته الادبية والفلسفية،اذا لم نكن نعتبرها ظاهرة أدبية متميزة سيما تلك التي ظهرت في مجلة آفاق ببغداد آب 1978 بعنوان مع المتنبي وطه حسين او مقالته من افلاطون الى ديكارت والمنشورة مسلسلاَ في جريدة الجمهورية، ومقالته عن الرفاعي وابن خلدون جرجي زيدان والغزّالي والتي تدلل على قولنا بأن مدني كان مقاليا متميزا وناقدا حاذقاً ذلك لان مقالاته ومقاماته كانت انموذجاً متفرداً بشخصه لها اسلوبه الخاص يرقى بأدبه الى الانشاء الرصين الصادر عن فكر ووعي فلسفي مقتدر ومكتوب بقلم متمكن من رسم الصورة الشعرية والبلاغية بأسلوب شاعري يتميز بسعة الخيال والقدرة على الاستنباط والاستدلال من حركة الاشياء وكينونتها بالاضافة الى تاثير الموروث الشعبي على تفكير الناس والموكل بحياتهم الاجتماعية والثقافية ونحن على يقين بان مدني صالح قد تمكن وهو يضعنا ونحن نقرأه بين الدهشة والانتباه تمكن من التفريق بذكاء بين الجملة الخبرية والجملة الانشائية واستطاع ان يفكك الجملة الخبرية ويستخلص منها انشاءً جميلا وبأسلوب شاعري رصين جعله يتميز به وحده ويتفرد ليكون اسلوباً حديثاً يرفع بمستوى اللغة العربية الى المعاصرة بجدارة.
ان استلهام الصورة الاجمل للمبنى لكي يقرب به المعني وباداء لا اجمل منه صياغة وسردا عند مدني وهو يجمع بين الشعرية والاسلوبية فيجعلنا نفرح ونحزن بالوقت نفسه ونحن نتابع ما يصدر عنه من اقبال جميل وانشائية معبرة يستخلص القارئ المتذوق برهافة الحس وشاعرية العبارة وهو يقرأه ويستمتع به ادبا جميلا متميزا ويستخلص منه الحكمة ورهافة الحس وشاعرية العبارة وسعة الخيال وبأسلوب متميز يقول عنه الناقد فاضل ثامر
موجزاً حديثه المنشور في الف ياء جريدة الزمان بالعدد 3433 تحت عنوان كاتب مشاكس بمستوى رفيع( بانه مقالي وكاتب مقامات وناقد ادبي وناثر ومفكر وموسوعة متنقلة في المعرفة والثقافة وصوتا عراقياً حديثا يمتلك لغة خاصة شاعرية وغنائية… الخ )
madani 5kh madani 3وفي نفس العدد من جريدة الزمان يضيف الكاتب حميد المطبعي الى القول( بأن مدني يكتب بحرية جان جاك روسو وكلاهما خاطب العالم بأسم ( الأنا ) التي تعني الزعامة المتميزة لان كليهما رضعا من لبان الأرادة الرشيقة ولكل منهما اسمه وسوف تقرأ النخبة مدني صالح بعد مئة عام فترقص على ايقاع قلمه الذي لم يستعر حبره من محبرة احد)، ونحن بهاتين الشهادتين نكتفي لنشير الى النمط المتميز بأسلوب مدني صالح في انشاء المقالة والمقامة ونصفه كما غيرنا بأنه اسلوب غنائي جميل وشاعري يلتقي فيه البيان متداخلا بين الشكل والمضمون بدلالات واضحة وهو ينتقي موضوعاتها من حركة المجتمع والواقع المتطور ومن حكاياته المأثورة عن الخيال الشعبي ومن عوالم الطبائع البشرية المحكومة بالسلوك المرتبط بالبيئة والتربية المنتجة داخل دائرة الوعي المتحقق من نظرة الفرد الى المجموع وشعوره بالأنا المتحققة بالتطلع نحو المطلق بحرية واجلال ومدني صالح بشهادات الكثير فيلسوف واديب له خصوصية معرفية تتصل بفكره الفلسفي و منها زهده في الحياة وتشوقه الى محبة الحكمة والحقيقة بالتجلي والصعود نحو معارج انوار الحق مثلما كان يفعل الحلاج وغيره من الحكماء، ولانه على براعة في الانشاء الفلسفي والادبي الرصين ومقدرة في توظيف اللغة العربية اصبح متميزا بذاته وظاهرة ثقافية مرموقة ومعروفة له مكانة تربوية وفلسفية ترك كرسيها خالياً من الدرس الفلسفي الرصين الذي اراد بذوقه ان يؤدب الفلسفة ويرقى بها الى مصاف الادب في الوقت الذي فيه يفلسف الادب ويرقى به الى مقام الفلسفة.
ولا بد لنا ونحن في الذكرى السابعة على رحيله ان نستذكر استاذاً كبيراً للفلسفة ومربياً من الطراز الاول وان نذكر بأنه تخرج من قسم الفلسفة بدرجة الامتياز واصدر في السنة الاولى لتخرجه اول مطبوع فلسفي سماه (الوجود) ونشر اول سردية بدلالة التراث سمّاها ( اشكال والوان ) وهما باكورة انتاجاته الفلسفي والادبي بعد تخرجه منتصف القرن الماضي من الجامعة وتمكن ان يكون واحدا من طلبة بعثتها الى جامعة كامبردج لنيل شهادة الدكتوراه في الفلسفة الاسلامية حيث اتيحت له فرصة التعرف على الثقافة ومصادرها في مكتبة المتحف البريطاني ومكتبة الجامعة وكان يقول ( ولقد انتفعت من كامبردج اكثر ما انتفعت من القراءة الحرة في مكتبة الجامعة ومن ارتيادي ARTS THATER . فشاهدت خلاصة الادب المسرحي وانتفعت من مكتبة المتحف البريطاني واحببت القراءة في مكتبة البولديانه في اكسفورد)، ويضيف الى القول بأن كامبردج تظل في نظري اعظم كتاب قراته لا ارقى منها في كل الكتب منذ بداية الوعي المنطقي والتدوين في التاريخ الى اليوم ـ ملحق جريدة الصباح ـ ويضيف الى القول في حديثه عن كامبردج انها المدينة التي فيها من الفائزين بجائزة نوبل اكثر من الفائزين جوائز اليانصيب في بغداد، وفي معرض حديثه عن نتاجاته الادبية يقول بانه بدأ بكتابة المقالة عام 1949 في جريدة الاهالي واليقظة والسجل ويقول بأنني بدأت بكتابة الدراسة والبحث منذ العام 1952 وأول مقالة ادبية كتبتها نشرت بعنوان( الاستقطاب الاجتماعي في مجلة المعلم الجديد ) واخرى بعنوان الفكرة المولدة في اشعار بدر شاكر السياب نشرت في مجلة الآداب البيروتية عام 1967 ومقالة عن البياتي بعنوان البياتي والخيام وحانة الاقدار في شباط 1969 بعدها بدأ بعد ذلك بنشر المقالات الاخرى في الصحف العراقية وعندها بدأت اسلوبيته تتكامل مع طلائع الاسلوبية المعاصرة والتي لم تكن كذلك إلا في الذي بدأ يظهر من انشاءه المتميز بعد عام 1982 في جريدة الجمهورية وعلى الصفحة الثقافية بالذات والتي كان يرأس تحريرها الشاعر سامي مهدي المقرب من اوساط حزب البعث، والذي كان ينشر مقالات مدني صالح مضطرا ومأخوذاً بما يبعثه اسلوبه من دهشة وتشوق لدى القراء وهم ينتظرون مقالته التي تصدر يوم الاحد من كل اسبوع بلهفة وهم معجبون بما يكتب من اسلوب و من لغة رصينة غير رخيصة ولا بليغة وبما يرويه لهم من حكايات شعبية بلغة ادبية معاصرة تباهي بقدرات مدني صالح اللغوية وكأنه قد قرأ (الاجرومية ) من الفها الى يائها وعرف ما تعنيه النقاط الموجودة على الحروف فحرص على ان لا يكون مع مقالته التي ينشرها اي خطا لغوي او نحوي بالطباعة فقد كان يقف الى جوار منضد المقالة في الجريدة ليلة طباعتها حريصاً على ان تكون مقالته خالية من عيوب الطباعة او الاضافة.
ولم يختلف اسلوب مدني في المقامة عنه في المقالة وقد زاد عليه انه استخدم في لغة الاسلوب كلام العوام الذي يرجع اصله الى اللغة العربية سيما في الحكايات التي يصور فيها علاقات الناس في المجتمع الزراعي والريفي ولا سيما تلك العلاقات العاطفية وحكايات الاوائل الذين يتداولونها الموروث فقد تمكن ان يعيد صياغتها بأسلوب غنائي يبعث على الدهشة والمتعة مما يجعل القارئ متلهفاً للمتابعة والافادة.
kh madani 2kh madani 4واهم مقامات مدني هي: مقامة برج المربد ومقامة استعجال افراح التبرجز ومقامة الكتابة على الماء ومقامة المضروب بالدنقهار وغيرها، وقد اصدرها مجموعة في كتاب عام 1990 متفرداً بمادتها وموضوعها فلم يسبقه احد الا اولئك الاوائل قبل سبعة قرون وعلى رأسهم الحريري وغيرهم من الادباء في القرن الرابع الهجري.
وبالعودة الى السيرة الذاتية لهذا الكاتب الذي اراد بهمة الحكيم الشاعر وعزيمة الاديب المتملك للوسائل الجوهرية في صناعة الادب والكلام الجميل ان يمسك بأردان الفلسفة لكي ينزلها من برجها العاجي الى الرصيف والشارع البغدادي الذي فيه ينتشر الناس امام الكتب المطبوعة في شارع المتنبي ليقرأوا عناوين كتب الادب فلا يشترون وبأرخص الاسعار في عصر لم يعد الناس يقرأون، اما اذا قرأوا فأنهم قليلاً ما يفهمون او يبصرون ويعرفون بأن مدني المتخرج الاول من قسم الفلسفة في كلية الآداب عام 1951 والذي اتقن الانكليزية وقضى اكثر من خمسة اعوام في مدينة الضباب يتنقل بين خزائن مكتبة المتحف البرطاني وخزائن مكتبة كامردج طالباَ لنيل الدكتوراه قد شاءت الظروف ان يصطدم مع احد الاساتذة المناقشين عندما انزلق لسان استاذه المشرف على رسالته (د. آربري) هاذراً فصرخ مدني بوجهه ومزق رسالة الدكتوراه لان في حضرة مدني كما يقول المطبعي.. لا ينبغي ان تقال كلمة خارج حدود مدني وحرام على ايّ كان أن ينبس ببنت شفه اذا كتب مدني او قال شيئا لا يظلم فيه نفسه او احداً غيره.
ومن الجدير بالذكر ايضاً ان مدني هذا وهو يبحث عن ظالته في التراث بين ما تركه ابن رشد والكندي وما سّطره الفارابي والغزّالي وغيرهم بعدما وضع المستشرقون اياديهم على الثروة الفلسفية العربية والاسلامية ورهنوها في مكتبات لندن ولكنها رغماً عنهم بقيت تتصدر واجهة الفكر الى جانب شروحات ارسطوا وتحولات افلاطون بمدينته الفاضلة الى الفردوس المفقود وانه لكي يجد هذا المفقود فقد اصدر بالاضافة الى ما قلناه في بداية حديثنا كتابه هذا هو الفارابي من اسس الميتافيزيقيا الى الحتمية السببية 1980، وكتاب ابن طفيل قضايا ومواقف 1980 وهذا هو السياب ،1980 و المسرحية الشعرية بقايا التجربة 1972، ومع المتنبي، وطه حسين، وتعالوا نقرا، وتعالوا نفهرس الفلسفة بالاضافة الى كتابه الفارابي في بغداد، و هذا هو البياتي، و التدوير والتربيع، و قصة حي ابن يقضان ( نظرية ومنهج)، و الحلقة المفقودة من ملحمة صفية الاشبيلي، والغزّالي، ومنهج الارتقاء من افلاطون الى ديكارت، بالاضافة الى كتابه المشهور ما بعد الطوفان الذي اثار ضجة ثقافية في حينه، كما ان له كتابا مخطوطا لم ينشر اسمه داخل وخارج التاريخ، وقد فارق مدني الحياة في تموز عام 2007 وبسبب الاوضاع الامنية آنذاك نقل جثمانه من مسكنه في الغزالية الى مقبرة الكرخ وشيّعه ثلاثة اشخاص فقط هم ولده وجاره وسائق سيارة الاجرة التي حملت نعشه، فألف سلام على روحه وألف رحمــة عليه في عليين.

* عن صحيفة الزمان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *