الرئيسية » ملفات » فاروق مصطفى : مؤيد الراوي / التطواف عند توهجات ممالكه الشعرية (ملف/6)

فاروق مصطفى : مؤيد الراوي / التطواف عند توهجات ممالكه الشعرية (ملف/6)

farooq mostafa 2إشارة :
تقدّم أسرة موقع الناقد العراقي هذا الملف تحية للمبدع العراقي الكبير الشاعر “مؤيد الراوي” في مسيرته الإبداعية الثرة ، ولمسة وفاء له في محنته الصحية العصيبة وهو يقاومها بإرادته الجبارة. تهيب أسرة الموقع بجميع الأخوة الكتّاب والقرّاء المساهمة في الموقع بما لديهم من دراسات ومقالات ومخطوطات وصور . وسيكون الملف مفتوحا على عادة الموقع منطلقين من أن الإحتفاء بالإبداع لا زمن له .

المقالة :
تعودت رؤية (مؤيد الراوي) وهو جليس وفي لمقهى (المجيدية) بكركوك اواسط ستينيات القرن المرتحل، اذهب اليه برفقة صديقي الشاعرين: جان دمو وصلاح فائق سعيد، نقرأ عليه بعضا من مقاطعنا الشعرية المتواضعة يصغي اليها باهتمام ونحن بدورنا نتلقى تقويماته وطروحاته ونحترمها لأننا نعلم انه ذواقة أدبي وفني، فهو بالاضافة الى تعاطيه كتابة الشعر، يرسم وبخط وينقد. وفي كل زورة اليه يفاجئنا بمحاولاته الرائدة في عالم التجريب الشعري، لقد قلت في مقال سابق لي بأنه عد أجرأ من مارس هذا التجريب، كانت الحداثة شاغلته بالدرجة الأساس، همه الأول أن يحرث في أرض بكر ويغرس من الأزهار مالم تألفها أية تربة أخرى، ترك كركوك الى بغداد جذبته اضواؤها وأغرته محافلها الأدبية والفنية، وبغداد في العقد الستيني مقصد عشرات الأدباء والتشكيليين والفنانين من مختلف المحافظات يبحثون فيها عن رفقة أدبية أو تعاطي مغامرة أو التعرف على مكتباتها ومسارحها وصالات عرضها السينمائي فكنت تراهم محتشدين في مقاهيها المطلة على شارع الرشيد أو المبثوثة في فرع سينما الخيام أو المنتشرة في الفروع المؤدية من شارع السعدون الى شاطئ أبي نؤاس، وكلهم يحلمون بالشهرة والصداقة والمغامرة وبغد أفضل سوف يصيبهم ويصيب الآخرين، وهكذا هبط (مؤيد) الى بغداد وفي زوادته اشواقه وأحلامه وتخطيطاته، عمل في صحافة العاصمة وانتقل في صحف عدة وأذكر آخر جريدة عمل فيها جريدة (النصر) وكان يحرر فيها صفحة تحمل عنوان (الانسان والفكر) وقبل أن يغادر (الراوي) العراق عام 1970 قدم مجموعة شعرية الى الطبع حملت عنوان (نزهة في غواصة) اشتملت على قصائده الستينية المضخمة بالتجريب الا ان الرقابة انذاك لم تعطه الإجازة اللازمة بنشرها، ثم صدرت مجموعته التي حملت عنوان (احتمالات الوضوح) ببيروت عام 1977 ، وها هي مجموعته الجديدة تعانق النور وهي تحمل عنوان (ممالك) والصادرة عن دار الجمل عام 2010 والصفة الغالبة على نصوص المجموعة اتسامها بالتطويل أي المطولات الشعرية التي تحمل نفسا ملحميا وتنبسط على البراري الفسيحة وتسمح فيها للمخيلة ان تشتغل على عوالمها المبتدعة، ان نصوص مجموعة (ممالك) تسحر المتلقي وتلهب مخياله فيجد نفسه يعدو خلف الغزلان الشاردة بحثا عن مفاتيح muaiad 5هذه المعاني للولوج الى مغاليق هذه الممالك المترامية وهو مندهش ومنبهر بهذه الرؤى التي يسوقها الشاعر وهو يعبر من مملكة الى أخرى وقدماه تضربان عميقا في اغبرة الطرقات الصاعدة والهابطة المغتسلة في ضوء النجوم البعيدات يقول مؤيد في نصه المعنون “ممثلون” ص13.
“مسرح للغواية تلك الممالك
والناس يتدافعون لنصب العروش
في هذا المسرح ينبغي
ان نعيد التكوين قبل الكلام”
يصرخ الانسان في هذه الممالك الممتدة فهو ممتلئ بالاحداث التي اجترعها فلم تعد الاقنعة تستره لأنها تمزقت والزمن هو الآخر لا يرحم لأنه زمن رديء شائخ الوجه وان الخناجر تتعمق في شغاف القلب:
“هذا الزمان بعد عقود من الحرقة رديء
يطوي الوجوه ويسرق الدفء ثم يعري العظام
تحيط بك مملكة تآخى الناس فيها والضياع”
يورد الشاعر مقتبسا من الكاتب الأمريكي اللاتيني (خوان رولفو) ويضعه بصدر قصيدته التي تحمل عنوان “تأويل المكان”.
“هل أنت متأكد يا سيدي من أنها كومالا
متأكد يا سيدي ، ولم تبدو كئيبة؟
انه الزمن يا سيدي”.
فالزمن يترك علاماته المكلفة علينا ويغرس تضاريس العيش باحباطاته المتغولة، وينطفئ البرق وتظلم العلامات فلا يسعنا في حياتنا ونحن نصعد ونهبط سلالمه المتآكلة إلا أن تستهدي بقناديل الكلمات، يقول الشاعر:
“إنها القيامة يا سيدي وعود هذه العلامات
ينطفئ البرق
فنبحر في مسافات العلاقة على ضوء الكلمات”
ونجد في المجموعة تناصات عدة تثب من خزين الشاعر القرائي الى نصوصه فهو قارئ وهاضم للتراث الإنساني الأدبي، يقول (مؤيد) في نصه المعنون بـ (ممثلون):
“في ذلك المسرح الآن احداث لا تحدث
يلغط الحكواتي مخدرا نائما
ثم يكرر الرواية نفسها ويلوكها”
يتناص المقطع هذا مع قول شكسبير في مسرحيته (مكبث)
“ما الحياة الا ظل يمشي ، ممثل مسكين
يتبختر ويستشيط ساعته على المسرح
ثم لا يسمعه أحد، إنها حكاية
يحكيها معتوه ملؤها الصخب والعنف
ولا تعني أيّ شيء.))
والجدير بالذكر أن هذا المقطع الشكسبيري جعله (جبرا ابراهيم جبرا) عتبة للدخول الى المقدمة التي وضعها لرواية (الصخب والعنف) لـ (وليم فوكنر) بعد ترجمتها الى اللغة العربية.
في مطولة الشاعر التي تحمل عنوان (جليل القيسي، حارس المدينة) وهي القصيدة التي قرأناها على صفحات جريدة الصباح الجديد العدد 441 ومهد لها الشاعر الناقد د. مالك المطلبي” ان اسم مؤيد الراوي تأريخ طويل من مقارعة الظلم والاستبداد بحثا عن النور الانساني خارج مسميات الانساب الدموية ، تاريخ طويل من الابداع المترامي الأطراف عبر شبكة الفنون كلها” والمطولة مكرسة الى (جليل القيسي) الذي فضل البقاء في مدينته كركوك بينما صحبته كلهم في جماعة كركوك خرجوا الى بلاد المنافي البعيدة، وكان كلما غادر واحد منهم البلد اثقل الحزن جسد (القيسي) واناخ بسواده على روحه ولسان حاله يقول ما هذه الأوربا العجوز التي تسحب الاصدقاء واحدا تلو الآخر، وكان يتألم في مكانه حد النخاع عندما يراهم يلمون اشياءهم ويلقون كلمة الوداع وجاء يوم اكتشف نفسه انه ترك وحيدا يحرس قلعة كركوك منفردا ويرتاض على نهرها المهجور.
” رأيتَ مالم نر
في محجريك عينان من عقيق
ابصرتنا نرحل بريح خفيفة تضرب قلوعنا
آملين الدهشة ، نحمل جمر ما سيأتي”
يسرد (مؤيد) تأريخ المدينة المدحرجة من القلعة، التاريخ المخضب بخضاب نهرها الطيني الذي يدمن الجريان شتاء ويسكت عن تصهاله المائي صيفا فالنص يجمع بين مبدعين من اقطاب خلية كركوك الثقافية ، مؤيد الراوي بقامته الشعرية السامقة وجليل بقامته القصصية والمسرحية المتجددة وهو دليل على ان نسغ الابداع والتجديد والابتكار ما زال متدفقا في شرايين هؤلاء الصحب المجددين .
ويكرس مطولة اخرى من مطولات المجموعة الى جان دمو (1942 – 2003) جواب الشعر الابدي وجوال الارصفة التعبى ، الهائم تحت أمطار الشتاء والذي اغمض عينيه الاغماضة الاخيرة في بلاد الشتات في سيدني البعيدة، جان المستوطن خارطة صعلكاته والمتبرقع خلف رذاذات انسطاله وانتشائه، يقول مؤيد مخاطبا جان:
” بينما تنصت ، لنداء غامض يحمله طائر نحيل
سرعان ما يفقد جناحيه الهواء
فتوشك انت على البكاء”.
(جان الذي جمع له أصدقاؤه اضمامة من نصوص المبعثرة هنا وهناك واصدروها له تحت عنوان (أسمال) ويقال ان العنوان كان في الأصل (أسمال الملوك) الا ان الرقابة حذفت الملوك وأبقت على (أسمال) وتركها (جان) تجف في حماوة الشمس ويحتمي بها في ذاك العراء العريض.
:كأنما يرتدون اسمالك
ومن نبيذك يشربون ، تعرف ذلك
وروحك تضحك هازئة بالوجوه”
وفي المجموعة إشارات إلى الكثير من الأحداث السياسية والظواهر الاجتماعية التي تجد على موائد الوطن وتنعكس بالتالي على حياة العراقيين الذين ظلوا داخل بلدهم أو الذين رحلوا الى خارج حدوده وتشتتوا في ارجاء العالم بحثا عن ملجأ أو مأوى يدارون فيه جراحهم النازفة كما نلمس ذلك في نصه المعنون بـ (في غفلة من نوح) ومؤيد السائر مع نصوصه يستذكر مدينته كركوك وبلاده العراق وتأريخه القديم المتوهج بالعلامات السومرية والمبرق بالإشارات والإيقونات الأكدية:
“تعويذة على هيئة روح ماثلة
جندي من أور، أو كاهن ملكٍ من لكش
لوّح لجيش سركون
ودلهم الى بحر الجنوب”.
وأخيرا مؤيد الراوي قامة شعرية سامقة فهو صاحب الانجازات الشعرية (نزهة في غواصة) و( احتمالات الوضوح) و(ممالك) وصاحب الفتوحات السردية التي ابدع لنا فيها نصوصا لن تسقط من ذاكرة المتلقي بسهولة مثل (زيارة لينين) و (المكان الأول) وهو في هذه النصوص يشتغل على رؤى تنفتح على اقاليم متوسعة تتوهج فيها مخيلته الشعرية القادرة على الابتكار والإدهاش وقنص كل لافت مثير.
* عن موقع موسوعة تركمان العراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *