الرئيسية » ملفات » افراح لطفي عبد الله : وقفة على السيرة الفلسفية لمدني صالح في كتابه -بعد خراب الفلسفة (ملف/19)

افراح لطفي عبد الله : وقفة على السيرة الفلسفية لمدني صالح في كتابه -بعد خراب الفلسفة (ملف/19)

madani saleh 3إشارة :
احتفاء بتراث الفيلسوف العراقي الراحل الدكتور “مدني صالح” ، وبمساهماته الفذّة في الثقافة العراقية والعربية ، تبدأ اسرة موقع الناقد العراقي بنشر هذا الملف الخاص عنه ، والذي تدعو الأخوة الكتّاب الأحبّة إلى المساهمة فيه . وسيكون الملف مفتوحاً من الناحية الزمنية على عادة أسرة الموقع حيث لا يتحدّد الإحتفاء بالفكر بمساحة زمنية معينة .

المقالة : 

يعد كتاب مدني صالح “بعد خراب الفلسفة” الذي نشر بعد وفاته من اهم كتبه لاحتوائه على اهم افكاره الفلسفية التي تشكلت خلال مشواره الفلسفي, فالكتاب هو بمثابة سيرة فلسفية –فكرية وثقافية- او بمثابة نتائج فلسفية لرحلة مدني صالح مع الدرس الفلسفي …
ووفق هذه الرحلة نجد امكانية لافتة لمدني صالح في وعي وكشف خراب الفلسفة والذي على اساسه ليس من المغالاة وصفه اي مدني صالح بفيلسوف كشف خراب الفلسفة.
والامر مكرس ابتداءا من العنوان الموسوم بـ “بعد خراب الفلسفة” الذي يطرح نتيجتين وهما: ان الفلسفة خربت, وان بعد هذا الخراب هنالك بَعد..وكان مدني صالح قد عاش في هذا البعد (بعد الطوفان) فوعى الخراب وشخص أهواله التي لم تخطر على بال..
وبمتابعة الكتاب يمكن استنتاج ان كشف مدني صالح آت من امور عدة منها أولا طبيعة فكره النقدية ومنها ثانيا نتائج توصل اليها عبر مسيرته الفكرية والتي اصبحت بمثابة مبادىء أو فروض لتشكيل مواقفه ومن أهم هذه النتائج : علينا ان لا ننشغل بما يعتبر هدرا للجهد ولا هدرا للطاقة التربوية, لان الواقع يتناسب مع الفعل المنتج واللعب المبهج, الذي يدّخر جهدا لما هو مفيد ونافع ويحقق التقدم والحضارة والمدنية, والذي لا يطبخ الحصى ولا يعلك الماء ولا يصب الماء في الغرابيل و لا يصيح ويصرخ في فضاء لا هواء فيه ولا يكرر الاقوال والقضايا لاثبات النتيجة نفسها.
هذا فضلا عن نتيجتين آخرتين وهما ان علينا ان نعرف ان كل ما في الواقع متشكل على غرار تصميم وأن نعرف إن القارون هو الأفعل الأغلب الأقهر من كل الفلاسفة الذين يدعون المعرفة تعصبا وانغلاقا.
ويمكن أن نختصر ما سبق بنتائج هي بمثابة فروض صاغها مدني صالح , هي:
أولا علينا أن لا ننشغل بما هو هدرا للجهد ولا هدرا للطاقة التربوية.
ثانيا, علينا أن نعرف إن كل ما في الواقع متشكل على غرار تصميم.
ثالثا, علينا أن نعرف إن القارون هو الأفعل الاغلب الأقهر من كل الفلاسفة الذين يدعون المعرفة تعصبا وانغلاقا.
ووفقا لهذه النتائج خاض مدني صالح سجالا نقديا حادا في ميادين الفلسفة درسا وأساتذة وفلسفة. والموضوعات التالية هي تفصيلات لهذا السجال :

الثانوية
لقد حدد مدني صالح في كتابه هذا –أي بعد خراب الفلسفة- بدء مشواره الفكري في الثانوية, حيث بدأت الاسئلة النقدية تقدح في ذهنه بطريقة غير معهودة, بحيث ان مدّرس الجبر والهندسة كان كما يقول “يصدني بأني اطرق اسئلة ورأيا من عمل الفلاسفة والفلسفات” ولا شك انه كان كذلك, فهو بأسئلته الغريبة كان قد بدأ طريقة جديدة للفهم اضحت منهجه فيما بعد , طريقة تتفحص القوانين والبديهيات والمشاكل والمواضيع والشخصيات وتعريها امام الواقع الذي ينبغي ان ندخر جهدا لنعيشه بواقعية وان لا تكون هدرا للوقت لأنها بذلك ستكون مضرة لنا, وكان تساؤله الملفت في درس الرياضيات والهندسة قائلا: “ان البرهنة على تطابق المتطابقات وعلى توازي المتوازيات وعلى تساوي المتساويات كميات وكيفيات واشكالا وكتلا وحجوما , برهنة نافلة من النوافل التي اذا لم تكن ضارة من جهة الهدر من الطاقة التربوية فإنها من العبث المتسكع والتسكع العابث: لا من الفعل المنتج و لا من اللعب المبهج من جهة ان البرهنة قد اجريت على صحة تطابق المتطابقات وتوازي المتوازيات وتساوي المتساويات مليارات المرات ولا تزال البرهنة مستمرة جارية ولم يتبين الا صحة المطلوب اثباته صحيحا بعد البرهان كما هو قبله.. ولا يبدو ان برهانا من البراهين سيجيء في اي من الازمنة بما لا يطابق المطلوب اثباته ويساويه ويصدقه ويؤيده ويوازيه” . ووفقا لنتيجته التي لا تفضل هدر الطاقة والجهد بالتكرار الذي يبرهن دائما على المطلوب اثباته وبشرح ما هو مشروح فإنه وهو تلميذ في مدرسة الرمادي الثانوية كان يرجو ثقافة ويتمنى الهندسة وظيفة حرفة عملا, كان قد خطا خطوة مهمة جدا في بناء وعيه بخراب الفلسفة يقول: في الثانوية كانت طرق الرياضيات “مفتوحة بيني وبين الدرس الرياضي وأساتذة الرياضيات بناءا على ان الفلسفة لم تعد تستأهل من الدرس الرياضي وأساتذة الرياضيات في القرن العشرين بعد الميلاد شيئا من الذي كانت تستأهله من الرياضيين الذين منهم اقليدس وفيثاغورس وافلاطون عند الاغريق قبل الميلاد” ..ويشير هذا الكلام الى ان الفلسفة قبل الميلاد كانت عامرة وإنها قد خربت بعد الميلاد خصوصا مع القرون الاخيرة قرن تطور العلم.
لاشك ان طالب وهو بهذا العمق الفكري ينبش بديهيات لم تحرك فكر تدريسييها بالصورة التي حركت فكر مدني صالح اقول لاشك ان هكذا طالب إذا ما دخل قسم الفلسفة فإنه سيجد البيئة الحاضنة لمشاكساته الفكرية ولمواقفه النقدية التي فضحت الفلسفة في عقر دارها.
الجامعة:
إن بذرة التمييز بين الفلسفة والعلم وهو في الثانوية كانت قد نمت وهو في الكلية , حيث اكتشف مدني صالح خراب الفلسفة بسهولة ووضع اصبعه على مواطن الخراب وشعر بالطوفان وحده وحاول أن يسجل هذه المواطن من خلال الدرس والتدريس, فكان ناقدا مفككا لطرق التدريس وساخرا من طرق التعاطي معها بل ومستخفا ببعض فلاسفتها الذين مثلوا عقبة بوجه الدارسين امثال ارسطو وهيجل.
ولكشف الخراب فإنه إبتداءا كان قد دلنا على مواطن هذا الخراب أحيانا بطريقة مباشرة وأحيانا كثيرة بطريقة رمزية وهو اسلوبه الذي اشتهر به في اغلب كتبه, وتركزت رمزيته مثلا في نعت مجموعات لم يستطع أن يسمها في زمن كان فيه الفكر النقدي مراقبا, ومثاله الشائع الكامن في إرجاعه أس الخراب الى الملائية الاستشراقية الذي كان يريد بها البعثيون ورموز نظام الدولة حينذاك.
ورمزية مواطن الخراب هذه كانت قد تجلت ابتداء باكتشافه لأسباب الضرر بالمجيء الى الفلسفة, قائلا بسبب البعض الذين كانوا سبب التخريب الفلسفي يقول ” كانوا لا يجيئون الى الفلسفة وانا المتضرر الاكبر. إلا عن طريق الوباء الى الكارثة وإلا فعن طريق الكارثة الى الوباء..وآخرون جاءوا الى الفلسفة بعد خرابها وبعد الطوفان والعشرات من امثال هؤلاء الذين لم يجيئوا الى الدرس الفلسفي إلا من الملائية الإستشراقية ومن الإستشراق اللاتيني الملائي البيزنطي البهيم.. ويقول – لا ارى في هذا المجيء ..إلا مجيئا غير فلسفي وغير اكاديمي وغير اولومبي…….ونحن في مدخل القرن الحادي والعشرين على نظر الاسكولاستيكيين اليس هذا من اسس التخريب الفلسفي الذريع” .. ولهذ السبب رأى وعلى عكس طرق التواصل التي كانت مفتوحة بينه وبين درس الرياضيات في الثانوية رأى ان طرق التواصل يقول: “بيني وبين الفلسفة مسدودة وأنا تلميذ في جامعة بغداد ارجو ثقافة وأتمنى فلسفة وجاهة زينة ألقاً صرت اداري احساسي بالضرر واكتم حتى عن نفسي اني متضرر وأتجاهل وتجاهلت حتى جهلت وارتحت بجهلي بان الجامعة قد انستني الكيمياء والفيزياء والجبر والهندسة مستوية ومجسمة وحساب المثلثات والبايولوجي نباتا وحيوانا والنحو والصرف والبلاغة والجغرافية والتاريخ والبيان والمعاني والبديع وخلاصة ثقافة الانسان منذ البداية حتى دخولي جامعة بغداد متضررا بالدرس الفلسفي على الطريقة الإستشراقية الملائية” .وواضح ان ضرر الدرس الفلسفي وأس الخراب الآتي من الملائيين والإستشراقيين كان ان تنسي الفلسفة ما تعلمه الطالب من علوم في الثانوية.
ولعل مواصلة الدرس الفلسفي بتجاوز الضرر بالمكابرة قد لا يسعف المرء ايضا يقول: ” لا اسعاف حال ولا تطييب لخاطر الا بالمكابرة فقمت وأنا تلميذ جامعي متضرر بالدرس الفلسفي بتأليف كتابي “الوجود” بحث في الفلسفة. مقارنة ونقد.تعبيرا صريحا عن المكابرة فتلقفته وزارة المعارف حينذاك بالترحيب وبالتعضيد وصرفت لي مبلغ التعضيد مئة من الدنانير ..وصرفت من المئة بذخا على الورق والغلاف والكلايش والخطوط وصف الحروف والطباعة والتغليف وصدر الكتاب بعد اسبوع واحد من ايداع الكتاب في المطبعة وصرت مؤلفا وبقيت عندي من المئة فضلة مقدارها اربعون دينارا حسبتها الان بسعر صرفها حينذاك وبسعر صرفها بالدولار هذا اليوم فبلغت اضافة الى العائد لي من موزع الكتاب ما يغري بتأليف كتابين كل عام على غرار “الوجود” لولا اني ارى ان الفلسفة من عالم التقليل والتدليل ومن عالم النحل والعسل والزهور لا من عالم الكثرة والوفرة والروبة والجاموس والشعير” فتجربة الكتاب علمت مدني صالح ان بالإمكان كتابة مجلدات بشرح المشروح وبتوضيح الواضح وبتفسير المفسر لكن هذا اساس خراب الفلسفة لان الفلسفة هي من التقليل.هذا فضلا عن انه قد تبرأ من الكتاب بل ومن كل ما كتب قبل تاريخ 22/4/1995 وتمنى لو “ان كتابه الوجود كان في منافع الثوم وفوائد البصل لانتفع به الناس اكثر من انتفاعهم بالوجود” .
لكن واقع الدرس الفلسفي لم يعي هذه الحقيقة بل جسد الخراب الامر الذي جعل طرق التواصل الفلسفي بينه وبين الدرس الفلسفي وأساتذة الفلسفة مسدودة..يقول:”لان الدرس الفلسفي كان وانا تلميذ في جامعة بغداد ارجو ثقافة وأتمنى الفلسفة وجاهة وجاها وازدهارا آنفا. منحدرا تائها مضعضعا في أودية ملائية سكولاستيكية بيزنطية التي منها أودية الانشغال بشرح الذي يجب اختصاره وتكبير الذي يجب تصغيره وبتكثير الذي يجب تقليله وبافتعال الفروق بين ما لا فرق بينهما وبالبرهنة على وضوح الواضح بنفسه وبالبرهنة على وجود واجب الوجود بذاته التي هي وجوده…وقد لمح الخراب في ايصال المعلومة الفلسفية للطلاب وخراب تلقيها من الطلبة ما كرس لديه الضرر يقول ” ان الاساتذة كانوا يحومون في الدرس الفلسفي حول اشياء تشبه الذي كانوا قد سمعوه او كانوا قرأوه لكنها لا تطابقه ولا تساويه.. انهم اذن يقرؤون اشياء ويفهمون اشياء لا تمت الى حقبتها بصلة ويقولون في الدرس شيئا اخر لا يفهم منه الطلبة إلا شيئا يخالفها حتى اذا ما جاء الامتحان اعادوها الى الاساتذة في الجواب بصيغة لا تشبه الاصل ولا تناسب الاسئلة التي لا تناسب شيئا من الدرس الذي لا يناسب شيئا من الفلسفة في اي من ادوارها في تاريخ الفلسفة الصحيح وتضاعف الاحساس عندي بالضرر وتأكد عندي ولدي باني متضرر” .
واس الخراب كان لما راى مدني صالح ان الدرس الفلسفي في الجامعات العربية ومنها جامعة بغداد كان استشراقا ما جعله يحس انه ليس متضررا فقط بل متورطا فيقول “انتقلت من دور المتضرر بالفلسفة الى دور المتورط بها بين المستشرقين الذي رايت فيه: ان المستعربين من المستشرقين راس خراب الفلسفة بين العرب ورايت فيه اهوالا اهونها هو ان جميع الراشدين والراشدات كذلك من سكان هذا الكون اصح علما في الكيمياء والفيزياء والبايولوجي وفي الرياضيات وفي السايكولوجي وفي جميع فروع المعرفة إلا الفلسفة من ارسطو ومن افلاطون واعم نعمة من هارون الرشيد وشارلمان… ” .
ورأى مدني صالح مالم يره غيره وهو ان “الفلسفة معرفة قيادية بالطلبة الذين لم تقبلهم الاقسام الجامعية الاخرى والفلسفة لا تزدهر بالنفايات بعد خرابها ولطالب فلسفة واحد قادر عليها راغب فيها خير من سكان الارض كلها وكلهم يساقون الى الفلسفة وهم لا قدرة لهم عليها ولا رغبة لهم فيها ولكنهم مرغم لا فيلسوف” .الفلسفة صالحة اذن لو كان هنالك طالب واحد راغب بها لكنها تخرب عندما يأتي اليها من لا رغبة له فيها ومن هو مرغم, وتخرب عندما يكبر من يأتي اليها المجلدات في توضيح الواضح, وتخرب عندما يدير الدرس الفلسفي الملائيين المستشرقين وتخرب عندما تلقن وتعلم الفلسفة بطريقة التلقين والامتحان وتخرب بالتكثير والتكبير وتخرب بهدر الجهد لما هو مفسر وواضح ومشروح. ولا يرى مدني صالح اشنع ” من هدر الطاقة .. ولا اكثر تهلكة من بعثرتها .. وان الهدر من الطاقة التربوية اخطر انواع الهدر .. لأنه هدر من القدرة على بناء البناة في الثقافة وفي المدنية وفي الحضارة داخل التاريخ” .. والى جانب هذا الخراب الذي احسه مدني صالح من تضرره بالدرس الفلسفي كان قد شخص من جهة اخرى خراب الفلسفة من داخل العمق الفلسفي وهو امتع ما لحظه مدني صالح ولم يلحظه غيره وموضوعه النقاط التالية

تعريته لخراب الموضوعات والشخصيات الفلسفية
في رحلته مع دراسة الفلسفة وتدريسها دخل مدني صالح الى عمق الفلسفة وهو يحمل مقولة توصل اليها تقول ان ما يحكم العالم وكل ما فيه هو القارون, وقاس على هذه المقولة الكثير من الموضوعات الفلسفية ليعلن خرابها بعد ان بين افلاسها امام قوة القارون , ومن اهم هذه الموضوعات المنطق والتاريخ, ولو بدأنا بالمنطق نجد ان المنطق الذي حام حوله الجميع منبهرين ومتعجبين قد غفلوا عما رآه مدني صالح من ضعف وخراب من خلال منطق الضعف والقوة الذي يحكم الواقع يقول ” صرت ارى في اوائل النصف الثاني من القرن العشرين وأنا تلميذ في جامعة بغداد ان المنطق يقوي حجتك وينصرك على خصومك اذا كنت غنيا قويا غالبا قاهرا سعيدا ولا يقوي حجتك ولا ينصرك اذا كنت فقيرا ضعيفا مغلوبا مقهورا شقيا ولا يسعدك ولا يقويك.. بل ولا يصححك اذا اخطأت ولا يدلك على الصواب..وإلا لأنجزنا بالمنطق ما عجزنا عنه بقوى التاريخ ولأصبح التاريخ تاريخ سعادة وسعداء بالمنطق والقياس” ويرى بإنه ” كل فيلسوف يستطيع ان يثبت انه اكثر منطقية واصح منطقا وقياسا من الاخرين كلما عجز عن الاقتناع بانه على يقين رياضي طبيعي بديهي غريزي فطري تلقائي لا يصح غيره ولا يجوز سواه … هذا وان التعصب للمنطقي يعني انغلاقا عليه وانك تستطيع باسم المنطق والمنطقي ان تتعصب لغير المنطقي وتنغلق عليه”..ويقول ” واتضح عندي ان المنطق لا يزيدك علما بشيء من حقائق الاشياء ولا يقينا بصحتها كما لا يزيدك علما بخطاك بل ولا يصحح لك خطأ وإلا لصحح لارسطو كيمياؤه قبل لافوازيه وفيزياؤه قبل غاليلو وكوبرنيكوس وديكارت وفسلجته قبل هارفي” . فنحن على خطا اذن فالمنطق الذي وجدناه محصنا, ورأيناه وسيلتنا لتمييز فكرنا بملكة التنظيم هو لا يملك ان يدلنا على الصواب وان العلم قد تصحح وحده وليس بالمنطق.
ولو قال احد ان للمنطق مباديء هي صالحة ومفيدة فانه سيتراجع لان مدني صالح نبهنا انها ليست من المنطق يقول: ان مبادىء المنطق التي هي ” حين يكون الحال في وضع لا يمكن ان يكون في وضع غيره . وكذلك حين يكون في مكان لا يمكن ان يكون في مكان اخر غيره في نفس الوقت. وحين يكون ظرف زماني مكاني لا يمكن ان يكون في الظرف الزماني المكاني مرتين في الان نفسه ” فإن…. “كل هذه احوال علمية طبيعية رياضية محتومة لا يمكن ان تكون إلا ما هي علمية لأنها طبيعية.. لكن المنطق يدعيها انتحالا وينتحلها ادعاءا بمعنى اننا ننسبها الى المنطق فندعي انها منطقية وما هي في حقيقة الامر إلا حقائق رياضية طبيعية محتومة بطبيعة الرياضيات وبرياضيات الطبيعة التي توخاها عظماء الطريقة والمنهج الذين منهم ارسطو وافلاطون وديكارت وكانت ورسل” .
فالمنطق الحقيقي وفقا لقاعدة مدني صالح هو منطق ان القارون هو من يحكم العالم ويظل “وسيلتنا الى التغالب على الخيرات والأطماع بغير الحق والى اقناع انفسنا والآخرين بغير الحقيقة وإلا فلماذا المنطق” وضعف المنطق والخراب الذي ينكشف عنه يتوضح بمقارنته مع العلم فالعلم الذي هو تصحيح اخطاء “لا يبرهن على صحته بالمنطق ولا يصحح اخطاء المنطق..ولو كان العلم يصحح بالمنطق لما كان تاريخه تاريخ تصحيح اخطاء بل لصار تاريخه تاريخ تقديس حقائق ولما كان نقد ولا تطور ولا تقدم ولا ارتقاء فالمنطق وسيلتنا الى الانغلاق والتعصب وتقديس الحقائق لا الى الاختراع والاكتشاف والتكيف والتطور والتشكيل على غرار تصميم والتصميم على غرار مثال هو النسبة الثابتة التي تدركها الطبيعة في افعالها بحكم قواعد وقوانين سلوكها ولا يدركها الانسان لا بمنطق ولا قياس ولا باي من القوانين الوضعية وإلا فلا يوجد الكائن الحي من اصغر اميبا الى اكبر ديناصور إلا وهو كائن يحب الحياة والطعام ويحافظ على البقاء والغذاء ويقاوم الفناء ” .

التاريخ
ولمدني صالح نقطة البدء في كشف زيف نهاية التاريخ التي جاء بها هيجل ولا يكمن الكشف هنا بل في اعلانه ان نية هيجل ليس الفلسفة بل التغالب للحصول على رضى القارون والدخول في هذا الموضوع يجب علينا ابتداءا ان نقتدي بتحذير مدني صالح لنا مسبقا قائلا: “انك اذا لم تدجن التاريخ فتروضه وتركبه الى مقاصدك واحلامك الاسطورية وتمنياتك استعبدك وركبك الى مقاصده الفلسفية المنطقية اللاهوتية التجارية الحربية الاحتكارية وكسر ظهرك فانه حينئذ التاريخ السقراطي الافلاطوني الارسطي الديكارتي الهيجلي الذي يركبه القوارنة الى مقاصدهم محمولا على ظهور الادباء والعلماء والساسة والاخلاقيين والمسشرعين”
وبرؤية نقدية واقعية ثاقبة صب مدني صالح جام نقده على هيجل فوصفه بأنه “غافلا مغاليا وعصبيا منغلقا: يدعي النظر في الفلسفة ولا ينظر الى المستقبل ولا يستشف ولا يستشرف ولو انه نظر الى المستقبل لاستشف ولأستشرف ورأى افاعيل هتلر ومن هم اشد هولا من هتلر وكلهم غربيون اوربيون مثلما هو غربي اوربي واغنياء اقوياء غالبون مثلما هو غني قوي غالب ويأكلون من مال الشرقي مثلما يأكل ..”
ويقول اني ” لا اجد هيجل إلا معقدا متحذلقا وارهابيا متدافعا يدعي النظر في التاريخ ولا ينظر الى الماضي ولا يتعظ ولا يتدبر..” ورؤية هيجل الغافل “شرقا يبدأ من التاريخ ماديا نحو غرب ينتهي اليه التاريخ روحيا ومعنويا .. فهو –ما لم يبرؤه مدني من ان – هيجل تقاضى الاجر كسبا حراما عليه من مال او من جاه او منهما معاً-” . ” فلا يعلن نهاية للتاريخ واضمحلال الايديولوجيات إلا غني قوي غالب قاهر منتصر منتفع من هذا الاعلان عند اعلى مرحلة من تفوق لا يقدر ان يتخطاه الى ما هو ارقى منه ويخاف ان يتخطاه المنافسون كما يخاف على تفوقه من الزوال” ..فالقارون يظل هو المصمم “لحوادث التاريخ الكبرى ومنها دعوى نهاية التاريخ وبلوغه الغاية المثلى وتلاشي الايديولوجيات في ايديولوجية الاغنى الاقوى الاغلب الأقهر ويروج له الغافلون خطا وخطيئة ” . وما هيجل إلا من الغافلين.
وعكس مقولة نهاية التاريخ يرى مدني صالح ان “التاريخ كروي لانهاية ولا بداية لأبعاده وتصح كل نقطة فيه ان تكون ماضيا لحاضر وحاضرا لماضي تاريخيا من جهة التاريخ الارادي كما تصح كل نقطة فيه ان تكون شرقا لغرب وغربا لشرق وجنوبا لشمال وشمالا لجنوب فلكيا جغرافيا من جهة التاريخ الطبيعي وتصح كل ذرة فيه ان تكون مركزا تكوينيا له كما تصح كل نقطة فيه ان تكون مركزا كونيا له وكما تصح كل لحظة فيه ان تكون بداية يبدأ منها التاريخ كل لحظة لانهائية و لا انتهاء..وان الكون كله بجميع ذراته ولحظات زمانه يتعاون متطاوعا ويتطاوع متعاونا على التخصص والنظام والارتقاء بالاختراع وبالاكتشاف من حسن الى احسن لا من شرق الى غرب ولا من غرب الى شرق ولا من جنوب الى شمال ولا من شمال الى جنوب وان كل استشراق بالفعل ينطوي على استغراب بالقوة وان كل استغراب بالفعل ينطوي على استشراق بالقوة.. فلا تمر لحظة من الزمان الا والتاريخ كله وبكل قواه يستشرق ويستغرب من اللامتناهي الى اللامتناهي من جميع الجهات الى جميع الجهات في كون كروي لا بداية ولا نهاية له” ولذا عاتب مدني صالح من يجيئون الى “فلسفة هيجل كما يجيئون الى الموناليزا بالانبهار وبفروض الرهبة والانخذال والتقديس” لقد خبص هيجل الدنيا “بقوانين المنطق التي لا تحكم امرا غير امرها وبينما قوانين الرياضيات تحكم الطبيعة وقوانينها كما ان قوانين الطبيعة تحكم الرياضيات وقوانينها” , فالتاريخ لا نهاية له “اذا نظرنا اليه من جهة الغزو والفتح وتوالي الحملات , ولا نهاية للتاريخ من جهة قوى الانتاج ..ولا نهاية للتاريخ ما دام التاريخ رد فعل انسان دائم التطور ازاء طبيعة دائمة التطور في تاريخ دائم التطور والحركة من جميع الجهات الى جميع الجهات بلا انفكاك”
ومن جهة اخرى فقد خرب هيجل الفلسفة بالحرية وخرب الحرية بالفلسفة عندما خص الفلسفة بالحرية بينما الحرية برأي مدني صالح لا ندعيها ” الا احتجاجا على ولادة لا اختيار لنا فيها وعلى مصير لا حرية لنا فيه”
ولعل نقد مدني هذا للفلسفة وموضوعاتها وبعض فلاسفتها الذين كانوا عقبة في سبيل التقدم امثال هيجل مبني على رؤيته بأنه لا غالب إلا القارون لان القارون افعل في الحوادث الكبرى من الاسكندر ونابليون وارسطو وفرعون وهيجل وهتلر وخوفو وخفرع”
فنسبة الغطرسة الهتلرية النازية الجرمانية الحربية الى الغطرسة الفلسفية الهيجلية إلا نسبة تخدم القارون الجرماني الذي يتستر وراء الغطرسة الهتلرية العسكرية الجرمانية بفعل الهيجلية الفلسفية الجرمانية”
فإرادة القارون اقوى في التوجيه وافعل في الحوادث من فلسفة هيجل وعسكرة هتلر فالمطالبة “بحصة المانيا في الاسواق السايكسبيكوية كانت حتما محتوما على الحكومة الالمانية قبيل اندلاع الحرب العلمية الثانية حتى لو كان على رأسها يسوع لا هتلر.. وحتى لو كان هتلر معجبا ببوذا لا بفردريك هيجل.. فقد كان القارون لا الفلاسفة في رؤس تشرشل وروزفلت وستالين وهتلر كما كان في راس ارسطو والاسكندر في كل رأس .
ورؤية مدني صالح في النصف الثاني من القرن العشرين كانت في تعاظم قوى غالبة قاهرة منها صندوق النقد الدولي ومنها هيئة الامم المتحدة واتحادات المصارف وايديولوجيي نهاية التاريخ ..الخ حيث احلت “شعار وشعائر يا تجار العالم اتحدوا محل شعار وشعائر يا عمال العالم اتحدوا بعد ان اسقطته وجعلت التنظيم العمالي واتحاد العمال خبرا من اخبار الغابرين” .

التمييز بين الفلسفة والعلم
“بدأت الفلسفة علما طبيعيا كيميائيا فيزيائيا بايولوجيا , كيميائيا في البحث عن مبادىء التكوين وفي البحث عن مباديء التصميم التكويني , وفيزيائيا في البحث عن مبادىء الحركة وفي البحث عن مبادىء التصميم الحركي, وبايولوجيا في البحث عن مبادىء الحياة وفي البحث عن مبادىء التصميم الحياتي.. وبدأت الفلسفة علما طبيعيا استقرائيا تحليليا تعليليا بحثا عن مبادىء التصميم الذي تجري على غراره تشكيلات التكوين والحركة والحياة والصيرورة والتغير والتبدل والانحلال الدائمة المستمرة بلا انفكك”
ووفقا لهذه البداية تبدو الفلسفة اتية من التصميم اي انها كانت عامرة لكنها خربت بعد ان دلنا العلم على الصواب وبقت الفلسفة حبيسة مشاكلها.. ومعادلة التصميم والتشكيل هي التي تطرح التمييز بين ما هو علمي عملي نافع او لاهوتي بعيد عن الواقع.. فبنظره “كل ما كان بعد ان لم يكن فانه لا يكون إلا تشكيلا على غرار تصميم وعضوا وسيلة سببا للقيام بوظيفة سدا لحاجة وحلا لمشكلة وإجابة لسؤال… والتصميم قاعدة نظام وخطة وقانون والتشكيل سلوك” وهذا الامر يختلف بين الفلسفة والعلم فلطالما بحث اللاهوتيون والثيولوجيون عن المدبر المصمم وراء الادارة والتدبير والتصميم من اجل تقوية العقيدة وتثبيت الايمان وسلامة البرهنة على قدم العلة الاولى المصمم واجب الوجود كما هو الحال في العقل عند انكساغوراس والوجود عند بارمنيدس والخير الاعظم عند افلاطون والمطلق عند هيجل .. العلماء يقفون عند التصميم الذي هو الرأي النظرية القاعدة القانون الادارة النظام وهذا هو الفرق بين العلم الذي يقف “عند صحة التصميم وبين الثيولوجي واللاهوت الذي ينشغل عن صحة التصميم بسلامة المعتقد وثبات الايمان بوجود المصمم والانشغال بصفاته”
فالفلسفة تختلف عن العلم فلما هي تبحث عن وحدة الوجود فهي تبحث ماهو ليس من طبيعة الحس والإحساس والخيال والتخيل والتصورات والتصور , وبالمقابل فان الذهن والإحساس والحس والخيال والتخيل والتصورات والتصور ينصرف الى ان العلم واحد بناءا على وحدة الذرة .. ولما تبحث الفلسفة وحدة اللامتناهي في العظم الذي ليس من طبيعة الانسان ان يتصوره ذهنا وحسا بل من طبيعة الانسان تصور وحدة العلم بناءا على وحدة التناهي في الصغر ..

حلول مدني صالح او رؤيته للفلسفة بعد الطوفان
بعد ما كشفه من خراب تمنى مدني صالح للفلسفة انحسارا ازاء مد العلم ورأى ان الفلسفة بعد الطوفان لم يظل لنا ولها من نفسها إلا “المشكلات الفلسفية التي لا حل لها الا من الفلسفة ” ..والمشكلة الفلسفية التي لا حل لها إلا من الفلسفة هي تلك التي “يختلف فيها الفلاسفة وتختلف بها الفلسفات” … والفلاسفة لا يختلفون لا في الفن ولا في الادب ولا في التشريع ولا في السياسة لا يختلفون في كل هذه إلا في القضايا التي “تحتمل التغالب والتدافع على الخيرات مادية ومعنوية وفي الامور التي تجوز فيها المعاندة وشهادة الزور واستعمال الانسان ضد الحق والحقيقة واستئجاره على الخطأ والباطل وفي القضايا الادارية التصميمية والمسالة الفنية الجمالية من التشكيل الى التصميم ومن التصميم الى المثال ومن المثال الى وجوده الامثل ..وفي حل الصراع وإعادة التوازن بين الكائن الفرد ونفسه وبين الكائن الاجتماعي ومجتمعه.. ولا يختلفون الا بقدر توظيفهم الفن والأدب لإعادة التوازن وحل الصراع فرديا اجتماعيا واجتماعيا وطنيا ووطنيا دوليا… ولا يختلفون بالسياسة إلا بقدر تغالبهم على الاطماع واختلافهم لا يكون الا نتيجة التدافع على المغانم والتغالب على الخيرات .. ووفقا لهذا تظل الفلسفة قائمة ما دام الخلاف قائما بين الفلاسفة في اعادة التوازن وفي حل الصراع” .
ووفقا لهذه المقدمة توصل مدني صالح الى نتيجة تقول ان الفلسفة واحدة بناءا على وحدة الوجود وبناءا على وحدة اللامتناهي في العظم ..وبناءا على وحدة الكون بعد التركيب.. ويقول إن اكثر ما هالني ان الفلسفات المعاصرة غافلة عن شروط وحدتها القائمة في كل منها , فكل منها انسانية تطرح ثقة عالية بقدرات الانسان …وأنها جميعها علمية بمعنى انها استقرائية تأخذ بطرائق العلم في البحث وبمعطياته ولا ترفض منه طرحا…. وأنها جميعا نسبية بمعنى ان الكائنات جميعها لا تكون على حال إلا بالنسبة الى حاصل تحصيل فعل قوى الزمان والمكان.. وانها جميعا تطورية بمعنى التقدم والارتقاء محكوم بمرور الزمن على انسان في بيئة.. وأنها جميعا بلا استثناء تأخذ بالدارونية والبافلوفية والثورنداكية وبالتحليل وسيلة غير بديلة للتعليل ..وتقبل بسقوط مركزية الانسان ومركزية الارض ..وانها جميعا تقبل من ديكارت الفصل بين مناهج الفلسفة ومناهج اللاهوت وتقبل من بيكن الفصل بين مناهج الفلسفة ومناهج العلم” …وتقبل وتقبل ..الخ “وأنها جميعها لا تفرض قاعدة قانونا او نظرية او نظاما إلا صاعدة اليه من الفعل ومن العمل ومن التعامل ومن السلوك , بمعنى انها ترقى من السلوك الى النظرية والنظام والقاعدة والقانون..وبمعنى انها تفصل القميص على قد يوسف ولا تفصل يوسف على قد القميص” .. فالفلسفة واحدة اذن…

* عن صحيفة المدى

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *