الرئيسية » كتب » كتاب متسلسل » د.جليل ابراهيم الزهيري : لأن الحقيبة أصغر (1)

د.جليل ابراهيم الزهيري : لأن الحقيبة أصغر (1)

jalil alzohairiتوطئة

الفلسفة التي تقوم عليها هذه المجموعة القصصية هي تحديد الموضوع والبحث في تفاصيله وملامحه الغضة والمتغضنة بعيدا عن لوي اعناق المشاهد لتؤدي للقاص هدف الخيال الذي يهبط في مساحة الاسترخاء، فيدفع الاحداث دفعا يتساوق مع هوى مسطرها على الورق، وليبحث بعدها عن علاقة قسرية احيانا لتكون مجموعة قصصية تنضوي تحت لواء عنوان واحد رغم انها شتى..

“لأن الحقيبة أصغر” هي محاولة من الخارج لسبر اغوار الحدود والدخول الى العمق المجهول وكشف ثناياه وما تخفيه بين طياتها من حميمية ورغبة في التواري والخصوصية ومن اسرار صغيرة وكبيرة.. قد نجدها احيانا مهرجانا للتبضع في سوق المشاهد الحية التي تمر كل يوم من امام ناظرينا دون ان نراها او نرغب في رؤيتها، لا لاننا نقف منها موقف الرافض المتعنت بل لان لا شيء يربطنا بها، او لان صاحب اسرارها وحميميتها هو موضوع اهتمامنا الاساس.

ان “لأن الحقيبة أصغر” هي سفر الى المجهول سفر الى اعماق صغيرة لكنها من العمق والخطورة احيانا ما يجعلنا نستأمن الخوض في البحر على الخوض فيها، متناسين خطر اسماك القرش والدلافين وحيتان البحر ومصادر شرورها.. انها شرارة رغبة اشعلها في داخلي العملاق الراحل بلند الحيدري حين قال في مجموعته الشهيرة “حوار عبر الابعاد الثلاثة”:
وأمس إذ ولدت في حقيبة..
لامرأة مريبة
أدركت في مرآتها
كل الذي أجهل من أسرارها الرهيبة
أدركت أن أرضها..
أصغر من حقيبة
المؤلف

المقدمة
بقلم: نزار السلامي
nazar alsalamiالقصة القصيرة جدا، من اصعب واعسر الأجناس السردية، وهي ضمن مواصفاتها القابلة للتطور والنماء والتجديد، تستجيب لما يريد قوله القاص المبدع، بأقصر معالجة فنية، وأنسب المفردات التي تتمخض من الذائقة.

وكتابة القصة القصيرة جدا، ليس بالشيء السهل، فهي تحتاج الى براعة في إختيار الكلمات، وقدرة على إقناع المتلقي، من خلال إطلالة واسعة على مختلف جوانب الحياة، بسطور محدودة العدد.

وقد إستطاع الاديب والصحفي د.جليل ابراهيم الزهيري (المعروف في الوسط الثقافي بجليل البصري)، أن يدخل مضمارها، عبر أكثر من مجموعة قصصية، كانت (الحقيبة) آخرها، وليست الأخيرة.
حيث نجد في قصصها، الفرادة المتميزة، وكينونتها وشخصيتها المستقلة، التي تعتمد الواقعية بنكهة حداثوية، يمتزج فيها الجد بالهزل، والسخرية بالمعقول، والتنَدُّر بالكياسة، فكل ما فيها، يجذبنا إليها، لا سيما لفتتها الشفافة، التي تختزل المسافة، ما بين الشعر والنثر، وروح النكتة، والتي تطفو على السطح، مع أنها لا تحمل إعلانا يشير لذلك، ولم تلجأ لاسلوب اللافتات وقرع الطبول، لا سيما في التوطئة التي جاءت في أول المجموعة، والتي يمكننا تصنيفها في خانة الادب الساخر، الذي يعد من الفنون الصعبة، التي قد يستسهلها البعض، والتي تكون نسبة النجاح فيها عادة، لقلة من الادباء، كونه يعتمد على رصد الفعل وقيمته وتوقيته، باعتباره قوة راجحة، بين الثيمية الفاعلة، والحدث المتنامي لها، خصوصا في هكذا فن.

وهذه “لأن الحقيبة أصغر” ، التي تلازم جميع وقائع قصص هذه المجموعة وأحداثها، لم تأت فكرة توظيفها إعتباطا، أو لمجرد التشخيص، وإنما جاءت، بعد أن وجد القاص، أنها تمثل جزءا مهما من مكملات أناقة المرأة المعاصرة، ومن المقتنيات التي لا يمكن الاستغناء عنها، وأنها أضحت هي الاخرى خاضعة لتقلبات الموضة، من حيث الشكل والحجم والنوع، وبات ينظر لها، كما ينظر الى كل ما ترتديه المرأة، من ملابس ومصوغات وإكسسوارات، الامر الذي جعله يطلق قواه الحسية والذهنية لتأمل بعض من جوانب واقع المرأة العصرية، مسلطا الضوء على ما فيه من أنماط سلوكية، وطرق تفكير، من خلال موضوع “لأن الحقيبة أصغر” ، عبر قصص، يسردها بإسلوب لا ينقصه التشويق والمهارة، رغم ضيق افق الحركة، كونه محصورا فيما يتعلق بهذه الحقيبة، رغم أن له أكثر من معنى ومغزى.

في هذه القصص، لم يصور لنا القاص حلما، ولم يدون تأريخا، وانما يصف مشاهدا، ويعرض واقعا، بعد أن أمعن في ملاحظته، ليبينه من خلال نقد مبطن، وحس تهكمي، وسخرية واضحة، هي أشبه بالفلسفة، التي ترسم المعاني والايماءات، التي تحفز القارئ على فهم المقطع وتفكيكه.

وقد اتخذت هذه القصص، صورا مختلفة لحالات عديدة من الاضطراب الفردي والجماعي، خاضعة لمؤثرات ذاتية وموضوعية، لتأخذ بالاتساع تدريجيا، حتى تشمل الاخرين أحيانا، فالشخصيات التي فيها تحكي همومها بتلقائية ومباشرة، دون تعقيد، عبر تصرف غريب، يهيمن عليه احيانا خيال كبير، يثير في النفس كوامن الاعجاب والدهشة، لا يخضع للسرد الرتيب، الذي يقص علينا الحكاية قصاً، وإنما يأتي بلقطات جميلة، سلطت النور على الزاوية، التي يريد القاص إظهارها، وفق حبكة مضمخة بالسخرية والنقد والتهكم والازدراء والتندر والمناكدة، يقوم بترتيبها وصياغتها وتحديد موقعها، ليوظفها في الحدث.

فالحقيبة أداة، سخر من خلالها، من ظواهر متعددة، تتعلق بشخصية المرأة، وذوقها وعقدها وأوقات مرحها وكدرها، ومزاجها الرائق والعكر، معززا هذه الاداة، بعناصر تؤازرها، وتعاضد الخيال، ليكوّنَ من خلاله، بنيانا قصصيا، يتشرب التجديد، بنسب معينة، تدفع بالنسيج القصصي الى البهاء والسخر، وتمنحه صفة القبول.
إنها قصص ممتعة، تحتمل الكثير من التأويلات، التي إستطاع القاص من خلالها، إيصال كل ما يريد قوله، فهو حريص على التعبير عن هواجسه أو شواغله أو همومه، فقد أدهشني حقا، وهو يبحر بقاربه الادبي السابح في نهر الابداع المتفرد، والراسي على شاطئ الهموم الانسانية منذ أن بدأتُ أقرأ له.

وفي الختام أقول:-
إن قراءتي لهذه القصص، جعلني أفهم، أن القاص لم يكتب لنا قصصا، وإنما رسم لوحات وعرضها على نسق قصصي، سردي، فهي لوحات وهي اقرب الى الرسم بالكلمات منها الى سرد الوقائع المستمدة من واقعنا الاجتماعي الراهن، أظهر خاصية فيها هي أن صورتها الادبية نابعة من تصرفات وإنشغالات المرأة الحياتية، سواء كانت أساسية أو ثانوية، بعد أن طغى عليها ضجيج التقدم والتغيير الاجتماعي والمادي.

دهشة

kh jalil alzohairi 2يتمتع ذلك الشاب الذي بدأت خيوط الفجر تنسل الى غابة شعره السوداء المجعدة، بالكثير من الحصافة والحكمة. حتى ان زميلاته في الدائرة يتوسمن فيه القدرة على تفسير الاحلام وسلوك البشر وطبائعهم من مظهرهم الخارجي.. فهو يعتقد دائما، ان كل حركة يقوم بها الانسان تعبر عن جوهره، وان كل شيء يرتديه او يتزين به يعبر عن معدنه ايضاً..
ولذلك فقد اختارها من بين زميلاته لتكون شريكة حياته التي يتوسم فيها البساطة والتلقائية التي يعشقها في المرأة، ويعتبرها أهم صفتين فيها تؤهلها لتكون زوجة موفقة، اذا ما اقترنت برجل مثله..
وفي ذلك اليوم الذي اتفق أهله واهلها على عقد القران، تصفح مجلة عربية ووجد فيها بحثا اثار فضوله يتناول علاقة شخصية المراة بطبيعة حملها لحقيبة اليد.. ووجد ان المرأة التي تحمل حقيبتها براحة اليد وإستقامة الجسم لها شخصية لا تتأثر بمشاعر الاخرين وان كلماتها جارحة في الغالب، (فحبس انفاسه وواصل) وان المرأة التي تحملها على الكتف دون ان تمسكها هي امراة تلقائية وبسيطة، (فتنفس الصعداء)..لكنه ولدهشته شاهد زوجته لاحقا بعد الزفاف تحمل حقيبتها على غير عادتها براحة اليد وباستقامة الجسم..

ثواني ودقائق
كانت تستفزه دائما.. كلما استغرق في متابعة مباراة بكرة القدم، فهي تكرهها جدا.. وقد تلجأ مثلا الى التعثر بسلك الكهرباء ليخسر زوجها بضع لقطات من المباراة التي يعشقها، قبل ان يهب لاعادة السلك الى مكانه وانتظار أن تظهر الصورة بعد ثواني ليس هناك أثقل منها..دون ان يكلف نفسه، او يفكر حتى، في انتقادها او الاحتجاج عليها، مما كان يثير حفيضتها أكثر..
في احد الايام قطع سهرتهما في بيت أقارب لها، وعاد مسرعا الى البيت للحاق بمباراة هامة جديدة تنقل حية.
وعند باب الكراج إنتظر ان تترجل زوجته لتفتح الباب، لكنها على غير عادتها لم تبحث عن مفتاح البيت في حقيبتها قبل وقت من وصولهما، مما اخرجه من برودته .. فانتزع الحقيبة ونثر اغراضها على المقعد الخلفي وإلتقط المفتاح.. وباتا تلك الليلة على غير وفاق.

بدائل
أرادت ان تكتب تحقيقا صحفيا عن مشاكل النساء او الفتيات العاملات في دوائر الدولة، وبالاخص اللواتي يعملن في مهن تتطلب الكثير من الحركة والتنقل من مكان الى اخر، مثل الصحفيات والمحاميات والمعلمات وغيرهن.. وإرتأت ان تبدأ من مهن الاخريات، فاختارت طريقها الى المحكمة..
احدى المحاميات شكت لها من انها تحس بالتعب من حقيبتها النسائية التي تعيق عملها، خصوصا انها تحتاج دائما الى فتح الحقيبة الدبلوماسية التي تمسكها بيدها فتنزلق حقيبتها النسائية من كتفها، وتضطر الى ان توزع اهتمامها بين العمل وتعديل الحقيبة على الكتف..
وعندما حاولت ان تعرض على الصحفية بعض الاوراق، انقطعت حمالة الحقيبة وسقطت، فقطعت الطرف الثاني منها غاضبة ورمته. ووضعت الحقيبة تحت ابطها.. فأحست أن الوضع افضل..
وفي اليوم التالي إقتنت من السوق حقيبة نسائية صغيرة بلا حمالات تشبه الجزدان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *