الرئيسية » نصوص » رواية متسلسلة » برهان الخطيب : منازلة مع القدر

برهان الخطيب : منازلة مع القدر

borhan 5إشارة :

يواصل الروائي العراقي برهان الخطيب على مواقع الانترنت من حين لآخر نشر فصول من روايته الجديدة “الحكاية من الداخل” المهيأة للطبع قريبا، وقد جاء في سياق الفصل المنشور اليوم على موقع عينكاوة بأن العرب يحوّلون سيوفهم إلى خوازيق لهم، لأنهم بلا أعداء، يقول الظاهر من الإعلام، لكن الباطن يقول أنهم حين يعثرون على عدو بعد بحث مضني طبعا يقصون ألسنتهم هم لا لسان عدوهم، لأنهم مؤدبون  جدا لا يريدون نطق كلمات بذيئة حتى لعدو، ذلك التحويل العبقري المبتكر ربما على غرار تحويل السيوف إلى محاريث في روسيا السوفيتية قديما.

النص :

رأسي والمخدة والأفكار راع وفلاة وأغنام.. ملف رافد ليس ملف أمن، معلومة م خ ليست في خزانتهم، لو وصلتْهم حينه صرتُ في خبر كان، إلاّ إذا هم مثلنا “تقدمية” من نوع خاص خفي جدا حسب آخر همسة، الخال لا يشي بابن الأخت أو غضوا النظر لخاطره باتفاق، أو لصغر السن، أو لترشيد إنفاق باقتصاد أنفاق.
كلمات رافد ترجِّح حداثة تدبيج الملف، لا قبل الغزو ولا في بغداد، لم يُحرق أثناء الغزو، وأوراقه ممتدة من محيط إلى خليج، في ذاكرة، في درج، في شريحة حاسوب، في قلب حبّوب، مَن وأين لا أدري، رافد ملم بتفاصيل يبسطها أمامي ينتهي فصل الرواية الوليد باستنتاج: الواقع أغنى من خيال وخبال، له أكثر من صورة حال.

لعبة الخطر يمارسها اثنان من تلاميذ المدرسة أحدهما رافد، الثاني أصغر بعام ابن مدير شرطة اللواء، تبدأ بريئة تتضح نهاية اليوم جريئة، وبعد نصف قرن غير برئ يتضح إنها بطريقة ما بريئة من ناحية مقابلة، تأدية واجب وظيفي، شرعية، حتى لو نهايتها فصل عن قتل في بلدان تدار بأداء غير مستقيم.. إلى أبعد مما لا يدخل في حساب مشاركين.
يدعوني زميلا المدرسة إلى بيت أصغرهما لحفلة عيد ميلاد.. استغرب. أذهب إلى محل خياطة والد رافد، معه نتوجه إلى بيت زميل المدرسة بمحلة التعيس، ساحة ترابية واسعة أمامه، تلاميذ سبقونا إلى سقيفة العنب، وعلى طرف الحديقة اثنان يلعبان الريشة.
نجتاز الباب المفتوح إلى الطابق الثاني مباشرة، رافد يعرف البيت وكيف يتصرف: خليك منهم أنت أشطر..
زميلنا ابن الشرطي وراء مكتب أبيه، أوراق مهمة هامة بين يديه، انشغال مع شاي وكعك، يفصح متعاليا: لعبتنا خاصة مختصرها إنصات على رعاع السقيفة هناك، نقل كلامهم إليَّ لعبة سهلة لكن مهمة، أنت شريك رافد، الصغار الأذكياء أفهم من الكبار أحيانا.
أدهش، ماذا يحل بالولد؟! يقلب حاله على بطانة، يمثل؟ سينما؟ شغلته مع رافد غريبة، ثقتي أمام الأصغر تُختبر، شطارته تقتضي الحذر، بمعرفة قد يتغلب غبي على ذكي في سمر. و بكلية الهندسة مع معادلات الرياضيات أرى الذكاء من غير غذاء لا شيء، فوق مثابرة ونظام، إصرار وتركيز خيال. الصغير بجد لا معهود:
_ لعبتنا لا تختلف عن الجد يمكن الكسب منها تصير مليونيرا.. رافد نفحصه مرة أخرى للتأكد.. برهان يصلح على أي مستوى؟
رافد ممتثلا: اختبرته سابقا سيدي.. يحفظ السر يسمع الكلام.. ذكي يكره الحكي.
الصغير متظاهرا بالاهتمام بالأوراق بين يديه:
_ نأخذه لكن عليه المشاركة دون اعتراض على الأوامر.
الصبي البريء الذي هو أنا يتلفت غير فاهم في البداية، يسألني رافد:
_ تريد المشاركة معنا طائعا أو لا تريد؟
_ خليني أفهم القضية.. لعب هذا؟ تمثيل؟ الوجوه ليست وجوه لعب!
يخرج الصغير ابن الموظف من الغرفة مهموما. يشرح رافد:
_ لعبتنا ساعة ساعتين يجوز العمر كله، تنفع تكسب قال رئيسنا، المطلوب ذكاء تحمل كتمان.

أحتار، أنا المعتاد على أفلام هوليوود مع والدي وبعضه معقد مثل (كازبلانكا) أفهمه، أغوص في ألغاز سلسلة (أسرار الآلهة) في مكتبة البيت، أشكال أنواع قصص أطفال بين يدي، بوليسيات لوبين، مواعظ أنبياء، أسطى بارع حضرتي بكل أنواع اللعب في دروب ولايتنا إلاّ (البدلي) أرفضه مفرد جملة، والمسموع في مكتب الزميل ابن “البوليس” لا يشبه بغرابته كل ذلك، رائحته مشبوهة رغم تشويق وجاذبية. بتأن يشرح رافد:
_ لعبتنا شديدة التعقيد جدية، أنت وأنا وابن المدير وأولاد أذكياء غير مخّاط وسخين تحت السقيفة، عددنا مع الأيام يزداد علينا الاتحاد عصبة كبيرة تهز العراق لا أحد خارجها يعرف داخلها، ولا أحد داخلها يعرف كل ما فيها، أنت وأنا نتفق لا ندع حتى ابن المدير يدري ما بيننا، الإخلاص داخل عصبتنا على مسألة بين واحد وواحد، ثم مع غيرنا من العصبة على مسألة ثانية، فثالثة، يبقى السر في صون وحفظ تنجح العصبة في كل مكان بلا دعاية.
_ أول مرة أسمع عن ها اللعبة!
_ لا تنس مَن نحن وأبناء مَن.. نحن علية القوم في المستقبل!
يعود ابن الموظف إلى الغرفة يهمس في أذن رافد، بخرج رافد هذه المرة..

هذا الصغير يشبه ممثلا غربيا، حمندي أصغر مني، لا يقرأ قصصا يتكلم أفضل مني، يدهشني عقله خططه غموضه، يثير الفضول، يقاطع سبابته وشفتيه يذكّرني:
_ بس أنت وأنا نعرف.. رافد نو.. أعطيك..
يتلفت، جميل الطلعة، ربما يتذرع لفعل (بدلي) أستعد لسماع الأثقل، لأعرف أكثر، أقول ما عندي ممكن في أي وقت. يضيف:
_ أعطيك اسما سريا كذلك لرافد ونبقي كلامنا خاصا بيننا.
ينفخ إحساس أهمية فيّ فيه، إلوهية، يجعل الموافقة على ما يقول تلقائية، القرف من البدلي يوقف عند حد.. يضيف الرئيس المفترض بحرفية عالية:
_ أعلمك ماذا تقول وكيف تتصرف ينجح لعبك.. انتظر..
يذهب إلى الباب ينصت لما يحدث وراءه، يعود يكمل خفيض الصوت:
_ مثلا أطلب منك تذكر ما يقوله رافد أو أبوك عندما يكون في غرفة خطار بيتكم مع صديق، تتظاهر تبحث عن شيء أضعته في الغرفة وراء أو تحت الديوان، تدخل خفية تختبئ وراء الستارة، تلعب مع أختك ختيلة تسمع ما يقولون، تحفظ في رأسك و تنقله إليّ..
أسأله فاغرا فمي مثل فرس النهر: بعد ذلك تنتهي اللعبة؟!
_ أهووووه لا تنتهي اللعبة طويلة المهم موافقتك للاشتراك لكني أقول لرافد رفضتك وتنقل إليّ بعد شهر شهرين كلامه مع جماعته أو كي؟

جاسوسية كلمة جديدة في أذن الصبي من مهرج السينما، من الراديو، من كتب عالمها غريب، كلمة من صنف ميتافيزيك، ديالكتيك، بوليتيك، كلمات عرّقها أهل سوق الدجاج: بلاتيقا لبوليتيك، ينراد لك تدليك لديالكتيك، ميت يفز ينيك لميتافيزيك وهكذا. أما الجاسوسية فهي باقية كما هي سو سي فيها تؤهلها لتعني صليل السيوف لكن العرب حولوا سيوفهم من زمان لخوازيق، لأنفسهم طبعا، لأنهم بلا أعداء، عثروا عليهم عقروا لسانهم هم، يبقوها أيضا ولو حلويات لأنفسهم يقارعون بالحجة الأحسن، فظلت كلمة جاسوسية عند أهل سوق الدجاج من غير تعريف حتى عرّقها والده أخيرا: شيء لا يخصنا. لذلك لا يربطها الصبي بحديث رافد والآخر أخوان ماركس ينعتهما بعد حين على مذهب الفيلم الكوميدي الشهير، لا يمكن نسيانه خلاف مذهب عويص لمرقص الحقيقي وزميله، فيما يشعره تأكيد زميلي الأنس رافد وابن الموظف على ضرورة إخفاء اللعبة حتى عن والده غير المهتم بالسو سي إن فأرا يلعب في عب يراد إنزاله في منزله وعليه أن يقرر: البقاء قرب والده في مرح ودفء ومحبة أو الانضمام إلى اللعبة إلى مجهول إلى ظلام وأصوات غامضة.
لا يتردد الصبي في قراره أول وصوله البيت يقول لأبيه متظاهرا براءة: تريد أن تكون معنا في لعبتنا؟ لا يصدق أبوه أذنيه حتى بعد فر محزم لباسه الطويل مرات يثبته طبعا متجنبا سقوطه بتقلص البطن غضبا وحنقا. يؤكد ابنه:
_ الكبار أيضا والبنات الكل يشارك فيها.. بشرط..
يسمع والده النظام الداخلي للعصبة وبقية الاعتراف المهيب تتراقص سبابته عصا قصيرة متوعدا لا يدري مَن بخيال رحب لاهب:
_ نظامنا الملكي إذا اعتمد على جهال وفالتين من قانون في ضبط الأمن قل عليه سلام غير عادل. أبو زميلك مدير دائرة مهمة لكن أخليه يندم على استخدام صغيره في لعبته الكبيرة. أولاد السعلوة يتجسسون عليّ بواسطتك! أريه ماذا يعني أن يكون معلم انكليزي معينا بإرادة سامية من جلالة الملك.

يهرع والده بلباسه الداخلي إلى الشارع يتذكر يعود لوضع قيافته، تصيح الأم إلى أين في هذا الليل البهيم وماخور أبو زكي عزّل اترك الموضوع للصبح. يرد والده كاتما غيظه: لو أنا موظف لعوب كذاك الكلب اتفق مع ابني يستمر في اللعب نرى ماذا يريدون، غدا إلى وزير الداخلية إذا لم يعتذر الحنقباز الليلة وابنه لي.

لا يعود والد الصبي إلاّ قبل منتصف الليل ضاحكا قد تناول بعض الكؤوس وقَبلَ من موظف الشرطة مزاحا بعد إلحاح وتفانين:
_ أبو برهان كلانا يخدم الدولة فلماذا تزعل! لا تغضب كنتَ فعلا لعبتَ أنت أيضا مع ولدي وصديقه تعرف عني عنهم ما تريد، هكذا يصير النظام أقوى والأمن أشمل أما ذلك السرسري ابني أعرفُ شغلي معه صباحا للعبه بأسرار المملكة.. الآن أفهم لماذا يميل شعارها هذا على الحائط بعد كل تعديل!

يرفع الأديب الأشيب رأسه عن ورقته يخاطب جمهور الأمسية تعباً:
_ لو الوالد بينكم يمتعض حتما يقول.. هكذا أنتم الكتاب تحوِّلون التراجيدي إلى كوميديا في نصوصكم حتى على حساب جدارة شخص مرة جرى في لباسه وراء ابنه إلى باب البيت بعد وقاحة وتاب وأنت تقعد تقوم تصفني هكذا منذ رحتَ تكذب اقصد تكتب.. ناقص تقول كنتُ أرقص دانص بالفانيلة واللباس كل ليلة مع بائعات سوق الدجاج وتسبق الطليان بواقعيتهم الجديدة الشعبية!
مهلا والدي لكل نقد نقد مضاد، الرد هكذا معتاد: مسافة بين الواقع والفن تبرز جمال كليهما، بلوحة، شعر، رواية، أو غيره.. خلافه الفن عرض حال، وثائقي.
لا يتخندق رحمه الله في شخصه، روحه ترفرف دائما فوق ذاته، أراه في الشوق يطل في كرم مبتسما، منه مرحي مع عدم نسيان الجَد، النقطة نهاية سطر، لبداية واستكمال معنى.
وقد يتغاضى عن الامتعاض يقلب صلة الفن والوثائقية بقوله إن الفن يستوعب الوثائقية، والوثائقية تصيب بعض الفن بالأرشفة.
أذكر عنه أكثر من ملاحظة عن شأن وآخر في مكان يتسع بالمحبة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *