كاظم الزيدي : قراءة في رواية –حياة ثقيلة- لسلام إبراهيم ؛ اللغة والسرد بين الواقع والخيال*

kadum alzaidiعلى مدى 242 صفحة من القطع المتوسط وبثلاثة مقاطع معنونة: لبناء عالم جديد،وينك يا بلدي، إي خلصت، صدرت عن دار الأدهم في القاهرة الرواية الخامسة للكاتب العراقي سلام إبراهيم (حياة ثقيلة) إذ سبق للكاتب إن أصدر روايته الأولى (رؤيا الغائب)عن دار المدى دمشق 1996. وروايته الثانية (ألإرسي)عن دار الدار المصرية 2008. بينما أصدر في 2010 عن الدار المصرية اللبنانية روايته الثالثة (الحياة لحظة). فيما صدرت له عن وزارة الثقافة في العراق وضمن مشروع بغداد عاصمة الثقافة العربية روايته التسجيلية الفنية )في باطن الجحيم ). ومن مكانه هناك في منفاه الاختياري يحلق بنا الكاتب أو بالاحرى نحلق معه إلى عالمه الذي بعثه إلى الوجود حتى لحظة انطفاء الرواية حيث يعود بنا إلى المشهد الافتتاحي في الرواية مصرحا ًبأنه أفلس من الأمل والحياة ولا ينتظر غير لحظة الموت التي سيصرخ عندها وكأنه يزيل حمل ثقيل عن كاهله إييييييييييييي خلصت.
زمن الرواية
يمتد الزمن في الرواية ليغطي ستة عقود.منذ الستينات وصولا إلى 2010. ويقفز الكاتب قفزا حرا بين زمن وآخر كلما دعته الضرورة وربط
الأحداث. مثال على ذلك هو في سنة 2005 في قاعة التعرف على جثث المغدورين من العراقيين (صور الجثث رديئة التصوير هبطت بي بعيدا. فمنذ طفولتي البعيدة تعودت على هذه الصور وأشكال الأجساد الراقدة أبدا في سكونها وبهمة وجودها الذي ذهب لحظة القتل. رأيت نفسي أنفصل عن الشاشة والوجوه جالسا في صيف 1964 في دكان عمي خليل الحلاق القريب من الجسر الحديدي وسط الديوانية)236، فيربط بين الوضعيين ليبين إن القتل لا زال مستمر وإن اختلفت الأيدلوجيات والخاسر الوحيد هو الفرد العراقي.
اللغة
salam ibrahim 1لغة السرد لغة شفافة قادرة على إصابة المعنى المرجو، ويضطر الكاتب أحيانا الاستعانة باللغة الدارجة ليزيد المشهد واقعية مفرطة تخطط للمكان وتهيمن على زمانه. ومن خلال اللغة ينتقل الكاتب عبر الزمان ومن خلال المكان عبر زمن حر يمتد عبر ستة عقود هي كل ذلك السفر الممتد من الحي الجمهوري في الديوانية برفقة أولئك الرفاق الذين كانوا يحلمون بغد أفضل لكنهم انتهوا مفلسين إلا من زمن ظل الاضطهاد والقتل يسايرهم مثل ظلالهم التي لم تعد تشي بوجودهم المر فوق خارطة الحياة. يتحرك زمن اللغة كالبندول رابطا بين الماضي بعبق تاريخه الموشى بالصداقة الفريدة من نوعها تحت ظلال ذلك الواقع المر الذي رسخ على تلك القلوب الغضة وهي تأمل بتغييره حتى تحت عنوان الكفاح المسلح. يقول الكاتب وهو الراوي أمام جثمان صديقه أحمد وهو يغسل من كل تلك الأدران والأحلام ليذهب خفيفا ربما لعالم ليس به صراع من أجل حياة هانئة ورخية(وبغتة شهقت. خانتني قواي فتهالكت جالسا.حملوني من كتفي إلى خارج المغتسل وأجلسوني على مقعد من حجر مركون إلى الجدار. تحت الشمس وأمامي امتدت شواهد القبور حتى الأفق وطيفك بوجهه الفتي إلى جواري على عربة قطار حمولة تمخر عباب ليل الجنوب يرقص هازا ًذراعه الأيمن يتوعد ويهدد الوجود وينشد معي ـلبناء عالم جديد……..ولقبر مشعلي الحروب) ص69. في ذلك الزمن المكون للعوالم اللاحقة والصانع لها بطريقة أو بأخرى. لم يتم بناء عالما جديدا ومشعلي الحروب تناسلوا وهددوا الحياة البسيطة للعراقيين وهم ينشدون السلام المفقود منذ إن اكتشف العالم المهيمن والمحرك للاقتصاد إنهم سيقودون العالم لو أعطوا فرصة واحدة. وهكذا مضت الحياة على الراوي ثقيلةً مثل معطف ثقيل تضطر على حمله فوق أكتافك في صيف قائظ وشديد. فبعد سنوات الحرمان لطفولة قاسية وسنوات الشباب بالبحث المستمر عن شمس الخلاص والحرية وما رافقها من قسوةٍ غير معهودة بنظام أدعى إنه جاء من الجماهير والى الجماهير ولكن إغواء السلطة جعل واحد من أولئك يعتقد بأنه الإله المبعوث من أجل إنقاذ هذه الأمة فراح من وحي خياله المريض يخوض في دماء شبابها حتى ملل الموت وصاح باطن الأرض الغوث من أجساد أبناءها. وفي هذا الواقع كان الراوي يسجل الأحداث من خلال عودته إلى وطنه يحمل ثقل سنواته الستين ليمخر في عباب الذكرى ويستعيد ماضيا هو كل حياته. ففي القسم الأول من الرواية يبحث عن صديق احمد. وفي القسم الثاني يسعى وراء ذكرى سعد الصديق الذي آمن بأيدلوجية ظانا إنها الطريق الوحيد لبناء المدينة الفاضلة، فترك زوجته الجميلة وبنتيه ليفاجئ بعد أعوام وعلى لسان المناضلة اليسارية والشخصية المرافقة للراوي وزوجته: بأن زوجته تزوجت أحد كبار ضباط الأمن الذين كانواkh salam ibrahim 5 دائمي التحقيق معها بعد هروب سعد. عندها ينمو في داخله هدف آخر رؤية بنتيه والرجل الذي حطم أحلامه وينام مطمئنا مع حبيبته. لكن متتبعي الأخبار يقولون إنه القي عليه القبض في أحد أرياف الموصل قرب شيخان ويصف موته قائلا: (يقال أنزلوه من سيارة عسكرية عارياً وربطوه إلى عربة زراعية بحبل غليظ طويل في ساحة داخل مجمع “باعذرة” ومشت العربة تسحل جسمه وتدو في شوارع المجمع وترجع للساحة حتى تقشر جلده وانسلخ على الإسفلت وسط حشود الناس وبكاء النسوان وصراخ الأطفال إلى أن فاضت روحه فحملوه بنفس السيارة العسكرية اللي جابته). ص146 أما صديقه في الجزء الثالث فتعصره الحياة حتى يتقيأ أحشاءه ويموت في بركة من الدم كما ذكر الراوي في ص241(أفسحن الطريق لي فرأيته ساكنا مستلقيا على ظهره يحملق بعينيه المفتوحتين في زرقة السماء عند حافة الحديقة حيث كنا نجلس ونشرب كل مساء. وسط بركة من الدم حيث قاء أحشاء دفعة واحدة، بركت على ركبتي قربه نائحا لاطما هاذيا ولا النساء سامعا صرخته الأخيرة قبل طلوع الروح ـإييييييييييييييييييييي خلصت (!وهكذا يعود خالي الوفاض من أحبابه إلى منفاه الأخير في مهجره ليناجي نفسه(وحدي.. وحدي.. وحدي والستون فرشت أمامي. أحملق في جدران الصالة التي امتلأت بصورهم حشد من الأحباب حشد من الوجوه المنيرة الضاحكة حشد غادر الواحد تلو الآخر هناك بعيدا في ذلك الرحم الدامي) ص241 الذي أسميه أنا العراق. إنها رحلة في عمق التاريخ العراقي يجب أن ندخلها لنخرج مطهرين من كل الأدران التي تعلقت بنا نحن الذين ما زلنا أحياء، لنستذكر على الأقل أولئك الذين أرادوا أن يبنوا لنا حياة يحترم فيها الإنسان بجميع خياراته.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* ورقة قدمت في ندوة عن الرواية بقصر الثقافة في الديوانية بتاريخ 9-12-2014.

شاهد أيضاً

محمد مهدي الجواهري: ما ورد عنه في كتب في ضوء مسح افتراضي
أ.د. صالح جواد الطعمة

مقدمة: أدرك جيدًا أن توثيق منجزات الجواهري عبر قرن وما كتب عنه أكثر تعقيدًا وصعوبة …

شوقي كريم حسن: داود سلمان الشويلي… وضوح الأشتغالات المعرفية

*عند خط الفصل بين سومر بكل ارثيتها العجيبة، وامتدادات زقورة اور، واللاله الجالس في العلو، …

صباح هرمز: بنيات السرد في روايات “محسن الرملي”

1- الشخصية: يقول رولان بارت معرفا الشخصية في الحكاية بأنها: (نتاج عمل تأليفي) كان يقصد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *