آل جمنداري:الموت النبيل

بقلــــم
المغفور له المرحوم المحروم
جبر العراقي

ترجمة آل جمنداري (بتصرف)

(تنويه لا بد منه لغير العراقيين من أحفاد جبر)
Al_jmndare.jpgيحكى أن عراقيا ، منحوسا شقيا ، اسمه جبر ، أخنى عليه الدهر وضاقت به سبل الحياة ، لم يذق للراحة طعما ، ولم ير للسعادة لونا ، فضرب في الأرض بحثا عنهما وعن البعض مما حرم منه من أشياء اتفق البشر على أحقيتهم بها بدون تميز ، وثبتت في وثيقة أسماها السعداء منهم (لائحة حقوق الإنسان) .
ونظن – وليس كل الظن إثم – ومن خلال انصهارنا في بودقة عذابات تأريخ العراق الجديد جدا جدا ، نظن أن خروج جبر – بالإضافة إلى هذه الأسباب – كان هربا بسبب اضطهاد سياسي وعرقي وطائفي ووووو ، وفتاوى توجب هدر دمه مدعية أن ذبحه على الطريقة الإسلامية – بعد التكبير طبعا – وكما يذبح التيس حلالا زلالا يؤجر عليه الذابح أيما أجر .
وأذكى وأغبى وأخطر ما في هذه الفلسفة والذي ملأ قلب جبر رعبا واشمئزازا أنها توجب الاقتصاص من الأقارب قبل الأباعد ، ملمعة تفسيرا تخريجيا قديما لوعاظ السلاطين عن وجه مما حملته الحكمة من أوجه قابلة وغير قابلة للجدل ، بحسب مقتضيات المصلحة الفئوية .
خلاصة القصد والمقال .. أن جبرا شد الرحال .
وفي بلاد الغربة تعرف على صديق من أهل تلك البلاد ؛ وحدث أن توفي أحد خواص ذلك الصديق ، فشارك جبر بمراسم التشييع إكراما لصديقه ، وفي المقبرة لفت انتباهه ما كتب على شواهد القبور ، فبالإضافة إلى أسماء الموتى – وهذا أمر عادي – أثار استغرابه أن أعمار جميع الموتى تتراوح ما بين العاشرة والعشرين سنه إلا ما ندر ، فأستوضح صديقه سائلا :- هل هذه المقبرة خاصة بالصبية والشباب ؟ .. فرد الصديق بالنفي . فكرّ جبر ثانية :- هل يموت الناس في بلدكم وهم صغار السن ؟ .. فنفى الصديق ذلك واستوضحه عن سبب سؤاله ، فبين جبر ما حيره من أمر الأعمار المثبتة على الشواهد ، فأبتسم الصديق مجيبا
:- نحن لا نعتبر أن عمر الإنسان من يوم ولادته حتى وفاته هو عمره الحقيقي ، بل نطرح منه وقت النوم والعمل والمرض وحتى الدراسة وما يصادفه من مشاكل في حياته ، فلا يتبقى سوى عمر السعادة التي عاشها ، وهذا ما نثبته على شاهد قبره ، فهز جبر رأسه وصمت . وبعد حين من الدهر عاد صاحبنا إلى أرض الوطن خالي الوفاض إلا من خفّي حنين ، وحين وطأت قدماه أرض الوطن ، رمى بحقيبته البائسة جانبا وخر ساجدا يقبل التراب الغالي ، وحين قام مكفكفا دموعه ألتفت إلى حقيبته فلم يجدها ، إذ سرقها أحد اللصوص المحليين ، فتمتم هامسا:- رجعنا إلى أكل الخراء . وهذه مزحة (نكته) سائرة عند العراقيين لكن أغلبهم لا يعرفون أن جبر هو أول من أطلقها . ومما يذكر أن سبب عودة جبر ظل مجالا مفتوحا للاجتهادات ولم يحدد على وجه الدقة إن كان السبب هو .. انقلاب عسكري .. ثورة بيضاء .. عفو عن الهاربين من الجيش مشفوعا باليمين الدستوري وبأغلظ الأيمان بعدم إلغائه .. نهاية حرب .. تبادل أسرى .. تبيض سجون .. سقوط شيء ما .. رفع حصار .. عودة سيادة .. مصالحة وطنية .. قضاء على فساد ما .. تأسيس تحالف على أنقاض آخر .. فوز في انتخابات مشكوك بنزاهتها .. استتباب أمن .. رفع آخر حاجز كونكريتي .. خروج محتل .. وما إلى ذلك من عجائب ديرة فنطزة وجزيرة الواق واق وبلاد الألف عجيبة وعجيبة والتي لم يقيض لها أن تجتمع في أرض كما أجتمعت في أرض وادي النازفين .
زبده الكلام إن جبرا عاد والسلام .
وأول ما فعل أنه جمع أهله وأوصاهم قائلا :-  إذا مت أكتبوا على شاهد قبري .. هذا قبر جبر .. من ( فرج ) أمه إلى القبر . (الكلمة داخل القوسين تقال باللهجة الدارجة لكنا استبدلناها بالرديف الفصيح لثقلها على الأذن العراقية) . المهم أن جبرا عنى بعبارته أنه وئد لحظة ولادته ، فذهب قوله مثلا شعبيا بين العراقيين يضرب للأشقياء المحرومين من السعادة ، فيقال (هذا مثل جبر … الخ ) ومن باب ( أعذب الشعر أكذبه ) لا نجافي الحقيقة مجازا حين نقول كان الأجدر أن تكتب العبارة التالية ( هذا قبر جبر .. من ظهر أبيه إلى القبر ) . ومن غرائب ملحمة جبر ، أسطورة تتناقلها بعض الجدات همسا في مجالس العزاء أو إذا التقين لمباركة مولود جديد ، حيث يبدأنها بالترحم على روح الملك الآشوري آشور با نيبال العراقي الذي بنى أول قاعة للبكاء والندب واللطم في العالم ، ثم يسردن الأسطورة مؤكدات وتحت القسم ، أن جبرا كان بالأصل نمرا سومريا شرسا ، تعاقبت عليه فصول الجفاف وسنوات القحط والحصار ، فتأقلم ( خشية الانقراض كما الدينصورات ) متحولا بطريقة تراجعية إلى قط بري ثم اضطره الجوع لأن يألف البشر ويتعايش معهم ، فأختلط بهم حتى صار واحدا منهم ، وتؤكد العجائز الهرمات جدا أنه تناسل سرا مع أميرات وحريم القصور المحجوبات عن الرجال خلا العبيد والخصيان ، أما علماء الأنثربولوجي فيرجحون تناسله مع الغجريات والمومسات والشحاذات ونزيلات السجون ومستشفيات الأمراض العقلية ، وأن ذلك حدث على نطاق واسع وعلني على عكس المحافظين القائلين بعقم جبر وأنه خنثى وعنين وخصي في نفس الوقت ، لكنهم يتفقون مع الجميع رغم هذا الطرح أن جبرا المعاصر جمع بين صفات النمر – عدى الحجم – وصفات القط – بما فيها الأرواح السبع – وصفات البشر بخيرها وشرها ، فكان برأي البعض كائنا أكثر رقيا وتطورا ، ومسخا ملعونا برأي البعض الآخر .كذلك يتفق الجميع على أنه جد الفقراء جميعا ، أما بالنسب أو بالتفاعل أو بالعدوى ، مجمعين على أن مأساة جبر تكمن في أنه خاض مهاترات الدبلوماسية بالبندقية ولم يحترم تجارب المدرسة اليابانية والمدرسة اليوغسلافية . ونعود إلى الجدات الحبيبات ، اللواتي إن امتد بهنّ الوقت وحبل الحديث – وهو كل مالديهنّ فإنهن وبكل خشوع يتمتمن ببعض الأدعية الممنوعة بعيدا عن سمع الراشدين من الرجال ، متوسلات بعث جبر بعد ميتته السابعة وذلك بعد أن تبلغ الدولة عمر المراهقة السياسية ، ليخرج آخذا بناصية بساط الريح موقدا فانوس علاء الدين متختما بخاتم سليمان متوكئا على عصا موسى و و و  ، فيعيد للمؤمنات به شبابهن فيمنحهن إجازة ممارسة العهر السياسي والفساد المالي على مستوى أممي دون قيد أو شرط بدوام كامل ومرتب تام وعذريه متجددة وبمناعة ضد حمل السفاح الوطني ، معفيات من ضريبة الدخل ومن الخدمة العسكرية حتى في الظروف الاستثنائية كسقوط وطن أو نظام أو أي من الأشياء الكبيرة التي تتساقط بكثرة حين يغضب السادة ( داخل بختهم) . ثم يلتفت إلى الكوكب فيملؤه عدلا بعد أن يقتل 99.9% من البشر- وجميعهم من الأشرار بالطبع – . وفجأة وبدون سابق إنذار تتغير سحنات الجدات الساذجات ظواهرهن ، الدواهي خوافيهن فيختتمن الحديث بالبصاق على صدورهن وغم بعضهن والضحك بشكل داعر ، مدعيات أن الحديث كان للملاطفة لا غير ولا صحة لما قيل ، فلسن مخبولات ليصدقن هذه الترهات ، والظن أنهن يفعلن ما فعلن خشية أن تكون إحداهن أو ابنتها من الواشيات العاملات مع جهاز المخابرات . بقي أن ننبه إلى أن العارفين ببواطن مطابخ التغيير في ديمقراطية كوكب القطب الأوحد يروجون لنظرية مفادها أن حالة جبر مرضية وبائية شديدة العدوى تفوق خطورتها جنون البقر وأنفلونزا الطيور والخنازير مجتمعة وستصل عدواها في المستقبل القريب أو البعيد إلى سابع جار .
ومن تجارب جبر التي أنهكته والتي لامه عليها الجميع ، رهانه على قدرته بتحويل خلطته الديموغرافية السرية غير المتجانسة إلى مزيج متجانس وذلك بالترويض متناسيا أن ذرات تلك الخلطة من التعصب على درجة لا تسمح بتنازلها عن صفاتها الأصلية لشكل مستقبلي مجهول ، وهذا يذكرني بنبوءة قالها الحكيم (الحسين آل سرمك) عن مدينة كركوك في غابر الزمان حين كان الرأي السائد أنها سلة أزهار .
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ، وأتعوذ متطيرا ، وأحوقل متحيرا ، بين مصدق ومكذب ، إذ أن وسائل الأعلام – العراقية المؤتلفة والمختلفة – والعربية المؤججة و المتفرجة ، قد نقلت بالكلمة والصوت والصورة وقائع تشييع ودفن جبر في عدة مقابر تتوزع في شمال وغرب ووسط وجنوب العراق وفي أزمنة متفاوتة لكنه كان يعود في كل مرة أكثر شقاء وعنادا تحت تعتيم إعلامي شديد متعمد .
وأخيرا أعلن على الملأ وبعالي صوتي براءتي وتنصلي وعدم مسؤوليتي عن جبر وعن كل ما قاله وسيقوله وما كتبه وسيكتبه ، فلست سوى مترجم بائس أتقنت لعبة الموت ولغة الأموات لأنني عشت طفولتي وكهولتي في بيت يقع وسط مقبرة كبيرة ، حيث يعمل والدي شرطيا سريا فيها ، وكنت لسذاجتي وتبطلي أستمتع في أواخر الليالي بالتنصت لجلسات التحقيق والتشريح العميق للقادمين الجدد المسربلين بالأبيض الملطخ بالأحمر، وهذا ما ساعدني على إتقان لغة الموتى .

وما ترجمت هذه الملحمة طمعا في ثواب جبر ولا خوفا من عقابه ، إنما أقدم عملي البسيط هذا خالصا لوجه الوطن والموقع والقراء ، وسأنقل لكم بأمانه ما أسماها جبر الملحمة الشعرية المتواضعة التي كتبها بنفسه ، والمؤلفة من عدة قصائد كل واحدة تصف ميتة من ميتاته العديدة ، فإلى اللقاء مع الميتة المأساوية الأولى لجبر العراقي . صديقي القارئ … وجلبت لك رمانه ولكتاب الموقع رمانه .. رمانه وللدكتور حسين سرمك بطيخه ، أما للسادة النقاد .. فسماط فاكهه بثلاثة أبعاد ، ولي القشور وأروح لقبة علي (ع) وأزور .
وتعيشون وتسلمون ….
==================================================

وصية (1)
إنهم يجهزون على روحي الأولى لكنهم
لا يعلمون أن العراقيين كالقطط بسبع أرواح
******************************************
احتضار (1)
في أول نشرة أخبار
أخذ قرار
عن أهل الأرض الأخيار
بعد مداولة وحوار
وعدو شعبي
بالحرية والأمن وبالاستقرار
في أكذب نشرة أخبار
**************************
الميتة الأولى
——————-
* آن لي أن أستريح إلى (تكيّة)
آن لي أن أسقط اسمي
بعد إسقاط الهوية
موفيا نذرا قديما وهدية
ربما لحما رخيصا لشظية
ربما سكينة في مزهرية
أو زهورا في عيون البندقية
– قيل في القيلولة الأولى
تباشير لأحلام هنية
وانثنت عرافتي
تلوي حروف الأبجدية
– لا جناح على النيام ولا خطية
إن في آخر قيلولة حرب
انسجاما وسلاما وجنانا أزلية
ليس في الموت منية
إنه محض اختيار وانسحاب وتقية
إنه محض عبور
من حياة لحياة . . لحياة لحياة . . أخروية
نما الفانون جزء من نظام الأبدية
هذه روح القضية
جفف القلم المرائي
وأزرع الخلب في رحم صبية
أو بمخزن بندقية
إنما الأرض يباب
والينابيع قصية
*****************
* هذه الأسرار ما عادت خفية
تلك نفسي
نازعتني ألف عام
لطعام عند هند وسمية
وعلي أمسك الميزان فينا
دون ميل بعطية
هي بعض الروح يا ربي
بعض الروح خضراء طرية
أتراها تطلق القول سهاما
كعجوز عبشمية
حسنا عرافتي ..

هيا أوجزي .. هل من بقية ؟
أمسكت كفي وقالت بروية
– إن في كفك خطا ناقصا دون البرية
كان خط العمر لكن ..
قد محته السببية
رسمته الصدفة العمياء
فوق الماء
في ليلة ريح
*  آن لي أن أستريح
آن لي أن أغلق الباب الذي تأتيه ريح
آن لي أن أستريح
آن لي أن أستريح وأن أريح
********************************
مجلس عزاء (1)
صوت ألخاله شمهودة
————————–
أحا جبر أحا جبر
أحا جبر أحا جبر
يا مصفاة ذنوب الدنيا
يا واهب أيوب الصبر
أحا جبر أحا جبر
إن تجمع سنوات الحزن
وتطرحها من زمن العمر
أحا جبر أحا جبر
فنتاج الحسبة يا ولدي
صفرٌ صفرٌ صفرٌ صفرْ
أحا جبر أحا جبر
صح المثل الدارج وصفا
من (تك تك) أمك للقبر
أحا جبر أحا جبر
لا لا عذرا أقصد أعني
من ظهر أبيك إلى القبر
أحا جبر أحا جبر
*******************************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد كامل السامرائي : أوانُ الآهة .

أتطهّر بما تنجبُ عيناكِ من ضياء وبموج ابتسامتكِ يغرقُ كلّي وما تنقذني سوى يد الحبّ …

| عصمت شاهين دوسكي : يا عالم نموت ببطء .

نموت ببطء بلا كبرياء كأننا منذ دهر على الحدباء لا ماء ، لا زاد ، …

تعليق واحد

  1. تحسين الزركاني

    مسكين هذا العراقي .. كونه حفيدا لجبر المتعوس . ولو كان جبرا يعلم بما يفعل أبنائه البرلمانيون لإلتصق في (…….) ظهر إبيه أما نحن أبناء جبر من غير السياسيين فسنذهب وراء جدنا إلى القبر من غير وطن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.