يحيى السماوي: على مشارف الستين..

( كتبت عشية تشييعي جثمان الشجرة  التاسعة والخمسين من أشجار  بستان العمر )

يحيى السماوي
يحيى السماوي

سـتـون .. في ركض ٍ ولـمْ أصِـل ِ
نـهـرَ الأمــان ِ.. وواحـة َ الأمَـــل ِ

سـتون َ .. أحسَـبُ يـومَـهـا سـنـة ً
ضـوئـيَّـة ً..  مــوؤودة َ الـشُّــعَـل ِ

عـشـرون مـنهـا : خـيـمـتي قـلـق ٌ
بـيـن الـمـنـافـي عـاثـرُ الـسُّـــبُـل ِ

والـباقـياتُ ؟ رهـيـنُ مَـسْـغَـبَـة ٍ
حينا ً .. وحينا ً رهـن  مُـعْـتَـقَـل ِ

شـاخ َ الطريقُ وخطوتي اكتهلتْ
ودَجَتْ شموسُ الصبح ِ في مُقلي

يعـدو المكان ُ مُـفارقــا ً قـدمـي
أمّـا الـزمان ُ فخـطوُ ذي كـسَــل ِ

مــا إنْ أُصـادِح شــدوَ فـاخِـتَـة ٍ
حـتى أُنـاوِح َ دمـع َ مُـنْـثـَــكِـل ِ

حَـيـرانُ .. لا أدري أمِنْ بَـطَـر ٍ
غـادرتُ أرض الـنخلِ أم ْ خَـبَـل ِ ؟

تـلـك الـديـارُ علام َ أعــبـدُهـا ؟
لا نـاقَـتي فـيهـا .. ولا جَـمَـلي !

أما الـطـيـورُ فـغـيـرُ سـابِـحـة ٍ
فـكـأنَّـهـا شُـــدَّت ْ إلــى جَـبَـل ِ !

لـطـمَـتْ نـوافِـذُهـا سـتائِـرَهــا
جَزَعـا ً من الأسْحارِ والأصُـل ِ !

سـتون َ .. حينا ً لـهْـوُ ذي نَـزَق ٍ
عـاة ٍ .. وحينا ً صَمْتُ مُـعْـتـَزِل ِ !

بعـضي يُـريـدُ الـدّهْـرَ يـلـبَـسُـه ُ
ثـوباً  .. وبعضي يشتهي أجَـلي !

سـتون .. مَـرّتْ غـيـرَ مُـمطِرة ٍ
مـرَّ الـطيـوفِ بجـفـن ِ مُـكـتَحِـل ِ

ســتون .. لا أهــلا ً بــقـافِــلــة ٍ
تُـدْني ذِئابَ الحَتْف ِ من حَمَـلي !

**

سـتون َ بـيـن الـجِلـف ِ والجَـفَـل ِ
مُـسْـتَوحَـشُ الإشـراق ِ والـطَفَـل ِ !(1)

جيشان ِ يـشتَـجـران ِ في جسدي :
نَـزَق ُ الـشباب ِ وهَـدْيُ مُـبْـتَهِـل ِ !

قَـدَّ الـحَـبـيـبُ الـقـلـبَ مـن دُبُـر ٍ
والأصـدقـاءُ الـزّورُ مـنْ قِـبَـل ِ !(2)

يا صَـبْـرُ: كم أطْـمَـعْـتَ فاجـعـة ً
بتجَـلُّـدي وسَـخَـرت َ من حِـيَـلي ؟

دالـتْ بيَ الأشـواقُ واحتَـطـبَـتْ
صـرحي فما أبقَـتْ سـوى طـلـل ِ

أفـأشْــتـكـي غـدرَ الـهـوى وأنـا
قَـيـدي وجـلّادي  ومُـعْـتَـقـلــي ؟

ســتـون عـامــا ً فـي مـجَـرَّتِـه ِ
لـيـلـي .. وبدري غـيرُ مُـكْـتَمِـل ِ !

خمري نـزيفُ دمي .. ومائـدتي
كهـفُ الهموم ِ..وعلقَم ٌ عَـسَـلي !

جسدي طريدةُ خنجري.. ويـدي
ما اسْـتَجْلبَتْ غـيرَ الرزيئة ِ ليْ !

لـم يَـبـق َ في بـسـتان ِ عـافـيـتي
إلآ هـشـيـمُ العـشـب ِ والـدَّغَــل ِ !

جَـفَّـتْ يـنابـيـعـي ســوى ثَـمَـد ٍ (3)
أمــتـارُهُ مـن غَـيْـمَـة ِ الـمَــلــل ِ

لـم أدّخِـرْ جـمـرا ً لـخـبـزِ مُـنى ً
في العِشـق ِأو صبرا ًعلى عِـلل ِ

وشربْـتُ ـ لا كالشاربين ـ طلىً
مـن دمع ِ أعـنـاب ٍ ومـن قُـبَـل ِ (4)

الخمرُ ؟ أشـربُـهُ فـيسـكـرُ من
شفـتي  ويُـثـمِلُ كأسَـهُ ثَـمَـلي !(5)

نَـدَمي بحجم  رفات ِ أزمـنـتـيِ
ويحيْ عليَّ غـفـوتُ عنْ زلـلي !

**

ستون .. لا صُلحي ولا زَعَـلـي
أدنى نَـزيل َ الـقلـب ِ من مُـقـلي !

إن َّ الـتي بـالأمــس ِ تُـلـحِـفـنـي
دفءَ الـنهود ِ وبُرْدَة َ الخُـصَـل ِ

جَحَـدَتْ شِـراعـاتي مَـرافِـئـهـا
واسْـتذأبَتْ نـسْـرا ًعـلى حَجَـل ِ !

هيَ” قسمة ٌضيزى “لها مطري
وبيادري .. وأنا العواصِفُ ليْ !(6)

أشْـركتُ حتى خِـلـتُ مبسَـمَـهـا
لاتي .. وناهِـدَ صَـدرِهـا هُـبَـلي !

يا حـرقـة َ الـصحـراءِ مـعـذرة ً
ما عادَ في كوزي سوى وشَـل ِ

ضوئـيّـةَ الـ .. ماعادَ يجـمـعـنـا
خـيط ٌ من السلوى  فلا تَصِـلي

قـد يـسْـتَـفِـزُّ مـخـاوفـي فـرَحي
ويـسـيـرُ بيْ لـمـسَـرَّة ٍ وجَـلـي !

**

سـتون .. لا جِـدّي ولا هَـزلــي
قـد أغْــوَيـا بيْ  هُـدهُـدَ الـجَـذل ِ !

يا مُـرْدِفـا ً شـمسـا ً إلـى قَـمَـر ٍ
طاوي الطِماح ِ مُـشَـيَّـعَ الأمَـل ِ

آنَ الـتَـرَجّـلُ عن ثـراكَ .. فهلْ
جـهَّـَـزتَ زادَ غــد ٍ لـمُـرتـحِـل ِ ؟

الـجـاهــلـيّـة ُ مــا يـزالُ لـهـــا
في دار ِ نخـلـة َ ألفُ مُـشـتَغِـل ِ!

مـن طـائـفـيّ ٍ لـيـس يُـشـغِـلـهُ
إلآ تــسَـيّـدهُ عـلى ”  الـمِـلـل “ِ

ومُـكبّرينَ وتحـتَ عِـمَّـتِـهِـم
مليونُ (شِمر ٍ) أو( أبو جَهَل ِ)

الآمـرون بـنسـف ِ أضرحـة ٍ
وبذبـحِ مُـرضِـعـة ٍ ومـكـتهِـل ِ

ومن اللصوص البائعين قِرى
أجـيالِـنـا في  ألـف ِ مُحْـتَـفـل ِ

مَـنْ ذا تعـاتـبُـهُ ولــيـس بـهــمْ
مْنْ صادق ٍ ديـنـا ً ومن رجُـل ِ ؟

مُـتـلـوّنـون َ…  فـكـلَّ آونــة ٍ
لـون ٌ ورأيٌ غـيـرُ مُـتـَّـصِـل ِ

المُـظـهرون هوى ” مُـعـاوية ٍ ”
جَـهـرا ً ولكن في الخفاء ِ” علي”

مـولايَ ـ يانخل الفرات ِـ أما
للعـدل ِ في واديـك مـن أمـل ِ ؟

من أين يُـرجى لـلعـراق غـدٌ
و”الأجنـبيُّ” أبٌ لـهُ و” وليْ “؟

أحلـى الأماني أنْ أرى وطني
حُـرّا ً وقَـومـي  دونما  كـلـل ِ

****
الجلف : الغليظ الطبع .. والجفل : الخوف .. الطفل : قبيل غروب الشمس أو قبيل شروقها .. .والظلمة بشكل عام .
2 ـ إشارة إلى صديق استودعته بيتي وبستاني ومكتبتي فخان الأمانة ( والأنكى أن ابنه سرق مخطوطة ديواني وراح يقرأ قصائدي في السماوة قبل افتضاح أمره ) .
3ـ الثمد : الماء القليل الذي يتجمع في الشتاء نتيجة المطر وينضب صيفا . أمتاره : أتزوّد به .
4 ـ الطلى : بفتح الطاء اللذة والهوى .. وبضمها : الشربة من اللبن ونحوه .
5ـ البيت أخذت معناه من أحد أبيات قصيدة قديمة لي نشرتها عام 1970وغنى بعضها  آنذاك المطرب فاضل عواد .
6ـ قسمة ضيزى : قسمة غير عادلة .. قال تعالى: تلك إذا قسمة ضيزى [النجم/22

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مقداد مسعود : ضحكته ُ تسبقه ُ – الرفيق التشكيلي عبد الرزاق سوادي.

دمعتي الشعرية، أثناء تأبينه ُ في ملتقى جيكور الثقافي/ قاعة الشهيد هندال 21/ 6/ 2022 …

| حمود ولد سليمان “غيم الصحراء” : تمبكتو (من شرفة  منزل  المسافر ).

الأفق يعروه الذهول  والصمت يطبق علي  الأرجاء ماذا أقول  ؟ والصحراء  خلف المدي ترتمي  وتوغل …

2 تعليقان

  1. هاشم معتوق

    عندما تقرأ للشاعر الكبير يحيى السماوي تحس وكأنك في واحة للجمال والإبداع رغم ان السماوي لا يتنافس ولا يتنابز بل ينساب بوداعة الإنسان وبهدوء المقتدر وهو بنفس الوقت الوجود الشعري القوي والعزيز مهما اختلفت الألبسة وطال الجسد أو قصر فمن كل قلبي أتمنى لك الصحة والعمر المديد يا أباحيدر الإنسان والشاعر الأصيل

  2. يحيى السماوي

    الأخ العزيز الشاعر المبدع هاشم معتوق : لك مني شجرة محبة فرعها في القلب وجذرها في الروح ..

    بمثل مطر حسن ظنك وخضرة ذائقتك تغدو أشواك قصيدي قرنفلا وياسمينا ..
    شكرا لك حتى آخر قطرة نبض في دورق قلبي ..
    أرجو أن يكون قريبا اليوم الذي ألتقيك فيه فنسجر معا تنور فرح ولا أبهى ..

    دمت مبدعا أيها العزيز العزيز .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.