ريم العيساوي: صورة المرأة في رواية “مزون” لمحمد عبيد غباش

rem_al3esaweتصور الرواية تجربة إنسانية وموقفا إزاء الواقع ، كما تبرز مستوى وعي مؤلفها بأدواتها الفنية المتنوعة ،وتعتبر الشخصية من أدواتها المميزة ومقياس جودتها في مدى قدرتها على إقناع المتقبل بالأدوار التي تضطلع بها في واقعها المتخيل ومدى تجسيدها للقضايا التي يطرحها المؤلف .
هل كان حضور المرأة في رواية ” مزون ” لمحمدعبيد غباش حضورا شكليا  جريا على العادة المألوفة في الأدب  بضرورة الرغبة في تحلية الكتابة بصورة  الأنثى       لغرض الإثارة و دغدغة المشاعر ؟
هل كان  حضورها ضرورة حتمية لطرح جملة من القضايا في الرواية ؟
و إلا لماذا جاءت تسمية الرواية باسم مزون؟
هل  مشكلة المرأة كما طرحها الكاتب في الرواية مسألة لمعالجة حقوق المرأة وواجباتها ؟
هل  جاءت صورة ” مزون ” في الرواية صورة واحدة؟ أو رسمت في صور متعددة  جملة من الأسئلة  تحاول هذه القراءة الإجابة عنها.
و لعل صورة “مزون” الرمز هي الأبرز .
مزون المرأة الرمز: أخت ” مطر” التوأم أحبها عبد الرحمن منذ الصغر ، رفض أهلها تزويجها له لفقره ، ظفر بها خاله المسن لغنائه ، نحت الكاتب ملامحها الجسدية على لسان حبيبها عبد الرحمن بأسلوب التذكر :” بوجهها ذي التقاسيم المصغرة والعيون البدوية “( ص 30)  ” ذات ابتسامة عذبة ومشية رفيقة “( ص 53 ) وعلى لسان سلمى :” إنها امرأة نادرة بين النساء ، لن يصادف الرجل الذي يحظى بالزواج منها  مثيلا “( ص30) .
اسم ذو دلالات ثرية ، فهي السحابة المحملة بالخير النافع ، وهي الوطن الذي أغرته الحضارة الحديثة وجرفته ، اعتبرها عبد الرحمن  ضحية النظام الاجتماعي الجديد . وهي رمز العاطفة المكبوتة وبالمقابل  فهي رمز الجسد تحولت إلى مادة تباع وتشترى  جاء على لسان حبيبها عبد الرحمن :” تحولت تلك الصبية الجميلة التي ملأت سنوات صباي وشبابي إلى كتلة من اللحم الخاضع ، ومن امرأة تتوق إلى الحرية إلى ابنة تؤمر فتطيع .. امرأة لا تملك هيكلا بداخلها …امرأة ترضى لنفسها أن تباع وتشترى وأن تكون أداة يقرر عنها أهلها  ” ( ص52 )

وتبدو مزون  ذات شخصية مركبة ومتناقضة  ففي بداية الرواية  تخضع للأحداث وتتقبلها في استسلام ورضا،  وفي نهاية الرواية ترفض الأحداث وتتحراها وهي شخصية نامية من الحب إلى الجفاء تجاه ” عبد الرحمن ” ومن الرفق إلى القسوة تجاه صديقتها سلمى وربيبتها فيما بعد.

تحولت من الوداعة إلى التمرد بعد موت أخيها مطر  بعدم احترامها لفترة العدة بعد وفاة زوجها وذلك بسبب تقصيها   لقاتل أخيها مطر جاء على لسان عبد الرحمن :” تغيرت هذه المرأة التي عهدتها وديعة فإذا بها الآن وهي مدفوعة بغريزة الانتقام لشقيقها تنقلب إلى وحش كاسر ” ( ص102 ). وتجرأت لزيارة عبد الرحمن في السجن وواجهته بحدة وصارحته بمعرفتها للقاتل الحقيقي وأنه يخفي الحقيقة .
جاء على لسانها :” الآن فهمت الأمر أنت هنا لإنقاذ سلمى ، قمتم باختراع الأدلة فقط لتنقذوا هذه المجرمة من الإعدام ..كيف يمكن لك أن تفعل مثل هذا يا عبد الرحمن ؟
أن تضحي بنفسك ولأجل من ؟ لإنقاذ قاتلة لا تحترم الحياة ، حياة شاب في زهرة عمره …”( ص   ) .
وتحولت من النضارة إلى الشيخوخة بعد وفاة أخيها وصفها عبد الرحمن عندما زارته في السجن :”حفر الحزن تقاطيع حادة على وجهها وبدت وكأنها كبرت عشر سنوات على الأقل “( ص100) ” كان الشحوب ينحت على وجهها الجميل شيخوخة مبكرة ”
( ص 103 )
وتمثل مزون صورة من وضعية اجتماعية ، ضحية زواج الكبار بالصغيرات وضحية الطبقية الاجتماعية :”الموسرون منهم يتزوجون فتيات بعمر بناتهم ، مستغلين أموالهم لتحقيق ذلك …”( ص 59 ) .
وهي رمز الأصالة ربط عبد الرحمن بينها والمكان العتيق :” بين خرابتي وبيت مزون كانت هناك حكايات جمة تجمعني وإياها “( ص33 ).
إن صورة مزون ، لم يرسمها الكاتب بمعزل عن محيطه الاجتماعي والحضاري فتصويره لها بكل أبعادها يعكس نظرة المجتمع إليها . أليس المجتمع بنواميسه هو الذي جعل اختيار الزوج حقا للرجل دون المرأة ؟ لم تكن مزون في الرواية صورة للمرأة المعاصرة الفاعلة كما يتطلبها العصر الجديد ولم يفسح لها الكاتب المجال كي تثبت قدراتها وإمكاناتها ،بل صورها صورة مدمرة لنفسها وللرجل ” صورة لمنزلة المرأة
في مجتمع تقليدي، مجتمع لا يرى في العبودية شيئا كريها ، والمرأة فيه أقرب إلى الجارية  منها إلى الإنسان “( ص 42 ) فبدت كائنا قاصرا وهذه صورة سلبية تعكس  نظرة المجتمع التقليدي لها إلا أنها ليست سلبية مطلقة إذ أضفى على صورتها مسحة من الجمال الروحي يبرز من خلال رمزيته للطهر والبراءة وقد ربطها الكاتب في علاقتها بعبد الرحمن بالأرض والطبيعة ، وفي هذا لا يختلف عن الروائيين التقليديين
ولعل هذا الربط يوحي بتخليصها من تلك النظرة المادية والإيماء إلى جانبها الروحي .
وقد بنيت العلاقة بين المرأة والرجل على التضاد فكان مآلها الفشل ،فلا العقد الشرعي ولا العقد العاطفي كانا كفيلين  لنجاح العلاقة .

سلمى المرأة المتمردة : هي أخت حمد وزوجة مطر، فارقته لعدائيته وهي :” تخالف بنات البلد كونها لا تحتمل سيطرة أحد عليها بما في ذلك أبيها ،تزوجت وهي مراهقة لا تعي المدى الكامل لما يعنيه الزواج  … شخصية مزدوجة عنيفة
( ص 8).
تحمل صورة المرأة المتمردة على العادات التي تخضعها للزواج بالإكراه ، تخاطب
زوجها طالبة الخروج من أسر الزواج :”أنا لا أريد الارتباط بك ، والزواج ليس غصبا
أرجوك طلقني “(ص39).
بلغت بها الجرأة للتخلص من مضايقات زوجها بقتله ،تحمل رؤية خاصة لمفهوم الشر
وترى الأشياء بشكل مغاير جاء في الرواية :” كثيرا ما كنت أسمعها تتحدث عن الشر وكأنه نبات شيطاني لا سبب في حدوثه بل كان منطقها يدفعها للإعلان بأنها لم تكن معنية بأسباب حدوثه ، وغير راغبة في فهم الملابسات المؤدية له ،الشر بالنسبة لسلمى كان ظاهرة تحتاج إلى مواجهة نهائية ، وعدوانية زوجها، تعطي الحق لكل ضحية أن ترد بعنف ، وليس أن تنتظره حتى يغير سلوكه ،والطريق الوحيد المباح هو نفي المعتدي ، إلغاؤه من وجود سعى هو نفسه لإلغاء غيره منه . هذا مبرر كاف لقتل الأفعى والعقرب وكائنات البر والبحر الضارة وهو مبرر كاف بالنسبة لسلمى لقتل كائنات الشر الضارة ”  “( ص90 ).
لم تندم على قتل  زوجها مطر ، وأنها سبب لموته وكانت تعتبر أنه إنسان حر وقد اتخذ منهجه في الحياة بوحي من إرادته التي اعتادت العدوان  ، وتتلخص نظرتها للشر في :” أن الطريق الوحيد المباح هو نفي المعتدي وإلغاؤه من الوجود ” ( ص 90  ).
إن سلمى ضحية الزواج بالإكراه وهي صورة مدمرة لنفسها وللرجل نتيجة الضغوط الاجتماعية وهي ضحية الزواج الفاشل ولذلك هي متمردة على قيد الزواج كما جاء على لسان زوجها مخاطبا أخاها :” يا حمد أختك مدت علي يدها أكثر مما مددت يدي أنا عليها كل ما فعلت كان صدها عن إلحاق الأذى بي كانت تقذفني بكل شيء تصل إليها يدها “( ص38 ) .
وسلمى تحمل صفة الأنثى وشيئا إضافيا غير أنثوي :” وراء هذا الشكل الأنثوي الرقيق كان هناك شيء إضافي “( ص 65 ).
كما لها القدرة على النفاذ إلى عالم الرجال وما فيه من خبايا وأسرار ، تخاطب عبد الرحمن قائلة :”أنت كتاب مفتوح أقرأه بوضوح “(ص45)
ولها موقف ورأي من قضية التحول الاجتماعي والتغيرات التي طرأت عليه وما حلّ من فقدان التوازن بين أفراد المجتمع ،ولها نظرة تفاؤلية بالمستقبل :” هذه الظواهر طبيعية  بعد جيل أوجيلين سنستعيد توازننا “(ص42)
ولها نظرة فاحصة وواعية لمفهوم المسؤولية، تقول :” فعلا  مسؤولية كبيرة أن تكون أما أو أبا ، هكذا دون مقدمات تؤهله لرعاية الأطفال والغريب أنهم  يجبروننا على

اجتياز اختبارات شاقة لنتمكن من قيادة السفينة ، بينما إدراكنا لشؤون البيت هو العمل الأصعب مباح دون بطولات “(ص43) .
و تتصف سلمى بالجرأة قولا وفعلا وقد رأى عبد الرحمن في كلامها عواطف مبتذلة
وزيارتها له في ساعة متأخرة تعتبر خروجا عن العادات والتقاليد .

غادة العقل المدبّر:
زوجة حمد ،طبيبة سورية ،ذات شجاعة نادرة تعالج الأمور العويصة بدقة وعقلانية
وتقرأ حساب النتائج وتخطط لها كانت العقل المدبر لطمس ملامح الجريمة  ولتهريب عبد الرحمن من السجن  متماسكة الأعصاب في الأوقات الحرجة   رسم الكاتب ملامحها خلال تناولها القهوة ببرود أثناء عملية التخطيط لإخفاء الجريمة ومن خلال حديثها عن الجريمة:”غريبة بلهجتها الباردة ، كانت تتحدث عن مطر كما لو كان قطعة حجر” ص(69  ) .
تمسك  غادة بزمام الأموروتملي أوامرها على الجميع :” فبل أن نفعل أي شيء
يجب أن نتمالك أنفسنا وإلا فالنتيجة ستكون وخيمة  علينا حساب كل شيء ويجب أن لا نترك المجال للصدفة “(ص 68 ).
و مع خبرة غادة في القانون فهي تنصح سلمى بعدم الاعتراف بالجريمة وإخفاء الحقيقة
وتبدو في هذا الموقف مجسدة الأنثى المدافعة عن بنات جنسها بصورة تخالف الحق ،
ولا تحيد عنه وهي تلوم سلمى على جرمها تقول :” لو كان غريبا عنك لاعتبرت المسألة عملية دفاع ،لكنك زوجته وفي عين المجتمع والقانون من الواجب عليك حينما أخذك عنوة أن تنصاعي ، لا أحد يتقبل فكرة أن تطلقي النار عليه ،لأنه حاول
إعادتك لبيت الزوجية ، وهو لم يهدد بسلاح “( ص69   ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.