مروان ياسين الدليمي : سقوطُ الدراما في فَخ الاستنساخ ؛ مسلسل العراب نموذجا ً

marwan 5 .jpgفي العقدين الاخيرين من عمر الدراما العربية خاصة المصرية والسورية شهدنا كثير من علامات النضج والتطور في البناء الفني،ويشمل هذا مجمل تفاصيل الانتاج سواء في إطار الكتابة التي باتت اكثر اختزالا وتكثيفا في بناء المشاهد والحوارات،او في الموضوعات الانسانية التي تصدت لها،او على مستوى التقنيات التي كانت عاملا مهما في تذليل كثير من الصعوبات التي كانت تقف عائقا امام تحقيق افكار المخرجين .
نتيجة ذلك اصبحنا أمام مجموعة اسماء لمخرجين مهمّين بات الرهان عليهم كبيرا في تقديم اعمال درامية ذات مستوى فني متقدم،يمكن أن تحقق نقلة نوعية في مستوى وتاريخ الدراما.
واقعية الانتاج السوري
بدا الانتاج السوري في مطلع تسعينات القرن الماضي علامة بارزة اعطت بظهورها اشارة تنافس قوية امام الانتاج المصري خاصة وانه قد تميز عنه بخروج كامرة الدراما من الاستديو الى الامكنة الواقعية للأحداث،وتلك بصمة واقعية بامتياز،اضافة الى تطلع المخرجين السوريين الى احداث مقاربة مع اسلوب الانتاج السينمائي وهذا مادفع الانتاج المصري إلى ان يشعر بمساحة التنافس الواسعة التي اخذ يفرضها نمط الانتاج الدرامي السوري،فتجرأ هو الآخر في الخروج نحو الحواري والشوارع والامكنة الواقعية بعد أن كان ولفترة طويلة اسير ديكورات مبنية داخل الاستديو.
خلال العقدين الماضيين تراكمت في ذاكرتنااعمال سورية مهمة وقف خلفها مخرجون شباب لهم وعيهم وتفكيرهم الفني المميز،حتى ان تجاربهم كانت تشير الى انهم اقرب الى ذاكرة ومفردات السينما أكثر من انتمائها الى مفردات تنتمي في تجنيسها وتقنياتها الى الدراما التلفزيونية،وهذا مايبدو واضحا في:قِصَر المَشاهد،الاعتماد على بناء اللقطة وليس على بناء المشهد ،العمل بكامرة واحدة وليس بثلاث كامرات،الاهتمام بتصميم الاضاءة وفقا لمنظور فكري وليس مجرد تسليط ضوء لمسح المكان.
هذا التحول في الفهم وفي آلية العمل قد جاء لكون معظمهم هؤلاء المخرجين تخرجوا من معاهد سينمائية،إلاّ أن ضعف قاعدة الانتاج السينمائي في بلدانهم والتي تعود اسبابها الى غياب شركات انتاج سينمائي في اطار القطاع الخاص لديها الاستعداد لتمويل مشروعات سينمائية وذلك لاعتقاد اصحاب رؤوس الاموال بعدم قدرة الانتاج السينمائي على تحقيق ارباح كبيرة مضمونة مساوية لتلك التي يحققونها في مشاريع اخرى،اضافة إلى عجز وقصور الدولة في وضع خطة ستراتيجية تكون بمثابة قاعدة ثابتة يتم الانطلاق منها لخلق بيئة صناعية تدعم نمو واستمرار الانتاج السينمائي .
مجمل هذه العوامل دفعت هؤلاء المخرجين إلى الابتعاد قسرا عن السينما والعمل في ميدان الانتاج الدرامي مثل:حاتم علي،نجدت انزور،باسل الخطيب وكذلك المخرج التونسي شوقي الماجري الذي عمل في الانتاج السوري هو الآخر . العراب
تجربة المخرج حاتم علي
يمكن القول ان حاتم علي كان الاكثر جماهيرية من بين تلك الاسماء رغم انه لايتفوق على زملائه من حيث مستوى التفكير الفني،وفيما لو قورن بالمخرج شوقي الماجري سنجد النتيجة ليست في صالحه ،فالماجري يبقى الاكثر اخلاصا وانتماء في اعماله الى الفن السينمائي أكثر منه الى الانتاج الدرامي التلفزيوني .
إلاَّ أن حاتم علي ــ ولأسباب عدة لاتنتقص من قيمته كمخرج طموح ومجتهد ـــ كان الحصان الرابح في عدد من الاعمال التي تم انتاجها والتي استقطبت جمهورا كبيرا من المتابعين بنفس الوقت احتوت على مستوى متميز في شكلها الفني مثل الزير سالم والملك فارق وعمر بن الخطاب.إلاّ أن مسيرة حاتم علي التي كانت تمضي بوتيرة متصاعدة من حيث الامال والتطلعات الفنية والتي عادة ماتلازم فنانين حالمين بانجازات فنية متفردة نجدها قد انحرفت في الاعوام الاخيرة باتجاه آخر لايبدو من خلالها بتلك الصورة التي عودنا فيها على ان يقدم لنا مفاجاءات فنية تعكس شخصيته وموهبته بقدر ما اصبحنا امام مخرج يعرف كيف ينتج طبخة فنية فيها من عناصر التسويق مايجعلها سلعة رابحة اكثر مما فيها من عناصر التوق الى التجديد.
في مسلسل(العرّاب)على سبيل المثال بدا المخرج حاتم علي لايملك رؤية ذاتية في الخلق والابتكار،ولم يكن سوى مُقلد يتقن إستنساخ أعمال مخرجين كبار،مثل فرانسيس فورد كابيولا مخرج فلم العراب باجزائه الثلاثة.
بهذه الصورة التي ظهر عليها كمستنسخ لتجارب الاخرين،لم يكن سوى نموذج لمخرجين مسرحيين عراقيين سبق أن عرفهم تاريخنا المسرحي العراقي ولعبوا نفس الدور ــ الاستنساخي ــ في كثير من العروض التي قدموها في سبعينات وثمانينات القرن الماضي،خاصة تلك التي اعتمدت على نصوص اجنبية،فانبهرنا بها في حينها وعُذرنا اننا في ذلك الوقت لم نطلع على التجارب العالمية الاصلية التي تم استنساخها ولو من الناحية الشكلية ..!
لعل المخرج حاتم علي في عمله الاخير(العراب)لن يكون الاول ولا الاخير في عملية الاستنساخ التي باتت تفرض نفسها في الانتاج الدرامي العربي فقائمة الاسماء طويلة في هذا المضمار،وعادة ما تخوضها اسماء فنية لاتنقصها الموهبة، لكنها هذه الاسماءوبعد أن تنجح في ترسيخ اسمها في السوق الفنية،تبدأ مرحلة أخرى من حياتها تخضع فيها لشروط شركات الانتاج،تتنازل فيها عن تطلعاتها الفنية لتكون على صلة مباشرة بجوانب تجارية تسويقية ربحية،من غير ان يكون لها صلة بهاجس الفنان الباحث عن مغامرة فنية جديدة يقدم من خلالها تجربة ذات اثر عميق في اطار التأمل والتفكير الانساني والجمالي .
الاستنساخ في السينما المصرية
السينما المصرية كان لها تجارب عديدة في عملية الاستنساخ معظمها كانت نماذج رديئة جدا،ولسنا هنا بصدد استذكارها او تعدادها ويكفي ان نشير الى فلم (ذو الندبة Scarface)انتاج عام 1983 للمخرج برايان دي بالما وتأليف أوليفرستون ومن تمثيل ال باتشينو،يقابله فلم مصري مستنسخ عنه انتاج عام 1990بعنوان(الامبراطور)للمخرج طارق العريان،تمثيل احمد زكي ومحمود حميدة،.كذلك فلم( Pretty Woman إمرأة جميلة)للمخرج غاري مارشال انتاج عام 1990 وهو من تمثيل جوليا روبرت وريشارد جيري،يقابله فلم مصري مستنسخ عنه بعنوان(الجينز)انتاج عام 1994،للمخرج شريف شعبان ،تمثيل فاروق الفيشاوي وغالا فهمي.
لن نتوغل اكثر في تاريخ الاستنساخ أكثر من ذلك لاننا إذا ماإستمرينا فيه فلن نتوقف إلاّ بعد أن نملاء صفحات طويلة من اسماء الافلام العربية التي تدخل ضمن هذا الباب،وهنا أجدني أصرُّ على استعمال كلمة الاستنساخ وليس الاقتباس لانني أجد في كلمة الاقتباس اكثر قربا في محتواها ومقصدها الى الفن من كلمة الاستنساخ التي تعكس مايجري من عملية تقليد اعمى للأعمال الفنية العالمية المهمة تكاد أن تخلو تماما من اي جهد فني شخصي يحاول فيه المخرج ان يثبت حضوره الفني الذاتي مجاورا وموازيا لما موجود في النسخة الاصلية مِن تميّز.
اشكالية الاستنساخ
المتابع لهذا الموضوع في اطاره البحثي والتاريخي سيجد ان نصف النتاج السينمائي المصري يعود في حقيقته الى تجربة الاستنساخ،وهذا مايشكل جزءا من اشكاليته من حيث الشكل والمحتوى.
خاصة إذا ماأخذنا بنظر الاعتبار بأن الاستنساخ لم يكن لدى المتعاملين معه سوى الية في العمل والتفكير والانتاج تستسهل عملية بناء الفلم وتختزلها في اعادة تقليد ماجاء في الفلم الاصلي خطوة خطوة،وتعد هذه العملية جزءا اساسيا من منظومة مفردات تعكس اسباب تخلف الانتاج المحلي وتراجعه عن نمط الانتاج العالمي،مع أننا لاينبغي أن نغفل بأن بداية الانتاج السينمائي المصري كانت عام 1917 في الفلمين(الشرف البدوي)و(الازهار القاتلة) وهما من اخراج محمد كريم،ومايثير الدهشة بهذا الصدد أن هذه البداية المبكرة للانتاج السينمائي جاءت متزامنة مع الانتاج في اميركا وفرنسا ! إلا أننا نجد المسافة قد زادت بُعدا ً وعمقاً بمرور السنين مابين مصر من جهة واميركا وفرنسا من جهة أخرى من حيث البنية الصناعية للإنتاج،إضافة الى المستوى الفني،رغم ان مصر بقيت هي الرائدة في المنطقة العربية من حيث الكم والنوع .
جذور المشكلة
مع مرور اكثر من 100 عام على ظهور الانتاج السينمائي وتعاقب اجيال من المخرجين في المنطقة العربية إلا أن ظاهرة استنساخ نماذج ناجحة وعالمية مازالت تتصدر نمط الانتاج العربي،فأين تكمن العلة:هل في انعدام الموضوعات الانسانية التي يختزنها الواقع العربي ؟ هل في عجز العقول والخبرات الفنية وعدم تمكنها من تحويل الموضوعات والحكايات والافكار الى اعمال فنية تتسم بالنضج والحبكة الجيدة ؟ أم ان سوق الانتاج التي تتحكم بها عقول لاتربطها بالعملية الابداعية اية صلة ولاتهدف في عملها الانتاجي الى تنمية القدرات البشرية المبدعة الخلاقة بقدر ما يهمها الاعتماد على نماذج فنية عالمية جاهزة واستنساخها دون الدخول في مسار التفكير الجدي بمستقبل الانتاج وامكانية النهوض به وتطويره ؟ .
اسئلة كثيرة تطرحها عملية الاستنساخ التي باتت تفرض نفسها بقوة في نمط الانتاج الدرامي العربي هذه الايام اكثر من قبل،خاصة إذا مالاحظنا كثرة الاعتماد على طاقات اجنبية محترفة في ميدان ادارة التصوير والاضاءة والكرافيك والتي بمجموعها تكون قادرة على ان تصنع صورة فنية ذات جودة عالية،فيها الكثير من الابهار الشكلي فقط لايقل جودة عن الذي نشاهده في الاعمال الاميركية.ولكن يبقى السؤال الأهم مطروحا امام جميع العاملين في هذا الميدان : – إلى اي مدى ستساهم عملية الاستنساخ الفني للأعمال العالمية في اغتراب الانتاج المحلي عن الانسان باعتباره المادة الجوهرية لاي عمل فني ؟

شاهد أيضاً

عدنان ابو اندلس: طلال الغوّار.. المسكون بالحب التكاملي

دراستي المنشورة في مجلة ” الموقف الادبي ” العدد 592- آب -2020 ، والتي يصدرها …

فاروق مصطفى: الدكتور فائق مصطفى وجهوده في دراسة الادب المسرحي العراقي

صدر كتاب جديد للدكتور فائق مصطفى الناقد و التدريسي الاكاديمي في كلية اللغات جامعة السليمانية …

خليل مزهر الغالبي: الخطاب العابر للأدلجة لرواية السماء المقَسَمة للروائية الالمانية كريستا فولف ترجمة الدكتور رياض احمد طه

الكاتبة الألمانية ” كريستا فولف (1929-2011)كاتبة حرة من جمهورية “المانيا الديمقراطية” انذاك، حصلت على عدة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *