الشاعر الراحل محمود النمر : فضاءات الدرويش (ملف/15)

mahmod alnemr 1

إشارة :

في عيد ميلاده الثالث والسبعين ، يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف احتفاء بالمنجز الإبداعي الفذّ للشاعر الكبير “حسب الشيخ جعفر” وإجلالاً لمسيرته الإبداعية الرائعة . وتدعو أسرة الموقع جميع الكتّاب والقرّاء إلى المساهمة في هذا الملف بما لديهم من دراسات ومقالات وصور ووثائق تتعلق بمسيرة مبدعنا الكبير . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية انطلاقاُ من حقيقة أن لا زمان يحدّ الإبداع . تحية لشاعرنا الكبير حسب الشيخ جعفر .

المقالة :

ظهر الدرويش من غيبته المستديمة، حليق الرأس تماما، بعدما كانت هنالك نتف متفرقة على فروة رأسه القلق، ولكنه أجهز عليها، فظهر كرهبان المعابد البوذية يحف به صمته المطبق. الدرويش يجلس بهدوء لا يكلم أحدا، سوى الذين يقتربون من مائدته  للسلام.
… كان يذكر (لينا)، المرأة التي لم يحب سواها، وصفها في كتابيه (رماد الدرويش ) (والريح تمحو والرمال  تتذكر)  بـ( آلهة الخطى المتثاقلة )، المرأة التي كانت تكبره بعشرة سنوات، ولكنها كانت الصدر الدافئ في عويل الريح والغربة في بلاد الثلج.
قال لي: لقد رأيت لينا قبل يومين عندما خرجت من البيت لأشتري سجائر من الدكان القريب من بيتنا، صادفتني امرأة بالشكل والجمال ذاته وابتسمت، تلك الابتسامة والنظرات التي كانت تلاحقني بها (لينا ) عندما كنت اخرج من شقتها. نفس الخطى  المتثاقلة  (والساقين المبرومتين ). لم تكلمني ولم  ألق ِ عليها التحية، ومضت ومازالت مشرقة في عيني .
في محافظة السليمانية كنا مدعوين  لمهرجان  كلاويش عام 2006 ونزلنا  معا وفي فندق بهشتي في (سويت ) مشترك  نزولا  عند رغبته، كنا نسهر حتى الرابعة أو الخامسة صباحا، والمائدة عامرة (بالويسكي )، والمازات التي ما كان يأكل منها إلا (الزلاطة المبروشة ) التي يقدر أن يهضمها بضرسه الواحدة المتبقية. كان يكلمني عن رسول حمزاتوف، وعن دماثة أخلاقه، وروحه الشفافة، ولقاءاته المتكررة به، وعدم تلبية الدعوة التي وجهها له حمزاتوف إلى قريته .
لم يحضر جلسات المهرجان الا ما ندر، وكثيرا ما كان ينزوي في غرفته. وحين أعود أجده لم يزل في عزلته فأطرق عليه الباب، وأحاول أن احتال عليه باختلاق موضوع يثير فيه الدهشة عن المهرجان، أو أدعوه إلى الغداء، ولكنه كان يلح علي بإحضار الغداء إلى الغرفة، فاضطر لمهاتفة مطبخ الفندق. ثم نبدأ بالحفل اليومي مع الخمر المتبقي ٍ لدينا. وحين يشعر أن الخمرة على وشك أن تنفد، نخرج حتى لو كان منتصف الليل، نبحث عن محل لبيع المشروبات، فنتزود كما يشتهي هو، ولا يقبل أن ادفع أي

الشاعر الراحل محمود النمر مع الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر
الشاعر الراحل محمود النمر مع الشاعر الكبير حسب الشيخ جعفر

دينار بحجة أني صاحب أطفال صغار. يساوره القلق دائما كظله، فهو مستنفر ومتوجس على الدوام. يدخن بإفراط حين يشرب وعندما تنتهي السهرة يطفئ آخر سيجارة ويملأ (المنفضة) بالماء، وحين أسأله عن السبب، يجيب ضاحكا: (حتى لا يحيي العظام وهي رميم ). ومرةً وجدته جالسا على كرسي في ممر الفندق فعجبت ُمن هذا الأمر ولكنه بادرني ضاحكا وقال إن العاملات ينظفن (السويت). واستمر بالضحك ثم قال: لو كنت تعلم ما قالته رئيسة العاملات لي هذا اليوم. لقد قالت لي قصيدة سجع! قالت انتم تسكرون، وهم يصلون، وانتم نائمون، فلا ينظفون.
وكان يسرد لي كيف ذهب إلى عمان بعدما اشتدت علينا المحنة ففي عام 1996: سافرت إلى عمان ، واستكتبتني مجلة عمان الثقافية، ومن هناك كنت ابعث بمقالات ثقافية إلى جريدة الخليج الاماراتية، وابعث كل ما احصل عليه إلى عائلتي، وأعيش بما تبقى. كنت وحيدا في غرفتي أنا وكأسي وعزلتي التي رافقتني، ومازالت تزداد التصاقا بي.
في عام 2005 كنا عائدين من الاتحاد الساعة الثالثة ظهرا، وقد اشتدت قسوة العراك الطائفي المقيت. كان ساهما متسمرا في مكانه، وأبواق السيارات تزعق، وكأنها القيامة المزعومة. حين وصلنا قال: سوف لن أخرج بعد ذلك

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

د. قصي الشيخ عسكر: نصوص (ملف/20)

بهارات (مهداة إلى صديقي الفنان ز.ش.) اغتنمناها فرصة ثمينة لا تعوّض حين غادر زميلنا الهندي …

لا كنز لهذا الولد سوى ضرورة الهوية
(سيدي قنصل بابل) رواية نبيل نوري
مقداد مسعود (ملف/6 الحلقة الأخيرة)

يتنوع عنف الدولة وأشده شراسة ً هو الدستور في بعض فقراته ِ،وحين تواصل الدولة تحصنها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *