الرئيسية » نقد » ادب » تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية (قبل اكتمال القرن) ( قرن الخراب العراقي العظيم ) للمبدعة “ذكرى محمد نادر”

تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية (قبل اكتمال القرن) ( قرن الخراب العراقي العظيم ) للمبدعة “ذكرى محمد نادر”

hussein sarmak 5حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2010
# المناخ النبوئي :
——————–

قد لا يلتفت القاريء ، وحتى الناقد – بفعل اللهاث السردي الماراثوني الذي صممته “ذكرى” ببراعة – إلى أن الرواية / هذه الرواية ، كأسطورة قد بدأت بنبوءة وانتهت بنبوءة ، ولا أعلم لماذا يتمسك بعض نقادنا الأشاوس بنبوءات كاهنة “معبد دلفي” الأغريقية ، والتراث العربي ، بل الحياة العربية متخمة بدور النبوءات : نبوءات عن مصير جلجامش .. نبوءات عن ظهور النبي محمد .. نبوءات عن سيف بن ذي يزن .. نبوءات حتى عن عنترة العبسي .. وأمية بن أبي الصلت .. إلخ .
تعيد “ذكرى” الإعتبار لدور النبوءة بصورة عفوية مدروسة تنسل بين جوانح الوقائع السردية بهدوء وبصورة غير ملموسة . ويمكننا أن نعد الرواية كلها متنا لبحث تحقيق النبوءة / النبوءات . يقص الشيخ الضرير على تجمع أطفال العائلة حكاية قديمة عن سيّده وقائده الذي بدأ يشعر بالهزال المتنامي لمهرته الفضية المبقعة ، فقرر أن يترصد الأمور ليلا ليعرف السبب . كانت الجنّية هي السبب . أمسك الملا بتلابيبها ، ففتحت زيقها وفحّت بكلمات مخيفة . صممت ذكرى الدعاء المتحامل اللاعن للجنية وكأنه رقية سومرية :
(- لتكن قدرك مثقوبة
وجسد ولدك معيوبا
لتحيا زمانك لاهثا متعوبا
thekra 4فلا تهنأ بفتى خاطبا ، ولا فتاة مخطوبة – ص 35 ) . ومن الإجحاف ان يقتطع الناقد اللعين المتعسف هذا المقطع فيُفسد كمال معناه ورمزيته النبوئية العميقة ، التي عملت الروائية على أن تصوغها بطريقة جناسية متكررة شديدة التأثير :
( لتحيا زمانك لاهثا متعوبا … غزت صرخاتها جسد الليل تعوي باتجاه القمر الذي ظللته غيمة كبيرة يعود صدى عوائها .. منهوبا .. متعوبا .. اعتدل الشيخ في جلسته مستغفرا القادر .. والأطفال حوله فاغرو الأفواه ينتظرون أن تطلع عليهم الجنيات اللعينات من بين شقوق الأبواب والجدران ، حيث كانت تلهو الفئران بقرض الخشب العتيق المهمل فيئن بتأوهات متألمة تحت الوعيد .. منهوبا … مثقوبا .. معطوبا – ص 35 ) . هذه هي النبوءة المفتاح التي نقلها الشيخ الضرير عازف الربابة ومستودع سر القائد الرضواني . لكن هناك نبوءات تفصيلية دقيقة تفصّل مسارات الخراب المستقبلية التي ستنتظر الملّا متشفية على أبوابها . لقد أخبرت البدوية العجوز ذات الأسنان المنخورة ، المُلّا عن ولده خليل بـ ( أنه من هنا سيُعلق .. من هنا سيموت ) ، فانتحر خليل شنقا !!
ولكن الأمَرّ ، هي النبوءة المُضمرة التي يشعر بها كل فرد من أفراد العائلة ، لكنه يخشى الإفصاح عنها .. كأي نبوءة مميتة نتحصن عليها خوفا من تحققها ؛ إنها النبوءة الأم التي لو تنبهنا إليها لكان ممكنا أن نغلق كل أبواب أنهار الدم في تاريخنا . قتَلَ الرضواني الكبير (المُلا) أخته الصغيرة عاشقة الجندي الهندي بربطها بالحبال :
فـ ( ظلت الحبال بذكراها المميتة تسبب للملّا أحزانا واسعة المدى وكأن في داخله نداء يلهب ضميره في أنها ستكون ذات علاقة مريرة مصاحبة لمصائر أبنائه – ص 23 ) .
بلاد الحبال والأعناق المشنوقة هذه .. بلد أول اغتيال يقوم به ابن لأبيه .. لا تصغي لنبوءات المتنبئين .. من تجربة خاسرة دامية إلى أخرى أكثر دموية .. وكلها أشارت إليها بإصبع نافر النبوءة الفجة . لكن ما حصل أكثر غرابة وفجعا ، فالنبوءة الآن لا تأتي من بدوية متخلفة ولا من جنية متخيلة ، علما أن هؤلاء يكونون أقرب للإستشعار المتقن بفعل تلقائية استجاباتهم . النبوءة تأتي – الآن – مؤسّسة على فعل خرابي مُرعب يتمثل في سحل وإعدام الملك الشاب الصغير الذي تفتت جسده تحت أقدام الرعاع الغاضبين . وهنا تبزغ براعة “ذكرى” المذهلة التي لا تفوِّت أية فرصة سردية دون أن تستثمرها برقي مسموم . لقد أكثرت من ذكر مفردة / أو رمز ( العجينة ) ، لكنها الآن ، وفي مشهدية سحق الملك الشاب توائم بين عجينتين أساسيتين هما عماد الحياة : عجينة الموت وعجينة الحياة . فحسب قولها : لقد ديس جسد الملك حتى تحوّل إلى عجينة لينة طُوِيت في ثلاث لفّات كوّرت بقاياه . في الوقت نفسه ، كان هناك نداء للحياة يكوّر عجينة الولادة :
( عجينة بشرية صغيرة حمراء ، أُطلق عليها اسم ( الوضّاح ) . نزل جائعا صخابا . ألقمته ثديها .. قالت وهي تنظر إلى بقع دم الولادة التي لم يتم تنظيفها بعد : – لم يكن هناك دم على جسده . قد يكون الملك بذاته . لا أعلم إلا أنه أحدهم بلا شك – ص 58 ) . لكن النبوءة قد لا تُورّث ولا تُسمع ، بفعل النزوع السادي البشري المتأصل . الإنسان ليس حيوانا ناطقا ولا هو حيوان اجتماعي كما يقول الأخ أرسطو ، لكنه حيوان قاتل . اذكروا لي مجموعة من الحيوانات شنت حربا عالمية وقتلت 25 مليونا من أبناء جنسها !! قد لا تُسمع النبوءة وقد لا تُورّث ، لكنها تتحقق لأنها خيول الحادثات المنذرة التي تشبه الأحلام النبوئية والتي تصل إنذاراتها قبل وصول الواقعات الماحقات . من يراجع سيرة مايكوفسكي بدقة يستطيع الاستنتاج بأنه سوف ينتحر ؛ هذا ” الحادلة البشرية” . وليست رواية “حقل الحيوان” نبوءة عن انهيار الاتحاد السوفيتي بقدر ما هي قراءة وتوقع واستشراف مدروس . الفارق هو أن لاشعور المبدع مثل مؤشر الراديو الذي تحركه ببطء وهدوء واتقان كي تحصل على الموجة الإرسالية . تعلّق “الشمرّية” على سحل جسد الملك الصغير بالقول : ( – إنه من آل البيت . ألا يذكر أحدهم هذا ؟ هل دِيسَ بالأقدام ؟ اسمعوني : لعنة الدم مخيفة .. ستأكل اللعنة أقدام من تعثّر بجسده – ص 59 ) . الرواية بأكملها هي شرح سردي عظيم للمصائر التي نصبتها تلك النبوءات المشؤومة ؛ مصائر تجري وكأنها مرسومة وفق “حتم” لاشعوري يصح معه مقولتي التي عنونت بها الجزء الأول من كتابي عن المبدع الراحل “مهدي عيسى الصقر” : مخيرون بالشعور مسيرون باللاشعور” . نبوءات كان من الممكن الإنتباه إليها لتخفيف حجم الخسارات التاريخية الباهضة . لكن يبدو أننا مسيرون فعليا بتراكمات قوى فاعلة ووحشية مختزنة في لاشعورنا الجمعي والفردي على حد سواء .

# ( لو ) الآمال العراقية التي لن تخضرّ :
—————————————
kh thokraومثلما لكل عراقي نداء استغاثي مُمزِّق : (يمّه) ، ولكلّ عراقي نداء تساؤلي وحشي يخز خاصرة روحه بالندم حتى الموت : ( ولك وينك خويه ؟) .. ومثلما لكل عراقي تقويم انتظار لخيبة ما .. لتجربة مُجهضة ما .. لولاء مُحبط ما .. فإن لكل عراقي – وحسب تشخيص “ذكرى” الدقيق – حرف (لو) تمحورت حوله حياته المؤجلة .. و (لو) أبطال “ذكرى” المُذلّون المهانون هي ليست (لو) علماء اللغة المتنفجون .. لو حرف امتناع لامتناع .. تقول لو درستُ لنجحتُ ، وهذا يعني : أن النجاح امتنع لامتناع الدراسة ؛ أي أنني لم أدرس ولهذا لم أنجح . والأمر في (لو) المحنة غير ذلك . (لو) عائلة الرضواني لا تخضع لأية قاعدة لغوية . إنها لو الخراب .. كانت (سُبل) تصرخ من أعماقها كلما خلت إلى نفسها مؤنّبة إياها :
(- لو أنك امتثلت لأمر (نوّاف الضامن) بالعودة لبقى مرتضى حيا ..
ويتحد الصوت ثمة مع ذكريات موت أخيها (تغلب):
– لو أني أبكرت قليلا .. ثانية فقط .. لكان (تغلب) حيّا
فتستغيث جزعا ، وتهرب من النداءات اللجوجة في دمع تسفحه ، حيث لن تعد أحضان (مراثي) كافية لتخدير أحزانها ، وكم بدا غبيّاً لأن تسمع مجددا “كل شيء سيكون بخير” – ص 228) .
وفي الظاهر فإن الـ (لوّين) السابقتين هما حرفي امتناع لامتناع ؛ فلأن سُبل لم تمتثل لأمر الجلاد نواف بالعودة إلى بيت الزوجية فإن أباها مرتضى لم يبق حيا .. ولأن سُبل – أيضا – لم تبكّر قليلا وتلحق بأخيها (تغلب) ، وهو يصعد الدرج ، فإنه لم يعد حيّاً ، فقد أطلق النار على رأسه . لكن الواقع السردي له قوانينه وقواعده وهي قوانين وقواعد الواقع النفسي التي تختلف عن قوانين وقواعد الواقع الموضوعي برغم أنها تحمل قوة إلزام مماثلة له. لقد نشر نواف – مدير الأمن السياسي – شِباكه على سُبل بطريقة وضيعة ، سنتعرض لها ، وتزوجها ، لكنه أجهضها عندما عرف أنها حامل منه ، وقد ترتبت على ذلك مشاعر ناقمة هائلة تجاهه استولت على سُبل :
( ثابر نواف الضامن منذ عزلته عنها ، على استرضائها . كانت تعرف أن قتله المتعمد لجنينها في بطنها وإجهاضها لوليدها دفن كل مشاعرها تجاهه بقدر ما هو وأدٌ لكل إيمانها به ؛ إيمان أنفق نواف الضامن سنواتٍ وسنوات في تلقينها إياه وترويضها عليه . إنه نبي كاذب – ص 206) .
هذا النبي الكاذب رسم طرقا نفسية معقدة هي مزيج من الترغيب والترهيب ، وخلق الآمال بـ “المنقذ” من أجل أن يظفر بها كما سنرى ، لكنها طردته بعد إجهاضها شرّ طردة . لم تفلح كل محاولاته في استمالتها وانتزاع مسامحتها وعفوها. بعد عدة محاولات فاشلة قُتل أبوها مرتضى في البيت قتلة شنيعة . طرق الباب رجلان من الأمن، فتحت لهما سُبل . كانا يبغيان أباها مرتضى . قادتهما إلى الداخل .. أطلقا الرصاص على رأس أبيها وفجّرا جمجمته :
( كانت سُبل تصرخ مشدودة بلا وعي ، وتعيد بهمّةٍ النثار الأبيض المتطاير زَبَداً من دماغ أبيها بسبب الفزع ، لم يستوعب عقلها ما حدث ، فكانت تقف لساعات متتالية تعيد ترتيب اللحظة الجبارة حسب تسلسل وقوعها : سقطت الصحيفة ثم النظّارة .. لا .. النظّارة أولا .. سألمّ الأشياء .. كنت أنحني .. ثم تناثرت تلك الرغوة اللزجة ، دافئة ، أمطرها رأس أبي . رغوة ممتزجة بالدم . تهاوى الجسد ثم الرغوة .. لا .. الرغوة أولا .. والرجلان .. أين اختفى الرجلان ؟ – ص 226 و227).
لقد تبخر الرجلان القاتلان ، وحدّد الطبيب الشرعي سبب الموت بأنه حالة فريدة من انفجار الدماغ . لكن سُبل كانت على قناعة أكيدة بأن الأمر ليس بعيدا عن أصابع نواف الضامن بمحاولاته المستميتة لاستعادتها ورفضها العنيد له. رشقته ببصقة عنيفة عندما جاء ليعزّيها بأبيها . كانت تصرخ بهستيرية مخيفة بكلمة واحدة :
– قاتل .. قاتل .. – ص 228).
الآن ، يصعد على كتف سُبل شيطلنُ خطيئةٍ جديد هو : مقتل أبيها ، وصارت تجترّ فرضية التأنيب : (لو) عادت إلى نوّاف لما قتل أبوها . لكنها لا يمكن أن تعود إلى نوّاف بعد ما حصل . بل هي – ومنذ أول خطوة للعلاقة بينها وبينه – كان محكوما عليها بالخراب والإنفصال لأن العلاقة كانت نتيجة صلة مشوّهة بين شخصيتين متناقضتين ، وبين واقعين صارخي التعارض : واقع الضحية وواقع الجلاد. وبالتالي فإن هذه الـ (لو) التأنيبية المتكرّرة هي ليست حرف امتناع لامتناع ؛ هي ليست حرف يصل بين فعلين يكون ثانيهما تحصيل حاصل للأول : لو عدت لنواف لبقي أبي حيّاً، ولأنني (امتنعت) عن العودة فقد (امتنعت) نعمة البقاء على أبي. هنا يبسّط الفعل اللغوي الآلي الكارثةَ ويسخّفها. لكن هناك ما هو أكثر بلاغة وشراسة في دور الـ (لو) هذه على المسرح النفسي معبّرا عنه هنا بالمسرح السردي. هنا تستتر معادلة مغايرة للـ (لو) التي سيتسع دورها ليتجاوز دائرة حرف لا محل له من الإعراب ( ولا أعلم كيف يكون لا محل له من الإعراب وهو أس إعراب الفاجعة اللاحقة كلّها ) إلى ركيزة موقف نفسي عقابي ذاتي هائل المرارة . فهناك – في الإدراك النفسي والإدراك السردي – (لواحق) باطنة لا يتم استكمال دور الحرف ولا معنى الجملة من دونها. هي الاستطالات المتعلقة بالصراعات الدفينة التي لا تظهر على (شاشة) الجملة . فسبل ، في الواقع ، عوقِبت بقتل أبيها .. وأُرهبت إرهاباً عنيفاً ومرعباً لردعها عن سلوك صحيح اتخذته في وجه أذى حقيقي وصادم وُجِّه إليها . لقد تمت تصفية أبيها السياسي المعارض السابق ، لأنها لم تستجب لدعوة نواف للعودة إلى بيت الزوجية السري. أي أنها ؛ لأنها لم تعد إلى نواف تمّ قتل أبيها كترهيبٍ لها. وبالتالي ، فإنّ دور الـ (لو) على المستوى النفسي سيكون كالتالي : لو أنني عدت إلى نواف لما قُتل أبي ، وهو امتناع لامتناع جديد. هنا تبحث الذات اللائبة عن ربط مؤجّل غير عادل وطغياني بين فعل يسير في اتجاه وحياة إنسان تجري في اتجاه آخر ، والـ (لو) تتأرجح حائرة بينهما في ربط عجيب. فلأن سُبل لم تنفّذ رغبات نوّاف قام بقتل إنسان ترتبط به عاطفيا ليجبرها على العودة !! وبالتالي فإن عودة سُبل (لو) تحققت كانت ستمنع جريمة قتل لا أساس لها منطقيّاً أو عرفيّاً ، ولا تبرير لها ، إلا بمفهوم السياسة .. والسياسة كالدعارة ، لكليهما شُبهة كما تقول الحكيمة “ذكرى محمد نادر” . (لو) عودة سبل هي شكل للإنخذال والمهانة والعبودية تقترفها كلّها وتبررها كي تؤسس لـ (لو) بقاء أبيها على قيد الحياة . وهو ربط لا يتوقعه أحد ، ولا يمكن أن تعبر عن صلات جمل شرطه وجواب شرطه إلّا لغة الطغيان وأدوات خطابه التي تزرع في روح الإنسان المقهور استعدادا تاويليّاً غريباً يُبرّر الظلم والإستعباد بصورة لاحقة للفعل المُدان أصلا.
هذا درس من “ذكرى” ذو وجهين : الوجه الأول يتعلق بلغة الطغيان الكامنة وخطابها المستتر : لو أنّكِ عُدتِ إليّ لبقي أبوك على قيد الحياة ، ولأنك لم تعودي إليّ لم يبق أبوك على قيد الحياة ؛ والأدق ( لأنني أريد عودتكِ فقد قتلتُ أبوكِ ) .. هذا ما تنفيه الـ (لو) النفسية التي تتمظهر على السطح الأمامي لروح الإنسان المُستعبد ، في حين يُقمَع دور الـ (لو) النفسي الحقيقي في ظلمات الذات المحاصرة . وهذا هو الوجه الثاني من الدرس الذي له أكبر الأثر في إطالة أعمار الطغاة والدكتاتوريات. يتظافر فعل الـ (لو) المُوهِمة هذا مع الموقف المازوخي المُستقبِل للطمات العذاب مُعبّراً عنه باللغة ايضا .. اللغة التي يصوغها واقع الطغيان :
( كل شيء سيكون بخير )
كما تردّد (مراثي).
إن دراسة لغة الخطاب الشعبية التي يشكلها واقع الإنسحاق والمصادرة هو مسؤولية كبرى يفتح أبوابها المبدعون عادة . إن الضرورة التي انبنت – بثبات – على موقف سُبل الجسور المبرّر والرافض للعودة إلى الجلاد قد تحول إلى (امتناع ترتب عليه امتناع آخر جائر وغير مبرر) . بعد خطوات موجزة ليس إلا ، ستتأسّس رابطة (امتناع لامتناع) عجيبة تُحبط كل محاولة رافضة :
(لو امتثلت لكل ما يريده نوّاف أصلا لبقي كل شيء في حياتك على حاله) .
وهنا سيجتاح الرعب أوصال الإنسان لأن التفكير بأي درجة من عدم الامتثال يعني اختلال عالم الفرد بأكمله وإهارته على رأسه. ألم يكن الطغاة يرفعون شعار أن الإنسان الذي يسير في دربه ولا يحتكّ بهم ، لا يتعرضون له ، ويعيش مكرّماً آمنا !!.
# الرواية فن التفاصيل :
————————
والرواية هي فن التفصيلات لا الكلّيات ؛ الفن الذي تتوقف فيه مهارة المؤلف وحذقه على التقاط الدقائق السلوكية وخلجات النفس البشرية الرقيقة والتحولات المرهفة في العلاقات الإنسانية والطّرْق على معانيها وتوسيعها وتمرير الأفكار والرؤى من خلالها وخلف أستارها الباذخة . كل نظريات الصراع الطبقي وأيديولوجيات الاستغلال التي تدعو الناس للثورة لا تعادل الكيفية التي يصف فيها دستويفسكي مهانة (سونيا) وانحطاط صحّتها والواقع الرث الذي تعيشه في ملحمة “الجريمة والعقاب” . هذه المشاهد التي يقدمها دستويفسكي تعادل التأثيرات النفسية – لا الفكرية طبعا – لألف خطيب مفوّه . وعندما يقوم “راسكولينكوف” بقتل اليهودية المُرابِية ، ويريد الخروج .. تحضر أختها فيقتلها أيضاً . يريد دستويفسكي (نبي روسيا) كما كان يُلقّب أن يعلن أن الدم سيجر الدم .. وأن أي تغيير – حتى في الثورات – يبدأ بالدم سينتهي بالدم حتما . هذه أعظم نظرية يختصرها الروائي بمشاهد بسيطة . الحداثة أن لا تشرح بل تصوّر ، وهذا من أروع النقلات التي حققها فؤاد التكرلي ومحمد خضير في الفن السردي العراقي ( راجع كتابينا عنهما ) . في (المملكة السوداء) ستجد المعاني الثرة لدرس التفصيلات الكبير ، وخذ الدرس الأول عن تفصيلات سلوك وثوب وانفعالات المومس المباركة في قصة (المئذنة) . وقد وعت ذكرى هذه الحقيقة جيّدا .. بل بصورة ممتازة . كانت لا تعظ ولا تشرح ولا تسهب .. كانت تصوّر الحالة الإنفعالية والسلوكية لشخوصها مُستعينة بأبسط ، بل أتفه ، المكوّنات وأكثرها ابتذالا : الفأر الخاتل .. ظفر مخلوع .. زيت الأجساد .. حمامة .. إبرة وزر وردي مقطوع .. وغيرها من الأشياء والكائنات الجامدة والحية (النباتية والحيوانية والبشرية) التي تشغّلها الكاتبة لتلقي عليها ظِلالاّ من الحالة النفسية المُحتدمة لشخوصها أو لتفعّل المعاني الحارقة للموقف النفسي في المشهد عموما .
لاحظ الحركة العظيمة للكيفية التي يلبد فيها الفأر الذي كان يُصغي لكلمات الوداع الصامتة بين “هانيا” وحبيبها “الجهم” الذي ستطويه عجلة الحرب الدامية :
( لملم “الجهم” حوائجه هو الآخر ، وارتدى ثيابه العسكرية وانطلق إلى طوابير الإلتحاق . وقفت (هانيا) على سياج السور الخشبي الداخلي تودعه بعينين تحمل أسفاً شديداً لأن كلاما كثيرا كان يمكن أن يُقال لولا أن (فضائل) حاضرة . هفهفت سعفات النخلتين بتحية حانية ، ولبد فأر يصغي إلى كلمات الوداع المؤثرة ، وصوت العمّة “فضائل” تتلو بخوف وخشوع آيات قرآنية تناشد الرب في سلامة ولدها وأبناء الرضوانية – ص 194) . وحين تعلم أن هاتين النخلتين اللتين هفهفت سعفاتهما بتحية الوداع هما اللتان دُفِن “خليل” المنتحر شنقاً و “طه” الميّت نزفاً تحت ظلالهما ، فستعرف الدلالات المُنذرة لهذه الحركة . حتى الفئران صارت تفزع من سلسلة وداع الأبناء العراقيين التي لا تنتهي منذ فجر التاريخ . وقبل هذا المشهد هناك درسٌ أيضا . فقد إلتحق “الجهم” بالجيش استعدادا لحرب الكويت 1991 ( الحرب العالمية الثالثة التي تحولت من حرب تحرير الكويت إلى حرب تدمير العراق ) ، لكن “ذكرى” تدرك أنّه ليس من واجبها أن تشتغل مؤرخة لوقائع الحروب وتداخلاتها ومسبّباتها وأطراف قواها … إلخ .. لكنها (تؤرّخ) لحروب الأرواح .. أرواح الأمّهات الملتاعة والحبيبات الخائبات والأبناء الراحلين بلا رجعة . الحروب تأكل الأبناء وتجعل الشيوخ يثرثرون . لا أعرف من هو القائل . وفي السلم يدفن الأبناءُ الآباءَ ، أما في الحرب فيدفن الآباءُ الأبناءَ . هذه بلاغة كبرى لا تلحقها ألف نظرية عسكرية . وباختصار شديد وبحركة سريعة ، تلخّص الكاتبة طبيعة هذه الحرب : ( قال بيان الحرب الطويل وهو يئز عبر المذياع : امتثلوا راكضين بأسرع ما يمكن لنستعيد التراب الموعود بالعودة المظفرة . سيُكتشف – بعد ملايين البيانات – أنّ التُراب الموعود كان غير ذي نفع ، وكان يجب لأن يُترك في مكانه – ص 193) . وظّفت ذكرى ( الظُفْر ) ، ظُفْر قدم “الصفوان” المصلوب ، البسيط للتعبير عن أشدّ العواطف الإنسانية حرارة وصدقاً ، وهي عواطف الأم الثكلى . بالنسبة للأمّ فإن كلّ شيء يخصّ ابنها الفقيد هو ذو قيمة نفسية كبرى ، حتى (الخِراء) ، حيث يقول (باسترناك) في إحدى قصص ( الطرق الهوائية) أن بطلته استدلت على طفلها المُختفي من رائحة برازه . واللحظة التي تلف الأم الشمّرية ظفر قدم ابنها المخلوع وتغطّيه بشعر رأسها كأنه “الصفوان” وليداً ، وتتجاوب مع نشيجها قبّرات البساتين ، هو من أعظم المشاهد فَجْعاً ومرارةً وتمزيقاً لأرواحنا خصوصا وهي تختم المشهد بنداء أمومي عراقي – باللغة العامية – هو خلاصة نداءات الثكلان على وجه الأرض :
( – أولاد الكلب أتركوني .. لك وينك خويه ؟ تنقص أظفاره واحدا ، فقد وجده الجهم ، ظهيرة ذاك اليوم بعد أن جرت الجسد المشنوق ، نساء العائلة وهن يتصارخن بدموع جفّفها الفزع . راح الجهم يركض في البيت يتبعه الأطفال ، يزحف من عيونهم فضول خائف : – إظفر “عمّو” .. أنظروا : كلّه دم .. أنا وجدته .. والشمّرية العجوز مسلوبة القوى ، تغويه بالحلوى ، تمد إليه يدين متوسّلتين مَنْحَها إيّاه مقابل درهم . وضعت الظُفر على طرف فوطتها البيضاء . هدلت عليه شعرها الفضّي وهي تنشج ، فسمعتها كلّ قُبّرات البستان بنخيله المتسامق ، هدلنَ معها – جميعا – في نشيدٍ يشبه أنين الموت ( : – وليدي .. آخ يمّه وليدي .. – ص 67 ) . ولا تغادر “ذكرى” أيّ تفصيلٍ صغيرٍ دون أن تُشبعه تقليباً على وجوه معانيه المختلفة ، فتعود إليه – لتستثمره في مواضع أخرى من مسار أحداث روايتها المتلاحقة . فقد احتفظت الشمرية – الأم – بظُفر ابنها حتى شهقت أنفاسها الأخيرة . وحتى مع اقتراب لفظ روحها ، لم يسامحها ابنها “مرتضى” ، لأنّه كان يحمّلها ميتة أخيه “طه” لأنّها سقته شراباً عجيباً كي تمنعه من السفر إلى الخارج للدراسة . الحب الأمومي قد يقتل أحياناً . أرادت الأم المُحتضرة أن ترى ابنها “مرتضى” ، لكنه رفض .
فما الذي فعلته قبل موتها ؟
أرسلت له ظفر أخيه الصفوان ، البقيّة التي يريد الفرار منها بأي سبيل ، فهو بالمقابل يتحمل دمَ أخيه الصفوان :
( أرادت أن تراه للمرة الأخيرة . رفض ، فتركت له إرثاً موغلا في القسوة سيبطش به . لفّته بإحكام مُفرط في خرقةٍ لطالما مسحت بها دموعها . قالت : – إنّه لم يغفر لي دم “طه” ، وهذا دم الآخر أعيده إليه ، لعله يسامح نفسه .. كان ذلك الإرث الظفر المفقود للصفوان .. بقي الظفر مُعلّقا بين ثدييها إلى ما قبل وفاتها عندما قدّمته “القادرية” لـ “مرتضى” . سلّمته إيّاه بقلبٍ متشف وهي تقول : – إنّه بقايا الصفوان .. واستدارت دون أن تسمع منه كلمة واحدة – ص 82 و83 ) . بعد أكثر من (120) صفحة تقريبا ، تعود الكاتبة إلى موضوعة (ظُفر) الصفوان ؛ البقية المقدسة من جسد الإبن الراحل .. بقيّة صارت (كلّه) .. تُرعى ويُحافظ عليها .. تُقبّل .. وتُشم ويُمسّد عليها . لكن الكاتبة توظّف هذه الموضوعة بطريقة استدراجية تثير الاسترخاء والاستجابة المُريحة في نفوسنا ، لتأتي ضربةُ الموت مفاجأة مدمرة . فقد نهض “مرتضى” المُلاحَق برحيل أخويه الفاجع ، وكابوس أخيه الثالث المصلوب ، وملاحقات الأمن ، واعتقال ابنتيه .. وغيرها من المهالك ؛ نهض نشيطاً متفائلاً ، وذهب ليزور الشيخ الأعمى . جلسا وثرثرا .. وضحكا . أعاد “الأعمى” إلى ذهنه لقب (عصابة الأخوة الأربعة) الذي كان يُطلق على مرتضى وإخوته . استعاد تجارب إخوته الغرامية ومغامراتهم :
( لمح “الصفوان” وقد نُزع عنه حبل المشنقة ، وعاد معافى مشرقاً بسمرته الشمسية ، مدّ إليه كفّين طروبتين باللقاء ، حتى أنه تحسس – مبتهجا – ظُفر إبهامه وقد نما بعد الموت . وانتبه – وهو يبتسم – يقابله “الصفوان” بطراوة حضوره الجديد إلى سؤالٍ نسي أن يلقيه على أخيه قبل أكثر من أربعين عاما :
– ما رأيك بفيلم البارحة ؟ – ص 224 و225 ) .
وعلى طريقة “جوليان” بطل ( الأحمر والأسود ) لستندال حين يقول – وهو في طريقه إلى المقصلة :
( آه . شيء غريب . منذ أصبح مُحتماً أن أموت ، تعود إلى ذاكرتي كلُّ أبيات الشعر التي عرفتها طوال حياتي . هذه علامة الانحدار )
و “مرتضى” يستعيد كل لحظات الصفاء في مراحل حياته الآن غير عالمٍ بأنها من علامات الإنحدار ونُذُر الخراب ، هي “فلاش باك” الموت يتيحها أخّاذ الأرواح/ ملك الموت قبل ضربته المدوية التي تنتقل إليها الكاتبة بصورة مفاجئة وبارعة هابطةً بنا – بعنف – من سماوات المُخيّلة المحلقة إلى أرض الواقع القاسية المرعبة :
( ابتسم “الصفوان” لمناكدات “مرتضى” عندما دخلت سُبل عليه مُطوّقَةً بصحبة شخصين بدت عليهما خشونة ، ورانت على نظراتهما شراسة عالية – ص 225) .
سيقوم هذان الشخصان بتفجير رأس “مرتضى” الأب لتتناثر على الأرض قطع مُخّه معجونةً بدم الذكريات .
وفي إدراك قيمة التفصيلات والتقاطها ووضعها في موضعها المناسب من الصورة الكُلّية ، يستطيع المبدع أن يجسّد أعظم الأفكار ببساطة وبلاغة ويسر . ولا أجد أبلغ من التعبير عن خراب حياة “مرتضى” ، الذي أصابه به القمع والتسلط وإثم توقيع البراءة القسري ، سوى هذه الصورة الفريدة التي يجب أن تُحفظ بين دُرَر الأدب السردي المُعّبر عن تحطّم الإنسان ، وحجم الرعب الذي يُمسك بخناق حياته . والصورة تصوّر وترسم بها “ذكرى” فزع سُبل وهي ترى جمجمة أبيها المهشمة ، واستجابة ما بعد الموت :
( كانت سُبل تصرخ مشدودةً بلا وعي ، وتعيد – بهمّةٍ – النثار الأبيض المُتطاير زَبَداً من دماغ أبيها بسبب الفزع . لم يستوعب عقلها ما حدث ، فكانت تقف لساعاتٍ متتالية تعيد ترتيب اللحظة الجبارة حسب تسلسل وقوعها . لحظة سَحَقَ الرعب جمجمةَ أبيها بأقحوانة موتٍ فوّارة ، ارتعشت ساقاه للمرة الأخيرة بينما كانت يده منكمشة بوضع من يمسك قلماً ؛ لعلّه أراد أن يثبت أنه : قد وقّع – ص 226 ) .
هكذا تربّي أنظمةُ الطغيان الإنسانَ ليحيا رعب ما بعد الموت بصورة تفوق تربية كلاب (بافلوف) !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *