وتبقى الكلمة (12)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد (ملف/27)

Zeki aljaber

إشارة : 
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيله حيث غادر عالمنا في الغربة يوم 29/كانون الثاني/2201 . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة .هذه المادة المهمة التي تكشف ثراء ثقافة الراحل وتعمّقه في حقل مضاف هو المسرح وصلت من الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد فشكرا لها .

النصوص  :

عراقيات
اختيار*
أربعة قد وقفوا في حضرة السلطان
قال لهم: ’’من أنتم؟‘‘
أولهم قال، وأحنى رأسه:
’’يا سيدي، أنا معلم الصبيان
أعلّم الحساب والكتابه
والحب للنبيّ والصحابه‘‘
ثانيهم قال، وفوق وجهه علامة البلاهة:
’’يا سيدي، أنا، أنا
مهرج أرقص في الميدان
كالقرد أبدو مرة
ومرة أظهر كالشيطان
أنطق كالحمار تارة
وتارة أنهق كالإنسان!‘‘
ثالثهم قال، وفي عينيه لمعة البروق:
’’أنا، أنا الخبير بالمطر
والريح والشجر
وأعرف الأوان قبل لحظة الأوان!‘‘
رابعهم قال:
’’أما أنا
– وهز خصره –
فإنني النخّاس
بضاعتي النسوان والغلمان
يا سيدي،
يا سيد الصولة والرحمة والأمان‘‘
قال له السلطان:
’’كن الوزير المؤتمن
يا صاحب الحكمة والدهاء والفِطَن
يا حارس الوطن‘‘
وقال للثلاثة:
’’طوبى لكم،
أصبحتُم من خدم السلطان‘‘

* نشرت في المغترب (كندا)، 4-6-2003

كربلاء
يا سيدي الإمام
هم يقتلون شيعتك
لأنهم يبكون
وكربلاء لم تزل،
كعهدها،
دارة كرب وبَلا
وعلى الرمضاء صرعى
ودموع ودماء!
وعلى أرض العراق
يتخطّى ألف شِمرٍ
وعلى ناصية الحكم يَزيد
– – –
يا سيدي الإمام
هم يقتلون شيعتك
لأنهم جَوعى
وجوعهم لما يزل يجوع
أكواخهم تساقطت
وطارت السقوف بالرياح!
– – –
معذَّبو الصرائف
يا سيدي الإمام
يُقتلون
أقدامهم تثاقلت بالماء
والطين والطحالب
بطونهم تزحر بالزحار
أعراقهم ناتئة على الجلود
ذابلة، تموت قبل أن تموتْ
ويسعلون، يسعلون
يا سيدي، ويُقتلون
وكربلاء لم تزلْ،
كعهدها،
دارة كربٍ وبَلا!
الذلّ
لم يكن الذلّ في وطنك
قناعاً يختفي فيه وجهك
كان في نظرة الحزبيّ
وتبختر الديكتاتور
وزنزانة المخابرات
وفي منفاك
لم يكن الذلّ في الابتسامة الكاذبة
والوجه الأبيض
والعين الزرقاء
إنّه في الهواء الذي تتنفس
أمن يَهُنْ
يسهل الهوان عليه؟!
هل تتذكر؟
الريح تهبُّ عليك من كلِّ الجِهات
في آن واحد!
حاملة إليكَ
رائحة الكتب في سوق السراي
وأصداء خطواتِك
وأنت تُحصي أعمدةَ شارع الرشيد
كم كان عددُها؟
هل تتذكر؟!
دورة المنفى
يصحو
يحتسي شايه
يأكل
يسكر
يحكّ فروة رأسه
ينتظر يوماً آخر
ينام
يصحو
يحتسي شايه
يأكل
يسكر
يحكّ فروة رأسه
ينتظر يوماً آخر
ينام
لا يصحو!
(1)
ليس حلماً
رأيتَ أحد عشر ذئباً
تفترس ملايين الجياع
يوسف
ليس حلماً ما رأيت!
(2)
الدكان
فتح دكاناً لبيع الكلام
في حارةٍ لا تشتري إلا الصمت!
(3)
الزيف
عندما يصمت الكلام
تتكلم الحقيقة!
عندما يتكلم الكلام
يصرخ الزيف!
(4)
السفاح*
لم تصدق نبوءة أبي العبّاس السفاح
حين قال:
’’لن يظهر بعدي
من هو أظمأ مني للدماء!‘‘

* نشرت في صحيفة Chaldean Detroit Times (الولايات المتحدة)، 15-1-2014

(5)
الرباط
كلما وقف الطاغية أمام المرآة
ليحكم رباط عنقه
تراءى أمامه متدلياً
حبل المشنقة
(6)
جبل سنام*
عند أطراف صحراء الزبير
يهدأ ’’سنام‘‘
كلما اقتلعوا منه حجارةً
زاد ارتفاعاً!

* يرجع إلى هامش العراقية 4

(7)
عن شاعر
قبل أن يقطع السلطان لسانه بالذهب
قطع ضميره بالخيانة
(8)
جميل بشير
بكفّه الراعشة
أمسك جميل بشير ريشته المنكسرة
وعزف على أوتار عوده المنكسر
لحن الانتصار!
(9)
القبر
شوهد حفّار القبور
يرقص طرباً
على قبر يمتد بين دجلة والفرات
(10)
ركوب
ركبَ الموجة
فركبته!!

قصائد للحبّ

بوح*
أنتِ الضياء، وأنتِ الماء والزَهَرُ       وأنتِ أنتِ الهوى والشعر والسهرُ!
وأنتِ أنتِ انثيال الفجر قبّله          من خطوتيكِ نسيمٌ ساحرٌ عَطِرُ
وأنتِ أنتِ المنى، لا حدَّ يُوقفها     وقد تناهت، فلا خوفٌ ولا حَذَرُ
وأنتِ أنتِ الدنىٰ، ألنجمُ سجوته    منها، وفي مقلتيها يسبح القمرُ
وأنتِ أنتِ التي ما زال يُسكرها     مني غناء سقاه قلبيَ السَكِرُ
منحتِني خمرة الإلهام، أرشِفها     فأملكُ الكونَ تَيّاهاً بِيَ الوَطرُ
وكلّ عامٍ لنا كأس مُعَتّقة             تُسقى بها الروح والأيّام والوترُ
الرباط
3-10-1995

* لم يهجر زكي الشعر التقليدي ذا الشطرين، وإنما ظل يعود إليه الحين بعد الحين، وقد تتضمن القصيدة الواحدة، احياناً، النوعين معاً.
تمضي الليالي
تمضي الليالي، وعندي ألف أغنيةٍ      أُحسُّها في دمائي نشوة العُمُرِ
عن ضحكة الشمس للأنداء والزَهَرِ      وفرحةِ الكأسِ بالأضواء والقمرِ
وعن صلاتيَ لليُنبوع تغمرني             آلاؤه بالرذاذ الراقصِ العَطِرِ
عن مقلتيكِ، وعن همسٍ يحدّثني       بما أشاءُ من الألوان والصورِ
يا طفلة الشوقِ، يا نجواي في سهري لا زلتِ أنتِ الصدى واللحنَ في وَتَري
لا زلت أنتِ عتاباً شيّقاً ويداً               سكرانة كالهوى تنساب في خدر
ماذا أغنّي، وكلّ الشوق تحمله          عيناكِ في رعشة الأطفال للمطرِ

بغداد
25-12-1968

ثلاث مقطوعات إلى امرأةٍ أُحبها
إلى عام 1995
أيها العام
تمهّلْ قليلاً
دعني أولاً أقبّلْ حبيبتي
ثم اعبر بنا سوياً
إلى الضفة الأخرى

أيتها الريح
قال الفتى في غمرة الضياع:
’’أيتها الريح
تعبتُ
إحمليني إلى أحضان الموج‘‘
حَمَلتْهُ
ألقته في أحضان امرأةٍ
تعشقه!

اللوحة
رسم الفنان اللوحة
العينين
الشفتين
والشَعر القفقاسي
ثم الشجرة المائلة!
طوّقها بإطارٍ خشبي
قبّلها!
فسرت فيها الروح
وأوراق الشجرة
تتساقط فوق الفنان!
الرباط
30-12-1995

أصغيتُ للنجوم ذات مرة
أصغيتُ للنجوم ذاتَ مرة
في ليلةٍ صيفية تنث دفئها الجميلْ
ملتّفة بشَعرها الطويلْ
وضعتُ في شوارع استوكهولم
تناقلتني خطوتي
من شارعٍ لشارع
لساحةٍ، لزاوية
تعبتُ حتى ضقتُ بالتعب
سماء هذه المدينة
مسكونة بالليل
نجومها تصلبها أعمدة الضياء!
دخلتُ مكتبةً
في ركنها الشرقي في زاويةٍ
تقاطعت على جدارها الظلال
وجدتُها تهمس بعض حينْ
تقراُ كلّ حين
حكاية عن عاشقٍ
يضيعُ كلّما
يُصغي إلى النجوم!
الرباط
19-12-1996

فهلاّ جئتِ بالعنب
وإني ألمحُ الدنيا على لمحٍ بعينيكِ
وإني أرشف الأنداءَ من أنداء كفيكِ
هجيرٌ كلها الدنيا
وأنتِ الظل رفّتْ فوقه النسمة!
وصمتٌ كلها الكلمات
وما عندي سوى كِلْمه!
حياتي أنتِ، يا فجراً
يُطلّ، وعالمي ظلمة
فما أحلى
ظلال الحزنِ ذابت عندها البسمة
وما أشهى
رفيفاً يسكن الخدين
في ساعٍ من العَتَبِ
وما أنقاكِ لو عاتبتِ
وما أصفاكِ، يا غضباً
أليس الدفءُ في اللهب!
– – –
سَكرتُ وخمرتي ماءٌ
فهلاّ جئتِ بالعنبِ!
الرباط
3-10-1988

الماء والنار
عندما لا أكتب الشعرَ
وأحيا صمتيَ المرَّ الطويلْ
وتضيق الأرض، لا شيء
سوى الريح وأصداء العويلْ
عندما تنكسر المرآةُ
والضوء تراءى
مِزَقاً، تعكس آلاف العيونْ
تختفي في رأسي المتعب شمس من جنونْ
الشِفاه الظامئة
احترقتْ، والبحر صحراءٌ
وفي قلبي احترقتِ
– – –
أيها الوجه الجميل
أيها الوجه القصيدة
أيها الريّ، ارتويت!
ولكن، آه ما زال الغليل!
الرباط
11-8-1994

رسالة بسيطة جدّاً
حبيبتي، يا أجمل النساءْ
يا دفقة الضياءْ!
يا ضحكة الزهرة في الصباح للندى
يا رفّة المدى!
إن صراع النجم والظلام
والنور والقتام
ما زال في الأرضِ
قد يُخرس الضلوعْ!
قد تغرق الدموع في بحيرة الدموعْ!
وتورق الأحزان!
حبيبتي، سيولد الإنسان
ستولد الثورة!
لا تَبعُدي
الرباط
21-1-1994

انتظار
على شفتيّ يرف حنينْ
ونجوى خيالٍ
ولُقيا قصيدة!
وبين لهاتي والحنجرة
خيوط مرارة
ورؤيا تغيم على المقلتين
تغوّر ضوء النجوم
وفي الكأس يهتزّ ظلّ الثُمالة!
أيحتاج بعض الغناءْ
لبعض بكاءْ
وبعض انكسارْ
متى يمنحُ الماءَ هذا الحجرْ؟
– – –
وتأتي القصيدة
غلالة دمعٍ
ورؤيا
وتأتينَ أنتِ!
الرباط
20-12-1996

شاهد أيضاً

حيدر حسن جابر: البنية السردية في روايات سلام إبراهيم (رسالة دكتوراه) (9) (ملف/38)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

د. خزعل الماجدي: حقول الياسري (ملف/125)

إشارة : يسرّ أسرة موقع الناقد العراقي أن تحتفي بالشاعر الكبير “عيسى حسن الياسري” بهذا …

صورة البطل في رواية أم سعد لغسان كنفاني
الدكتور محمد حسين عبد الرحيم السماعنة
عمان – الأردن (ملف/22)

توطئة في عام 1969سأل صديقٌ غسان كنفاني(1) وقد رآه يحمل السلاح :” يا غسان رأيتك …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *