فاروق مصطفى : مؤيد الراوي واستدراجه من ممالكه إلى مقهى المجيدية بكركوك (ملف/8)

farooq mostafa 2

إشارة :

تقدّم أسرة موقع الناقد العراقي هذا الملف تحية للمبدع العراقي الكبير الشاعر “مؤيد الراوي” في مسيرته الإبداعية الثرة ، ولمسة وفاء له في محنته الصحية العصيبة وهو يقاومها بإرادته الجبارة. تهيب أسرة الموقع بجميع الأخوة الكتّاب والقرّاء المساهمة في الموقع بما لديهم من دراسات ومقالات ومخطوطات وصور . وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع منطلقين من أن الإحتفاء بالإبداع لا زمن له .

المقالة :

ظهرت نصوص جديدة للشاعر مؤيد الراوي على صفحات مجلة ( بيت ) العدد الرابع خريف 2014 والتي تصدر عن بيت الشعر العراقي وفي مقدمة هذه النصوص، نص حمل عنوان ( مع المعري ) يخبرنا فيه بأن ابا العلاء رهين المحبسين ترك معرته وذهب الى دار الشاعر طارقآ بابه بعكازه الخشبي مخاطبآ اياه بـ ( يا صنوي ويا نقيضي ) يريد ان يأخذه الى بلاد الشام حيث مقطن ابي العلاء ليتجادلا ويتحادثا وهما يقطعان الصحارى . هل يبغي ( الراوي ) هنا ان يتعزى ويتسلى بصبر المعري وقناعاته بعد ان تعب من التطواف في ممالكه الشعرية وما حولها وان يتزودا من الجدل زادآ، ولكن هل
ترى تنفعه الكلمات وهو يتقوت فتاتها ؟

“ النور شحيح والليالي ليال
تنتظر الاضاءة بالكلمات
او تحضر اقمارها الرغبات
وما جدوى الكلمات
لكننا حاولنا وسنحاول
الى ان تنتهي اللعبة “

ومن تشاؤم المعري يقيم شاعرنا تشاؤمه الاخر وهل ثمة شيء يجدي عندما تضيق الاشياء وتختصر الدوائر :

غير مجدٍ في ملتي واعتقادي
نوح باكٍ ولا ترنم شادِ

muaiad 5ويتحاذى التشاؤمان فليس في البصيرة نفع بعد ان فقد البصر جدواه والعشق هو الاخر تمزقت غلالاته فهل نستطيع التستر بمزقها ؟

“ لا نفع في البصيرة
وغير مجدية غلالة العشق الشفيف
نتستر بها
ان لم تضىء لنا ما هو معتم اتٍ “

اذن فقد الشاعر سلواه ولم يعد يجد المعنى والجدوى فأين يعثر على خلاصه وخاصة اقام ( الراوي ) ممالكه عبر هذه السنين الطوال، سيسود اللامعنى بعد ان تلبس الاشياء اثوابها الشائخة:

“ لان الزمن زمن سينتهي
وما اكتنزناه بنزق
في لحظات ولحظات كاذبة
سيذهب كالبرق الى المحال
العالم اسود
وافق بصرنا من السقم
يضيق ويضيق “

ولكنني اريد ان استدرج الشاعر الى كركوك كما فعل المعري عندما استدرجه الى منزله في معرة النعمان الا انني لا املك مثله عكازآ خشبيآ لاطرق باب الشاعر ولا املك لزومياته او املك ( سقط الزند ) والشرارات التي تتطاير منه لتدفىء برد ايامه وصبارة كهولته، لا املك الا الحديث عن مقهى المجيدية في مدينتي الوادعة، المقهى الذي عشقه ( مؤيد ) وتحول في بدايات شبابه الى جليس من جلاسه الاوفياء، كان لا يمل منادمة المقهى ومن فوق تخوته التراثية يتناجى مع طيور السنونو المعششة في سقائف المقهى وتأمل افراخها الصغيرة وهي تتلصص الابصار من اعشاشها، المقهى الذي عرفت فيه صحبك في ( جماعة كركوك ) ندامى حقيقيين، ندامى بأمتياز يلعبون مثل العشاق الاصلاء ولكن لا يعانقون في اخر المطاف الا لذاذات خسائرهم، اقول له ان بناية المقهى هدمت في الثمانينيات واقيم مكانها بناء جديد وهو يتواجه مع القلعة ايقونة المدينة وعلامتها الشامخة ولكن هل تستطيع التعرف عليه او هو بقادر التعرف عليك وكل مكان يميس بضوعات اصحابه ويتبختر بنكهات عرقهم وينتشي بروائح كلماتهم . اقول له هل تذكر كيف لقيتك في شارع المتنبي قلت لك : ماذا انت صانع هنا اخبرتني بأنك اضعت ( مؤيدآ ) وانك بصدد البحث عنه وعندما لقيتك بعد كمشة من الايام خاطبتك هل عثرت على ( مؤيدٍ ) قلت لي وجدته ولكنك حائر ومرتبك فأنت لا تعرف اين تضعه ؟ واستوقفتني في سوقٍ من اسواق بغداد وانت منشرح تضحك تقول لي هل تدري بأن الانسان جلد وماذا يصنع الانسان مع جلده ؟ .
تعلمت شيئآ مهمآ من صداقتك مع استاذنا ( انور الغساني ) ان الصداقة يجب ان تقوم على التفاني والترفع عن سفاسف الامور فبالله اخبرني اين نجد صداقة مثل صداقتكما في ايامنا هذه التي تلتهمنا بوحشتها وتصحرها واقترارها؟ في رحلتك المضنية بصحبة المعري الى معرة النعمان وانتما تقطعان الفيافي والقفار الم تتآنسا باللغة وغرائبها وطرائفها والمعروف عن المعري انه ربان اللغةِ وثمة قول ينسب له ما معناه ان العرب لم تنطق بكلمة الا وهو الم بها ولم يرووا بيتا شعريآ الا وقد حفظه وانت فنان اللغةِ التي بها توقد مخيلتك وتؤجج نيرانها وتضوي قناديلها الم تتبادلا اثمار فواكهها وتستظلا بظلال دوحها فالطريق طويلٍ والجسد هده الاعياء والمعري الذي كان يضيء ليل عماه الطويل باللغة وفرائدها وشواردها ونوادرها وانت المطلع على لزومياته كيف كان يلعب باللغةِ وكيف هي سلسة تنقاد بين اصابعه .
وعندما استدرجك الى كركوك ادعوك الى منادمة عصرية فوق جسر من جسورها حيث تكتشف ان صديقنا النهر رحلت امواهه، صحيح كان نهرآ موسميآ في الشتاء تفيض مياهه، اما في الصيف فتستطيع ان ترى الحصو في قاعه الغريني ولكن اليوم غدا نهرآ غادره الماء وتنكر له ومع هذا الغدر تركته حبيباته النوارس البيضاء، ولا ضير ان نقف واياك ومن فوق ذياك الجسر نلقي تلك الكلمات التي نستلها من احدى ممالكك، نقرؤها للنهر المستوحش ماءه :

“ تاتي اليها سيان ذلك
لان اياديك فائضة، والعيون مطفأة
وليس ثمة الا عواء
في صحراء
قلبك القديم “ .

* عن صحيفة الاتحاد

شاهد أيضاً

علي چاسب*: رواية “رؤيا الغائب” لسلام إبراهيم في أستحضار الغائب العراقي (ملف/63)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

من رسائل القرّاء والكتّاب الموجّهة إلى الروائي سلام ابراهيم (14) (ملف/62)

إشارة : تجربة رائعة يقوم بها الروائي المبدع “سلام ابراهيم” وهو يؤرشف رسائل قرّائه الكرام …

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (14) (ملف/61)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *