حامد سرمك حسن : تفسير الإبداع

hamed sarmak 2نحاول التعرض لتفسير ظاهرة الإبداع واكتناه سر العبقرية التي تتوفر عند بعض الأشخاص.فاستقراء عناصر العملية الإبداعية أو وصف مراحلها لا يعني تفسيراً لها، بل الأمر متعلق بمعرفة الدوافع والعلل الكامنة في أساس الجهد الإبداعي التي تدفع بعض الناس إلى الإبداع. تباينت آراء المعنيين في تفسير الظاهرة الإبداعية وتشبث كل طرف بعنصر معين يرجع له في كشف الغطاء عن ذلك السر، فمنهم – كما سنرى في هذا البحث – من يردها إلى عوامل ميتافيزيقية ومنهم من يقرنها بالشذوذ النفسي أو الجنون ومنهم من يردها إلى الوراثة ومنهم من يعزوها إلى الاجتهاد والمثابرة.
الإشكالية الإبداعية :
إنَّ الإبداع، في طبيعته، لا يكون إلا نتيجة لنسيج متشابك من عناصر موضوعية وذاتية، ولكل عنصر، مهما كان صغيراً، تأثيره الخاص على مجمل العملية الإبداعية. لذا فإن إهمال عنصر ما أو التركيز المبالغ فيه على عنصر بعينه وإرجاع الإبداع إليه يعد قصوراً في تقدير هذه العملية وفي فهمها مما يتسبب في زيغ التفسير النهائي لها وانحرافه عن الحقيقة . كأن نرد إبداع “أبي العلاء” إلى عماه – كما عمى “ملتون”، و”طه حسين” – أو إبداع “بتهوفن” إلى صممه أو عبقرية “هيدلرن” إلى جنونه أو روائع “بودلير” إلى إدمانه الإفيون، فآراء قاصرة كتلك التي تدعي أن كل عمل فني يمكن رده إلى عوامل بيئية، أو جغرافية، أو عرقية، أو محض اقتصادية، أو من ناحية أخرى إلى عوامل وراثية، قد تكون هذه العوامل جميعها موجودة، ولكنها ليست حاسمة في ذاتها ؛ ولا تنتج الأصالة إلا عن تجربة فنية زاخرة بالعواطف والأفكار والرؤى وتسهم فيها كل قوى الإنسان العقلية والروحية والوجدانية بحيث يمكننا القول بأن العملية الفنية كالشخصية الإنسانية تأليف وتركيب ديناميكي حي ودائم، تحتوي إلى جانب المعطى الخارجي الخيال والانفعال والشعور، عناصر عقلية ومدركات ذهنية وغاية ما هي موجودة رغم أنه يصعب الإشارة إليها بالبنان(1 ).
ترى نظرية الإبداع الاستاطيقية،كما يذهب “جيزيل بروليه”( )، أن الإبداع حرية منظمة وقدرة خصبة تندرج في نظام معين، فالفنان لا توجهه قوى لا شعورية ولا شخصية تند عن إرادته، بل ثمة إرادة أستاطيقية في أعماقه تنتظم حياته الروحية كلها. والفنان – بدلاً من أن يستسلم للمصادفة – يخلق لنفسه نظاماً صارماً، وهذا النظام يتولد عن المجهود الذي يبذله في وعيه لبلوغ هدف معين، وحياة الفنان عبارة عن انتصار يتقدم شيئاً فشيئاً يرتبط بوعي الفنان لقيمة يشعر أنه مطالب بتحقيقها، لهذا يخلق لنفسه ضرباً من الوجود يجعل من الممكن تحقيق أهدافه الفنية.
النظريات المفسرة للإبداع :
من المؤكد أن كل تفسير لظاهرة الإبداع إنما التزمه واضعوه لأسباب وعلل يرون فيها تبريراً وافياً لذلك التفسير والفهم. وسنحاول أن نعرض النظريات ووجهات النظر التي وضعت للكشف عن سر الإبداع والعبقرية.
توزعت الآراء التي قيلت لتفسير عملية الخلق الفني في عدة نظريات معتمدة ،منها (2 ):
1- نظرية الإلهام والعبقرية: وهي التي تجنح إلى ربط الإبداع بعوامل ميتافيزيقية، حيث يرى البعض وعلى رأسهم “أفلاطون” أن الإلهام والوحي من عالم مثالي فائق للطبيعة هو مصدر الفن. فالفنان رجل ملهم يستمد فنه من ربات الفنون، ولا يحمل رسالة هذا الإلهام إلا أفراد ذوو حس مرهف مشبوب العاطفة. فـ “لامارتين” وهو من دعاة هذه النظرية يقول: إنه لا يفكر على الإطلاق وإنما أفكاره هي التي “تفكر” له. وقد أشار “جيته” إلى انه حينما كتب “آلام فرتر” لم يبذل أي مجهود شعوري في تدبيجها اللهم إلا الإنصات المرهف إلى هواجسه الباطنية.
2 – النظرية العقلية: يرى العقليون أنَّ العبقرية فعل يحققه عقل ناضج واع، يقول “دي لاكروا”، إن الخلق الفني جهد وإرادة ووعي، ولا تكفي الذاكرة أو الذكاء أو الخيال لإنتاج أي عمل فني بدون تدخل الجهد التكنيكي في تنظيم المادة الخام .
3- النظرية الاجتماعية: أن الفنان بوصفه إنساناً يعيش في مجتمع معين، إنما يتطبع بطباع مجتمعه وأعرافه وقوانينه ولا يمكن إنكار الدور الذي تؤديه هذه العوامل في صياغة شخصية الفنان وبناء نظرته الجمالية إلى الوجود. ومن هنا تنطلق النظرية الاجتماعية في تفسير الإبداع بإرجاعه إلى عوامل اجتماعية بحتة. وكان “تين” أول المؤكدين لهذه النزعة الإجتماعية في الفن، من خلال نظريته التي يرجع فيها الإبداع الفني إلى عناصر محددة هي البيئة والعصر والجنس. فقال ان الفن وليد المجتمع ورفض الأحكام المعيارية(3) وفكرة الفن للفن، ولا وجود عنده لمثل أعلى في الفن. فالإبداع قائم على المؤثرات الحضارية من جهة البيئة والجنس، وعلى ما متوفر في المجتمع الحاضر أم كتراث فني عبر التاريخ من أساليب الصنعة والتقاليد الفنية، وعلى نوعية الوعي الجمالي السائد في عصر الفنان. ويلخص “دور كايم” اتجاهات المدرسة الاجتماعية بصدد الفن بقوله: إن الفن ظاهرة اجتماعية وإنه إنتاج نسبي يخضع لظروف الزمان والمكان. وهو عمل له أصول خاصة به وله مدارسه، ولا يبنى على مخاطر العبقرية الفردية، وهو اجتماعي أيضاً من ناحية أنه يتطلب جمهوراً يعجب به ويقدره. وعلى هذا فالفنان لا يعبر عن “الأنا” بل عن “النحن” أي عن المجتمع بأسره ولا يتم ذلك عن طريق التأمل الشعوري بل عن طريق الاختمار اللاشعوري وهو ما يشبه الحمل الفني نتيجة للإخصاب الذي تم عن طريق المجتمع.
أما الأصالة الفنية عند هذه المدرسة فتتمثل في مقدار ما يدخله الفنان على التراث الفني للمجتمع من تعديلات وتطويرات أو تأليفات لم تكن مدركة من قبل، رغم أنها مشتقة من كيان المجتمع .
4- النظرية التأثرية أو الانطباعية: لا يقول التأثريون بأن العمل الفني وليد الظروف الاجتماعية والبيئية أو التراث، بل يرون أن أي عمل فني هو نسيج وحده ولا يشبه شيئاً آخر وهو يحمل طابع الفنان الخاص. ثم إن الفنان حين يشرع في عمله لا يعلم مسبقاً إلى ماذا ستؤول إليه الصيغة النهائية للعمل، هذه الأسباب هي التي دعت بالتأثريين إلى معارضة الاجتماعيين حيث رفضوا إدخال أي عنصر آخر خارجي في تحديد ماهية الإبداع وسر العبقرية التي تتجلى في العملية الفنية، فالابتكار الفني لا يتم إلا خلال الأداء الفني. يقول “فان جوخ” :إن العملية الإبداعية فضلاً عن إنها تقوم على حصيلة ضخمة من الخبرة الطويلة والعمل المضني والدراسة المستمرة التي هي أدوات الإبداع، إلا ان تمام العمل الفني واستيضاح أمره لا يمكن أن يتحقق مقدماً، بل لابد من الأداء أو التنفيذ، إذ هو المحك الأول لكل فكرة فنية .
تفسير”برجسون ” للإبداع:
إعتمد “برجسون” في تفسيره للعبقرية على مفهومه الخاص للحدس الذي يحتل مكانة بارزة في فلسفته، إذ يرى أن الوجود كله بما فيه من بشر وكائنات حية وغير حية تضمّه نوع من الوحدة الروحية، لكننا لا نمارس هذا الشعور بالوحدة أو الاتحاد مع العالم إلا في ظروف معينة. وان الناس ليسوا سواء في القدرة على الاتحاد بالعالم، فبينهم القادر على ذلك ومنهم العاجز، والقادرون أيضاً يتفاوتون في درجة الاتحاد من حيث السهولة واليسر، وعلى وفق هذه الدرجات تحدد عبقرية الشخص( )؛ فالعباقرة هم القادرون على ذلك الاتحاد بيسر وسهولة إذ يمتلكون قدرة فطرية تتمثل في درجة السهولة التي تصل بها الغريزة لديهم إلى مستوى الشعور. وهذا الاتصال كفيل بإعطاء صاحبه مشهداً عاماً للوجود بعلاقاته الباطنية العميقة، وهذا المشهد هو ما نسميه بالحدس حيث يتمكن الفنان بوساطته من الولوج إلى داخل الموضوع بنوع من التعاطف Sympathy. ولذلك يعرف “برجسون” هذا الحدس الخلاق بأنه الغريزة وقد صارت غير مبالية ولا مكترثة، بل شاعرة بنفسها فقط وقادرة على تأمل موضوعها وتوسيعه إلى ما لا نهاية.
و لتوضيح جوهر الإبداع، فانه يقرر، بدءاً، أن ثمة نوعين من الانفعال؛ انفعال سطحي وانفعال عميق؛ الأول هو العاطفة التي تلي فكرة أو صورة متمثلة، فتكون الحالة الإنفعالية ناتجة عن حالة عقلية. وهنا يبدو بوضوح أن الحالة الإنفعالية تكون مكتفية بذاتها لا تتأثر بالإنفعال الناتج عنها وحتى إذا تأثرت فإنها تخسر أكثر مما تربح، لأنها تتعطل وتتشتت بدلاً من أن تنمو وتتفرع. أما الإنفعال العميق فلا ينجم عن تصور، بل يكون هو نفسه سبباً لبزوغ عدة تصورات وهو وحده جوهر الإبداع . فالسطحي ينتج عن فكرة أو صورة متمثلة Represented بينما الانفعال العميق هو يكون مصدراً للصور، وهذا الانفعال الثاني “العميق” هو جوهر الإبداع في ميادين العلم والفن والحياة. ويرجع منشأ هذا الانفعال إلى اتحاد مباشر بين الفنان العبقري وبين الموضوع الذي يشغله، فإذا وقع هذا الاتحاد فانه يتبلور في حدس. وما الحدس إلا عبارة عن التخطيط المتكامل الذي لا يقدم للفنان إلا مجرد إمكانيات. أما الانفعال فهو القوة الدافعة التي تدفع بهذا التخطيط نحو التحقق الفعلي في الواقع الذي يعيشه الفنان تبعاً لهويته وللمادة التي يعبر من خلالها ؛ فـإذا كان فناناً تشكيلياً امتلأ التخطيط بالصور البصرية، وإذا كان موسيقياً امتلأ بالصور السمعية، وإذا كان روائياً أو مسرحياً امتلأ بالحوادث. وهكذا تكون مهمة الانفعال هي أن يثير الذاكرة فتنتشر الصور التي تملؤها وعندئذ يأخذ الفنان من بين هذه الصور ما يلائم التخطيط العام الآخذ في التحقق والناتج عن الحدس. وقد توقف “برجسون” عند هذه الحركة التي تنتقل بالتخطيط المجرد إلى التخطيط المحقق، محاولاً أن يتبين دقائقها، فقال إن أول ما يميزها هو إنها حركة من الكل إلى الأجزاء وليست العكس. ومن ثم فإن تناول العبقري لجوانب موضوعه المختلفة يكون موجهاً بالكل الذي يحمله في نفسه. هذا بالإضافة إلى أن حركته تمضي بين عدة مستويات نفسية ولا تبقى في مستوى واحد. ولذلك تكون مقترنة بالشعور ببذل الجهد، ولا تتـم بمجرد التداعي الآلي. ويقصد “برجسون” بالجهد هنا “الجهد العقلي” الذي تتطلبه العمليات العقلية على اختلاف درجاتها في البساطة والتعقيد. وطابع الجهد العقلي في التصورات البسيطة يتمثل في التذكر والاستدعاء، وفي أكثر التصورات تعقيداً يتمثل في الإبداع والإنتاج الإبداعي.
ويرى “برجسون” أن الحل الإبداعي لا يتم إلا بتصور “مثال” Ideal يحاول الشخص المبدع بلوغه، والمثال هذا عبارة عن “كل” يقدم نفسه كتخطيط Schema، والأمر يتعلق بالوصول إلى وسائل لتحويل هذا التخطيط إلى صورة، أو الانتقال من التخطيط المجرد إلى التخطيط المحقق . فالمخترع الـذي يريد إنشاء إحدى الآلات، يتصور في البداية العمل الذي يريده، وتؤدي الصورة الذهنية المجردة لهذا العمل، بفعل محاولات التلمس والخبرات المختلفة، إلى الصور العينية لمختلف الحركات المكونة لتلك الآلة، والتي تحقق حركتها الكلية، ثم تؤدي إلى تحقيق الأجزاء وتكوينات الأجزاء التي يمكنها أن تعطي الحركات الجزئية وفي هذه اللحظة يتجسد الاختراع، ويصبح التصور التخطيطي تصوراً متحققاً في صور. ومثل هذا يحدث لكل من الكاتب الذي يكتب قصة أو رواية والمؤلف المسرحي الذي يخلق شخصيات ومواقف ومشاعر وحواراً وأحداثاً. وللموسيقي الذي يؤلف السمفونية من حركات أربع لكل منها بناؤها الداخلي، وللشاعر الذي ينظم القصيدة في عدد من المشاهد أو الوثبات وللمصور الذي يبدأ لوحته بفكرة مبهمة غير واضحة القسمات كل من هؤلاء يكون لديه في البداية شيء بسيط مجرد أو غير متجسد هو تخطيط الكل، وينتهي إلى صورة مركبة غنية متميزة العناصر.
التفسير النفسي للإبداع :
أما علماء النفس المعنيون بدراسة ظاهرة الابتكار فقد تباينت آراؤهم وتضاربت في تفسير الإبداع والعبقرية. ويمكن، إجمالاً، تقسيم تلك الآراء إلى مجموعتين( ):الأولى ترى في الابتكار حالة سيكولوجية طبيعية،والثانية تعتبرها حالة باثولوجية – مرضية – شاذة أو منحرفة .ويتباين أصحاب الفئة الأولى، التي ترى في الابتكار ظاهرة سايكولوجية طبيعية، في تفسيرهم طبيعة هذه الظاهرة، ويمكن تقسيم آرائهم إلى فئتين هما: فئة الآراء التي تعتبر الابتكار ظاهرة سايكولوجية قائمة في حد ذاتها لا علاقة لها بالجسم وإن كانت موجودة داخله حسب افتراضهم من جهة، وفئة الآراء التي تعتبرها وظيفة أو عملية مخية “جسمية – مادية” أو فسلجية ذات محتوى اجتماعي ثقافي مكتسب من جهة أخرى .
ترى الفئة الأولى أن الابتكار قدرة فطرية سايكولوجية يتصف بها بعض الناس دون غيرهم مع اختلاف في ارتفاع درجاتها بين الأفراد الذين يتصفون بها. ويختلف أصحاب هذا الرأي في تفسيرهم لتلك “القدرة الفطرية” وينقسمون إلى فئتين؛ تستخدم المجموعة الأولى مصطلح “الموهبة” Gift و”الموهوب” Gifted لوصف حالة الابتكار، ويرون أن ثمة ارتباطاً عضوياً وثيقاً بين الموهبة أو القدرة الخاصة وبين الذكاء العالي كما تقيسه مقاييس الذكاء، ويمثل هذه الفئة علماء النفس البريطانيون. أما الرأي الثاني فيستعمل أصحابه مصطلح “الإبداع” Creativity و”المبدع” Creative ولا يرون ثمة علاقة بين الذكاء والإبداع الذي يرونه قدرة فطرية خاصة، ولا يمنع أن يكون المبدع عالي الذكاء أو حتى غبياً أو بليداً بمقاييس الذكاء، ويمثل هذه الفئة علماء النفس الأمريكيون.
أما آراء الفئة الثانية، من الذين يرون في الابتكار حالة طبيعية لا منحرفة أو شاذة، فتتلخص في أن الابتكار عملية مخية كسائر العمليات المخية الأخر يمارسها الدماغ عند تعامله مع البيئة المحيطة لاسيما الاجتماعية والثقافية،( وهو رأي علماء النفس السوفيت ـ أي علماء الاتحاد السوفيتي السابق ـ وفريق كبير من علماء النفس الغربيين البارزين).
أما النظريات والآراء التي تعد ظاهرة الإبداع حالة باثولوجية – مرضية- شاذة أو منحرفة، فتشمل آراء كل من “لمبروزو” الباحث الإيطالي،و “كريستجمر” عالم الأمراض العقلية الألماني، و “فرويد” عالم النفس النمساوي.
رأي “لمبروزو” و “كريستجمر” :
يربط “لمبروزو” بين العبقرية والجنون على نحو التلازم بين السبب والنتيجة. وهذا الربط يكون بأشكال متعددة، كان يكون الجنون،في بعض جوانبه، سببا للعبقرية، أو ان العبقرية هي التي تسبب الاضطراب العقلي والنفسي . فالعبقرية بنظره هي حصيلة الجنون، أو هي الجنون في حد ذاته. واستدل على الجنون من الناحية المادية أو الجسمية بما سمّاه “فقدان الاتزان في تركيب الدماغ، من الناحية التشريحية” إما بالتضخم المفرط في الحجم أو بالضمور الملحوظ وكما هي الحال بنظره عند المصابين بالصرع أو “الداء المقدس”.
ويرى “كريستجمر” أن العبقرية انحراف باثولوجي عصبي وراثي تتصف به أسر معينة مصابة بالشذوذ العقلي والعبقرية الفنية وبخاصة الموسيقية مثل أسرة “بتهوفن” و”غوتيه” و”بايرون” و”باخ” و”ميخائيل أنجلو” .
تفسير “فرويد” (مدرسة التحليل النفسي) :
يرى “فرويد” أن ثمة صلة وطيدة بين الإبداع الفني وبين الكبت والجنس والعصاب، وأن التسامي Sublimation هو العملية المؤدية مباشرة إلى الإبداع . والتسامي في معجم التحليل النفسي يدخل في باب ميكانيكية الدفاع النفسي إلى جانب التبرير Rationalization والقلب Conversion وغيرهما من أشكال أو “حيل دفاعية لا واعية” تحاول تجاوز التناقضات والآثار الناتجة عن الكبت الذي يمارسه الأنا الأعلى Super Ego “أو العقل والقيم الدينية والأخلاقية” على الـ “هي” ID “الرغبات والغرائز والحاجات الجسمية البدائية”.فالفنان شخص منطوي على نفسه يقترب كثيراً من حالة المريض النفسي العصابي، وما أعماله الفنية إلا وسائل للتنفيس عن رغباته الجنسية المكبوتة.ويرى فرويد أن العقد النفسية والانفعالات القوية لها منافذ أربعة 1) أحلام اليقظة، 2) أحلام النوم، 3) النهج العصبي والتوتر الحسي، 4) الانتاج الفني – ويمثل المنفذ الفني نوعاً من التسامي للمشاعر الجنسية المكبوتة وما فيه من عقد ترجع في صميمها إلى الغريزة الجنسية. ولكن الفنان يختلف عن المريض العصابي في أن القدرات التشكيلية “القدرات التشكيلية – مثل: عامل الطلاقة، عامل الابتكار، وعامل الأصالة وعامل التخيل وعامل التذكر” التي لديه تتيح له المرونة الكافية لتشكيل صور التسامي والتعبير عن اللاشعور بما فيه من ذكريات مكبوتة ينحدر بعضها من عهد الطفولة كعقدة أوديب مثلاً وكذلك يمتاز الفنان بأنه لا يهضم الحدث المؤلم كالعصابي – بل هو يحاول عرضه والتنفيس عن الكبت وكأنه يقوم بعملية تطهير. فالإبداع الفني يصدر عن العقل الباطن أو اللاشعور وعمليات الخلق والإبداع الفني ما هي إلا نشاطات يحوَّل إليها مجرى الطاقة الناجمة عن الرغبات الجنسية التي يتعذر إشباعها الكامل في الحياة الواقعية. فما ينتجه الفنانون من أعمال فنية هو إشباع خيالي لرغبات لا شعورية، شأنها شأن الأحلام، فهي مثلها محاولات توفيق لتفادي أي صراع مكشوف مع قوى الكبت. وتتميز الأعمال الفنية بأن المقصود بها إثارة اهتمام الآخرين وأنْ بوسعها أن تستثير وترضي فيهم الرغبات اللاشعورية نفسها( 4).
رأي”ادلر”:
أما “الفرد أدلر” – من المنشقين على “فرويد” – فيرفض فكرة التسامي أو الإعلاء التي يعتمدها “فرويد” ومدرسته في التفسير ؛ ويفسر “ادلر” الإبداع بعقدته المعروفة ((بالشعور بالنقص أو الشعور بالدونية feeling Inferiority)) فيذهب إلى أن هذا الشعور هو سبب الإبداع والعبقرية ،إذ يسعى صاحبه إلى تلافي ذلك الشعور من خلال التفوق في مجالات أخرى عن طريق عملية التعويض Compensation . ويشكك بعض الباحثين بهذا الاستنتاج من حيث الدقة المنهجية، ويرى أنه يكفي أن نقيم بوجهه الحجة الآتية: لعل العجز أو المرض هو العائق أمام انطلاق إمكانياتهم ولولاه لبلغوا أضعاف ما حققوه.
تفسير ((يونك )) للإبداع الفني:
يعد “يونك” Jung من علماء النفس المبرزين الذين تصدوا للكشف عن مصدر عملية الإبداع الفني؛ فكان له أداؤه المتميز في تلك الظاهرة من حيث التفسير أو التعليل.
“الطاقة الحيوية”، و”الأنماط أو الأمزجة”، و”اللاشعور الجمعي”؛ ثلاثة مفاهيم نفسية عند” يونك” يتأسس عليها تفسيره لظاهرة الإبداع الفني.
ثمة طرق خاصة للتعبير عن الطاقة الحيوية عند كل إنسان تتغاير من شخص إلى آخر.
أما الأنماط الحيوية، فإن الناس ينقسمون، من حيث أمزجتهم، إلى فئتين متنافرتين، إحداهما اجتماعية النزعة تميل نحو الاختلاط بالآخرين والمساهمة في العمل الاجتماعي Extroverts والأخرى إنطوائية Introverts تميل إلى العزلة والانزواء، وان كلا من هذين النمطين ينقسم بدوره إلى أربعة أنماط فرعية تظهر في كل منها إحدى أربع صفات هي؛ الإحساس والانفعال والفكر والحدس “الإلهام” ممتزجة بمقادير غير متكافئة وتختلف باختلاف الأفراد، مما يؤدي إلى نشوء ثمانية أنماط فرعية، أربعة للنمط الاجتماعي “الانبساطيين” هي: الحسي والعاطفي والمفكر والملهم.
وتتحدد هذه الأنماط وفقا لطريقة إدراك الواقع الخارجي المحدد بنوعية العنصر المهيمن على سلوك الشخصية الإنسانية. فحين تكون النظرة العاطفية هي المتسيدة في إدراك الواقع ومظاهر الوجود بسبب غلبة الجانب العاطفي في الشخصية فسوف ينشا النمط الاجتماعي العاطفي وهو نقيض النمط الاجتماعي المفكر الذي تتحدد نوعية إدراكه بفكره المجرد .بسبب طغيان الفكر لديه على الحس والعاطفة والإلهام. أما من كان إدراكه حسيا لتسيد الجانب الحسي فهو ما يعرف بالنمط الاجتماعي الحسي وهو النمط الثالث،وهو على النقيض من صاحب الإدراك الإلهامي الذي يكون الحدس والإلهام هو المتسيد لديه وهذا ما يعرف بالنمط الاجتماعي الملهم. وينطبق الإجراء ذاته على أصحاب المزاج المنطوي حيث يقسم إلى أربعة أنماط فرعية أخرى قاسمها المشترك نزعة الانطواء على النفس.وحسب “يونك” فان نمط الفنانين هو النوع الملهم لتسيد الإلهام والحدس.
وقد رأى أن البحوث السيكولوجية إذا ما اتجهت إلى الفنان نفسه فلا يمكن أن تنجح وحدها في تفسير الإبداع، بل يجب أن تعنى بدراسة الأعمال الفنية نفسها لمعرفة خصائصها وفهم حقيقة الظاهرة الإبداعية من خلال الإنتاج الفني نفسه؛ فيؤكد أن العمل الفني إنما يحدث نتيجة لضروب شتى معقدة من النشاط الشعوري الإرادي والنشاط اللاشعوري، وأن الفن ليس نتاجاً شخصياً بل نشاط صادر عن الروح الجماعية أو الإنسان الجمعي، وكأن النشاط الفني يرجع إلى حافز يتملك الوجود البشري بأسره ويسيطر عليه ويسخره( 5).
وهو يميز بين نوعين من اللاشعور، أحدهما شخصي وهو ما تكلم عنه “فرويد” – والآخر جمعي ينتقل بالوراثة إلى الشخص حاملاً آثار خبرات الأسلاف وتراثهم، وهذا اللاشعور الجمعي هو مصدر الأعمال الفنية العظيمة.
كان “يونك” مهتما بدراسة عادات الشعوب البدائية والأديان والأساطير القديمة والأحلام والأمراض العصابية والهلوسة،ووجد أن ثقافة الأسلاف المتمثلة بالتقاليد والأساطير تنتقل من جيل لاخر،وكما يرث الإنسان سماته البايلوجية عن أجداده من لون البشرة والشعر وغيرها،فانه يرث الرموز والأفكار وكأن شخصية الإنسان وعاء يحتوي تاريخ أجداده؛وهذا ما يطلق عليه “يونك” مصطلح اللاشعور الجمعي Collective Unconscious. الذي يعتبره مخزن آثار الذكريات الكامنة التي ورثها الإنسان عن ماضي أسلافه، والمتخلفات النفسية لنمو الإنسان التطوري. فهو الأساس العنصري الموروث للبناء الكلي للشخصية، والذي يحتوي كل الخبرات الإنسانية، أوهام، أساطير، ذكريات، أنماط سلوكية، عبادات، أحداث طبيعية، المتراكمة من الماضي السحيق بشرط أن تكون هذه الخبرات قد تكررت مرات عديدة وتراكمت آثارها في دماغ الإنسان ( 6).
ويرى أنه فضلا عن وجود وراثة بيولوجية نقلت إلينا بقايا جسدية من الأسلاف فانه توجد وراثة أورثتنا هذا اللاشعور الجمعي الذي يتحد لدى أفراد الجنس البشري جميعاً بغض النظر عن الحدود والجنسيات.وينطلق من هنا للكشف عن علة خلود الروائع الفنية وسر القبول الإنساني لها في كل مكان و زمان؛ ذلك(( لأنها تنبع من اللاشعور الجمعي الذي تشترك فيه الإنسانية جمعاء، ذلك الذي ينبسط عند تأريخها وتلتقي أجيالها، فإذا غاص الفنان المبدع إلى هذه الأعماق فقد بلغ قلب الإنسانية، واغترف منه. وإذا عرض على الناس قبساً من هذا المنبع العظيم عرفوا أنه منهم ولهم.)) ( 7).
يضع “يونك” معيارا لتحديد الأصالة في الفن انطلاقا من اللاشعور الجمعي وما يحتويه من خبرات إنسانية متوارثة ؛فيقسم الأعمال الفنية، بدءاً، إلى نوعين هما؛ 1)الأعمال السيكولوجية: التي تعنى بتوضيح المضمون الشعري ، ويندرج تحت هذا النوع كل ما يتناول شؤون الحب والبيئة والأسرة والجريمة والمجتمع، ويشمل الشعر التعليمي ومعظم الشعر الغنائي والدراما والتراجيديا والكوميديا. 2)الأعمال الكشفية: الأعمال التي تشف عن تجربة و خبرة الأجداد المستمدة من اللاشعور الجمعي ومن ضمن هذا النوع الجزء الثاني من فاوست لجيته و”راعي هرمس” لدانتي، و”هي أو عائشة” لريدار هاجارد”. ولا يهتم إلا بهذا النوع الأخير،المتمثل بالأعمال الكشفية،حيث تتمثل فيه أصالة الإبداع بفعل استنباطه من اللاشعور الجمعي،ولا يقيم وزنا للأعمال المستمدة من العالم الخارجي أو ما يسميه بالأدب السيكولوجي.
إن العمل الفني النابع من الثراء اللامتناهي للاشعور الجمعي هو الذي يحقق الرفعة والسمو للفنان ويسمه بميسم الأصالة والإبداع ،فـ “جيته” لم يخلق فاوست وإنما فاوست هو الذي خلق “جيته”. فمصدرا لإبداع الفني عنده هو لا شعور البشرية جمعاء .نلحظ قدرة الفنان على استكناه اللاشعور الجمعي وإدراك محتوياته بشكل صادق،وثمة ربط بين الوجود والفن.
يستطيع الفنان الأصيل، بفضل الحدس الذي يتميز به بشكل فطري، إدراك مضمون اللاشعور في اليقظة بينما ليس بمقدور سائر الناس الإطلاع عليه إلا في بعض أحلام النوم؛ ولأن السلوك الإبداعي عند “يونك” تلقائي وليس موجهاً فان الفنان المبدع يشهد مضمون اللاشعور الجمعي، أو أن هذا المضمون يكشف من تلقاء نفسه بحيث لا يتكلف الفنان الغوص فيه باحثاً في طبقاته العميقة عن إبداعاته؛ والفنان متى ما تكشف له مضمون هذا اللاشعور لا يلبث أن يسقطه في صور ورموز.
وتسمى نظرية “يونك” في الإبداع بالإسقاط Projection theory وتعنى ((العملية النفسية التي يُحوِّل بها الفنان تلك المشاهد الغريبة التي تطلع عليه من أعماقه اللاشعورية إلى موضوعات خارجية يمكن أن يتأملها الآخرون)) ( 8).إذن،الحدس والإسقاط هما أساس تكون الرمز عند “يونك” .ومفهوم الإسقاط هنا مغاير لما عند فرويد المتمثل بحيل دفاعية يلجأ إليها اللاشعور للتخلص من الكبت.
ويوضح مفهومه عن الإسقاط اتكاء على مفهوم النزعة الأحيائية Animinismالمنتشرة بشدة عند اغلب الشعوب البدائية،حيث كانوا يرون العالم روحا كلية زاخرا بحياة هم أنفسهم مظهرا من مظاهرها. فلم يعرفوا التفرقة بين الأنا والعالم مما تسبب في شيوع نوع من التوحد بين الذات والموضوع مما أدى بهم إلى تشخيص مشاهد الطبيعة بإسقاط حيويتهم و أحاسيسهم عليها. وهو ما يدعوه بالإسقاط السلبي الذي يقابله مع نوع آخر هو الإسقاط الايجابي Active Projection الذي يساعد على فهم عملية الامتصاص أو الاستدماج Introjectionلكونه موجها يعين الشخص على موضعة أحاسيسه والفصل بينها وبين الذات من خلال تركيزها في شيء ما. وبقدر ما تنطبق شروط الرمز الجديد الحي على هذا الشيء الذي تسقط عليه الأحاسيس يكون صاحبه عبقرياً ومبدعاً ذا أصالة حقيقية.
ويذهب “يونك” إلى أن الرمز الجديد، الذين ينبغي أن يكون حياً ومحملاً بالمعنى، يجب أن يصدر عن أكثر حركات النفس بدائية، حتى يتحقق له أن يمس في الإنسانية وتراً مشتركاً وهي ميزة لا يتحلى بها إلا الفنان الأصيل الذي يمتلك مرتبة ذهنية سامية هي من ضمن الشروط التي يتطلبها خلق ذلك الرمز الذي يعتمد في ظهوره على الحدس والإسقاط.((فبالحدس يصل الفنان إلى الوتر المشترك، وبالإسقاط يحدد مشهده ويخرجه من نفسه واضعاً إياه في شيء خارجي هو هذا الرمز)) ( 9).
الاتجاه الإنساني :
يمثل هذا الاتجاه( ) مجموعة من العلماء: “فروم”، “ماسلو”، “روجرز” وآخرون، ويعرف هذا الإتجاه أيضاً في علم النفس تحت تسمية “الشخصانية” أو السيكولوجية الشخصانية. إذ يركز ممثلو هذا الإتجاه على الطبيعة الإنسانية التي تنطوي على حاجات في الإتصال الدافئ المملوء بالثقة والعاطفة والإحترام المتبادل في صيرورة دائمة التطور. ويبدو هذا الإتجاه بأنه ردة فعل تجاه السلوكية وردة فعل تجاه التحليل النفسي، ولهذا السبب يدعى “القوة الثالثة” حيث يقف ضد السلوكية بكونها آلية لم تطرح الشخصية “الفرد” في نظريتها، وضد التحليل النفسي الممثل “بفرويد” الذي بنى نظامه على الشخص المريض. ويؤكد ممثلو هذا الاتجاه احترام الإنسان واعتباره قيمة القيم بأهدافه وحب إطلاعه وإبداعه، وهذا ما يسم الاتجاه بالمظهر الإيجابي. يستند هذا الاتجاه في تفسيره للظاهرة الإبداعية إلى مفهوم التحقيق الذاتي autoactualization وهو الدافع الإبداعي الذي يمتلكه كل إنسان وشحنة دافعة نحو الإبداع مشتقة من الصحة السليمة والجوهرية للإنسان. فهو نقلة من القوة إلى الفعل تحدث بفعل الذات. إذ يتميز المبدعون بحاجتهم للارتباط بالعالم المحيط بهم، والإنتاج الإبداعي هو وسيلتهم إلى ذلك لأنه الرابطة بين المبدع وبين العالم الذي يعيش فيه لأن ما أنتجه هو جزء منه وهو أيضاً جزء من العالم المحيط له. وهكذا نجد أن المبدعين يمارسون أنفسهم أو يحققون ذاتهم في الفعل الإبداعي ،فالإبداع بالنسبة لهذا الاتجاه هو عملية من العلاقة بين الفرد السليم والوسط المشجع والمناسب. ويرى الاتجاه الإنساني أن مصدر الدافع الإبداعي هو الصحة الإنسانية السليمة، حيث ينفي المفهوم الفرويدي حول طبيعة الإنسان المضادة للمجتمع، أي التنافر بين الشخص والمجتمع، والذي يرى مصدر الدافع الإبداعي في الصراع، أو فيما هو نفسي ومرضي، وعلى هذا فأن الاتجاه الإنساني يبحث أسباب المظاهر العدوانية والتدميرية عبر تأثير الوسط الخارجي .هذه النظرة هي نوع من “التحقيق” لمفهوم “روسو” الذي يرى أن الإنسان خير بطبيعته، ولكن المجتمع هو الذي يجعله سيئاً وشريراً. ويرى ممثلو علم النفس “الإنساني” أن النزوع إلى تحقيق الذات هو خاصية في طبيعة الإنسان، وليس نتاجاً لحياة الإنسان في ظروف اجتماعية محددة، ويرون أن “الاجتماع” متضمن في طبيعة الإنسان نفسها؛ يعني أنثروبولوجية الخصائص الاجتماعية للإنسان.
رأي “مصطفى سويف”:
يذهب د. “مصطفى سويف”(10 )، الذي قام بدراسة الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر؛ في تفسيره للعبقرية إلى أن الشرط الأول للإبداع،سواء في الشعر وفي غيره، هو ظهور علاقة معينة بين المبدع وبين مجتمعه وهي صراع يقوم على أساس تصدع “النحن” مما يبرز عند الشخص الحاجة إلى النحن وهذه تدفعه في سلوكه الذي يؤدي إلى العبقرية. فمصطفى سويف يتلمس الدافع الإبداعي في المجال الاجتماعي للعبقري وان منشأ العبقرية هو الصراع بين الأهداف المبدع الخاصة والهدف المشترك للجماعة؛ ويرى أن ما تمتاز به حركة العبقري من عنف إنما يكمن مصدره في أن التوتر الدافع لحركته هذه يستند إلى “الذات” أعمق مناطق الشخصية وأشدها نزوعاً إلى الاتزان.
ويرى أن الشاعر العبقري هو: (1) شخص تنتظم علاقته بمجاله الاجتماعي بحيث تبرز لديه شعور ((بالحاجة إلى النحن)). (2) يكون ذلك ناتجا عن عدة أسباب في المجال((البيئة والشخصية)). ولا شك أن من بين هذه الأسباب الاستعداد الفطري ويتمثل في درجة مطاوعة المادة النفسية التي تظهر في ازدياد نسبة التهويم في الإدراك، وربما شدة الارتباط بين الجهاز الحسي والجهاز الحركي. (3) والارتباط الوثيق بين الجهاز الحسي والجهاز الحركي وخاصة في منطقة التعبير اللغوي، هو الأساس الفطري لاكتساب الإطار الشعري الذي يتحدد مضمونه تبعا للبيئة الاجتماعية للشاعر. (4) وحركة الشاعر كلها ، هي حركة لإعادة تنظيم النحن، يمضي فيها بخطوات ينظمها إطاره الشعري.
تفسير”نوري جعفر” :
أما “نوري جعفر” فيستنير بفسلجة الدماغ في تفسيره للإبداع . فيقرر( 11) أن القدرة على الابتكار صفة مكتسبة تنشأ بالتدريب والممارسة نتيجة تفاعل إمكانيات الشخص المخية مع العوامل البيئية المحيطة لاسيما الثقافية منها في موضوع تخصصه. ويرى أن ثمة، في الدماغ، مناطق مخية ثلاثيـة – كما يسميها علماء فسلجة الدماغ – هي المسؤولة عن الابتكار، وهي تنقسم إلى حسية في حالة الفنانين وجبهية في حالة علماء الرياضيات والعلوم الطبيعية النظرية، فالابتكار؛ بوصفه عملية مخية إليه من زاويـة تركيز الانتباه في موضوع معين لفترة طويلة من الزمن بعد الإلمام الواسع العميق به، يعد نشاطاً عصبياً تقوم به تلك المناطق المخية بعد أن تبلغ الحد الأقصى من الإثارة، بما يؤدي إلى نشوء عملية “عزل مخي” تستلزم “في لحظة تركيز الانتباه” إقصاء أو استبعاد أو إبطال مفعول الانطباعات الذهنية والمؤثرات البيئية المحيطة غير ذات العلاقة بالموضوع لكي تنتشر الإثارة المشار إليها في جميع أرجاء المخ. وعندما تقترن أو تتلقـح – بفعل ذلك الانتشار- الارتباطات العصبية في المنطقة المخية النشطة أو المثارة فان ذلك يشير إلى قرب ميلاد الفكرة العلمية الجديدة أو الصورة الذهنية الحسية الفنية. غير أن ذلك الاقتران السعيد المؤقت لا يتم إلا في أعقاب دراسة مستفيضة تستغرق سنين طويلة. ويكون ذلك، حسب “نوري جعفر”، مصحوباً بحالة صراع مخي مرير يبلغ أعلى مراتبه بين المناطق المخية الثلاثية “الحسية أو الجبهية” المثارة التي تحمل مضمون الابتكار وبين المناطق المخية الأخرى التي مازالت خامدة أو باهتة النور أو ضئيلة الإثارة. وتظهر أثناء ذلك حالات تشنج مخي يجوز أن نسميها “مخاض الابتكار”، وهي حالات خاصة من الصراع الحاسم المرير الذي يحصل لدى كبار الفنانين وعلماء الرياضيات بين المجاري العصبية التي تحمل الفكرة العلمية الجديدة “المناطق المخية الثلاثية الجبهية” أو الصورة الفنية المبتكرة “المناطق المخية الثلاثية الحسية” لقذفها إلى خارج المخ وبين التي تحاول الاحتفاظ بها “المناطق المخية الأخر الضئيلة الإثارة”؛ على نسق الصراع الذي يجري بين المجاري التي تعمل على دفع الجنين إلى خارج الرحم “أثناء عملية الطلق أو المخاض” وبين التي تحاول صده. وعندما يستكمل المولود الجديد مستلزمات ميلاده فإنه – في الحالتين يرى النور في اللحظة الحاسمة بشكل لا مراء فيه. وقصة “أرخميدس” (287-212 ق.م) معروفة عندما اهتدى أثناء استحمامه بشكل مفاجئ إلى حل مسألة أعياه حلها لفترة طويلة من الزمن فخرج إلى الشارع عرياناً ينادي بأعلى صوته… يوريكا… يوريكا… أي عثرت على حل المسألة. “وجدته … وجدته”.
النظرية الانزلاقية الاسترسالية:
يقدم “يوسف أسعد ميخائيل” تفسيراً للإبداع الفني يطلق عليه أسم النظرية “الانزلاقية الاسترسالية”( 12) ، وتعني الانزلاقية أن الفنان يترك نفسه في التعبير الإبداعي الفني بغير إلجام أو ضبط أو مقاومة ذاتية، أما الاسترسالية فتعني عدم استهداف هدف محدد في العمل الفني، بل وعدم التخطيط لما سوف يكون عليه العمل الفني ولا بإزاء كيفيـة الإتيان به أو المقومات التي سوف تستغل في إنجازه. ولكن هذا لا ينفي وجود ما يشبه القوالب أو اللبنات الجاهزة التي لا يصيغها الفنان حسب هواه بل يجدها بداءة وهو ما يطلق عليه اسم قوالب التعبير الفني. وفي اللحظات الأولى من العملية الإبداعية فان الفنان الأصيل يبدأ إرادياً ثم ما يفتأ أن ينزلق في تيار الإنسياق الفني ، أي أنه يخرج من الإطار الشعوري إلى ما هو تحت الشعور أو حتى اللاشعور. فالفنان، في الواقع، إنما ينزلق وراء المجهول ساعياً لخلق آفاق لم يسبق له أن ارتادها أو تخيلها، والانزلاق هذا يحدث حسبما يقتضيه انفعال الفنان ووجدانه وهو لا يعرف مسبقاً الخصائص التي ينوي التعبير عنها. وهنـا ينبغي النقرير أن المنطق يستحدث علماً أو فلسفة ولكنه لا يستحدث فناً. إن الفن لا يسير على هذا النحو 1+1=2، ولا يسير وفق ما هو واقع في الطبيعة كأن يقرر أن الرجل أطول من الطفل، أو أقصر من النخلة، أو أن الغزال له أربع أرجل… فالفنان شخص متحرر من القوالب المنطقية ومن القوالب الواقعية، إن له سياقاً آخر يختلف اختلافاً جذرياً عن السياق المنطقي أو السياق الواقعي. إنه سياق لا يعترف بالصواب والخطأ. ولا بالموجود الحقيقي والموجود الوهمي الخرافي . وأمر الانزلاق الفني كالأمر في الأحلام أو في بعض حالات الجنون. إنك لا تستطيع أن تحدد نوع الحلم الذي سوف تراه في منامك والمجنون لا يستطيع أن يحدد نوع المشاهد أو الأصوات التي سوف يقع عليها ببصرة أو سوف تصافح أذنيه. ولسنا نبالغ إذا قلنا أن الفنان يقع فيما يسمى بالتهويم أو النوم الخفيف، أو قل أنه يكون أشبه بالنائم تنويماً مغناطيسياً. والواقع إن الانزلاق الفني لا يكون خالياً من الانفعالات، بل والمخاوف الغامضة، “كما في الحلم”. إنك في تلك الحالة لا تعرف إلى أين تتجه، فوجدانك يأخذك إلى حيث يريد لا إلى حيث تريد أنت بعقلك. فالفنان متحرر من عقله الواعي من جهة مُسَيَّر بعاطفته الإنزلاقية من جهة أخرى.
ويؤكد “يوسف أسعد” بأننا لا نستطيع، في المراحل الأولى، أن ننسب سمة الإبداع إلى الإنتاج الفني مادام ثمة صراع بين عقل الفنان المنطقي وبين عاطفته الانزلاقية، إلا بعد أن يتحرر الفنان من عقله الواعي ويتم الانزلاق الفني، وإذا حدث هذا الانزلاق فإن الفنان لا يستطيع تحديد هدف لعمله الفني ينتهي عنده، والواقع إن الشاعر أو القاص لا يكاد يعرف حجم القصيدة والى أين تنتهي، ولا متى وأين تنتهي قصته .

نلاحظ أن ثمة تبايناً واختلافاً واضحاً في الآراء والنظريات التي وضعت لتفسير الظاهرة الفنية، ونجد أن هنالك قصوراً في كل تفسير وانعدام التفسير الكامل الصحيح. ولكن الأمر قد يجد له تبريراً من حيث تعدد وجوه الظاهرة الواحدة والعوامل المؤثرة في تكوينها، ثم أن الآراء قد تتحدث عن أشياء مختلفة في الظاهرة الواحدة وليس اختلافاً حول شيء واحد، أي ان الكلام يجري عن أشياء تختلف عن بعضها من حيث النوع وليس الدرجة.

هوامش :

([1])ينظر: في الأدب الفلسفي- د. محمد شفيق شيّا – مؤسسة نوفل، بيروت، لبنان – ط1، 1980: ص51.

([2) ينظر: جماليات الإبداع الموسيقي: ص18.

3 ) ينظر: فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة- د. محمد علي أبو ريان – دار الجامعات المصرية. ط5، 1977:ص ـ ص147ـ 151.

(4 الحكم المعياري: نسبة إلى المعيار والقاعدة، حيث يقاس بقواعده الحكم على الإنتاج الفني.

تفيد نموذج متحقق أو متصور لما ينبغي أن يكون عليه الشيء. ((المعجم الفلسفي: ص220)).

(5) ينظر: الإبداع في الفن والعلم: ص ص61-62.

6)ينظر: الأصالة في مجال العلم والفن:ص ـ ص15ـ 25.

(7)ينظر: الإبداع في الفن: ص16.

([8)ينظر: فلسفة الجمال ونشأة الفنون الجميلة: ص154.

(9 ينظر: الإبداع في الفن: ص19.

(10)الإبداع في الفن والعلم: ص82.

(11)الإبداع في الفن: ص20.

(12)المصدر نفسه:ص21.

13 ينظر: الإبداع العام والخاص: ص ص 26 ـ 27.

(14)  الإبداع في الفن:  ص ص 25 ـ 26.

([1])ينظر:الأصالة في العلم والفن:ص ـ ص52 ـ 53.

(15) ينظر: سيكولوجية الإبداع: ص ص168-169.

 

 

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (4)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (3)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (2)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *