حوار مع الشاعر المرابط (جواد الحطاب): الحياة تبدأ قبل ( طريبيل ) !!
حاوره: حسين سرمك حسن

س ) منذ مجموعتك الاولى ( سلاما ايها الفقراء ) وانحيازك صارخ للفقراء ؛ وفي كتابك دفتر حربك : يوميات فندق ابن الهيثم – اعترفت كيف ان هؤلاء الفقراء الاميين هم الذين منحوك الشجاعة .. هل كان لطفولتك في البصرة دورا في تعزيز هذه المشاعر؟
كم لعبت هذه المشاعر في تاجيج منجزك الابداعي ؟

بلا شك ان الطفولة ومكوناتها الاولى ؛ هي الحاضنة التي تنبئك عمّا هو قادم
في الذات ؛ والبصرة ابّان طفولتي ؛ طقس لا يشابه اية مدينة في العالم : منجم من الذهب الاسود ؛ وغابات نخيل ؛ وطيور.. واسماك ؛ وبحر مفتوح لكل بواخر الدنيا ؛ مع ذلك فانت ترى الى الفقر وهو منتشر فيها انتشار البلهارزيا ..
وقد قدّر لطفولتي ان تكون شاهدة على كدّ الفقراء اليوميّ ؛ وعلى معاركهم مع ارباب العمل ..
على نضالهم السريّ ضد المستعمرين ” الانكليز ” وضد البرجوازية الطبقية ؛ التي التصقت بتعبهم كالتصاق الطفيليات ..
الاحاديث التي كانت تدورعلى مواقد الشتاء بين اعمامي واندادهم ؛ هي التي شدّتني الى ” الرجولة ” ورسّخت قيمها عندي في الحياة والموت ..
من هنا ؛ ارادت احرفي ان تمجّدهم باعتبارهم ” الرمز ” الذي يحلم ان يكونه أي فتى ؛ فقد كان بهم من الكبرياء والشهامة والخسارات ؛ ما لا يمكن ان يمرّ به ايّ خيال مرور الكرام ؛ والى الآن ؛ بعد مايقرب من عقود من الحماقات ؛ الجأ الى تلك الوجوه الموغلة في القدم واستند الى شجاعتها ..
ذكرتُ ؛ في دفتر الحرب ؛ ولو بشكل عابر وقائع اعمامي ؛ المدهشين ؛ الذين ينامون طوال النهار ؛ حتى اذا اعتم الليل .. خرجت البنادق اليدوية من بين اخشاب السقف ؛ وانكشفت الافرشة لتبرق الخناجر والمديّ ؛ وامام افاهنا المفغورة تراجع ” الاحداثيات ” الاخيرة للهجوم المرتقب على ” ثكنات” الجنود في ” الشعيبة ” القاعدة الاشهر للبريطانيين في البصرة ؛ وكيف .. ومن .. سيهرّب الغنائم عبر ” شط العرب ” الى ” الاحواز ” …
هل يمكنك ان تتصوّر سحر هذا العالم ؛ ولا معقوليته ؛ دهشته وترقّبه وانتظارات طلوع الفجر ؛ من دون ان يظهر في الافق : اب .. او عم .. او ابن عم ؛ او قريب ..؟

من جهة ثانية كان جدي – لأبي – عاملا في السكك الحديد ؛ القطارات ؛ وسحرها ؛ وزعيقها الذي ” يترس ” العواطف عبقا ؛ حتى اذا ما استقرّت – القطارات – في محطتها الاخيرة في
( خمسة ميل ) وابتدأت البضائع بالانتقال الى الميناء القريب ؛ انتقلت معها ..
الى المديات اللامنتهية للماء والنوارس ؛ والاهازيج القروية التي تشدّ من ازر العمال لانجاز ما يوكل اليهم ..
هولاء الناس ؛ هم من سكنوا اصابعي .. من تسلّقوها – كما يتسلّق السحرة المكانيس في الحكايات الخرافية ؛ وهم – وحدهم – من كتبوا تواريخهم الشخصية .. من مجّدوا انفسهم في كتاباتي ؛ وان لم يكن بمستوى تقديري لهم ..
أليس من الاجحاف الا يرافقون احرفي ؛ الى الان .. ؟
لقد كان الفقراء – بالنسبة لي – اكثر من نبوءة .. كانوا : اناي

س ) ومنذ هذه المجموعة ايضا ؛ وعبر مجاميعك اللاحقة : يوم لايواء الوقت وشتاء عاطل ثم مجموعتك ( اكليل موسيقى على جثة بيانو ) وانت متهم من قبل بعض النقاد : بالوضوح ..؟
انا شخصيا اجده امتيازا ؛ ترى كيف تفلسف هذا الموقف في الوقت الذي يتجه الكثيرون نحو التلغيز ؟ كيف يتفق الوضوح مع التوريات التي تتطلبها العملية الشعرية ؟

الوضوح والغموض في الشعر نسبيّان ؛ ولا يحدّدان قيمة القصيدة او يكوّنان معيارا لجودتها ؛ فلكل منهما عالم وملامح .. المهم ما الذي تضيفه هذي القصيدة او تلك الى رصيدك الابداعي او الى الشعر بشكل عام .. ؟
قد تجد الوضوح في قصيدة ” ملغّزة ” كجزء مهمّ من نسيجها ؛ مثلما قد ياتي
” التلغيز ” في قصيدة ” وضوحيّة ” ؟!!
بالنسبة لي : الوضوح ؛ نوع من التعاطف الانساني مع الآخر ..
وانا هنا اقول ( الوضوح ) وليس ( التسطيح ) مثلما اقول ( الترميز ) واعني به الجهد المبدع والخلاق الذي يقود القارئ الى اكتشافات باهرة ؛ وليس ( التلغيز ) المدجّل ؛ الا يكفي ما موجود في حياتنا من دجل سياسي لنضيف اليها الدجل الشعري ..
في فترة من الفترات ؛ انتشرت موضة قصيدة ( القناع ) لتاتي بعدها القصيدة ( المدوّرة ) ومن ثمّ القصيدة ( اليومية ) فقصيدة ( الجملة ) ..
ايّة وصفة للشعر ؛ سيتجاوزها الشعر ؛ ويبقى ذلك الاحساس العميق بالكلمة ؛ دائما وابدا ..
في فرنسا ( فرنسا السريالية والدادائية والوجودية والعبث ) وفي قمّة التغريب ؛ نراها – في فترة الثورة الطلابية في الستينيات ؛ تخطّ القصائد على الجدران وعلى الارصفة ؛ تماما مثلما كنا نفعل مع قصائد الجواهري والرصافي في الاربعينيات ؛ فهل كانت فرنسا تخطّ القصائد السريالية المحرّضة ؛ ام القصائد الواضحة القصد والتي تصل الى اوسع الشرائح ..؟
باعتقادي ؛ ان التواصل مع القارئ يضيف ابداعا الى القصيدة ؛ باعتبار ان الشاعر واحد من اهمّ شهود الحياة ؛ ومن دون صوته ستضيع الكثير من الحقائق الانسانية على الاجيال ..
رغم اغراء الظلام ؛ ودهشته ؛ وغموضه ؛ وسرّيته ؛ اراني انحاز الى النهار ؛ لانه ببساطة ؛ يقودك الى اختراع ظلام آخر ؛ غير مرئي ؛ تكتشف دهشته وغموضه وسريته واغراءه ؛ بطرقك الخاصة ..
اختراع الظلام لعبة شاعر قبل كل شئ ؛ اما الظلام – ذاته – فللسياسيين والقتلة ..
اقول الظلام ؛ ولا اقصد ان اجرح كبرياء الليل .

س ) القصة القصيرة جدا ” الشعرية ” طبعا ، الومضة .. وروح السرد ؛ هي من مميزات اسلوبك الشعري .. هل جعلك هذا من اصحاب النفس القصير في القصيدة ..؟
ما الذي وفرته الروح السردية لقصيدتك ؟

لاعترف ؛ انني لست صاحب نظرية في الشعر ؛ بحيث اضع منهاجا لقصيدتي واهندسها .. السرد ؛ يرضي غروري حين يتحول – نوعا ما – الى السيرة الذاتية ؛ وربما يكون لقراءاتي المكثفة في الرواية دخل في ( السرد ) الذي يشير اليه احيانا النقاد ؛ مثلما تساءلت عنه انت ..
الشاعر ؛ قاص عظيم ؛ بل من اعظم كتّاب الرواية اذا استطاع في مثل المساحة الصغيرة المتاحة له ( القصيدة ) ان يخلق عوالمه الخاصة ؛ وشخصياته ؛ واحداثه ؛ وان يوحّد ( المطلق ) في ( الآني ) ..
الشعراء العظماء ؛ هم الشعراء الرواة في التاريخ ؛ بدءا من جلجامش ؛ مرورا بالالياذة والشاهنامة ؛ فامرئ القيس وطرفة وعمر ابن ابي ربيعة والنؤاسي والمتنبي ؛ اما قصر القصيدة وطولها ؛ فيحكمها موضوعها ..
الشعر ؛ بالدرجة الاساس ؛ هو صراع الموهبة مع اللغة ؛ لابعاد السائد منها ..
وليس لاثقالها بالفائض .

س ) وارتباطا بالروح السردية ؛ تسمي يوميات فندق ابن الهيثم ( دفتر حرب ) وفي عنوان آخر ( رواية حرب ) كم تحمل من خصائص الرواية ..؟
مهارتك السردية البارزة واضحة وباهرة .. اين اصبح مشروعك الروائي ؟
هل نستطيع التعرّف على ثيمته الاساسية ؟

يوميات فندق ابن الهيثم ؛ هي كتاب يؤرخني مثلما يؤرّخ المدينة ( البصرة ) وفصوله تمتد على مساحة زمنية تستغرق طوال سنوات الحرب ( العراقية الايرانية ) أي ثماني سنوات ؛ ومساحة جغرافية زمنها العراق كله ؛ من شماله الى جنوبه ؛ ومن شرقه الى غربه ؛ وبالتالي فهي ( رواية ) حرب ؛ او ( دفتر حرب ) حقيقي ؛ ودفتر الحرب – وهذا مما يعرفه الجنود – هو السجل اليومي لاحداث القطعة العسكرية ؛ في القتال والادارة والاوامر الاخرى .. وها ما تجده في الكتاب ؛ وان كان سجلا ( شخصيا ) للناس الذين التقيتهم في الخطوط الامامية ؛ وفي كمائن الموت ..
مشروعي الروائي ( اذا جازت التسمية ) ابتدأ مع بدايات الحرب مع ايران ؛ وكان اسمها ؛ وكأنه نبوءة – ( لن يتوقف الرصاص ) لانه – فعلا لم يتوقف الرصاص فيما بعد ؛ ونشرت منها فصلين في مجلة يرأس تحريرها الناقد الكبير محمد الجزائري ؛ الذي احتفى بها في تقديم ما نشرته المجلة ؛ وثيمتها هي خراب العلاقات الانسانية وتجوهرها في الازمات ؛ مثلما فيها وحشية تعامل المتقاتلين مع الاسرى ؛ عكس كل القيم والاعراف والتقاليد التي تفرضها الانسانية والدين ..
وتآمرا ؛ على كسلي في اكمالها ؛ سمّيت يوميات ابن الهيثم ( رواية حرب ) ؛ تجد تآمري عليها ايضا في الشعر ؛ خصوصا في بعض القصائد التي اعتبرها انا ؛ روايات كاملة ؛

س ) قال احد النقاد المنصفين بحق : انك تفلت من التجبيل ومن التصنيف الفني لانك نسيج وحدك ..
من الواضح انك تعمدت ذلك ؛ فبم تسلحت لتأسيس منجزك الابداعي المتميز ؟ وتحقيق تفردك بين اقرانك ؟

الشعراء الفاشلون ؛ وحدهم ؛ من يبحثون عن ( جيل ) يؤرشفهم ؛ ويدوّن اسماءهم في اضابيره ؛ اما الشعراء ؛ الحقيقيون ؛ فكل الاجيال هي جيلهم الذي ينتمي اليهم ؛ ويرفدوه بنعمة انتسابهم اليه ..
حلمت ان ابدأ مع جلجامش ؛ وفي كل قصيدة كنت احاول ان اجدد الحلم ..
مع ايّ جيل انا الان ؟
امر لا يهمني على الاطلاق ؛ ما الذي حققته – عدا علاقتي مع الانسان – امر لا يهمني كثيرا ؟
يوميا اجلس قبالة الاوراق البيض ؛ وانصب الفخاخ لطائر القصيدة المجهول .. احيانا ياتي حَجَلٌ ؛ احيانا اخرى حمامة او غراب ؛ واحايين ؛ اقنع بالندى المتساقط على الاوراق ..
كلما توغلنا في القصيدة ؛ صار من الصعب تجييلنا ..
عند الانتهاء من اية قصيدة اكتبها ؛ اعود الى نقطة الصفر ؛ وفي القصيدة التي تليها ؛ اقف مثل تلميذ مدهوش امام الاحرف التي يخطّها معلمه على سبورة الحياة ..

س ) الا تعتقد ان مراهنتك على لحظة التنوير ؛ على المفارقة النهائية ؛ تضعف المسار الشعري في القصيدة ؟
وجود الشاعر في الحياة ؛ وموته العبثي ؛ بحد ذاته مفارقة سوداء ..
مفارقة ازلية لن تشيخ ..
في الشعر ؛ تفقد المفارقة معناها القاموسي ؛ وتصبح رصدا جوهريا للحياة والموت ؛ للزمان والمكان ..
هناك – الان – قطيعة بيننا والعالم ؛ فالتمزّق الذي يحيط بالانسان المعاصر يحتاج الى مليون دستيفسكي ليسبر اغواره ؛ والى مليون ادغار الان بو ؛ والى كافكويين لا حصر لهم ..
حين يصبح التفسير متعذرا ؛ الجأ الى المفارقة ؛ لتصبح قوة مضافة الى النسيج الشعري ..
ولكن اية مفارقة انشد ؟
المفارقة التي لا تشيخ ؛ والتي تعود اليها لتكتشف ان فيها جوانب اخرى قابلة للتفسير والتاويل ؛ فاتتك في القراءة السابقة .
الشاعر ابن اللغة البار ؛ ومن تمرّده عليها ؛ من تلاعبه بالقوانين التي تحكم الكلام ومألوفيته ؛ تولد مفارقته الكتابية ؛ والتي تجدني انحاز اليها في قصائدي ..

س ) النرجسية الطافحة في ( وردة نرسيس ) الا تعارض بطولتك الحربية ..؟
ام ان اعذب الشعر اكذبه ؟ وانك فعلا من الشعراء الذين في كل واد يهيمون ويقولون ما لايفعلون ؟

في قصيدة قصيرة ؛ اقول : ( كل ما ليس لي
هو .. لي
يحقّ للشاعر
ما لا يحقّ لنفسه .. )

ايّ مبدع بلا نرجسية ؛ اشطب عليه بالاحمر .. الكتابة – بالاساس – نوع من تمجيد الذات ؛ سواء بشكل مباشر ؛ او من خلال تمجيد الناس الذين تذوب فيهم او يذوبون في داخلك ..
اذكر انني قدّمت مرة القاص الكبير عبد الستار ناصر ؛ بامسية على قاعة اتحاد الادباء في العراق ؛ وقلت في نهاية التقديم : اترككم ؛ مع ( الكاذب الكبير عبد الستار ) ليثور جدل على هذه الجملة ؛ حسمه من يفهمون مغزى ان يكون المبدع كاذبا في خلق عوالم لا يمكن ان تمرّ في بال احد ؛ وليس كاذبا اجتماعيا بالتاكيد ..
ومن هنا العذوبة .. والتي رسّخت مقولة : اكذبه .. اعذبه
نرجسية الشاعر ؛ حاولت من خلالها ان اعوّض تواضع القرويين المتأصل في داخلي ؛ والذي يجعلهم مركونين في الظل ؛ في حين ؛ يتراكض الاشباه واشباه اشباههم تحت الشمس ؟!!
اما ( اليوميات ) وما ورد فيها من موقف موثّقة بالاسماء والتواريخ والمدن والمعارك ؛ فتلك نرجسية اخرى ؛ مشروعة ؛ لانها مرتبطة بثقافة اجتماعية عميقة الجذور ..
كيف تقول لأمراة تحبها : احبك ؛ وفوق تراب ارضك جزمة اجنبي ؟!!
نرجسية ( اليوميات ) ارث لاولادنا .. هي ما اردت ان اقول عبرها ؛ ان الانتماء ابسط اثمانه : الدم
.. اهيم في كل واد يتاح لي ؛ نعم
لكنني افعل – وليعذرني الله – ما اقوله ؛ وما اريد ان افعله .. وان كنت لست من جماعة : الاّ

س ) انت مشاكس فعلي في حياتك ؛ وهو امر معروف عن سلوكك ؛ لكنك مشاكس هائل في شعرك ؛ كيف طوّعت هذه السمة الشخصية فنيا ؟
كم كانت هذه السمة مفيدة – او مدمرة – لك ؛
في تعاملك مع الموت في الحرب ؟
الاموات ؛هم حملة الحقيقة الناصعة لما دار في ساحة المعركة ..
لكن – للاسف – ان يكتب هذه الحقيقة هم المنتصرون ومن بقي على قيد الحياة .
حين انظر الى شطّ العرب ؛ وارفع حفنة ماء محاولا تلمّس أي القطرات التي تمتّ
بصلة لدجلة ؛ وايها تعود الى الفرات .. وايها التي ستبقى محافظة على انتسابها الى النبع ؛ برغم اندماجها مع ملايين الامواج الذاهبة الى اللانهاية ..
اشعر انني مثلها ؛ مثل هذه القطرات التي جاءت من مكان قصيّ ؛ وستذهب الى مكان قصيّ ..
ربما تكون هذه الفلسفة ( بطرانة ) الان ؛ لكنها في سنوات القتال – تلك – كانت كافية لكي استمر بدوامي الرسمي مع القنابل دون خوف ..
في كل قصيدة .. في كل كتابة فصل من ابن الهيثم ؛ كنت اقول لنفسي : انها الاخيرة !!
الموت يعطيك الاحساس الحقيقي بالحياة ؛ ويكثّف لك الوجود الانساني ؛ مقابل الغياب القسري الذي تسرّبه لك الحرب .
اعود لجلجامش ؛ وحروبه ؛ وبحثه عن الخلود ؛ وعن السبيل اليه ( العشبة ) وعن سخرية ما قدّرته الآلهة لمصير رحلته ؛ فاذا كل الذي مقدّر هو مقدّر ؛ تبقى الاشياء الاخرى من ال ( مكمّلات ) ليس الا ..!!
هناك جانب ( علمي ) في الموت ؛ من اختصاص الاطباء واصحاب الحوانيت ؛ وهناك جانب ادبي من اختصاص المجانين والشعراء ..
بالجنون والشعر ؛ شاكست الموت ؛ كما شاكسه المتنبي ؛ وهمنغواي ؛ قبل ان يستسلم له .
س ) في شعرك وفي نثرك ؛ بل وحتى في احاديثك ؛ تشيع المفردات العسكرية والحربية وتظهر سطوتها واضحة .. ماهي ضرورات ذلك الفنية والنفسية ؟
هل تعتقد ان الحرب ستخلق منجزا شعريا متميزا ؟

هل يمكن ان يتنصّل الكاتب – أي كاتب – عن تجربة بضخامة 8 سنوات من القتال اليومي المرّ ..؟
ثماني سنوات اعقبتها حرب ضارية اخرى ؛ وحصار اكثر ضراوة ؛ وقنابل ذكية وجنرالات اغبياء ؛ وآلاف آلاف الاطفال الذين ذووا مثل الشمع في ظهيرة تموز ..
هذا كله ؛ هو ضرورتي النفسية والفنية ؛ وهو منجمي الذي اغرف منه في الكتابة وفي الحياة ..
في كل الحروب التي خاضتها الامة العربية ؛ وخصوصا في العصر الحديث ؛ كانت الكتابات التي ترافق ( الحدث ) انشائية .. وهامشية .. وتستثمر جو التعبئة لتحقيق التحريض الآني ؛ حالها حال خطب الزعماء والبيانات العسكرية والاناشيد ..
مع حربنا الطويلة ضد ايران ؛ اتيح – للمرة الاولى – للاديب ؛ الكاتب ؛ ان يكون فاعلا وموثرا في تمجيد الوطن والناس الذين يدافعون عنه ؛ وهي القضية الاسمى في الوجود .. بعيدا عن حسابات واحقاد القادة والسياسيين ؛ قضية تاريخ ؛ وقضية جغرافية ..
هناك شعوب تخلق من ( شجار ) بين قبيلتين اعمالا خالدة ؛ فكيف بالعراق ؛ الارض التي جبلت اساسا من دم وتراب ؛ وليس من ماء وتراب ؛ وكيف باهله الذين علموا العالم الكتابة والقراءة واستخدام اول آلة حربية في الكون .. مثلما علموهم اول قصائد الحب ..
البشرية ؛ تعود الى ما خطّه الادباء الذين رافقوا الحرب العالمية الاولى ؛ والثانية ؛ لتعرف حجم خسائرها الانسانية ؛ فعلام نبخل عليها بهذه المعرفة ؛ في حرب اصبحت معاركها تدرّس في كبريات الاكاديميات العسكرية باعتبارها ( معارك فاصلة ) في التاريخ الحديث ..؟!!
الحرب ستخلق ..؟
بل خلقت منجزها ؛ وسيبقى القادمون الى واحة الادب ؛ وكل من يرغب بالنهل من السلام ؛ بحاجة الى التوقّف في محطاتها المؤثثة جيدا بالعِبَر والموعظة والابداع ..
س ) تتساءل في يوميات فندق ابن الهيثم وبشكل مستمر ؛ بعد الحرب كم يلزمني من وقت لكي انسى ؟
الان ؛ هل تمكنت من النسيان ؟
وتلك الرائحة المدمرة التي لاحقتك في حديقة الحيوانات هل خفّت ؟
هل اختفت ؟ ام انها مازالت ملأ خشمك كما تقول ؟
اظنك – باعتبارك طبيبا نفسيا فضلا عن كونك ناقد – اقدر مني على تشخيص محاولة الهروب ممّا ؛ وممّن ؛ يسكن ويحتلّ داخلك ..
كعراقي ؛ دخلت الحرب نتيجة ( استدعاء ) لجنود الاحتياط ؛ وكشاعر ؛ اردت ان اكون في خطوطها الامامية لاتعرّف عليها عن كثب .. لكن ؛ كأنسان .. لم انتم اليها على الاطلاق ..
الحرب ؛ تجزّ العاطفة ( والتي هي اساس شغل الشاعر ) كما تجزّ آلة العشب الحشيش اليابس ..

• في الاجازات الدورية ؛ والتي غالبا ما تتاخر ؛ احاول ان انسى كل الذي تركته وراء ظهري : المدافع .. الراجمات .. الكمائن القتالية .. القصف المعادي ..
اقول لنفسي ؛ هذه الايام السبعة ( ايام الاجازة المستقطع منها ايام الطريق ) هي عمرك المضاف ؛ عمرك المقتطع من الموت ؛ فتمتّع به ؛ وكما يليق بجنونك ..
ولكن أنّى لي ذلك .. ؟
رائحة الموت ومشتقاته ؛ الى هذه اللحظة تترصّدني ؛ ورجالاته يملؤون ذاكرتي الى طاقة استيعابها القصوى ..
اذكر ؛ حين نشر هذا الفصل من اليوميات في الصحف المحلية ؛ والذي اتساءل فيه عن النسيان .. والذكرى ؛ اتصل بي اكثر من طبيب نفسي عارضا خدماته عليّ ؛ وعزّ على كبريائي ان اتحوّل الى ” فار” تجارب مختبرية ..

س ) بعض النقاد اعلن صراحة بعد احتلال بغداد : ان لا وجود لشيء اسمه ( ادب الحرب ) ماهو رايك ؛ وما زال شعرك حتى اليوم يدور حول موضوعة الحرب ؟
في ( يوميات فندق ابن الهيثم ) ذكرت ال ( دون كيشوتية الجدد ) والذين سيظهرون بطولاتهم بعد ان يؤوب الشهداء من قواطع الجبهات ؛ تاركين اكفانهم البيض لهولاء ؛ باعتبارها الرايات المفضّلة لمدمني الهزائم ..
ال ( نقّاد) الذين ينكرون ادب الحرب الآن ؛ ارجع الى اسمائهم .. الى محاضر الجلسات النقدية الراصدة لادب الحرب العراقي ؛ في المرابد وفي غيرها ؛ لا اعتقدك ستتفاجأ بشكل كبيرحين تجدهم ” رؤساء ” الحلقات النقاشية وكتبة البيانات الختامية .. !!
هذا نوع ..
النوع الثاني ؛ اساسا ليس لديه موقف من الوطن ..
احيلك الى ( البيانات ) التي كانت تدعو الى قتلنا جوعا وعطشا ؛ بحجّة معاداة النظام ؟!!
النظام ( نظام ) والوطن .. وطن ؛ وحين تجيّر وطنا لحاكم ما وتحاربه نكاية بذلك الحاكم ؛ في كلّ نواميس ومقاييس وقواميس الارض ؛ الا يعدّ ذلك جبنا وتخاذلا وخيانة ..؟!!
ادب الحرب ؛ سيبقى ما بقي الدم العراقي عراقي ؛ لانّ مداده – ببساطة – دماء البسطاء الذين لم يكن لديهم ما يطمحون اليه سوى بقائه : ابيّا ؛ كما ورثوه من اجدادهم ..

س ) الحياة تبدا قبل طريبيل ؛ هذا شعارنا .. لم لمْ تغادر العراق مثل الكثير من الشعراء ؟ هل تتذكر : ثوم على المعارضة .. حاجيك على الامة ؟
هل ستتراجع عنها ؟

بلادي .. بلادي
ليس لديها فرع آخر ..
كي اتركها للامريكان ..
….
بلادي ؛ بلادي
حتى لو كان لديها فرع آخر
لن اتركها للأمريكان

بلادي .. بلادي

• لا اريد ان اضيف ” عبد الله ” آخر؛ الى قائمة ” العبيد الباكين على غرناطاتهم ..
اعرف ان الوطن قد ضيّعنا صغارا ؛ وحمّلنا دمه كبارا ..
ضيّعنا في الحروب والمنافي ؛ وحمّلنا عدم الاستسلام الى جزمة المحتلين وهي تطأ الهامات وتغتصب الكبرياء ..
في قصيدة ” المدينة ” يقول كافافي ( ما دمت قد خرّبت حياتك في هذا الركن الصغير من العالم ؛ فهي خراب .. اينما حللت )
انا مسكون بالعراق .. بشيء اسمه العراق ؛ مسكون بشرفائه وخونته ؛ بابطاله ومهزوميه ؛ بأكواخه وقصوره ؛ بمجانينه وقدّيسيه ؛ فمن يضمن لي انني اذا اجتزت ( طريبيل ) سانسى خرابه ..؟
اعتقد ان الشيطان نفسه ؛ لا يستطيع ان يقدّم لي مثل هذه الضمانات ؛ حتى لو بعته روحي .. فعلام ؛ اذن ؛ هذه البهدلة ..
كل الناس ؛ حين يموتون ؛ يدير المشرفون على الدفن اوجههم الى ( القبلة ) الا العراقيين : تستدار اوجههم الى الوطن ..
علي ابن ابي طالب العظيم ؛ غرز رمحه ذات يوم في ارض كوفة العراق ؛ وقال : هنا سرّة الارض ..!!
من اين لهذا الاعرابي كل المعرفة بالجغرافية والخرائط ليؤكد حقيقته – هو – تلك ؛ لولا ان هذه الارض هي سرّة التاريخ وصيرورته ..

.. ال ( جاجيك ) سيبقى يلطّخ ثياب الادعياء ؛ مثلما احاول ان تكون قصائدي الذئب الذي يطارد خوفهم .

س ) استخدام المفردات الشعبية بارز في شعرك ونثرك ؛ هل يخدم هذا المسلك المستوى الفني لمنجزك الابداعي ..؟
البعض يقول انك شاعر شعبي يكتب بالفصحى ؟

نعم ؛ انا شاعر شعبي .. وهل هناك صفة اجمل من هذه ؟
كزار حنتوش ؛ وعبد الزهرة زكي ؛ وموفق محمد ؛ والسياب ؛ وسعدي يوسف ؛ ولميعة عمارة ؛ وامل دنقل ؛ وحسب الشيخ جعفر ومظفر النواب ؛ ومايكوفسكي وايلوار وبريفير ونيرودا ولوركا ؛ كلهم كتبوا الشعر الشعبي ؛ وهم بشكل او بآخر شعراء شعبيون ..
هذا امتياز؛ ومن يعدّه عيبا ليس سوى ( امّي ) لا يعرف ما معنى ان يكون الشاعر ( شعبيا ) ..؟
اما استخدام المفردات ( المتداولة ) في اية قصيدة ؛ فهذا امر يرجع الى براعة الشاعر في اختيارالمفردة التي تغني المعنى ؛ والتي يشكّل وجودها نقطة تكثيف ؛ تقرّبها من القارئ – الآخر .
في أي مشروع ابداعي هناك اطراف متعددة ؛ واذا صفحنا عن الاطراف الداخلية المعنية بجوّانية الكاتب ؛ لا يمكننا ان نتجاهل العلاقة الاساسية بين ( منتج ) النص ؛ وبين ( مستهلكه ) والتي على اساسها يتم التواصل ..
ربما يجعلني هذا اطالبك بالعودة الى اجابتي حول سؤالك عن الوضوح والتلغيز ..
خذها عني : انا شاعر شعبي ؛ بل ان واحدا من اهمّ مصادر ثقافتي هو : الشعر الشعبي ؛ واحفظه بكثره .

س ) ومن ناحية مقابلة ؛ هل ان امك وحبيبتك والبصرة .. هم العشبة الجديدة ؟ وبصورة أعمّ .. هل الشعر هو العشبة الجديدة ؟

الشعر ؛ كان محاولتي لايجاد ( معادل موضوعي ) لخيبة الحب ؛ اما اليوميات ( الهيثمية ) فهذه هي العودة الى الرحم ؛ حسب مصطلحاتكم النفسية ؛ الالتحام ثانية بالبصرة ( الرحم البدئي ) وب ( بدرية نعمة ) الرحم الامومي ..

في رحلة جلجامش ( الاسطورة ) يبحث جلجامش عن الخلود من خلال عشبة مستحيلة ؛ اما رحلته الثانية لدى الحطاب ؛ فكان يبحث ايضا عن الخلود ولكن بطريقة مغايرة ؛ فهوهنا يبحث عن ( الناس ) الذين من خلالهم يحقق معجزة البقاء والخلود الابدي ؛ والذين يتوجوه في مشهد كرنفالي يحمل كل بساطة القرويين وصدقهم ..
الناس ؛ هم العشبة ؛ وهم سبب ديمومة الشعر ..

س ) اذن كيف يشيعون عن نهاية العصر في عصر التكنولوجيا هذا ؟ هل سينتهي الشعر فعلا؟ واذا انتهى فماذا ستفعل (ماذا ستعمل) فرضاً؟

العلم تحكمه النظريات والقوانين الرياضية الصارمة ؛ اما الشعر فهو العالم المفتوح ..
العلم حقائق ملموسة ؛ والشعر هو اللامرئيات ..
والعلم ينتهي بانتهاء الانسان ” عضويا ” لكن الشعر هو الديمومة التي نحتج بها على الغياب العضوي ؛ وبقليل منه نستطيع ان نجعل من الموت حياة مضافة ..
بوساطة التقدم العلمي صار بامكان الاطباء ان يعالجوا المريض بالليزر ومن دون ان يفتحوا جرحا في جسده ؛ وصار بامكانهم – بوساطة السونار – معرفة مكامن الخلل الفسيلوجي ؛ وصار بامكان الصواريخ ايصالنا الى نزهة في العالم الخارجي ؛ كل هذه ممكنات العلم
لكن هل انتبه احد منا الى غياب ( العاطفة ) وخصوصا في عصرنا الذي يسمّى عصرالاستهلاك الصناعي ؛ والذي يجبر الانسان على التحوّل الى ( برغي ) في آلة عملاقة ..!!

في العصور الوسطى ؛ كان ( الملك ) من يتكلّم باسم الرب
والان ؛ العلم هو المتحدّث ..
هل هناك من استمع الى رأي الشيطان ؛ والذي هو مدار احداث الكون وكوارثه ومتغيراته .. من حروب الى خيانات الى مؤامرات الى مشانق ..؟
الشعر هو وجهة النظر الحقيقية التي يجب الانتباه اليها ؛ من خلال شيطانه ؛ والا ؛ فان العلم سيقودنا الى التصحّر.. والى التهلكة .. عبر رفاه تكنلوجي لا روح فيه ..
اما اذا انتهى زمن الشعر ؛ فسأتاجر بالاحلام ..
فحين يفتض دهشتنا العلم ؛ سنحتاج حتما الى من يسوّق لنا امكانية ان نجلس في الهواء ؛ واضعين ساقا على ساق كما فعل ( الحلاج ) عبر روحانياته فائقة القدرة .. سنحتاج الى الخيال والى الاسئلة التي يحاول العلم ان يجيب عنها .
قبل ان يصعد الانسان الى الفضاء بمركبته العلمية ؛ صعد اليه ؛ جول فرن ؛ ( وجزء من تقديري لفرنسا ؛ انها منحت ابطال رواياته الخياليين جنسيتها الرسمية ؛ واعتبرتهم مواطنين بكامل حقوق المواطنة ) ..
بالشعر ؛ نحول العذابات لنستر عري الالم ؛ ونستطيع الافصاح عما لا يمكن الافصاح عنه .

س ) في كل مجموعة شعرية تكرر قصائد من المجموعة السابقة
؛ هل هي سياسة ملأ الفراغات ؟ ام ان هناك تفكيرا سحريا يقف وراء ذلك ؟

ليست سياسة لمليء الفراغات او تفكير سحري ..
لكنني ؛ اجد ان بعض القصائد تنتمي – في روحها – الى ” جوّ ” المجموعة الجديدة وان كانت قد سبقتها زمنيا في الكتابة ؛ وبالتالي فان نشرها فيها يعطي القاريء االمتابع – وليس القاريء العابر – والناقد نافذة اخرى يطلّ منها على ما اريد ايصاله ؛ او ما اردته في هذه المجموعة تحديدا ..
من ( سلاما ايها الفقراء ) رحّلت قصائد الى ( يوم لايواء الوقت ) ومن يوم الوقت تسربت بعض القصائد الى ( شتاء عاطل ) ويستضيف ( اكليل موسيقى ؛ على ؛ جثة بيانو ) بعض قصائد شتائي العاطل القصيرة ..
ربما ؛ هي حاجة ( نفسية ) اكثر منها حاجة ( نشرية ) ولا ادري الى متى ستستمر .

س ) في قصيدة مشهورة لك عنوانها ( وجهات نظر ) تقول :

من مطر البارود
ينبت الخبرالات
كما ينبت الفطر ؛ على روث البهائم

.. كيف سلّمت ( حربتك ) سلاحك الشخصي الذي قاتلت به ؛ لاحد الوزراء ؟
ما الذي كنت تبغيه من وراء ذلك ؟

السنوات المعاركية واحتكاكي المباشر بالجنرالات وغطرستهم ؛ وتفكيرهم بالنتائج النهائية للمعركة ؛ دون الانتباه الى حجم التضحيات في ” ادواتها ” جعلهم يتقافزون في كتاباتي من قصيدة الى قصيدة ..
في حربنا مع ايران انتشرت ظاهرة ( التكريم ) ايّ ان يكرّم المسؤول ( وزير .. قيادي كبير في الدولة ) المقاتلين الذين ينتسبون الى وزارته او مؤسسته ..
وزير الاعلام – انذاك – لم يكن بمبعد عن هذا المشهد ؛ وحين قيل لي ؛ وكنت في اجازة ؛ انه سيزور المجلة التي كنت موظفا فيها ( على العقد ) وانه سيكرم بعض المتميزين – حربيا – ابت نرجسيتي ؛ كما تسميها انت ؛ الا ان تقلب المشهد ؛ قالت : لماذا لا ” تكرّم ” انت الوزير ..؟ !!
.. من المعارك ؛ وخاصة تلك التي كان يطلق عليها ( ملاحم ) لضخامة المتقاتلين فيها ؛ بشر وآليات ؛ يسمح لك الجنرالات – حين تخرج حيّا –بالاحتفاظ ببعض التذكارات البسيطة ؛ انا جلبت معي ( حربة ) اعجبني ان اعلّقها على جدار غرفتي ؛ وكتبت فوقها التاريخ .. وايام المعركة .. ومكانها .
حين قابلت الوزير كرّمته بها .. !!
وبين الرضا والاستغراب المستهجن قال لمن حضروا ” مراسم التكريم ” ان الحطاب يقلب المعادلة ؛ فيكرّم الوزراء بالضد من السياقات المعتادة ..
هذه النزوة ” النرجسية ” كلّفتني – فيما بعد – فرصة لا تعوّض ؛ فحين دعتني شاعرة خليجية مهمة الى العمل معها في بلد اقامتها الاوروبي ؛ اكراما لصداقة ربطتنا ( وما زلت اذكر مبادرتها بامتنان ) رفض الوزير الامر برمته ؛ ووضع اسمي في دائرة السفر ؛ من الممنوعين من المغادرة .

س ) جيل اولادك ؛ اولئك الصغار الذين كنت تراقبهم في مترو بغداد – الذي لم ينشا لحد الان – بعد ان اصبحت عجوزا ؛ كنت تقول انك حاربت سنوات طويلة دفاعا عن مستقبلهم .. ما هي مشاعرهم حين يشاهدون انواط الشجاعة تباع على الارصفة .. مع الاحذية وقناني المشروبات بعد احتلال بغداد المحروسة بالله ؟
ماهي مشاعرك ؛ انت نفسك ؛ بعد تضحياتك البطولية ؟

في احدى قصائد ( يوم لايواء الوقت ) يرد المقطع التالي

.. من حدود القنابل
حتى هنا
لهم : الاوسمة
ولنا : دمنا

في كل الحروب هناك بطولات مجهولة ؛ وابطال سرّيون ..
لم اكن معنيا بانواط الشجاعة ؛ والسيوف ؛ والاوسمة ؛ وحتى حين صدر مرسوم من الدولة بمنحي واحدا من ارفعها ؛ لم اتابع الدوائر المختصة للحصول عليه ..
الناس ؛ الفقراء ؛ المولودون بلا القاب : هم قضيتي ..
رهاني – الآن – على الاجيال القادمة ؛ اجيال ما بعد الانواط ؛ من كنت اراقبهم
؛ وسابقى دائما ؛ هم الاوسمة الحقيقية التي تليق بصدر الوطن ..
انتظرهم يزرعون ( الفالات ) ثانية بظهور المحتلين ؛ مهما تعددت الجنسيات ؛ والوجوه ؛ والاسماء ؛ ومهما رطنت الالسن ..
س ) في اخر صفحات كتابك .. روايتك ( يوميات فندق ابن الهيثم ) تحذر من ظهور ( الدولة كيشوتية ) وهو ما حصل فعلا ؛ هل تعتقد ان زمن بطولاتك قد ولى ؟ ماذا تقول لهم ..؟

البطولة ؛ اية بطولة ؛ بقدر ما هي سعي ” فردي ” فانها نتاج ” ارث جمعي ” اما الدونكيشوتية ؛ فهم من تحتاجهم الطواحين لمقاتلة الهواء ..
سيظهرون اليوم كما ظهروا امس وسيظهرون غدا كذلك ..
مثل طفح جلدي على جسد أي وطن ؛ واي شعب ؛ لكن البطولة : هي العافية ؛ وهي التي ستبني البطولات الاكيدة .. البطولات التي تعطي الثقة للانسان بان المعاناة تصبح اكثر احتمالا ؛ حين يكون هناك وطن ؛ وشعب .. يستاهل .
وطن كالعراق ؛ وشعب كشعبه ..
س ) الان وفي هذه المرحلة .. مرحلة ما بعد الجحيم ؛ ماهي القصيدة الجديدة التي ستقدمها لشعبك ؟

قصيدتي القادمة ؛ هي قصيدتي الماضية نفسها ؛ قصيدة المجهولين الذين حملتهم الى ان يظهرهم الله او اهلك دونهم ..
قصيدة الارض ؛ وال( مقاومة ) التي رفعت رأسي عاليا ؛ والتي اقلقت تاريخ المحتل وكيانه ؛ والتي لولاها لما كان لاسم العراق من معنى ..
قصيدتي الجديدة ؛ هي كفي التي ارفعها الى انفي وفيها عبق التراب ؛ وهي ساقي التي اعمّق زراعتها في غرين الرافدين ؛ وهي ما يجب ان أُعلي فيه الامل : بان المستقبل للاطفال ؛ وليس للجنرالات .. للشكولاته ؛ وليس للقنابل ..
للشعوب وليس لامريكا او بريطانيا..

شاهد أيضاً

الكاتب حسن سالمي: لا يمكن لرواية واحدة أن تقول كلّ شيء حاورته: الصّحفيّة وحيدة المي- تونس

فاز هذه السّنة بجائزة توفيق بكّار للرّواية العربيّة، يعكس الحياة في كتاباته بكلّ تناقضاتها ويحاول …

صابرحجازي يحاور الشاعرة المغربية جليلة بن الدويبية

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

دردشة على صهيل الفصول مع الشاعرة اللبنانية
د.دورين نصر سعد حاورتها: آمنة ونّاس

وقفت أعدّ زفرات الريح الصافعة للجدران القديمة، لينشقّ صمت من رفوف الصدى، يناظرني بابتسامة، مستسلمة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *