سعد جاسم: الديوانية ياأمي وحنيني

– الى مدينتي وأهلي وأصدقائي الطيبين –

saad_jasem3شينٌ
ميمٌ
سينٌ ساطعةٌ
في ليلِ الربِّ
هيَ ذي روحي
والطيرُ القمريُّ
الهائمُ في الأرضِ
هذا قلبي
وتلكَ السيدةُ
الكاهنةُ … الطاهرةُ
الســــــومريــــــهْ
( الديــــــوانيـــــهْ )
هيَ أُمـي
وهذا النسلُ
النـخـــــــلُ
الواقفُ في الريحِ
هذا شعبي
ولهُ وبهِ أفتتحُ النصَّ
وأبتدئُ القصَّ
والسيرةَ الآتية
أنا شاعرٌ
– هكذا أتوهمُ –
وربُّتما هي الحقيقةُ
التي صيَّرتني
ودلَّتني على جنائن أور
كي أختطفَ الشعلةَ
وأكاليلَ الزهرِ
ويواقيتَ الأبدية .
وأنا : سعد بن جاسم
شينٌ ليبراليُّ الروحِ
وشيوعيٌّ متقاعسٌ
أحبُّ اللهَ وسنّتهُ
لأنهُ مُطلَقي ومُقْلقي وصديقي
وأحبُّ ماركسَ وعليَّ الفحل
وفراتَ الأغاني والنحيب .
وأحبُّ النبيذَ الاحمرَ
والهامشيينَ والأراملَ
وأُحبُّ زهيرياتِ ( الضويري صاحب )
الذي ماتَ قبلَ أن يشبعَ حُباً وعرقا ً
ونجوماً و( زهور حسين ) ..

*     *    *
أثداءُ الغزلانِ
وقصائدُ ( كزار حنتوش )
و( الدارميات )
أحبُّها حدَّ الوحشةِ والنشيج

*    *   *
دائماً ….
افكّرُ بالديوانية
وأراها امرأة ً تتعثرُ
بعباءتِها الصوفيةِ
تحتَ المطرِ الأسودِ
وتبحثُ – ناحبةً –
في ليالي الحروبِ
عن أبنائها الضائعينَ
والطـاعـنـيـنَ
في المجاعاتِ
والأوجاعِ
والأوبئة ….
وكذلكَ ……
أفكّرُ بمصيري
ومصائر أهلي وأصدقائي
والنهرِ … المكتبة العامة …
العاشقات … ( بكشة عجة)
المجانينَ … الجسر الخشبي … أهل الشط
والسواقي المرحةِ .
وأفكّرُ بـ (  كريم الخفاجي )
وحكاياتهِ المُرّةِ – المريرةِ
وأفكّرُ بـ ( علي الشباني )
وبملاحمهِ وملامحهِ
وخسائرهِ النازفة
وأُفكّرُ بحبيبتيَ الأولى :

وجهٌ حنطيٌ يسطعُ بالزغبِ الفجريِّ
وأصابعُ ضوءٍ تضحكُ بالمسكِ وبالحناء
وقامةُ عطرٍ تنثالُ هياماً وحماماً .

وأُفكّرُ كثيراً
بقبرِ أمي
الذي لاأعرفُهُ أين ؟؟؟

أمي ساقيةُ حليبٍ وعذابْ
يتمٌ … وخسا راتٌ … وسوادٌ
أمي فقدانٌ وغيابْ

ودائماً أحلمُ
بأصدقائي النبلاءِ
المـــرتـبكـــين
( باسم محمد نزال ) مثلا ً
آآآآآآآخ يا ( عزيز الخزرجي )
أينكَ الآنَ لتصرخَ بكآبتهِ
وانتحاراتهِ الفاشلهْ ؟
( نوبه تضم البيك
نوبه تلالي
طبعك ديالكتيك
صاير مثالي )
فيُطلقُ ( الأعسمُ باسم )
عصافيرَ ضحكتهِ الباذخه
و … يصطخبُ المشهدُ .

ياطائرَ الاسرارْ
خُذني إلى أهلي
نخلتُنا والدارْ
مشتاقةٌ ٌ مثلي

*   *  *

ولأنني كائنُ ذكرى
وتذكّرٍ …. وذاكرتي
أرشيفُ طقوسٍ
وفجائعَ وأسرارٍ
وشهاداتٍ جارحةٍ مجروحة
غالباً ماأستحضرُ
أو يحضرُني ( عبد الله حلواص )
وهوَ ينتهلُ ” الفكرةَ ” الباسلةَ
ويُقطّرُها عسلاً أحمرَ
ويشعلُها ضوءاً  في أرواحِ الحالمينَ
بـ (الوطن الحر والشعب السعيد )

وأستذكرُ ( العبدو ) منتشياً
بزجاجتهِ ” العصرية” المُبرّدةِ
في قلبِ النهرِ .. وبسخريتهِ السوداءِ
من انصافِ البرجوازيين والأجلافِ
وصيحتهِ الهادرة :
يُمّه ” خمسة المحافظ ”
فيضجُّ النهرُ … الحشدُ
وتضحكُ كلُّ الديوانية

و( علي طبعاً ) أتذكّرُهُ
وهوَ يختالُ بنياشينهِ الوهميةِ
كامبراطور مخدوعِ يُنفقُ أوقاته
بحلاقةِ تجّارِ السوقِ
والصبيان القرويين …
و ( عارفُ ) يحضرُني بطوابعهِ
ويديهِ البيضاوتين
حاملاً أقلامَهُ ” الباندان ”
وقراطيسهُ المُعَتّقةَ كروحهِ
التي تفيضُ بالعافيةِ
والفرحِ الابيضِ
الذي يُشيعُهُ في قلوب الموهوبين
الفنانين  … والشعراءِ الفقراء .
وأتذكّرُ ( محمود الناصر )
بظفائره البدوية وخنجرهِ المعقوفِ
فتلوحُ لي صورتُهُ  … غارقاً
في بركةِ دمهِ الذهبي
الذي أضاءَ المدينةَ حزناً
ورعباً على فارسِها المغدورِ
بمسدساتِ رعاةِ القسوةِ .

و ( تملُ ) الثملُ دائماً
يتهادى بذاكرتي سخيّاً وبهياً
وعابقاً برائحةِ ” المسيّح ”
وغواياتِ النساءِ … الغجرياتِ
وأحلامِ بطاقاتِ اليانصيب …

ويفاجئُني ( صنكَرُ ) بقامتهِ الفارعةِ
وشايهِ الفاغم بالهيلِ
وروحهِ الأمميةِ بالفطرةِ .

وأشمُّ قابَ قاراتٍ ومنافٍ
روائحَ ( كباب برزان
وشوربة ديوان
وتكّة دوهان )
الى آخرِ القافيه
والطفلةِ الغافيه
على ذراعِ الفراتْ
مدينتي الزاهدة
الزاهـيـــــــــــه
كفتنةِ الحياةْ .

وتشتعلُ الروحُ
لذكرى عزاءاتِ ( السيد علي )
و ( صاحب عكموش )
فأتذكرُني طفلاً
من ( اطفال القاسم )
عمتيَ ( العقيلة)
وعمي ( زين العابدين ) العليل
وجدي ( عباسُ) الطفوفِ
وبلادي ( كربلاءاتٌ ) وعويل
من فرطِ الضيمِ
المجهولِ
ومآربِ ومخالبِ امريكا
وثعالبِ وثعابينَ الزمنِ الأغبر .

*   *  *

ياآآآآآآآآآآه
كم أحلمُ أنْ لاأموتَ
في منفىً خادعٍ
وأحلمُ أنْ أرى الديوانية َ
وأركعَ لأبوسَ ترابَها الطاعنَ
بالأســـــــــى
والأمهاتِ والحــنـيــنْ
آميــــــــــــــــــــــــنْ
آميــــــــــــــــــــــــنْ
آميــــــــــــــــــــــــنْ

*     *     *      *

إشــــــــــــارات
—————

*   كلُّ مايردُ في النص من اسماء
هي لشعراء ومثقفين وشخصيات شعبية ؛
تعتبر بمثابة رموز وعلامات فارقة لمدينة الديوانية العراقية …..
وكذلك يتضمن النص
اسماء لاولياء وأئمة عرفوا بتضحياتهم وفجائعهم ….
* وهناك اسماء لامكنة وتفاصيل لها حضورها في الذاكرة
رغم الرحيل والزوال .
* الزهيريات والدارميات : من انواع الشعر الشعبي العراقي .
* زهور حسين : مطربة عراقية  شهيرة راحلة .
* العصرية والمسيّح : مشروبات روحية عراقية من سلالة العرق العجيب .

saadjasim2003@hotmail.com

شاهد أيضاً

مُعَلَّقَاتِي الْمِائَةْ {12} مُعَلَّقَةٌ لِحَبِيبَتِي
الشاعر والروائي/ محسن عبد المعطي محمد عبد ربه

1- كَيْفَ الْوُصُولُ إِلَى الْمَكْنُونِ فِي فِيهَا=شَهْدِ الرِّضَابِ وَقَدْ أَمْعَنْتُ أُغْوِيهَا؟!!! 2- رَكْضُ الْخَيَالِ وَقَدْ …

مقتطفات هايكوية
للشاعر البريطاني ديفيد كوب
ترجمة: مريم لطفي

David Cobb’s Haiku 1 The full moon glances Sideways down a street Of ill repute …

هشام القيسي: بكل ما توفر له أرصفة الذاكرة

ألفة في عوالمه سواء زحف إليه الاحتراق أم استدرجه نحو تشظيات عرفت أركانها المعتادة ومنذ …

4 تعليقات

  1. يحيى السماوي

    هذه القصيدة من أجمل ما قرأت للشاعر المبدع سعد جاسم ـ وكا ما قرأته له كان جميلا ـ غير أن لهذه القصيدة نكهتها الخاصة وبخورها الخاص بالنسبة لي على الأقل لكوني قد أنهيت في الديوانية مرحلة دراستي الثانوية ـ وها أنا أجدني أرى فيها أمسي البعيد وأصدقائي القدامى وذلك الشرطي الطيب الذي يصفق يده موهما مفوض شرطة ” حي رفعت ” بأنه يصفعني … الان ـ وأنا في آخر شبر من اليابسة ـ أكاد أشمُّ رائحة الرز المنقوع بمرق الباذنجان في مطعم ذلك الكادح الأعرج مقابل فندق النصر، وتمطق شفتاي وأنا أتذكر شربت عاشور … وأجدني واقفا ” بالسرَةْ ” أمام العم عارف مع أنني جئته للسلام عليه وليس لشراء محبرة لقلم باندان نوع ” أتليكو ” كان قد أهداني إياه الصديق الشاعر سعدي المصور لأهديه بدوري لصديقي عزيز شاكر الحلي … ( أليس رائعا الشعر الذي يستحضر أمس القارئ فيشعر أنه كاتبه أو أن القصيدة قد كتبت عنه ؟ )
    شكرا للمبدع سعد الذي لم أكن أعرف أنه من الديوانية … الديوانية التي دخنت فيها أول سيجارة وشربت فيها أول كأس من كؤوس ” القزلقرط ” وعرفت فيها أول ليلة توقيف ونشرت فيها أول ديوان شعر ..

  2. هاشم معتوق

    الشاعر الكبير سعد جاسم يعتبر من أهم رموز الشعر العراقي الحاضر
    وممثلا هادئا لإنسانيّة عراقنا
    وعذوبة أنهاره وطيبته التي لا تنتهي

  3. سعد جاسم

    هاشم معتوق
    … الشاعر النقي… ثمة الكثير الذي يوحدنا .. ماابهاني حين احظى بعنايتك … شكرا لذائقتك ووعيك الشعري الذي احترم …

  4. سعد جاسم

    أخي الشاعر يحيى السماوي

    … لأنك باذخ وكبير فانك تتحس وتتلمس اشراقات القصائد وجمراتها المتوهجة
    … شكرا لرأيك النبيل بقصيدتي … ثمة الكثير الذي يوحدنا … قبلة لجبينك العالي ايها السماوي الحبيب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *