اسم المسرحية : الأسقف والشمعدانات.
اسم المؤلف : نورمان ميكانيل
ترجمة : رياض ممدوح

reyad mamdohالشخصيات :
الأسقف
المتّهم
بيرسوم، شقيقة الأسقف، ارملة.
ماري
رقيب وعدد من رجال الشرطة.
الزمان : بداية القرن الثامن عشر.
المكان : فرنسا، حوالي ثلاثين ميل عن باريس.
أوجد نورمان ميكانيل فكرة المسرحية من الرواية الرائعة لفكتور هيجو “البؤساء”. في الفصول الاولى لأحداث الرواية لا تظهر شخصية الأسقف لكن تأثيرها واضح على كامل موضوع احداث الرواية. بينما قوة حضورها الشخصي وطيبتها وبساطتها في المسرحية هائلة.
اصبحت مسرحية “الأسقف والشمعدانات” واحدة من اهم المسرحيات التي الهمت الكتابة لجيل الشباب في فرنسا في ذلك الوقت.
نورمان ميكانيل، الذي توفي في عام 1932، يعتبر رمزا من اهم رموز التجديد في تكنيك الكتابة المسرحية. تمتاز اعماله بالجرأة والواقعية، وتهدف الى الحقيقة بالإضافة الى التأثير الدرامي.
المشهد:
المطبخ في منزل الاسقف. مؤثّث جيدا, لكنه بسيط. باب على اليمين وباب على اليسار. شباك في الزاوية اليسرى. في الزاوية اليمنى موقد النار مع رف ثقيل عليه. مقعد من خشب السنديان ذي مساند بجانب باب الزاوية اليسرى. منضدة عند شباك الزاوية اليمنى, عليها ادوات الكتابة وتمثال خشبي للمسيح المصلوب. ساعة على يمين الشباك. خزانة مطبخ مع دولاب في الاسفل منها. على اليسار منضدة طعام. بالزاوية اليمنى كراسي , كتب, …الخ. على رف الموقد يوجد اثنان من الشمعدانات الجميلة جدا والتي تبدو غريبة عن ما يحيط بها في المكان.
تظهر ماري وبيرسوم. ماري تدير شيئا من الحساء على النار. وبيرسوم تطوي الملابس, … الخ.
بيرسوم : الم يغل الحساء لحد الان، يا ماري؟
ماري : ليس بعد، يا سيدتي.
بيرسوم : كان من المفترض ان يكون قد اكتمل الان. يبدو انك لم تضعي
النار على المستوى المطلوب، يا صغيرتي.
ماري : لكن, يا سيدتي, انت من اشعل النار على المستوى المطلوب.
بيرسوم : لا تجيبيني بهذا الاسلوب مرة ثانية. انه جواب احمق.
ماري : حاضر، يا سيدتي.
بيرسوم : اذن، لا تجبريني الى توبيخك ثانية.
ماري : كلا, يا سيدتي.
بيرسوم : اتساءل اين يمكن ان يكون اخي الان. منذ الساعة الحادية عشر
(تنظر الى الساعة) ولا خبر عنه. يا ماري !
ماري : نعم, يا سيدتي.
بيرسوم : الم يترك الاسقف اية رسالة لي؟
ماري : كلا, يا سيدتي.
بيرسوم : الم يخبرك الى اين هو ذاهب؟
ماري : نعم، يا سيدتي.
بيرسوم : ” نعم, يا سيدتي” (تقليد). اذن لماذا لم تخبريني, يا غبية!
ماري : لم تساليني يا سيدتي.
بيرسوم : لكن ذلك لا يمنحك العذر كي لا تخبريني, اليس كذلك؟
ماري : يا سيدتي لم يصادف ان تحادثنا منذ الصباح لأخبرك, لذا
اعتقدت—
بيرسوم : آه, الموت لك, انت اعتقدت! آه! لا امل فيك.
ماري : نعم، يا سيدتي.
بيرسوم : لا تبقي ترددي ” نعم, يا سيدتي”, مثل الببغاء, يا مغفلة.
ماري : كلا، يا سيدتي.
بيرسوم : حسنا. اين قال انه سيذهب؟
ماري : الى امي, يا سيدتي.
بيرسوم : الى امك حقا! يا الهي, ولماذا؟
ماري : سألني الاسقف عن حالتها, وقلت له انها تشعر بالتدهور
الصحي.
بيرسوم : قلت له انها تشعر بالتدهور الصحي، أليس كذلك؟ لهذا غادر
اخي فراشه ودون ان يأكل شيئا، ذلك لأنك اخبرته ان حالتها
الصحية في تدهور. شكرا لك على ذلك!
ماري : ان الحساء يغلي، يا سيدتي!
بيرسوم : اذن أفرغيه في الصحون، ولا تثرثري، يا حمقاء. (تهمّ ماري
بفعل ذلك) كلا، كلا. ليس هكذا، دعيني افرغها انا، وانت ضعي
علب الملح الفضيّة على المنضدة —
ماري : الفضيّة، يا سيدتي؟
بيرسوم : نعم، الفضيّة. هل انت صمّاء بالإضافة الى غبائك؟
ماري : لقد تم بيعها، يا سيدتي.
بيرسوم : تم بيعها! (برعب) بيعت! هل جننت؟ من الذي باعها؟ ولماذا تم
بيعها؟
ماري : طلب مني الاسقف هذا الصباح ان ابيعهم له حينما كنت انت
خارج المنزل، وليس في وسعي مخالفته.
بيرسوم : ليس من حقّك ان تفعلي ذلك دون ان تخبريني.
ماري : لكن، يا سيدتي، الأسقف قال لي (برعب).
بيرسوم : الأسقف هو — هممم! لكن، لكن وما حاجته الى المال؟
ماري : عفوا، يا سيدتي، اعتقد انه من اجل ميري كرانكوري.
بيرسوم : ميري كرانكوري حقيقة! ميري كرانكوري! ماذا، المرأة العجوز
المنتظرة نهايتها اعلى التل، والذي قيل عنها انها طريحة الفراش
لأنها فاقدة العقل ولا تقوم بأي عمل؟ وما الذي تفعله ميري
كرانكوري بالمال، يا الهي؟
ماري : انه من اجل الإيجار، يا سيدتي. المأمور لن ينتظر اكثر وهدّد
بطردها خارج المنزل هذا اليوم ان لم تسدد. لذا ارسلت الصغيرة
جين الى الأسقف طالبة مساعدته و —
بيرسوم : أوه، اللعنة! لا مناص من ذلك، لا مفر. سوف لن يبقى لدينا شيئا.
عقاره باعه، مدخراته ذهبت. أثاثه، كل شيء. لن يبقى الّا ان
نجوع، والآن علب الملح الفضية الجميلة خاصتي (تبكي). آه،
هذا لا يحتمل، هذا كثير. (تنهار باكية).
ماري : آسفة، يا سيدتي، لو كنت اعلم —
بيرسوم : آسفة، ولماذا، يا الهي؟ كيف لو كانت علب الملح الفضية تعود له
لكان قد باعها من زمن بعيد، انا متأكدة من ذلك. اذهبي واغسلي
يداك، فهي ملوثتان جدا.
ماري : حاضر، يا سيدتي (تذهب ناحية اليمين).
(يدخل الأسقف)
الاسقف : آه، كم هو لطيف ودافئ المكان هنا! ان الخروج في البرد
يستحق ما دام في الاخر هناك عودة الى هكذا مكان مريح.
(تتفاجأ بيرسوم وتهبّ لمساعدته في خلع معطفه، …الخ. يهبط
على ماري أدب كبير). شكراً، يا عزيزتي (ينظر اليها). لماذا
ما الذي حدث؟ انكِ كنتِ تبكين. هل ازعجتكِ ماري، ها؟ (يشير
بإصبعه نحو ماري). آه!
بيرسوم : كلا، ليست ماري – لكن، لكن –
الاسقف : حسناً، حسناً، ستخبرينني حالاً. يا صغيرتي، ماري عودي الى
بيتكِ الان، امكِ في حالة أفضل، كنتُ اصلي معها، والطبيب كان
هناك. اذهبي الى بيتكِ! (تخلع ماري صدرية العمل عنها) و يا
ماري لا تحدثي ضوضاء حين تكون امك نائمة.
ماري : اوه، شكراً، شكراً، ايها الاسقف.
(تذهب ماري الى الباب، وحالما تفتحه ينث الثلج الى الداخل).
الاسقف : خذي معطفي، يا ماري، سوف يحميكِ من البرد انها باردة جداً
هذه الليلة.
ماري : اوه، كلا، يا اسقف (بخجل)!
بيرسوم : أي كلام هذا، يا اخي، انها صغيرة، وستتلفه.
الاسقف : آه، انكِ لم تخرجي الى الخارج، ولم تعرفي كم ان الجو اصبح
بارداً. تعالي، يا ماري، دعيني اضع هذا المعطف عليك (يفعل
ذلك). والان! انطلقي، ايتها الصغيرة.
(تخرج ماري)
بيرسوم : يا اخي لم يبقَ لي صبر عليك. والان، اجلس وتناول حساءك،
لقد تأخرت كثيرا عليه. وان كان قد برد اسخنه لك ثانية.
الاسقف : ان رائحتها لذيذة.
بيرسوم : انا متأكدة من ان ام ماري ليست مريضة جداً وانه لا داعي
لبقائك خارجاً في مثل هذه الليلة الباردة اعتقد ان أولئك الناس
يدّعون المرض لمجرد ان يأتي اليهم اسقف. دون ان يفكروا بما
يعانيه الاسقف!
الاسقف : هذا النوع من الناس يحتاجون الى رؤيتي.
بيرسوم : نعم ومن وجهة نظري، الاقربون اولى بالمعروف.
الاسقف : لذا صنعت لي هذا الحساء اللذيذ. انكِ لطيفة جداً معي، يا اختي.
بيرسوم : لطيفة معك، نعم! يجب ان افكر هكذا. حينما افكر بأمرك، احب
ان اعرف اين سيكون مصيرك بدوني. السذّج من العاطلين
الاشقياء او امرأة عجوز كاذبة في الابرشية يستغلونك.
الاسقف : الناس الذين يكذبون عليّ هم الافقر وليس انا.
بيرسوم : لكنه امر مثير للسخرية، قريباً سوف لن يبقى لديك شيئاً. لقد
اعطيت كل شيء، كل شيء!!!
الاسقف : يا عزيزتي، هناك معاناة كثيرة جدا في هذا العالم، وبإمكاني ان
افعل القليل جداً (يتنهد)، القليل جداً جداً.
بيرسوم : معاناة، نعم، لكنك لا تفكر ابداً بالمعاناة التي تسببها انت لأولئك
الذين يحبونك اكثر، المعاناة التي تسببها لي.
الاسقف : (ينهض واقفاً) انتِ، يا اختي العزيزة؟ هل تسببت في ايذاءكِ؟ آه،
تذكرتُ انكِ كنتِ تبكين. اذن بسبب غلطة مني؟ لم اقصد ايذاءكِ.
انا آسف.
بيرسوم : آسف. نعم. الاسف لا يُصلح شيئاً. اوه، اذهب وتناول حساءك
فلقد اصبح بارداً.
الاسقف : حسناً، يا عزيزتي. (يجلس) لكن اخبريني –
بيرسوم : انت كالأطفال، لا اثق ان تكون بعيداً عن انظاري. قريباً
اعطيت لماري تلك الفتاة الوقحة ان تبيع علب الملح الفضية.
الاسقف : آه، نعم، علب الملح الفضية. انه شيء مؤسف، هل كنتِ تعتزّين
بها؟
بيرسوم : اعتز بها، نعم. لأنها ما تبقى من ذكرى عائلتي منذ سنين.
الاسقف : نعم، انه شيء مؤسف، كانوا في غاية الجمال، لكن لايزال،
بإمكان المرء ان يستخدم العلب الصينية فهي تفي بالغرض.
بيرسوم : نعم ,
الاسقف : نعم, وانا عرضت عليها ان اجلبها الى هنا غداً او بعد غد، لكنها
اعتقدت ان ذلك من الممكن ان يضايقكِ.
بيرسوم : يضايقني!!!
الاسقف : والمأمور، الذي يطبق القانون، لا يمكنه الانتظار اكثر لتسديد
الايجار، لذا… لذا… كما ترين انني قد سددت له.
بيرسوم : سددت انت له. (بحركة هزلية يائسة).
الاسقف : نعم، وكما تعلمين انه لا مال لدي لذا تصرفت بعلب الملح
الفضية. ومن حسن حظي انها كانت عندي، أليس كذلك؟ (يبتسم)
لكني آسف على حزنكِ.
بيرسوم : آوه، ابق هكذا! ابق هكذا! انك عنيد. في المرة القادمة ستبيع
الشمعدانات.
الاسقف : (باهتمام حقيقي) لا، لا، يا اختي، شمعداناتي لا.
بيرسوم : اوه! لم لا؟ اعتقد انهم سيُدفعون تسديد ايجار شخص ما.
الاسقف : اه، هذا لطف منكِ، يا اختي، ان تفكري هكذا، لكن، لكني لا اريد
بيعها. تعلمين، يا عزيزتي، ان امي قد اعطتني اياها وهي…
وهي على فراش الموت بعد ولادتكِ مباشرة، و… وطلبت مني
ان احتفظ بهما كتذكار منها، لذا احب الاحتفاظ بها، لكن ربما
ان خزنهما هو ذنب؟
بيرسوم : اخي، يا اخي، ستفطر قلبي(تنزل دموعها مع صوتها المرتجف)
الآن! لا تقل أي شيء اكثر من هذا. قبّلني وامنحني بركاتك. انا
ذاهبة للنوم.
(يقبّلها).
(الاسقف يؤشر علامة الصليب ويدعو لها بالبركة).
(تقفل بيرسوم باب الدولاب وتستدير لتذهب).
بيرسوم : لا تبق ساهرا كثيرا وتتعب عينيك.
الاسقف : كلا، يا عزيزتي ! طاب مساؤكِ!
(تخرج بيرسوم من باب اليمين).
الاسقف : (يأتي الى المنضدة ويفتح كتابا، ثم ينظر الى الشمعدانات).
سيُدفع بثمنهما ايجار شخص ما. كان لطفاً منها ان تفكر هكذا.
(يثير النار في الموقد، يزيد من انارة اللمبة، يرتّب بعض الكتب
والاوراق، يجلس قلقا، يرتعش من البرد بعض الشيء، تدق
الساعة معلنةً الثانية عشرة، ثم يستقر ليقرأ. موسيقى خلال
ذلك كله. يدخل المتهم خلسةً، يحمل سكين طويلة ويسيطر على
الاسقف عن قرب).
المتهم : ان صرخت ستكون رجلاً ميتاً!
الاسقف : لكن، يا صديقي، كما ترى، انني أقرأ. كيف لي ان اصرخ؟ بأي
شكل يمكنني مساعدتك؟
المتهم : (بصوت أجش) اريد طعاماً. انا جائع. لم اتناول شيئاً منذ ثلاثة
ايام، اجلب لي طعاماً بسرعة، بسرعة، اللعنة عليك.
الاسقف : (بلهفة) لكن بكل تأكيد، يا ولدي، سوف تتناول طعاماً. سأطلب
من شقيقتي ان تجلب مفتاح الدولاب.
(ينهض)
المتهم : اجلس!!! (يجلس الاسقف، مبتسماً) ليس هكذا، يا صديقي! انا
طائر قديم جداً ولا يمكن صيدي من منقاري. ستطلب من
شقيقتك ان تجلب المفتاح، أليس كذلك؟ قصة جميلة! ستوقظ كل
من في المنزل ايضاً. ها؟ هاه! هاه! نكتة جميلة حقاً. تعال، اين
يوجد الطعام؟ انا لا احتاج الى مفاتيح. لدي ذئب في داخلي
يمزق احشائي من الجوع، يمزقني؛ بسرعة، قل لي اين يوجد
الطعام.
الاسقف : (جانباً) انا اتمنّى ان لا تقفل بيرسوم الدولاب ابداً. (بصوت
مسموع) تعال، يا صديقي، لا تخش شيئاً. انا وشقيقتي لوحدنا
في هذا المنزل.
المتهم : كيف لي ان اعرف ذلك؟
الاسقف : لأني انا قلت لك ذلك تواً.
(ينظر المتهم الى الاسقف طويلاً)
المتهم : اللعنة! انها مجازفة. (يذهب الاسقف الى باب اليمين) لكن ليكن
في علمك! اللعب معي لن ينجح، كما انه هناك شياطين تدعوني
لغرز سكيني في قلبك. وليس لدي ما اخسره.
الاسقف : ستخسر روحك، يا ولدي، انها اثمن من قلبي. (ينادي من خلال
باب اليمين) بيرسوم! بيرسوم!
(يقف المتهم بجانبه وسكينته جاهزة)
بيرسوم : (من الداخل) نعم، يا اخي.
الاسقف : لدينا مسافر مسكين وهو جائع. ان لم يزعجكِ الامر، هل
بإمكانك ان تأتي وتفتحي الدولاب وتعطيه بعض الطعام؟
بيرسوم : (من الداخل) ماذا، في هذا الوقت من الليل؟ حقاً انه طلب جميل.
الا يمكننا النوم الآن، وهل سيكون لدينا نظام لاستدعاء كل عابر
سبيل؟
الاسقف : لكن، يا بيرسوم، المسافر جائع.
بيرسوم : اوه، حسناً، انا قادمة. (تدخل بيرسوم من باب اليمين. ترى
السكين بيد المتهم) (مرعوبة) يا اخي، ما الذي يفعله بالسكين؟
الاسقف : السكين، اوه، نعم، تعلمين، يا سيدتي، يعتقد اني… لربما…
(يضحك بلطف)
بيرسوم : (جانبا للأسقف) يا اخي، انا مرعوبة، انه ينظر الينا وكأننا
وحوش مفترسة.
المتهم : هيّا، اقول لكِ، اجلبي لي طعام او اني سوف اغرز سكيني فيكما
واخدم نفسي بنفسي.
الاسقف : اعطيني المفاتيح، يا بيرسوم، (تعطي المفاتيح له) والآن
يا عزيزتي، يمكنكِ ان تذهبي للنوم.
(تهمّ بيرسوم للذهاب. يقفز المتهم امامها)
المتهم : قفي! لن تغادري هذه الغرفة الا بعد ان اغادر انا.
(تنظر الى الاسقف)
الاسقف : هل بإمكانك، يا بيرسوم، ان تدعي السيد يأكل مما لديكِ من
طعام؟ رغبته في الطعام واضحة.
بيرسوم : حسناً، يا اخي.
(تجلس بيرسوم وهي تنظر لكليهما)
الاسقف : يوجد بعض القطع الباردة من الفطائر وقطع من لحم الدجاج
وقنينة شراب وقليلاً من الخبز.
المتهم : ضعها على المنضدة، وقف حيث يمكنني رؤيتكما.
(يأتي الاسقف بالطعام الى المنضدة يفتح مجر المنضدة ويُخرج
منه شوكة وسكين، ينظر الى السكين التي في يد المتهم).
المتهم : سكيني حادة. (يحرك اصبعه على طول حافة السكين وينظر
اليهما بمغزى) وبالنسبة للشوكة (يلتقطها ويرفعا) هي من
الفولاذ. (يرميها جانياً) لسنا معتادين عليها في السجن.
بيرسوم : السجن؟
المتهم : (يقطع شريحة فطائر كبيرة، ويتفاجأ) ما هذا؟ (ينظر الى
الباب) بحق الشيطان، لماذا تركتما الشباك مفتوحاً والباب غير
مغلق، لكي يدخل علينا أيا كان؟ (يغلقهما).
الاسقف : لهذا السبب ندعهما مفتوحين.
المتهم : حسناً، الان هما مغلقان!
الاسقف : (يتنهد) وهذه هي المرة الاولى منذ ثلاثين سنة.
(يأكل المتهم بشراهة ويرمي العظام على الارض)
بيرسوم : اوه، منزلي نظيف!
(يلتقط الاسقف العظام من الارض ويضعها في صحن).
المتهم : ألا تخشى من اللصوص؟
الاسقف : انني اشفق عليهم.
المتهم : اشفق عليهم. ها! ها! ها! (يشرب من قنينة الشراب) انه شراب
جيد. اشفق عليهم . ها! ها! ها! (يشرب ثانيةً) (فجأةً) أي
شيطان انت؟
الاسقف : انا اسقف.
المتهم : ها! ها! ها! اسقف. يا مريم العذراء، اسقف. حسناً فانا ملعون!
الاسقف : اتمنى ان تتخلص من هذه اللعنة، يا ولدي. يمكنكِ ان تغادرينا،
يا بيرسوم، سوف يأذن لكِ هذا الرجل.
بيرسوم : اتركك مع…
الاسقف : رجاء! ليكن بإمكان صديقي وانا ان نتحدث اكثر… بحرية اكثر.
(في هذه الاثناء بدأ الشراب يؤثر على المتهم).
المتهم : ما هذا؟ تغادرنا. نعم، نعم، غادرينا. طاب مساءكِ. اريد التحدث
الى الاسقف. الاسقف. ها! ها!
(يضحك اثناء الشراب ويسعل)
الاسقف : طاب مساءكِ، يا بيرسوم.
(يفتح الاسقف لها الباب وتخرج… تتمسك بتنورتها حينما تمر
بالمتهم).
المتهم : (يضحك مع نفسهِ) الاسقف. ها! ها! حسناً انا… (بصوت
منخفض جداً) هل تعرف من اكون؟
الاسقف : اعتقد انك شخص قد عانى كثيراً.
المتهم : عانى (مشوش ومتحير) عانى؟ يا الهي، نعم. (يشرب) لكن كان
ذلك منذ وقت طويل مضى. ها! ها! كان ذلك عندما كنتُ رجلاً،
والان انا لستُ رجلاً؛ انا الان رقم : الرقم 15729، وقد عشتُ
عشر سنوات في الجحيم.
الاسقف : اخبرني عنها… عن الجحيم.
المتهم : لماذا؟ (يرتاب) هل تريد ان تخبر رجال الشرطة عنها…
وتعينهم على ان يتعقّبوني؟
الاسقف : كلا! لن اخبر رجال الشرطة.
المتهم : (ينظر الى الاسقف باهتمام) اعتقد انك (يهرش رأسه)، لكن
اللعنة عليّ ان كنتُ اعرف لماذا.
الاسقف : (يمد يده الى ذراع المتهم) اخبرني عن الفترة… التي قبل ان
تذهب فيها الى… الجحيم.
المتهم : اتذكر منذ زمن بعيد، كان لديّ كوخ صغير، تنمو حوله كرم
العنب (كأنه يحلم)، يبدو جميلاً حين تغرب شمس المغيب عليه و
, و… كانت هناك امرأة… كانت (يفكر بجهد)… كان يجب ان
تكون زوجتي… نعم. (فجأة وبسرعة) نعم، اتذكر! كانت
مريضة، وليس لدينا طعام. لم اتمكن من الحصول على عمل،
كانت سنة سيئة، وزوجتي، جانيت، كانت مريضة، تحتضر،
(يتوقف عن الكلام) لذا سرقتُ لأشتري لها طعاما. (فترة صمت
طويلة. يربّت الاسقف بلطف على يد المتهم) قبضوا عليّ.
تضرعتُ لهم، اخبرتهم لماذا انا سرقتُ، لكنهم سخروا مني،
وحكم عليّ بعشرة سنوات سجن، (صمت) عشر سنوات في
الجحيم. وفي احدى الليالي وانا في السجن اخبرني السجان …
اخبرني بان جانيت قد ماتت. (يتنهد، مع غضب) آه، اللعنة
عليهم، اللعنة عليهم. لعنة الله عليهم جميعاً.
(ينشج باكياً على المنضدة)
الاسقف : والآن اخبرني عن السجن، عن الجحيم.
المتهم : اخبرك عنهُ؟ انظر اليّ، مرة كنتُ رجلاً. انا الان وحش، لقد
جعلوا مني ما انا عليه الان. قيدوني بالسلاسل كأني حيوان
متوحش. ضربوني كما تُضرب الكلاب. أطعموني القاذورات،
غطّتني الحشرات، نمت على الالواح. وشكوت من ذلك. ثم
ضربوني ثانية. على مدى عشر سنوات. آه يا الهي! انتزعوا
اسمي منّي، انتزعوا روحي منّي، واعطوني شيطانا مكانها. لكن
في يوم من الايام لم يكونوا فيه حذرين، يوم نسوا ان يقيدوا
بالسلاسل ذلك الوحش، فهرب. كان قد اصبح حرا. كان ذلك قبل
ستة اسابيع مضت. كنت حرا، حرا لأجوع.
الاسقف: لتجوع؟
المتهم : نعم، لأجوع. انهم يطعمونك في الجحيم، لكن عندما تهرب منهم
تجوع. انهم يطاردوني في كل مكان وليس لدي جواز سفر، ولا
اسم. لذا سرقتُ ثانية، سرقتُ هذه الخرق التي ارتديها، سرقت
خبز يومي، نمت في الغابات، في حضائر الحيوانات، في كل
مكان. لن اتجرأ ان اسأل عن عمل، لن اتجرأ ان اذهب الى المدن
لأشحذ، لذا سرقتُ، وهم صنعوا منّي ما انا عليه الأن، صنعوا منّي
لصا. لعنة الله عليهم جميعا.
(تفرغ القنينة فيرميها في موقد النار، فتتحطم)
الاسقف: لقد عانيتَ كثيرا، يا ولدي، لكن على ايّة حال لا يزال هناك امل.
المتهم : امل! امل! ها! ها! ها! (يضحك عاليا).
الاسقف: لا بد انك سرتَ كثيرا، وانت الآن مُتعب. استلق ونم على هذه
الاريكة، وسأجلب لك بعض الاغطية.
المتهم : وان جاء احد ما؟
الاسقف: كلا، لن يأتي احد، وان جاء احد ما، ألستَ انت صديقي؟
المتهم : صديقك (مشوّش)؟
الاسقف: لن يؤذوا صديق الاسقف.
المتهم : صديق الاسقف.
(يهرش رأسه، مشوّش تماما)
الاسقف: (يتجه نحو باب اليسار) سأجلب لك اغطية.
المتهم : ( ينظر باتجاه الاسقف، يهرش رأسه) صديق الاسقف! (يذهب
الى موقد النار ليدفئ نفسه ويلاحظ الشمعدانات. يلتفت حوله
ليرى ان كان لوحده، فينزلها، ويزنها بيده) فضّة، يا الهي،
وثقيلة. يا لها من جائزة!
(يسمع بمقدم الاسقف، ولتسرعه يسقط الشمعدانات على المنضدة)
(يدخل الاسقف)
الاسقف: (يرى ماذا يفعل بالأغطية، لكنه يتقدم الى الاريكة ويضعها
عليها) آه، اعجبتك شمعداناتي. اني اعتزّ بها. انها هدية من
والدتي. جمالها لا يناسب هذا الكوخ الصغير، لكنها هي كل ما
تبقى لي من والدتي. فراشك جاهز. هل تريد ان تضطجع الآن؟
المتهم : نعم، نعم، سأضطجع الآن. (مشوّش) انظر، انت شيطان… على
شاكلتي. (بريبة) ما الذي تريده؟ ها؟
الاسقف: اريدك ان تنام نوما هانئا، يا صديقي.
المتهم : اعتقد انك تريد تغيير قناعاتي؛ تنقذ روحي، ألم تقل ذلك؟ حسنا
امر سيئ، أترى؟ لا اريد أي دين، وكذلك الكنيسة، هراء! انا اكره
الكنيسة.
الاسقف : هذا أمر مؤسف، يا ولدي، كما ان الكنيسة لا تكرهك.
المتهم : ستحاول تغيير قناعاتي. أوه، ها! ها! تلك فكرة جيدة. ها! ها!
ها! كلا، كلا، يا سيدي الاسقف. لا اريد شيئا من معتقداتك،
وآمالك، والكنيسة، فهمت؟ لذا فأن كل ما تفعله لأجلي تفعله
للشيطان، هل تفهم (بتحدّي)؟
الاسقف : على المرء ان يفعل الكثير مع الشيطان, فمن الطبيعي ان ذلك
خدمة متواضعة الى الله.
المتهم : (بغضب) قلت لك, اني لا اريد أي دين؟
الاسقف : تأخر الوقت, الا تريد ان تنام؟
المتهم : (بتذمر) حسنا على كل حال, لكني لا اريد مواعظك, انا … انا
… (على الاريكة) هل انت متأكد من ان لا احد يأتي؟
الاسقف: لا اعتقد ذلك, لكن حتى لو جاء احد ما … اقفل الباب انت
بنفسك.
المتهم : اللعنة! اتساءل ان كان الوضع آمن. (يذهب الى الباب ويتأكد
منه, ثم يستدير ويرى الاسقف حاملا الاغطية, منزعجا) الان!
اذهب انت الى فراشك. انا سأغطي نفسي (الاسقف يتردد)
اقول لك, اذهب.
الاسقف : طاب مساءك, يا ولدي (يخرج).
(ينتظر المتهم خروج الاسقف, ثم يتأكد من غلق الباب).
المتهم : اللعنة. غير مقفل. (ينظر حواليه فيرى الشمعدانات مرة ثانية)
اللعنة! سألقي نظرة اخرى عليهم (يمسك الشمعدانات ويرفعها
ويلعب بها) أخمن انها تقدّر بالمئات. لو أخذتها وحوّلتها الى
اموال ستكون تلك بداية جيدة لي. اللعنة! الاسقف ايضاً يجد انهما
يستحقان الكثير. قال ان امّه اعطته اياهم. امّه، نعم. أولئك لم
يفكروا بأمي حينما ارسلوني الى الجحيم. ان الاسقف كان لطيفاً
معي ايضاً … لكن ما العمل اللطيف الذي يتوقعه الاسقف مني؟
الان ابتهج، يا قلبي، اهنأ بحياة ناعمة. يا الله! الم يضحك الذين
قيّدوني بالسلاسل ليروا صاحب الرقم 15729 وهم يمسكونه من
ياقته ويشعرون بالنصر. النصر! ها! ها! اوه يا الهي! نصر! ها!
ها! 15729 ستحصل على حياة هانئة. هذا شيء جميل. ها! ها!
كلا، سآخذ شمعداناته واذهب، ان بقيت هنا سيعطيني مواعظ في
الصباح وانا سأحصل على حياة هانئة. اللعنة عليه وعلى
مواعظه ايضاً. الذهاب الان!
(يأخذ الشمعدانات ويعبئهما في جيب في معطفه، ويخرج بحذر،
انصفع الباب رغم محاولته منع ذلك).
بيرسوم : (من خارج المسرح) من هناك؟ أقول، من هناك؟ ألا يمكنني
النوم الليلة؟ اقول من هناك؟ (تدخل بيرسوم) انا متأكدة من اني
سمعتُ الباب يغلق. (تنظر حواليها) لا احد هنا؟ (تطرق على
باب غرفة الاسقف. ترى ان الشمعدانات اختفت) الشمعدانات،
الشمعدانات. لقد اختفت. اخي، يا اخي، اخرج. نار، جريمة،
لصوص! (يدخل الاسقف).
الاسقف : ماذا هناك، يا عزيزتي، ماذا هناك؟ ما الذي حدث؟
بيرسوم : لقد ذهب. قد ذهب الرجل ذو العينين الجائعتين، واخذ
شمعداناتك.
الاسقف : ليسوا شمعداناتي، يا اختي، بالتأكيد لا. (ينظر ويتنهد) آه ذلك
امر شنيع، شنيع جداً، انا، انا … كان عليه ان يتركهم لي. هذا
هو كل ما كنتُ املك.
(ينهار تقريباً)
بيرسوم : حسناً، لكن اذهب واعلم رجال الشرطة. لا يمكنه ان يكون قد
ابتعد كثيراً. سيقبضون عليه حالاً، وستحصل على شمعداناتك.
ستعود اليك. انك لا تستحقها، ما دمت تركتها هكذا بالقرب من
الرجل في البيت.
الاسقف : انكِ على حق، يا بيرسوم. كانت غلطتي. انا اغريته.
بيرسوم : اوه، هراء! انت اغريته في الحقيقة. الرجل هو لص، انه لص
ووغد معروف. اعلم اني سأراه قريباً. اذهب واخبر رجال
الشرطة او اذهب انا.
(تذهب، لكنه يوقفها)
الاسقف : سيعيدونه الى السجن (بتأثر)، سيعيدونه الى الجحيم! لا،
يا بيرسوم. انها مجرد عقوبة لي؛ سردتُ عظمة قصة
الشمعدانات. كانت غلطة. انها مجرد عقوبة لي، لكن اوه يا
الهي، انه امر صعب، انه صعب جداً.
(يدفع رأسه بيديه)
بيرسوم : كلا، يا اخي، انك مخطئ. ان كنت لا تريد ان تخبر رجال
الشرطة فسأذهب واخبرهم انا. لا يمكنني ان اقف واتفرج عليك
وقد سُرق منك اعزّ ما تملك. اعلم انك اخي واسقفي وافضل
رجل في فرنسا، لكنك ساذج، اخبرتك، الاطفال وانا سوف لا
نملك طيبتك المنتهكة. سأذهب واخبر رجال الشرطة (تذهب).
الاسقف : توقفي، يا بيرسوم. الشمعدانات كانت ملكي انا، والان ملكه هو.
وذلك افضل. انه بحاجتهم اكثر مني انا. كانت امي سترغب في
ذلك لو انها كانت الان هنا.
بيرسوم : لكن …
(طرقات قوية على الباب من الخارج)
مفوض الشرطة : (من الخارج) ايها الاسقف، ايها الاسقف، لدينا شيء
لك، هل يمكننا الدخول؟
الاسقف : ادخل، يا ولدي.
(يدخل مفوض الشرطة وثلاث رجال شرطة معه قابضون على
المتهم. وان مفوض الشرطة يحمل الشمعدانات).
بيرسوم : اه اذن لقد قبض هؤلاء عليك، ايها الوغد؟
المفوض : نعم، يا سيدتي، وجدنا هذا الوغد يتسلل عبر الطريق، وهو غير
واع بنفسه فقبضنا عليه بتهمة الشك. يا مريم العذراء، عجباً انه
قوي لكنه لم يقاوم؟ وبينما كنا نفتشه سقطت هذه الشمعدانات من
جيب معطفه. (تحدّق بيرسوم بالشمعدانات، تذهب بها الى
المنضدة، وتمسحها بمئزرها بمودة). حينها تذكرتُ ان
الشمعدانات تعود الى الاسقف، لذا جلبناها الى هنا لربما تتعرفان
عليها ومن ثم نتخذ نحن اجراءاتنا.
(الاسقف والمتهم ينظر كل منهما الى الاخر. المتهم مع القابضين
عليه بإصرار).
الاسقف : لكن، لكن، انا لم افهم، هذا الرجل هو صديقي المفضل.
المفوض : صديقك، ايها الاسقف!! يا مريم العذراء! حسناً!!!
الاسقف : نعم، صديقي، لقد شرفني على العشاء هذه الليلة وانا … انا
اعطيتهُ الشمعدانات.
المفوض : (بشكوك) انت اعطيت له، له شمعداناتك؟ يا مريم العذراء!
الاسقف : (بشدة) تذكر، يا ولدي، بان مريم العذراء مقدسة.
المفوض : (يحييهِ) عفواً، ايها الاسقف.
الاسقف : والان اعتقد انه عليك ان تدع سجينك يذهب.
المفوض : لكن عليه ان يريني اوراقهُ، عليهِ ان يخبرني من يكون هو.
الاسقف : سبق وان اخبرتك انه صديقي.
المفوض : نعم، ذلك حسن جداً، لكن …
الاسقف : انه صديق اسقفك، بالتأكيد هذا يكفي.
المفوض : نعم، لكن …
الاسقف : أفي ذلك شك؟
(فترة صمت. المفوض والاسقف ينظر كل منهما الى الاخر).
المفوض : انا … انا … اللعنة! اللعنة! (الى رجالهِ) اتركوا السجين.
(يفعلون ذلك) الى اليمين دُر، بسرعة ايها الرجال!
(يخرج المفوض مع رجالهِ. فترة صمت طويلة)
المتهم : (ببطء شديد، وكأنه في حلم) انت اخبرتهم بانك قد اعطيتني
الشمعدانات، اعطيتني اياها. يا الهي!
بيرسوم : (تهز قبضتها في وجه المتهم وتحتضن الشمعدانات على
صدرها) اوه، انت وغد، انت وغد تافه، اتيت الى هنا واكلت،
وتدفأت، و … وانت لص؛ تسرق من صاحب الفضل عليك.
اوه، انت ناكر للجميل.
الاسقف : يا بيرسوم، انتِ متعبة، اذهبي الى غرفتكِ.
بيرسوم : ماذا، واترككَ معه لتتحدّثوا ثانيةً، ربما … كلا، لن اذهب.
الاسقف : (مع حدّة شديدة). يا بيرسوم، اتركينا، هذه رغبتي.
(تنظر بحدة اليهِ، ثم تستدير باتجاه باب غرفتها)
بيرسوم : حسناً، اذا كان لابد لي ان اذهب فعلى الاقل سآخذ الشمعدانات
معي.
الاسقف : (بحدّة اكثر) يا بيرسوم، رجاء الشمعدانات على المنضدة
واتركينا.
بيرسوم : (بتحد) لن اذهب!
الاسقف : (بصوت عال ومع حدة اكبر) انا اسقفك، وآمرك.
(بيرسوم بتردد كبير تخرج)
المتهم : (بشكل خجول) ايها الاسقف، اني سعيد بعدم ذهابي
بالشمعدانات، اللعنة عليّ، انا، انا سعيد بذلك.
الاسقف : والان الا تريد ان تنام هنا؟ انظر، فراشك جاهز.
المتهم : كلا! (ينظر الى الشمعدانات) كلا! كلا! لن اتجرأ … لن أتجرأ
… بالإضافة الى انه يتوجب عليّ ان اذهب، عليّ ان اصل الى
باريس، انها مدينة كبيرة، وانا … يمكنني ان اضيع فيها. انهم
يريدون ان يقبضوا عليّ هنا فيجب ان اسافر خلال الليل، هل
عرفت؟
الاسقف : عرفتُ … يجب ان تسافر تحت جنح الظلام الليلة.
المتهم : انا … لم اكن اعتقد ان هنالك طيبة في العالم … حين يكون
الانسان في الجحيم لا يصدق ذلك، لكن على اية حال انا … انا
… اعلم انك طيب و، وانه من المخجل ان اطلب فقط … فقط
بإمكانك، ان تغفر لي قبل ان اذهب … انا … انا اعتقد ان ذلك
سيساعدني. انا …
(يغطي رأسهُ بخجل شديد)
(يقوم الاسقف برسم علامة الصليب ويتمتم بالمغفرة والصلاة)
المتهم : (يحاول الكلام، لكن الدموع والتنهدات تخنقه) طاب مساءك.
(يسرع نحو الباب)
الاسقف : توقف، يا ولدي، لقد نسيت حاجياتك (يعطيهِ الشمعدانات).
المتهم : تعنيني … تريد مني ان آخذها؟
الاسقف : ارجوك، لربما تساعدك. (يأخذ المتهم الشمعدانات وهو في دهشة
مطلقة). و، يا ولدي، يوجد هناك طريق عبر الغابة خلف هذا
الكوخ يقود الى باريس، انه طريق منعزل جداً، وقد لاحظت ان
اصدقائي رجال الشرطة لا يحبون الطرق المعزولة في الليل. انه
موحش.
المتهم : اه، شكراً، شكراً، يا اسقف. انا … انا … (يتنهد ويبكي) اه! انا
احمق، طفل يبكي، لكن على اية حال لقد جعلتني اشعر بان …
بان شيئاً ما تواً اصبح في داخلي … كما لو اني عدتُ رجلاً ثانية
وليس حيوانا متوحشا.
(يفتح الباب الخلفي، ويقف المتهم عنده)
الاسقف : (يضع يده على كتف المتهم) تذكر دائماً، يا ولدي، بان جسمنا
الضعيف هذا هو معبد الله الحي.
المتهم : (مع رهبة كبيرة) سأتذكر معبد الله الحي.
(يخرج)
(يغلق الاسقف الباب ويذهب الى ايقونة في الشباك, يبرك على
ركبتيه, ويحني راسه ليصلي).

ســـــــــــــــــــــــــــــــــتار

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاني متي  : إلى أين أمضي بنفسي ؟ .

وقالت لي نجوم الليالي التي ترقبني ، وتحرسني ، وتحدثني من العلى : -هل جاءك …

| د. عاطف الدرابسة : قلتُ لها .

قلتُ لها :   أنثرُ رؤايَ وأفكاري بين الكلماتِ ، كأنَّني أبحثُ عن الخلودِ في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *