تابعنا على فيسبوك وتويتر

ترجمة : حسين عجة

hussein_ajaنقول وداعاً للسيد “جارليس”، بارون مقاطعة “بالميد جارليس” “Palmède de Charlus”، دوق “برابنت” “Duke of Barbant”، مالك أرض “مونتارجيس”، أمير “أوليرون”، “كارنسي”، “فياريجو” و”الدن”؛ “جارليس” الذي لا يمكن وصف تهوره، وقد أصبح في الوقت الحاضر ذليلاً ومتشنجاً، كالملك لير، متوجاً بكثافة شعره النحاسي، كأوديب المُخرفِ والممحوقِ، المُسمر عند كتاب القداس والمنحني باحترام أمام دهشة السيدة “سانت أيفرت”، تنهال عليه الشتائم باعتباره دوقة خراء أو أميرة بول، رئيس الملائكة روفائيل في أيامه الأخيرة، والذي ما زال يلاحق من حين إلى آخر أولاد “توبي”، يصاحبه “جوبيان” الوفي، سيد معبد انعدام الحياء. حيث يتساقط همس لحنه الجنائزي والشبحي كتساقط الطين من مسحاة حفار القبور. لقد مات “هانيبال برويتيّيه”! ومات “أنطوان دي موشي”!، beket2“جارليس سوان” مات! “أدلبرت دي مونتمارسي” مات!، كما مات بارون “تاليراند”! وكذلك “سوستين دودفيل” مات! وهكذا يُكمل الراوية سلسلة من التوحدات الإرادية والمتحمسة –التي تتوازن مع توحداته الحرة، اللاإرادية والعفوية. فمن دمية مُغنيةٍ ومبتذلةٍ، شيء ما بين البائعِ المتجولِ الشحاذ والمهرج الذي ينازع الموت، يختار عدوه، السيد “ارجنكورت”، كما يعرفه كشخصية جامدة، متعالية ومعصومة : وكأنه عجوز مكتنزة من طبقة النبلاء يحسبها في البداية السيدة “فورجفيل”، أو “جلبرت” نفسها. وهكذا ينسحب كل من “أوريان” ودوق “غيرمونت”، “راشيل” و”بلوخ”، “لغراندا” و”أوديت”، وغيرهم الكثيرون، وهم يحملون معهم ثقل المريخ نحو النور الذي سينبثق من “يورانيوس”، ونجمة السبت “the Sabbath star”.
في ذلك الزمن الإبداعي والتحطيمي يكتشف بروست نفسه كفنان : “لقد أدركت معنى الموت، الإلهام والحب، معنى أفراح العقل وفائدة العذاب”. كذلك نشعر بتلميحاته عن احتقاره للأدب و”التوصيفات” الواقعية والطبيعية، التي تحثه نحو فضلات التجربة، وتدفعه نحو الانحناء أمام الصرع السريع والمليء بالطفح، والاكتفاء بنقل السطح والواجهة، التي تظل الفكرة “Idea” حبيسة من خلفها. بيد أن المنهج البروستي هو طريقة “أبولون” المحلق من فوق “مارسياس”، والذي يقبض بلا انفعال على الجوهر، مياه “فيرجيان” “Phrgyain waters”. كذلك لا يمكن لبروست الحركي تماماً الاكتفاء برمزية بودلير العقلانية، التجريدية والمنطقية. ذلك لأن وحدة بودلير هي وحدة “لاحقة”، مستخرجة من التعددية. أمّا “مراسلاته” فيتحكم بها مفهوم واحد، حيث يتم حصرها وتستنفذ بالكامل ضمن تحديدها الخاص. غير أن بروست لا يتعامل مع المفاهيم، لكنه يلاحق الفكرة، أي ما هو ملموس. أنه معجب بجداريات جماعة “بدوان أرينا” “frescoes of Paduan Arena”، ذلك لأن رمزيتهم بمثابة واقع، رمزية خاصة، حرفية وملموسة، وليست مجرد نقل لفكرة عامة وغامضة. ودانتي، إذا ما كان بالإمكان أبداً الحديث عن إخفاقه، لم يخفق إلا ضمن أشكاله المجازية، الشيطان “Lucifer”، “كرفن التطهير” “Griffin of purgatory” ونسر الجنة “Eagle of Paradise”، ذو الدلالة التقليدية والخارجية. هنا يخفق المجاز، كما عليه أن يخفق دائماً بين يدي الشاعر. كذلك يتهدم مجاز “سبنسر” بعد بضعة أناشيد. فلأن دانتي كان فناناً وليس نبياً صغيراً، لم يتمكن من منع مجازاته عن السخونة والتكهرب ضمن التأويل الباطني أو الروحي “anagogy”. أن رؤية ميرزا “The vision of Mirza” هي مجاز جيد، لأنها مكتوبة بشكل مسطح. أما عند بروست فيمكن للمادة أن تكون رمزاً حياً، لكنها رمزاً لنفسها. لذا يعتبر رمزية بودلير رمزية ذاتية “autosymbolism”. إذ يمكن للمرء تحديد نقطة انطلاق بروست ضمن الرمزية، أو على أطرافها. لكنه لا يتقدم بنفس خطوات أناتول فرانس، نحو تشاؤم أنيق ومرمري، ولا بخطوات “دوديه” أو الأخوة “غونغور”، كما لا حظنا ذلك سابقاً، وبطبيعة الحال، ليس وفقاً لخطوات البرناسيين أو المزراب المُثقبِ. كذلك فهو لا يستحث أية وقائع، ولا ينحت بأزميل الدمية “كفرنسوا كوبه”. يقوم بردة فعل، ولكن بطريقة مغايرة. كما أنه يتراجع عن الرمزية لكي يتجه صوب هيغو. ولهذا السبب بالذات، يمكن القول بأنه كان فرداً مستقلاً ومعزولاً. أن الكاتب الوحيد المعاصر الذي يمكنني أن أجد فيه شيئاً من هذا التراجع هو “جوريس كارل هويسمان” Joris Karl Huysmans. لكن “هويسمان” ينفر من ذلك مع نفسه ويقمعه في داخله. فهو يتحدث بمرارة عن “الغنغرينا التي لا يمكن تحاشيها للرومانسية”، كذلك فإن بطله “اسينتس” ما هو إلا شخصية خرافية، “الفريد لورد بودلير”. طالما يتمّ تذكيرنا باللطخة الرومانسية عند بروست. فهو متهم بالرومانسية بسبب من أحلاله للعاطفية محل الفطنة، وبمعارضته للدقائق العقلانية ذات المرجع المعقد بالحالة العاطفية الواضحة، وكذلك برفضه للمفهوم لصالح الفكرة، وشكه بالسببية. لذا فإن تفسيراته المنطقية المحضة -باعتبارها تتعارض مع حدسه-  لانفعال بعينه دائماً ما تقف أمامها بدائل أخرى (1). أنه رومانسي في قلقه لأن الأمر يتعلّق بانجازه لمهمته، وفي أن يكون خادماً مخلصاً لها. فهو لا يتحاشى التضمينات التي ينطوي عليها فنه كما كُشف له البعض عن ذلك. لذا سيكتب بذات الطريقة التي عاش فيها –في الزمان. يدعي الفنان الكلاسيكي المعرفة التامة والقدرة الكاملة. إذ يضع نفسه بشكل مفتعل خارج الزمان لكي يمنح الحوادث التاريخية اليومية التي يعيشها نوعاً من الاسترخاء ويعطي لتطور عمله سببية ما. لكن من الصعب تماماً بلوغ “كرونولوجيا” بروست، فتتابع الأحداث عنده متقطع، كذلك  يتمّ تقديم وتطوير مواضيعه وشخوصه برهافة ديستويفسكية تحتقر سوقية التسلسل المقبول ظاهرياً، بالرغم من أنها تبدو وكأنها خاضعة تقريباً لضرورة داخلية مجنونة. (سيقودنا الحديث عن انطباعية بروست إلى ديستوفيسكي). وإذا ما تحدثنا بشكل عام فإن الفنان الرومانسي أكثر انشغالاً بالزمان وأشد وعياً بدور الذاكرة بالإلهام،
(“آه أيتها الذكرى المقدسة
أنت منْ ينام في الظل”).
لكنه يميل إلى المعالجة الحسية لشيء ما، فيما يقوم بروست بمعالجته بطريقة باثولوجية وبصفاء. فإذا أخذنا “موسيه”، على سبيل المثال، نجد بأن الاهتمام عنده منصب على التطابق الغامض مع ما هو فوق زمني، من دون تماسك حقيقي أو تزامن ما بين الأنا وغير الأنا “between the me and not-me”، أكثر من اهتمامه بالتداعيات الوظيفية في ذاكرة متخصصة. لكن المقارنة تظل ضبابية وقد لا توصلنا إلى أي مكان، مع أن بروست يستشهد بشاتوبريان و”أميل” Amiel باعتبارهما من أسلافه الروحيين. إذ من الصعب الجمع ما بينه وبين هذين المؤمنين بوحدة الوجود، الراقصين رقصة الموت عند الغسق. لكن بروست كان معجباً بشعر دوقة “نوييّ”. Saperlipopette!
يعزو الراوية حرمانه من الموهبة لعجزه عن المراقبة، أو بالأحرى لما يفترضه لا فني في عادة المراقبة. لم يكن بمقدوره تسجيل ما يحدث على السطح. لهذا عندما يقرأ يوميات لامعة ومكتظة كيوميات الأخوة “غونكور”، لا يتبادر إلى ذهنه سوى فكرة أن حرمان المرء من أية موهبة صحفية ثمينة هو ما يولد لديه افتراض وجود هوة عميقة وثابتة ما بين تفاهة الحياة اليومية والسحر الأدبي. فهو أمّا مفرغ من الموهبة أو من فن الواقع. ومن ثم يصف القيمة الاستنساخية للمراقبة. أنه لا يرى ما يتم استنساخه. لأنه يبحث عن علاقة، عن عامل عام، عن جوهر. وهكذا فهو لا يعير أهمية لما يُقال ولكن للطريقة التي قيل فيها. وبذات الطريقة تستفز ملكاته وتعمل بشكل أكبر بوساطة محفز وسطي أكثر من تحركها بحافز نهائي –رئيسي-. نحن نعثر عنده على ما لا يحصى من الأمثلة عن هذه الأفعال الانعكاسية الثانوية. حين ينسحب إلى غرفته الباردة والمظلمة في “كومبري”، يستق الراوية الجوهر الكامل لظهيرة حارقة من الدق المتواصل لمطرقة في الشارع ومن طنين الذباب الكئيب. وعندما يلجأ إلى سريره عند الفجر، تتحول عنده الخاصية المضبوطة للطقس، لدرجة الحرارة والضوء عبر مفردات صوتية، عبر موسيقى وصيحات الصقور. وهكذا يمكننا تفسير أولوية الإدراك الحسي -الحدس- في العالم البروستي. ذلك لأن الغريزة، إذا لم تُفسدها العادة، هي انعكاس أيضاً، كما أنها بعيدة وغير مباشرة بشكل مثالي من وجهة النظر البروستية، أي سلسلة-انعكاس “chain-reflex”. فهو يرى الآن بأن إخفاقه المؤسف على المراقبة بطريقة فنية هو بمثابة سلاسل من “الإسقاطات الملهمة” وأن العمل الفني ليس الخلق أو الاختيار، بل ما يُكتشف ويزال الغطاء عنه، وما يتم استخراجه عبر الحفر، ذلك لأنه يسبق وجود الفنان، ويشكل قانون طبيعته. أن الواقع الوحيد هو الذي توفره الهيروغلوفية التي خطها الإدراك الحسي المُلهمِ (التوحيد ما بين الذات والموضوع). أمّا استنتاجات الفطنة فهي لا تُشكل سوى قيمة اعتباطية، مشروعة ضمنياً فحسب. “يحتل الانطباع عند الكاتب نفس المكانة التي تحظى بها التجربة عند العالم –مع الفارق التالي إلا وهو أن فعل الفطنة عند العالمِ يسبق الحدث، فيما يأتي بعده عند الكاتب”. وبالتالي، فإن هرمية الظواهر الوحيدة في العالم بالنسبة للفنان هي تلك التي تتمثل بلائحة  تتداخل فيها معاملهما المتبادلة، أي الهرمية التي يُعبر عنها ضمن مفردات الذاتية. (سخرية أخرى من الواقعيين). “أن واجب ومهمة الكاتب (الكاتب، وليس الفنان) هما واجب ومهمة المترجم”. فواقع انعكاس ظلال غيمة في بحيرة “فيفون” لا يعبر عنها بـ “صه إذاً” ولكن عبر التأويل الذي يقوم به النقد المُلهم. إذ لا بد من تقويم المنطوق المعوج : وهكذا “أنتِ فاتنة” تعادل “ستمتعني معانقاتك”.
أن نسبية وانطباعية بروست مُلحقة بنفس موقفه المتمثل برفض العقلانية. يتحدث “كيرتيوس” “Curtius” عن المنظور البروستي وعن “النسبية الإيجابية كنقيض لنسبية القرن التاسع عشر السلبية، ريبة “رينان” و”أناتول فرانس”. أعتقد بأن عبارة “النسبية الإيجابية” هي عبارة تجمع ما بين قولين متناقضين “oxymoron”، وأنا متقين بأنه لا يمكن تطبيقها على بروست، كما أعرف بأنها قادمة من مختبر “هايدلبيرغ”. فنحن قد لاحظنا كيف أنه في حالة “إلبرتين” (وبروست يعمم تجربته على كل الجنس البشري) لا تربط الجوانب المتعددة (أي النقطة المحددة لهذا العالم البائس) بأي تركيب إيجابي. فالمادة تُستخرج، وأثناء ذلك يتم الوصول إلى الاستنتاج -إذا ما كان هناك ثمة من استنتاج-، ويصبح لاغياً سلفاً. أن بروست إيجابي بمعنى ما، لكن ليس لذلك أية علاقة بنسبيته، والتي هي نسبية متشائمة وسلبية كنسبية اناتول فرانس، وتُستخدم باعتبارها عنصراً كوميدياً. فـ “الكتاب” بالنسبة لبروست هو حرفياً إفادة، أمّا بالنسبة للحارس فما هو إلا كتاب للحسابات وعند “هرهكنز” مجرد سجل “للزوار”. كذلك فإن “راشل كنت دي سينيور” لا تمثل عند الراوية إلا ما قيمته ثلاثة فرنكات وشيء من الاكتفاء المزعج، أما بالنسبة “لسانت لوب”، فهي ثروة وبؤس لا ينتهي. وبنفس الطريقة حين يرى “سانت لوب” صورة “إلبرتين” لا يتمكن من أخفاء دهشته كيف أن كائناً سوقياً ومعدوماً مثلها كان بمقدوره جذب صديقه المُتألق والشعبي. كذلك فإن دوق “كريسي” يقوم بتقطيع لحم ديك رومي في عشاء، ويؤرخ لحدث كهذا وكأنه بالدقة العشاء الأخير للمسيح أو خروج موسى من مصر. كما أنه يتعامل مع البارون “موسيه” “الخائن” باعتباره زر من أزرار عربة نقل أو سائق لها. أن تلك النسبية سلبية ومضحكة. كذلك فأنه يستعير أثارته بسماعه لموسيقى “فنتاي” التي يُسمعها للممثلة “ليا”، الوحيدة التي ستتمكن من فك رموز مخطوطته الموسيقية بعد وفاته، كما يستعيرها من العلاقة ما بين “جارليس” “بشارل مورل”، عازف الكمان. أن بروست إيجابي بالقدر الذي يؤكد فيه على قيمة الحدس.

(1)عن هذا الموقف المضاد للعقلانية، أنظر “المجلد الأول من “إلى جانب أسوان” ص 286، وكذلك المجلد الثاني ص 29 وص 234؛ و”إلى جانب آل غيرمونت” المجلد الاول، ص 162 (حركة سانت لوب من العدم)؛ أنظر كذلك “إلبرتين المختفية” المجلد الأول ص 14.


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"