تابعنا على فيسبوك وتويتر

الى منذر الجبوري بمناسبة موته

إشارة : جميلة ورائعة وقفة الوفاء هذه التي يستذكر فيها المبدع ” محمد علوان جبر ” المبدع الراحل ” منذر الجبوري ” الذي نسيناه – كعادتنا –  بعد أسبوع من وفاته . تحية للمبدع أبي دنيا .. وتغمد الله منذرا برحمته ورضوانه .

munthr_aljbore( ضيقة هي المراكب … ضيق سريرنا
ليدخل البحر من النوافذ
للبحر وحده سنقول..
كم كنا غرباء في اعياد المدينة )
– سان جون بيرس –

–    ……..سيء، سيء جدا،  انه يوم يبدو من اوله صعبا ، انا في مزاج سيء بسبب…..
صمت منذر ، وهو يحاول ان يبعد عن مخيلته ، ذكريات يومه الذي سماه سيئا ، فواصل بعناد
–    بدءا من العواصف الترابية  ،  في يوم عطلة الجميع ،  هذا يعني ان لا احد من الاصدقاء سيسبقني او يأتي بعدي…. والجلوس في النادي كما هي العادة كل يوم …..
لم يعره الرجل  الذي كان يسير جنبه ايما اهتمام ،  بل انه بدا كأنه لم يكن يسمع ما كان يقوله منذرا ، اذ كانت عيناه مركزتان باستقامة ، ورأسه متصلب لا يتحرك الى أيما اتجاه  ،  ولم يكلف نفسه عناء النظر الى خطواته  لمعرفة اين يمكن ان يضعها …..
حينما وصل النادي ،  دخل منذر من البوابة الكبيرة المشرعة ، كان سلامه- على غير العادة – فاترا مع حراس وعمال المشرب ، لكنه يومها وهذا – ما اكده البعض –  كان شاحبا وساهما مما خلط  امامنا الحقائق وبتنا لا نعرف ما الذي جرى ، ولكن واقعة الموت ،  كانت من مؤكدات الحدث المتلخص بالاتي :  وقف الرجل وسط الصالة ، كان وحده ، اذ كانت الصالة فارغة تماما ، و نظراته زائغة تبحر في الجمود والسكون الكبيرين في قاعة لم يتعودها ابدا هكذا ،  ولم يكلف نفسه  عناء البحث عن الشخص الذي كان يرافقه قبل دخوله النادي ، بحث في كل الاتجاهات ولم يجد له اثرا ، كان الصمت اكبر من ان يخترق ،  لكنه صرح بما كان يدور في دخيلته انذاك بوجود رفيقه او عدمه ،
–     ان العطل عبء……
بدا كأنه يكلم نفسه …. وضحك بهستريا وهو يواصل حديثه ربما مع شخص ما موجود وغير موجود ….
–     طبعا ليست كلها ولكني رغم هذا…. لو كان الامر بيدي لالغيتها .. تجنبا لهكذا مواقف  سوداوية ، ان تدخل النادي ولا تجد احدا  فيه سواك ،   بحث عن رفيقه الصامت فلم يجده ، احس بحاجة الى احد ما يكلمه،   ولم يكلف نفسه عناء التفكير والبحث عنه ، لانه كان مشغولا بحسب ما كانت تومض به عيناه  من بريق تواصل مع mhmd_3lwan_jbrتركيزه في مكان ما في اخر النادي ، تحديدا نحو  المائدة  القصية جدا وفي الجانب الايمن من القاعة والبعيدة عن المدخل حيث كان يقف ،  ولم ينتبه الى رفيقه الثقيل والصامت وهو يقترب منه ولم يقل له اين كنت ،  لكنه عاد ودقق في الزاوية اليمنى من الصالة  واشار الى صاحبه  نحوها ….
– هل تلمح دخانا  يتصاعد من ذلك المكان حيث تلك المائدة القصية  … وكالعادة ، لم يجبه الرجل ، لكنه اكتفى بهز رأسه ، ولم يطق منذرا صمته، فهجم على الرجل وهزه بعنف ……
–   انظر الي والى ذلك المكان ، وقل لي ما الذي تراه ؟
–   مثل ماذا ؟    قالها الرجل بصعوبة
–  الا ترى دخانا مختلفا الوانه يتصاعد من المائدة ؟
هز رفيقه رأسه علامة النفي ،  حينها بدت ملامح منذر تتغير ، وباتت انفعالاته محاطة بخوف عجيب ،  طغى عليه ، وكانت شفتاه ترتجفان ، وجسده محنط وهو يرتعد ، ولم تدم فترة وقوفه طويلا اذ سرعان ما عاد وقبل ان يصل البوابة تعثر ، لكن يد رفيقه امتدت اليه بسرعة ورفعته بيسر ، تعجب لها منذرا
–  من اين استمد القوة ليرفع جسدي الثقيل عن الارض ؟
–    هذا المغفل
تركه منذر حينما استطاع ان يسرع ليخرج من البوابة التي كانت تكاد تغلق تماما خرج منذر وبقي صديقه الذي لا يعرف حتى اسمه اذ حال الباب الثقيل بينهما ،  حينما وجد نفسه وحيدا وخارج بوابة اتحاد الادباء المغلقة احس براحة عجيبة وسار بتكاسل واسترخاء مخترقا ازقة  وخارجا من اخرى مبتعدا قدر استطاعته عن البوابة  ،  دخل مقاه وخرج من اخرى ، وفي لحظة خوف قاتلة الصق خده وجسده بجدار اسمنتي متجنبا رشقة رصاص من رتل عسكري كان يسير بسرعة في نهر الشارع ،  ولم ينفعل او يخاف الا حينما واجهه رفيقه الثقيل  الذي تخلص منه امام بوابة الاتحاد  ، حينها ضحك منذر بعفوية  وهو يسأله عما به؟   وحينما لم يجد جوابا ،  سأله
–    ما بي انا يا رفيق؟    ازاء صمت لا اعرف مداه ،  مارسته معي بطغيان كبير ،  انا لا اخافك ايا كنت !
هز الرجل رأسه حزنا ، وكاد يبكي ، حينها تلاشى غضب منذر ،وتذكر ان هناك الكثير .. الكثير ممن يلازموننا دونما  معرفة  …  يلتصقون بنا  كالقراد ولا ينفع ايما شيء للتخلص منهم،  هل هذا واحد منهم…؟ ،  ربما ،  لكن الشك جعله يزيح هذه الخواطر بعيدا ،  ربما امتد لساعة او اكثر ، لكنه حينما تذكر المنظر في اقصى الصالة الكبيرة الفارغة .. ولون الدخان المتصاعد منها ،  ادرك ان من يراه هو الذي خطر في باله حينما كان وسط الصالة
–    هل انتما واحد….؟
هز الرجل الثقيل رأسه ، علامة لاهي ايجاب ولاهي نفي !،  ادرك من خلالها منذرا انها  علامة اشارت اليها عرافة ، رأها في احلامه وكانت تتكرر ، والمشهد ذاته يتكرر  ،  اذ تهمس  بحديث  في اذن امه  ، لكنه كان يسمع الحديث بنفس النبرة  ……….((  سيزوره عزرائيل  ، في يوم يكون فيه كل شيء يغط بسبات ، ، لكنه سيرافقه ليوم كامل … لا يستطيع ان يقبض روحه بسرعه لان الله  يخلق قلائل يتشبثون بالحياة بقدر كبير ومنهم ابنك منذر، ولهذا سيلوح له عزرائيل في صالة فارغة من بعيد متمثلا له على هيئة دخان ملون، طالبا منه ان يقترب منه لكن ابنك سيهرب منه ، وحينما يتأكد له انه نجح في الهرب ، سيجده امامه ،  وقبل ان يقبض روحه يبكي ،  –  سيبكي عزرائيل – وهذا ما لم يفعله مع احد الا مع القليل جدا من البشر او مع من امتلك القدرة على تحويل الصمت  والسكون الى حركة ما ……..
–    صدقني حينما لوحت  لك في الصالة كنت اود ان اعطيك وقتا ما لكتابة اخرى .
–    لكني عرفتك ، ولم افعل ما اردت …. هربت علني انجو
–    هربت …  اكمل
–    اجل …. صمت منذر ولم يكمل وتذكر تلك السقطة على الباب ، وكيف انتشله رفيقه الثقيل ، اذ مد يده بسرعة البرق مانعا جسده من ملامسة ارضية الصالة .
–     افعل ما تريد …. ولكن اياك ان تخدش جسدي … او تشوهه .
–    لدينا وقت اود ان ان اسألك واعلم ان هذا ليس من حقي ، ولكني اريد ان اعرف منك شخصيا .
–    اسأل ماتشاء … من حقك وغيره ……..
–    لماذا لم تصلي ………..؟
–    فوجىء منذر بالسؤال ،   ولم يعدم بديهيته الساخرة حتى في احلك الساعات ……
–    اجاب  بسرعة وبالعراقية الدارجة ((  يا اخي هي وين الحكومة حتى واحدنا يصلي !!!)) .
فوجىء عزرائيل بجوابك يا منذر وكاد يختنق  من الضحك، ولهذا رحلت بجمال يحسدك عليه كل من عاش بعدك …….
اتذكر …… حينما تحدثنا عن اهم الروايات التي تركت اثرا في نفسك اجبت وانت تضحك ضحكتك الجميلة
–    انها رواية موت الاعزب ………اترك تفسير اختيارك للرواية لمن قرأها

اب  2007
بغداد


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

تعليق واحد لـ “محمد علوان جبر: ( الموت الجميل )”

  1. برير يقول :

    الله يرحمك يا أعز شخص فقدتهُ. جدي منذر الغالي مشتاق لك جداً

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"