الرئيسية » نقد » ادب » شوقي يوسف بهنام : بسيسو ورموزه العربية ؛ رؤية نفسية لعيِّنة من النماذج

شوقي يوسف بهنام : بسيسو ورموزه العربية ؛ رؤية نفسية لعيِّنة من النماذج

shawki  5* مدرّس مادة علم النفس

كلّية التربية / جامعة الموصل

انطلق بسيسو من عدة رموز تناولنا نماذج منها في حلقات من مشروعنا المتواضع هذا . وها نحن الان نلج مجالا رمزيا آخر عند شاعرنا الا وهو شخوص من حضارته العربية الاسلامية . ومن حق بسيسو ان ينطلق منها لا لشيء الا لأنها اسس تنشئته الاولى . ومن البديهي ان تلعب هذه الاسس دورها في تشكيل وبلورة صورة بسيسو ونظرته الى العالم . ولنرى كيف ينظر بسيسو الى هذه الرموز وكيف يقرأ شفراتها ويفك طلاسمها . وأول شخصية نصادفها عند بسيسو في منجزه الشعري هي شخصية ” اصحاب الكهف ” . ولا حاجة بنا الى ان نتناول تاريخية هذه الشخصية او ان شئنا الدقة هذه القصة . اهل الكهف هم فتية موحدون فروا من ظلم الطاغوت . من هنا نقطة التلاقي او التشابه ما بين اهل الكهف وشاعرنا . الاثنين يعيشان تحت ربقة الظلم . اولئك الذين عاشوا واعتنقوا المسيحية تحت ظلم الامبراطور ” ديقيانوس ” . ومضمون القصة متفق عليها في المأثورين الاسلامي والمسيحي (1) وشاعرنا يعيش تحت ظلم المحتل وهيمنته . والقصيدة معنونه ” ثلاثة كؤوس لأهل الكهف ” . لنقرأ مضمون الكأس الاول إذن . يقول بسيسو :-
الكأس الأولى آه
سقط الاسد وجر النخاس الاشبال
والمخلب كالزهرة ، والناب كعود الريحان
يا من يرسل في الليل الموال
(الاعمال الكاملة ، ص 190)
***********************
منذ البدء يضعنا بسيسو في لعبة تضارب الادوار في الحياة .. في التاريخ .. في المجتمع . ها هو الاسد يخور ويضعف وينهار ويسقط . لتكن ما تكن الرمزية التي يلصقها بسيسو الى الاسد . المهم هو ان ثمة شعور بالسقوط والفشل والخيبة . والنتيجة لهذا السقوط هو صميم المأساة . والاشبال في حضور الاسد هم اسود المستقبل . الا ان مصير هؤلاء الاشبال يضيع بضياع ابيهم الاسد !. وهاهم بالفعل في مهب الريح . انهم الان في يد النخاس . تصور نخاس يقود اشبالا . انها بالفعل مفارقة غريبة يضعنا إزائها بسيسو . الا ان ثمة مفارقة اخرى تنتظرنا الا وهي سلوك المناورة والالتفاف وحيل الدفاع النفسي . فنحن ازاء ما يمكن تسميته بآلية القلب الضدي reaction formation . وكان المفروض بالأشبال بعد سقوط الاب ان لا ينقادون الى اهواء وارادة النخاس . كان ينبغي عليهم ان يناضلون من اجل هويتهم . الا اننا نجد النقيض تماما هنا . فمخالبهم صارت ازهار وانيابهم كعود الريحان . النخاس رمز للطاغية وقد جر الابطال لأهوائه وكسر روح شبليتهم ورموزها !! . ينقلنا بسيسو الى عوالم الالم الفلسطيني وجراحاته . انه يقول :-
الكرمل ما زال بعيدا ،
والخنجر في ظهر القمر الجوال
قلبي انفطر على جبل النار
هز التينة ، هز الزيتونة ،
لا تقرب شجر البارود
(المصدر نفسه ، ص 190)
***********************
maein 3جبل الكرمل هو امل الشاعر ومصدر امنه وانتمائه الروحي والنفسي . هذا الجبل بيد النخاس .. بيد ال صهيون .. انه البعيد .. البعيد .. يعيش بسيسو مثلما يعيش اهل الكهف طول الانتظار واحزانه . انهم في الكهف دخلوا في ليل طويل .. القمر هو الوحيد الذي ينير الدرب والطريق .. لكنه مطعون من الظهر . انها الخيانة بعينها .. الغدر بذاته .. يعيش بسيسو محنة القضية ان صح التعبير . انفطار القلب هو دالة على تلك المحنة وعلى ذلك الحزن . انه بعيد من جبل الكرمل .
هز التينة ، هز الزيتونة
لا تقرب شجرة البارود
******************
دعوة الى الاستكانة والخنوع والتراجع الى حيث الماضي والتشبث بأذياله من خلال هز التينة والزيتونة . لا تقرب شجرة البارود !!! . هذا الاجترار النفسي سوف يجسده بسيسو لنا في المقطع التالي :-
قرأوا حتى ابيضت عيونهم ،
وانسكب مع الليل الموال
كبرت في القفص الاشبال
والغابة تحت بساط الشاه
الكأس الأولى آه
(المصدر نفسه ، ص 190)
************************
نجد في الكأس الثانية ذات الصورة الحزينة التي يتبناها بسيسو لواقع قضيته . فهو يتهم او يشعر بأنه وقع او وقعت قضيته تحت طائلة الخيانة والغدر والسرقة والاحتيال !! . ها هو يقول :-
والكأس الثانية المنقوشة
في لوح الكرمة آه
سرقوا مصباح علاء الدين
واصبح عبد الاشرار
يا ولدي الجني الطيب
وصديق الفقراء
(المصدر نفسه ، 191-192)
*******************
اذا بسيسو في الكأس الاولى قد لجأ واستعار من موروثه العربي الديني ، نجده هنا يلجأ الى موروثه الاسطوري والفلكلوري . انها قصة علاء الدين ومصباحه السحري . ترى من هو علاء الدين هذا انه ” بطل الحكاية الشهيرة ” علاء الدين والفانوس السحري ” التي وردت في الف ليلة وليلة ، وهو ابن خياط صيني استطاع بفضل الفانوس السحري الذي وجده ان يتزوج بدر البدور بنت السلطان ، ثم سرق الساحر المغربي المصباح ، فمر علاء الدين في محنة ، لكنه انتصر في النهاية ، واستعاد المصباح وقتل الساحر ” (2) . ترى لماذا وصف بسيسو الجني ” بالطيب وصديق الفقراء ” ؟؟ . وما رمزية المصباح السحري المسروق ؟؟ . ويمكن القول انطلاقا من فكرة اسطورة مصباح علاء الدين ان المصباح اصبح وسيلة من وسائل السيطرة على حركة التاريخ ومصدرا من مصادر اشباع الحاجات وطريقة من طرق تحقيق الاحلام . ومن هنا زواج علاء الدين من بنت السلطان بدر البدور وهو ابن خياط صيني غفل ومن عامة الناس . علاوة على ما في الاسطورة من اشباع نفسي للانتقام من السلطان ورموزه بقهر شوكته والنيل منه بالزواج من ابنته وما يمكن تسميته بالحسد الطبقي إن صحت العبارة . ونعتقد ان بسيسو ليس بالبعيد او الغريب من المناخ النفسي لأسطورة علاء الدين ومصباحه . فالشاعر يعد نفسه ابن الفقراء وصديقهم مثل صاحبه الجني المسجون في المصباح ويخرج لتلبية حاجات حامله !! . من هنا سر تسمية بسيسو لهذا الجني بهذا الوصف الجميل . ناهيك عن خلفية بسيسو الماركسية وموقفه من طبقات المجتمع وصراعها بعضها مع البعض الاخر . موقفه ايضا من السلطة ورموزها والسلطان واتباعه . كل تلك النقاط هي العامل المشترك وراء تماهي وتوحد بسيسو مع علاء الدين . لقد سرقوا المصباح . لماذا هذه السرقة ؟ انه شعور بالحسد من صاحبه ومن حظه السعيد بما سوف يمتلك من خلاله وايضا تحجيم حدوده وقدراته لان المصباح يجعله صاحب قدرات مطلقة . هذا التحجيم يعيشه الشاعر وهو في وطنه المحتل او في عالمه الذي تهيمن عليه أيديولوجيا غير الايديولوجيا التي يتبناها ويحلم بسيادتها . وحتى لا يصل الشاعر الى مبتغاه سرقوا شعره .. لغته .. سلاحه .. خطابه .. مثلما سرقوا المصباح من علاء الدين حتى لا يتزوج من بدر البدور ويبقى الجني الطيب وصديق الفقراء مسجونا ابد الدهر في غياهب المصباح . ترى الاسطورة ايضا ان علاء الدين مر بمحنة من جراء سرقة المصباح . هل يمكن القول ان بسيسو مر بذات المحنة لحرمانه من كل ما يملك للوصول الى ما يريد ؟ نعتقد ان الجواب بنعم . ولذلك يمكن القول ان حياة بسيسو كلها مجرد محنة لي غير لأنه لم يحقق ما كان يحلم به . وهكذا نجد بسيسو يتماهى مع محنة علاء الدين وجنيه الطيب لعله ينتصر مثلما انتصر صاحب المصباح . ها هو يقول :-
أغرس نايك في قلبي
فالآه على الجرح دواء
واحمل مجدافك واتبعني ،
ما قدر كان
يافا ترحل ، قد هرب ،
بمفتاح البحر الربان
آه من قلب البحر
ومن قلبي آه
(المصدر نفسه ، ص 191)
*************************
يبدو ان خيبة بسيسو كانت اكبر من خيبة علاء الدين الاسطورة . محنة علاء الدين انتهت بالانتصار وعودة المصباح اليه . الا اننا نجد ان خيبة بسيسو لم تنتهي لان يافا رحلت او بيعت على وجد ادق . باعها الربان مثلما رحل بمفتاح البحر . هل يعقل ان البحر يسرق مفتاحه . البحر رمز الجني العظيم .. صاحب القدرات الخارقة والعظيمة الا انه مسجون في قمقمه او في مصباحه ومفتاحه بيد ربان او صياد هارب !! . لم يتمكن الجني الطيب .. صديق الفقراء ان يخفف من احزان والام احبائه واصدقائه الحزانى من الفقراء . من هنا كان طلب بسيسو للجني لان يغرس نايه الحزين في قلبه .. لان محنته اكبر من محنة علاء الدين واكبر من محنة جنيه الطيب واكبر من جنيي العالم . فلتحمل ايها الجني الطيب مجدافك واتبعني .. من يتوه في بحر مفتاحه مسروق لن يرى الساحل ابدا.. ابدا …
في الكأس الثالثة وهي كأس وصفها بسيسو ب” المشؤومة ” لأن النهاية كانت كذلك . لم تأتي بما كانت تحلم به . فأصحاب الكهف مثلا كانوا قد ناموا !! هربا من طغيان الامبراطور وطغيانه وكان النوم مجرد انتظار ورجاء وامل بالخلاص . وعلاء الدين مر بمحنته الحزينة تلك وقد ُسرق منه المصباح آلة السيطرة ومفتاح تغيير المقدرات وقد اخذ الربان ذلك المفتاح وهرب الى جهة غير معلومة .. بمعنى ان المستقبل يكتنفه الغموض والابهام . وها هو بسيسو في كأسه الثالثة يستيقظ ويرى الحال هي الحال ولم يتغير اي شيء . يقول بسيسو :-
والكأس الثالثة المشؤومة
آه
قد أقبل آذار
واستيقظ اهل الكهف
وأرخى أذنيه الطبل
وفتح عينيه المزمار
الشارع في قدميه الأغلال
يمشي يا ولدي ألف شعار
يرجمه التاجر واللص
وعمر المختار
مشنوقا يتدلى ،
قارورة طيب ،
يكسر في قدميه الاشرار
(نفس المصدر ، 191-192)
***********************
كان اهل الكهف قد ناموا على رجاء الخلاص والتغيير والحرية . ولكن ها هم استفاقوا . فماذا وجدوا . وجدوا الشارع في قدميه الاغلال . تعبير مفعم بالعمق . الشارع رمز الانفلات واللامكبوت واللامبالاة . انه الحرية بأي صورة تراها . الشارع مقيد بالأغلال . الف شعار عبارة يستخدمها الشاعر لضياع القضية ولصور النفاق والرياء الذي يتخفى وراء قناعه تجار القضية . صار مشمتة اللص والتاجر . لقد انتصرا عليه واقتيد الى حيث يريد اللص والتاجر . ينتقل بسيسو الى رمز عربي معاصر هو عمر المختار . المشنوق الذي صار رمزا لبسيسو وقضيته وهمومها . صحيح هو يتدلى ولكن قد كسر بقدميه الاشرار . بسيسو يرى في يقظة آذار ومجيئه هما آخر بدل ان يكون رمزا من رموز الثورة والاستيقاظ والتغيير . الحال هو الحال . لم يتغير شيئا ما في شارعه الذي صار مغلولا بقيود واسوار . يا ليت اهل الكهف ظلوا نياما لعل يوما جديدا يطل عليهم هو يوم الخلاص والحرية !! .
في النص الثاني والذي يمكن عده رمزا عربيا تماهى معه بسيسو هو ” ابو ذر الغفاري ” وهو يحمل ” من اوراق ابي الغفاري ” . وكأن ابي ذر يحمل بين جوانحه اوراقا سرية نقش عليها همومه واحزانه . وجاء بسيسو وكشف لنا عن نموذج صغير من تلك الاوراق . والنص مكون من خمسة اوراق . لنرى اولا من هو ابو ذر الغفاري ومن ثم نطلع على اوراقه السرية كما كشفها لنا بسيسو . يقول لنا صاحب المعجم الاسلامي عنه هو ” جندب بن جنادة صاحبي جليل ، أسلم قبل الهجرة وكان سببا في اسلام قبليتي غفار واسلم ، اشتهر بتقواه وتقشفه ، دعا الناس الى صرف ثرواتهم في سبيل الله ، توفي عام 32هـ / 652م ” (3) . ويستعرض الحفني في موسوعته الصوفية جانبا من سيرة الرجل واللافت للنظر موقفه مع معاوية والذي سوف يكون محورا للورقة الاولى (4) ولنقرأ إذن انطباعات وصورة بسيسو عنه لنرى الى مدى تمكن شاعرنا من التوغل في اعماق وشخصية الرجل ولا يهمنا كثيرا مدى نجاحه واخفاقه قدر ما يهمنا عمق الصورة من عدمها بالدرجة الاساسية . يقول بسيسو في ورقته الاولى :-
وسار وحده ومات وحده وعاد ،
يصيح متُّ لم تزل ،
بقية من الكلام في فمي
نفيتُ مرتين ، مرة هنا ،
ومرة هناك في الحديقة المعلقة
بلوت صحبة الملائكة
بلوتها ، سئمتها ،
ضجرتُ من ولدنانها المخلدين ، حورها المزوقة
وخمرها المعتقة
وعدتُ يا معاوية
ألفي بشعرة الذئاب ،
في مغازل العناكب المشردة
(المصدر نفسه ، ص 211)
**********************
يرى الحفني وغيره ان ابا ذر الغفاري رجل يميل الى الروح الصوفية . ومن هنا ادرج الحفني هذه الشخصية ضمن اعلامه الصوفيين في موسوعته . ولكن يبدو لنا ان بسيسو له رأي اخر وهذا الرأي يتجلى في صورته التي نجدها هنا في ورقته الاولى . يتحدث الغفاري عن حالتين من النفي . الاولى عندما استقر في الشام وترك المدينة . والثانية عدم رضاه لما وجده في الحديقة المعلقة اي الجنة . ومن جراء هاتين الحالتين من النفي جاء الى معاوية معاتبا بل ولائما ومحذرا !! . انه ليس رجل زهد صرف حتى يسعد بمعشر الملائكة . وهو لم ينسجم مع بيئته فهاجر الى الشام حيث معاوية . وهناك .. اعني في الشام اصطدم مع معاوية وكان سبب الاصطدام هو توزيع الثروة وكيفية انفاقها ولأجل من ينبغي ان تنفق ؟. لقد جاء ابا ذر معاوية ليأخذ منه شعرته !! تلك الشعرة التي تفصله مع الناس ” إن بيني وبين الناس شعرة إذا أرخوا شددت, وإذا شددت أرخوا ” والشعرة ترمز او تمثل سياسة معاوية في ادارة الناس . انها وسيلته الى هيمنته على الوعي الجمعي وخبرته بذلك الوعي . وابا ذر كان صريحا في تعامله مع رمزية تلك الشعرة . انه جاء ليأخذ شعرة الذئاب ويلقي بها الى مغزل العناكب . اليس في هذه الصورة صدى للتصور الماركسي في الصراع الطبقي وحتمية دكتاتورية البروليتاريا التي لا بد من مجيئها ذات يوم !! . ها هو اليوم قد جاء واتى من خلال مجيء ابي ذر وبتعبير ادق بمجيء بسيسو ورفاقه وثورته وبنادقها !! . لنرى الى مدى يرسم بسيسو ملامح شخصية رمزه هذا . لنقرأ إذن الورقة الثانية .. حيث يقول :-
السيف ليس مثلما تصورون والكتاب
يا أيها الذئاب ،
قسمتم الاسلاب (الغنائم – المسروقات – المنهوبات)
فللمهاجرين حفنة من الزقوم
جرعة من الغسلين للأنصار
بلال لم يزل مؤذنا
ولم يزل عثمان ،
يداه تقطعان ارض الله ،
وهو خاشع يرتل القرآن
(المصدر نفسه ، ص 211-212 )
************************ة****
ما يزال ابو ذر يتكلم عن الغنائم (الاسلاب) . لقد اسأتم مفهوم السيف .. والكتاب !! ايها الذئاب واسأتم استخدامه . الاستخدام هو ترجمة لظاهرة الفهم . الذي يفهم شيئا على نحو ما سوف يستخدمه بناءا على ذلك الفهم . والمقصود لغة السيف في منظور ابو ذر والكتاب المعني هو القرآن . لقد فهمتم ايها الذئاب ؛ ومعاوية على رأس هؤلاء الذئاب ، اساؤا فهم السيف ومقاصد القرآن . ليس السيف وسيلة للهيمنة على البشر بقدر ما هو وسيلة لإظهار الحق ونصرته وما هكذا يقول القرآن عبر نصوصه . لقد جعلتموهما وسيلة من وسائل السيطرة والجشع والسرقة والنهب فحسب . هل يمكن القول وبناءا من هذه القراءة التي يطرحها بسيسو ان ابا ذر يعاتب .. او يلوم .. او ينذر .. او ما شئت من مفردات تنمي عن نوايا التوبيخ والتقريع إزاء معاوية ؟؟ ! . ماذا تركت يا معاوية للمهاجرين والانصار من تلك النهبات والاسلاب التي جمعتها باسم السيف والقرآن … يا … معاوية ؟؟؟ . كانت حصة المهاجرين ، وهو منهم ، حفنة من الزقوم . الزقوم هي ” شجرة مرة الطعم ، يخلقها الله في النار ، وهي طعام اهل النار ” (5). اما الانصار فلهم جرعة من الغسلين . الغسلين هو ” ما يسيل من جلود اهل النار ولحومهم ودمائهم ” (6) . اهذه هي مكافأة المهاجرين والانصار يا معاوية .. اهذه هي حصتهم .. يا شيخ الذئاب إذا نقلنا صورة بسيسو عنه وانطلاقا من نصنا الراهن هذا ؟؟ . يا معاوية ما يزال بلال هو الذي يقيم الاذان ولازال معاوية يرتل القرآن . لا ندري لماذا همش بسيسو من مسار الاحداث الخليفة المعذب الذي كان له حظه التعس مع معاوية .. اعني علي بن ابي طالب ؟؟ . من المؤكد ان عليا هو بصف ابا ذر في خطابه هذا لمعاوية . لا يزال المسلمون جبهة قوية بمقابل جبهتك وجناحك وتيارك يا معاوية . لا يزال لديهم الحضور ذاته الذي كان لهم منذ البدايات . انها صرخة احتجاج ولغة تتسم بالوعيد والتحذير ضد معاوية . يكمل ابو ذر في الورقة الثالثة مسار مطالبه وفي الوقت نفسه يستعرض جهاده وجهاد كل من معه في سبيل نشر تعاليم الكتاب . لنرى كيف عبر بسيسو معاناة ابا ذر النفسية في هذا الوقت المر الذي عاشه مع معاوية . يقول بسيسو في الورقة الثالثة ما يلي :-
لمن ثمار هذه السيوف
قاتلتُ في البحار والقفار
وساقت الرياح والرماح للخليفة القعيد
ألف مركب وهودج من ذهب
وصار للولاة ألف قينة ،
وألف قصر ،
وألف بئر خمر
وألف فم …
(المصدر نفسه ، ص 212)
**********************
لا يهمنا كثيرا هوية الخليفة القعيد هذا ، قدر ما يهمنا ، الصورة التي يريد ان يرسمها لنا بسيسو حول عن السلطة وتراكم رأس المال ، إذا استخدمنا التعابير الماركسية التي يعالج بسيسو الموضوع على ضوئها . هنا تتجلى لدينا ما يمكن تسميته بتخمة السلطة !! . السلطان المتخم نتيجة احتكار الاموال والغنائم بيده . لديه النساء والخمور والقصور والعبيد وكل مظاهر الترف التي تمتاز بها الممالك الدكتاتورية . ابو ذر يستعرض جهاده وبطولاته في البحار والقفار من اجل نصرة الحق واشاعة الحرية والقيم الشريفة والنبيلة . وبالمقابل ماذا جني ابا ذر من ذلك ؟ خرج صفر اليدين وخرج معاوية بألف قصر والف قنية والف بئر من الخمر . اليس هذا هو الصراع الطبقي الذي تكلم عنه ماركس في الفرن العشرين ؟ صراع من اجل السلطة ومن اجل التوزيع العادل للثروات ؟؟ . نترك اعطاء الحكم للقارئ فيما يختار من احكام وتصورات .. في الورقة الرابعة يطرح لنا بسيسو هما يعيشه كل صاحب قضية يؤمن بقيم تلك القضية . واهم مظهر لذلك الهم هو العلاقة مع السلطان . وبسيسو ينقل لنا متاعب وهموم ابا ذر مع معاوية على اعتبار انه انفرد بالسلطة او نقل الخلافة من التيار الراشدي الى التيار الاموي .وانه له اشكالية وخلاف معه . ولذلك يكون موضوعا للملاحقة والمسائلة والمراقبة في كل لحظة من لحظات وجوده !! . هنا نلمس اسقاطا يمارسه بسيسو على ابا ذر وفي الوقت نفسه توحدا معه . لنرى كيف يجسد بسيسو هذا الهم الذي عاشه ابا ذر . يقول بسيسو :-
في كل ليلة يدق بابي السياف
كيس النضار في يمينه ،
والنطع في يسراه
يقول لي أثقلت بالكلام ،
كفة الميزان
يقول كانز الدماء في العروق
معانق الخيول في نهاية الطريق
يا صاحبي حذار
من سقطة اللسان
فبغلة الامير خلف هذه الجدران
تسمع الكلام
أميرنا حباله طويلة ،
وسيفه قصير …
(المصدر نفسه ، 212-213)
***********************
هذه الصورة تصدق في كل زمان ومكان . انها تعبير عن علاقة صاحب القضية بالأمير والسلطان والملك والإمبراطور وعلى وجه العموم .. السلطة . والصورة دالة على عذابات صاحبها في تلك الهموم .
انك ثرثار جدا يا صاحبي …
********************
هكذا قال السياف وهكذا يقول كل يوم لابي ذر ولبسيسو كتحصيل حاصل ! . لقد طفح الكيل .. طفح الميزان . لم يعد يتحمل الامير من هذا الطفح . السياف … الجلاد .. السجان .. كلهم ادوات الامير ووسائله للقمع .. لقمع الافكار وقمع المشاعر و الآراء والاصوات والمعتقدات . انهم ادوات لقولبة الوعي الجمعي وتعليبه وفق نماذج السلطان وصوره . هنا احساس بالاضطهاد والملاحقة وشيوع الحياة البوليسية لدى ذلك المجتمع . كل في ما في البلد هو في خدمة اميره .. حتى البغلة هي الاخرى تتنصت وراء الجدان لاحاديث الناس الخارجين عن القانون والمتآمرين على الملك واعوانه واجهزته وسلطاته . من المؤكد ان بسيسو يعبر عن تجربته الشخصية فضلا عن توحده بتجربة ابي ذر المريرة مع معاوية !! .
ان اميرنا حباله طويلة
وسيفه قصير
********************
الملك متسيس جدا مع شعبه . بينه وبين ذلك الشعب شعرة رفيعة قد تمزقها ريح ما اتية من هنا وهناك . تلك هي احزان بسيسو ومتاعبه . في الورقة الاخيرة نجد ما يمكن تسميته برثاء الذات . انها مرثية لتاريخ الانا الذي مزقه سوء الفهم وبطلان التأويل الآتي من الآخر . لنرى كيف يرثي ابا ذر ذاته او بتعبير ادق كيف يرثي بسيسو ذاته صاحبة الحظ التعس ابدا !! . يقول بسيسو في الورقة الخامسة :-
من سوف يعطي غمده ،
للسيف كيف يموت .
من سوف يعطي جلده
من هذه الحياة لي كفن ؟
من سوف يكسو الريح في الفقار
ثوبه الجديد ؟
لو تهتدي إلي أيها الصديق
والذئب في الظلام نجمة
تنور الطريق
لو تهتدي إلي أيها الصديق !
(نفس المصدر السابق ، 213)
************************
ابا ذر في حيرة من امره ، ماضية حاضر منقوش على كفيه ومستقبله محفور في كفي القدر . يخاف الحيات والسلطان .. لا صديق له يخفف من اعباء مسيرة حياته . بسيسو يكرر من مفردة السؤال ” من ” للدلالة على غياب هذا الآخر الذي يستطيع ان يقيم جسور التواصل معه . طريقه محفوف بالظلمة بل هو الظلمة بذاتها . مفارقة عجيبة يطرحها صاحب النص . الذئب هو في الظلام نجمة . انها واقعة بيولوجية . انك تستطيع ان تستدل على وجود الذئب في حلكة الظلام من عينيه البراقتان اللامعتان . اليست إذن يعد هذا نجمة تنور الطريق . ليس في الظلام الا الذئب وعيناه اللامعتان وهما دلالة على هيمنة منطق الذئب في ظلمة العالم ولياليه السوداء الحالكة .
**********************
الرمز الآخر الذي يتماهى به شاعرنا بسيسو هو ابن المقفع الفارسي الذي اعتنق الاسلام وعاصر الدولتين الاموية والعباسية . ومشكلة ابن المقفع الاساسية هي علاقة الوالي او الحاكم او الراعي بالرعية …. وهذا هو لب اشكالية شاعرنا في خطابه الشعري . والنص بعنوان ” من احلام عبد الله بن المقفع ” . لنقرأ النص ونقف عند تلك الاحلام . يقول بسيسو :-
وشيت َ بي ، قتلتني ،
وكنت َ شاهدا علي في بلاط دبشليم
وكنت صاحبي القديم
(المصدر نفسه ، ص 214)
*********************
يبدأ بسيسو رحلته مع احلام ابن المقفع بموضوع الوشاية او النميمة او الابلاغ . انه موضوعا للمؤامرة . كل من يشعر بالمؤامرة ،اي كان ، فان ذلك يعني ان لديه اسرارا يخاف البوح بها . هذه الاسرار تدل او تعني انه يمتاز عن غيره بامتيازات وخصلات وقدرات . وان لديه شيئا مغايرا عن غيره . بمعنى ادق انه موضوع الانتباه من قبل الغير . وهذا الغير يتمثل ، على وجه التحديد ، بالسلطة ورموزها وادواتها . إذن هناك من ابلغ عنه ووشى به . كان لديه مشوار ، اسرار ، غاية في نفس يعقوب وله مآرب أخرى !! . انه يشمي عكس التيار .. لا يوالي غير افكاره ومعتقداته وما يدور في رأسه . ابن المقفع مثقف كبير . مات في عمر مبكر . وعلى وجه التحديد في عمر 36 . مات مقتولا من قبل والي البصرة بأمر من المنصور وأماته شر ميتة لأنه كان يكرهه عام 759 . وكان خلافه مع والي البصرة سفيان بن معاوية بن يزيد بن المهلب بن ابي صفرة لأن ابن المقفع قذف ام سفيان ووصفها بالمرأة المغتلمة وكان هذا هو السبب في مقتل ابن المقفع حرقا عضوا عضوا من جسمه (7) . وقيل ايضا انه اتهم بالزندقة . لن ندخل في اسباب قتل الرجل . المهم انه كان في اشكالية مع الوالي . من هذه الوشاية ضده . و لا يهمنا ايضا من هو الواشي . لا شك انه رجل وضيع شأنه شأن السجان والسياف او احد الغلمان او الخصيان !! . لم يقدر عبقرية وقدرات الرجل .. اعني ابن المقفع في قضيته او بسيسو في محنته . على الرغم من انه كان صاحبه القديم وكان شاهدا عليه في البلاط .. من هنا حزنه واسفه على هكذا صحبة . هذا يعني انه ليس في العالم من يستطيع الركون اليه او الثقة به . ولذلك فهو وحيد مع همومه واسراره حتى بات الشخص المطلوب عند الوالي بسبب قضيته وآرائه . يروي لنا بسيسو مأساته واين كان وكيف ومن اين سقط :-
سقطتُ من مخالب العنقاء ،
يا حورية الجحيم
سقطتُ في سريركِ الصغير
والخمر في جرار بيدبا ،
والجمر في حواصل الطيور
قُتلتُ حينما علمتك الكلام
يا سارق الاحذية الحمراء ،
من اعناق هذه الاصنام
قُتلتُ حين قُلتُ للأسد
تموت أيها الملك
تموت حين تسقط اليمامة الزرقاء
في الشرك
(المصدر نفسه ، ص 214)
**********************
هذه هي اذن لب الاشكالية عند ابن المقفع . لا نرى فرقا بين عبارة ابن المقفع وفق نص بسيسو وبين قذفه ونعته لام سفيان بذلك النعت المشين . المهم انه لم يكن راضيا على الملك فقال عبارته :
تموت ايها الملك
*******************
ويستمر بسيسو في اطلاق الدعاء على الملك فيقول له :-
تملأ عيناك النمِّال ، يغمد الوتد
تُسحب بالحبال ، يغلقون
باب ذلك العرين بالحجر
(المصدر نفسه ، ص 214-215)
***************************
انه يريد ان يموت شر موتة مثلما مات هو على يد الوالي سفيان عند حرق جسده قطعة ويرى جسده يحترق !! . انها امنية وحلم ابن المقفع . لكن تلك الاحلام لم تر النور قط لان معاوية حرقه قبل ان يحرقه هو . لا يكتفي ابن المقفع او بتعبير ادق بسيسو بموت الملك كشخص فرد بل يريد ان يموت كل شيئ يذكره به حتى الاشجار فيقول :-
تغرس في أحشائها ،
أغصانها وتنتحر
تموت بعدك الشجر
معذرة مولاي إننا بشر
ننوح كالحمام ، نلبس السواد ،
ثم يطلع القمر
ويملأ الزئير من جديد قلبنا ،
ويسقط المطر …
(المصدر نفسه ، ص 215)
************************
عندما تموت ايها الملك سوف تنتحر الاشجار وسوف ينوح عليك الشعب مثل الحمام وسوف يلبس السواد و.. و…و . ثم ينساك ويغادرك حيث يطلع القمر ويملأ الزئير (رمز الاحتجاج والغضب) من جديد ويسقط المطر وهو دلالة بزوغ فجر الامل وهبوب رياح الحرية …
*********************
في قصيدته المعنونة ” إكليل نار ” وهي مهداة الى عمار بن ياسر . وهو من الاوائل السبعة الذين دخلوا الاسلام في دار الارقم . وما هو مهم في حياة هذا الرجل هو موقفه من خلافة الخليفة الرابع ضد معاوية حتى مقتله في موقعة ” صفين ” (8) . يقول بسيسو في رسم صورة هذه الرجل ما يلي :-
شجر الزقوم قد أخصب َ ،
لم يسقط مطر
ولدت أصنامك السود حجر
وأبا صار هبل
خبأ الليل القمر …
فالقرابين طيور وحجر
ونجوم وبشر
فكلي عينيك يا أم هبل
خبأ الليل القمر …
وتعالي نار عمار ،
فقد دق لك ِ الطبل الحطب
وكليه وهو في أقماطه ،
هذا الحجر
قبل ان يحبو ، وأن ينمو ،
وأن يغدو صنم …
(المصدر نفسه ، ص 218)
**************************
النص مكثف جدا وملتبس ويلفه الغموض . انه يشير الى تاريخ عمار قبل دخوله الاسلام هو وابويه . كانت امه سمية بنت خياط اول شهيدة في الاسلام ثم اعتنق ابوه الاسلام ايضا فنالت عائلة عمار ما عانته من اضطهاد حلفائها من بيني مخزوم . يبدو ان بسيسو يتكلم عن تلك المحن التي عانتها هذه العائلة المتحولة من سياق الى سياق . هنا بسيسو يمجد ، ولا شك السياق الجديد الذي تحول اليه عمار . هذه قناعات لا غير ليس من حق احد ان يتدخل بشأنها . بسيسو يشدد على نار عمار . ما دلالة ذلك ؟ نميل الى الظن ان بسيسو يستخدم النار للالتهام .. التهام الماضي وكل ما يتعلق من افكار ومعتقدات وباختصار كل ما هو مرتبط بالجاهلية . يريد بسيسو من هذه النار ان لا تبقي اثرا ما لذلك الموروث الذي جاء منه . والذي قد يحبو وينمو . هو يريد ان يقلعه قلعا من جذوره او على حد تعبيره من اقمطته . ذلك هو الاكليل الذي يستحقه عمار . وبسيسو يتحدث منذ بداية النص عن اخصاب شجرة الزقوم اشارة الى فعاليتها وتأثيرها كما ان الاصنام وحجارتها لا تزال تعمل عملها في العقل العربي قبل ان تلتهم النار التي جاء بها عمار اغصان شجرة الزقوم وحرق الحجر وتحويله الى رماد منثور .. هو يقارن بين السابق واللاحق لحياة عمار من حيث تحوله وتغيره من سياق الى سياق …
************
نرى قفزة نوعية في تناول بسيسو للرموز العربية . ها هو في هذا النص يتناول شخصية اثارت جدلا ولا تزال لدى دارسي الحضارة العربية ورموزها . نحن ليس من شأننا قط ان ننحاز الى هذا الرمز او ذاك . شاننا هو نراه بعيون بسيسو وبأعماقه وتصوراته . هذا الرمز هو الحجاج بين يوسف الثقفي (9) . يقول بسيسو عنه :-
… وأرى رؤوسا أينعت ، وأرى القطاف ،
وأرى الدماء ،
بين العمائم واللحى ، تبت يداك
بغداد اسكرها النواح
وعلى الضفاف الخضر ،
تغتسل الضباع وشهرزاد
أخرى مزيفة وألف حكاية
شوهاء في نجم النهار ،
وعلى الجماجم في ملابس شهريار ،
الفيلسوف الأخرس المجذوم يقعي ،
وهو يصغي ،
(المصدر نفسه ، 219)
********************
المقطع الأول من نص بسيسو هذا هو اقتباس من الخطبة الارتجالية التي ارتجلها الحجاج بعدما خلع عمامته وكشف عن وجهه في مسجد الكوفة . بسيسو غير راضي عن الحجاج لهذا قال له :
تبت يداك
*********************
بغداد يا حجاج اسكرها النواح وتغتسل على الضفاف الخضر الضباع . ثمة شهرزاد اخرى مزيفة وشهريار اخر مخدوع يعيش امل الكذبة الكبرى من حكايات شهرزاد الكاذبة تلك . ماذا تريد بعد من بغداد يا حجاج حتى تتوعدها هذا الوعيد الا يكفيها ما شهدته كربلاء من مأساة حتى تأتي انت لتزيد من مأساتها مأساة !! . ثمة من ينظر الى هذه المأساة التي سببها الحجاج والتي لها صلة قربى وشبيهة بمأساة شهرزاد مع شكوك وهواجس ووساوس بل وذهانات شهريار ان صحت العبارة . الاثنان شهريار والحجاج يلطخان يديهما بدم الابرياء . هذه هي النقطة المهمة التي يريد استنطاقها بسيسو من قراءة سيرة الحجاج الواقعي بالمقارنة مع سيرة شهريار الاسطورية التي قامت عليها حكايات الف ليلة وليلة . الفيلسوف الاخرس المجذوم (المصاب بالبرص) جلس متراجعا الى الوراء . انه الاخرس المجذوم . الملعون الذي ينبغي الا يمس . من هنا محنة بسيسو امام عالمه الذي يسوده الف حجاج والف شهريار وهو لا يقوي على فعل شيء ما . يكمل بسيسو رحلته مع شخصياته الاسطورية والواقعية معا فيقول :-
كيف قد فقأوا عيون السندباد
وتصيح عاهرة ، تسمي نفسها
قمر الزمان ،
مبحوحة الثديين ، كم صاحا ،
بنافذة ، لماخور وحان ،
(المصدر نفسه ، 219)
********************
من الطبيعي ان تظهر شخصية العاهرة على مسرح الاحداث . لا نريد التعليق ، سوسيولوجيا ، على اهمية هذا الدور في تحديد مسار الاحداث في المجتمعات . حتى وان لم تكن العاهرة بالمعنى المألوف للمفردة هي التي يعنيها بسيسو على الرغم من اننا لا نستبعد قصده الحرفي هذا هنا . بسيسو يتلاعب بشخصية قمر الزمان ففي الاسطورة قمر الزمان هو رجل لكن بسيسو يجعل منه عاهرة . لنقف عند هذه الشخصية ” تحكى قصه قمر الزمان عن ملك من قديم الزمان وقد تقدم به العمر ولم ينجب إلى ان تزوج من اميره بلاد صديقه وانجابا قمر الزمان الذي لم يكن له مثيل في جماله ولما كبر علمه أبوه العلوم والاداب حتى صار لا يماثله أحد في علمه وجماله وذكائه ثم اراد أبوه ان يزوجه فأبى لأنه كان →يعتقد ان جميع النساء خائنات الا ان راته بنت ملك الجن التي كان يراها جنى على انه لا يوجد مثيل لا ابنة ملك الصين في جمالها اما ابنة ملك الجن فأنها كانت تعتقد ان قمر الزمان هو الاجمل فاتفقا على ان تنقل ابنه ملك الصين إلى سرير قمر الزمان ويوقظوا كل نمنهم على ده ليعرفوا من يفتتن بالاخر فيكون هو الاقل جمال ” (10) . اذن هذه العاهرة تقمصت شخصية قمر الزمان . بسيسو يقلب الاسطورة رأسا على عقب . ويجعل من هذه العاهرة ان تنادى من نوافذ المواخير (بيت الدعارة) والحانات اسيادها .. سيدها المفضل . انها ذات ثديين مبحوحين دلالة على ممارسة المهنة لوقت طويل . لنرى ما كان يصيح ثديي هذه العاهرة . يقول بسيسو :-
– مولاي قد طوي الشراع
هوذا قميص السندباد ،
عليه أختام البحار
والفيلسوف الاخرس المجذوم ،
من عينيه يبصق والهتاف ،
يعلو ، وفوق الضفة الخضراء ،
تضحك ، من مخالبها الضباع
بغداد اسكرها النواح
وحمامة ناحت بباق الطاق ،
تنتظر الصباح
(المصدر نفسه ، ص 220)
************************
ذلك كان نداء تلك العاهرة لمولاها . انها دعوة لزيارتها . بيدها قميص السندباد . السندباد رمز من رموز البطولة والمغامرة (11) . من يتمكن من القبض على السندباد . لم يتمكن من ذلك غير تلك العاهرة الملعونة التي ادعت انها قمر الزمان . تعال يا مولاي من كنت تبحث عنه .. اصبح ملك يدي . شراع منزلي قدي طوي وبإمكانك الدخول والاستمتاع بالوليمة مثل الوليمة التي اقامها هيرودوس ورقصت هيروديا وطلبت رأس يوحنا المعمدان على رأس طبق . انها وليمة الفرح باصطياد البطل المطلوب ” السندباد ” او بسيسو نفسه او من يحلم به لان يكون بطله ونموذجه . القميص ليس مزيفا يا مولاي .. ها هو القميص وقد ختم بأختام البحار للدلالة على ان صاحبه هو السندباد وليس غيره . فيلسوفنا الاخرس المجذوم لا يزال منكفأ على ذاته يبص من عينيه . انه تعبير جميل ودقيق للحزن والعجز والضعف وخراب العالم . انه موقف ازاء العالم . بسيسو يبصق على عالمه بازدراء واحتقار . العالم مكتظ بالضجيج والفوضى والهرج والمرج من كل اطرافه وضفافه . الضباع والاسود كل من جهتها تزأر وتصيح وتضحك . الضحك دلالة الانتصار والهيمنة على فيلسوفنا الاخرس المجذوم . يختم بسيسو صورته عن مسرحية العالم البائس متخذا من بغداد انموذجا له . ثمة حمامة تنوح على الطاق .. انه طاق كسرى في جنوب بغداد . انها حمامة تنوح وتنتظر الصباح . سؤالنا هل ادركت تلك الحمامة ذلك الصباح ام ظلت تنوح في ليل طويل بلا نهاية …
**************
رمز آخر ترسمه لنا انامل بسيسو . ذلك هو بديع الزمان الهمذاني صاحب المقامات المشهورة بأسمه (12). والمقامة فن ادبي وتعرف على انها ” والمقامات مجموعة حكايات قصيرة متفاوتة الحجم جمعت بين النثر والشعر بطلها رجل وهمي يدعى أبو الفتح الإسكندري وعرف بخداعه ومغامراته وفصاحته وقدرته على قرض الشعر وحسن تخلصه من المآزق إلى جانب أنه شخصية فكاهية نشطة تنتزع البسمة من الشفاه والضحكة من الأعماق. ويروي مغامرات هذه الشخصية التي تثير العجب وتبعت الإعجاب رجل وهمي يدعى عيسى بن هشام ” (13) . ونميل الى الظن ان هذه الحكايات المختلقة والمنسوجة من مخيلة الهمذاني هي محاولة لرسم صورة شخصيته بطريقة رمزية هدفها الاساسي التهكم والسخرية من المجتمع ورموزه وقيمه واعرافه . البطل وهمي والرواية وهمي كذلك . من هنا محاولة التقليل من قيمة الرموز الاجتماعية واعلاء شأن الذات … اعني ذات الهمذاني نفسه . ونميل الى الظن ايضا ان بسيسو ينحو ذات المنحى . لا سيما في علاقته بالسلطة ورموزها المختلفة . لنرى كيف يجسد بسيسو من خلال مقامته هذه مظاهر سخريته من المجتمع فيقول :-
حدثني وراق في الكوفة ،
عن خمار
في البصرة ، عن قاض في بغدان ،
عن سائس خيل السلطان
عن جارية ، عن أحد الخصيان
عن قمر الدولة ، حدثني قال :
(المصدر نفسه ، ص 233)
***********************
بسيسو ينقل لنا حديثا من وراقه هذا عن مختلف قطاعات المجتمع ؛ خمار .. قاض .. سائس خيل .. جارية .. احد الخصيان .. قمر الدولة . المهم في المقدمة من هذه القصيدة ان بسيسو يريد ان ينقل صورة عن المجتمع الذي كان يعيش في الكوفة . ولن نسأل بسيسو لماذا اختار وراق الكوفة كمصدر مهم يعتمد عليه في نقل اخباره تلك ؟. من الممكن ان ينطلق بسيسو من الاهمية الدينية ورمزيتها لهذه المدينة التي شهدت احداث مهمة في تاريخ الحضارة العربية (14) . وراق في الكوفة هو رمز يعتمده بسيسو إذن في قراءته للمجتمع الذي يريد ان يسخر منه ويقلل من شأنه واهميته . باستثناء القاضي وقمر الدولة ” هو أبو طاهر، جعفر بن علي بن دوّاس الكُتامي المصري، الأمير، الشاعر، المعروف بقمر الدولة. وقيل في اسمه “دوّاس القنا العنبري”.
نشأ بطرابلس، وانتقل إلى بغداد، وأقام بها مدة في خدمة “قسيم الدولة البرسُقي” وكان نديماً له، شاعراً رقيق الألفاظ، عذْب الإيراد، لطيف المعاني وله في الغناء وضرْب العود وطربه طريقةٌ حسنة بديعة.
ذكره “العماد الأصفهاني” في “خريدة القصر” فقال: “كان عمره بالعراق قمرٌ، قمر القلوب بظرافته، وسلب العقول بلطافته. نديم عديم النظير في فنونه، ظريف طريف الصنعة في مجونه، اجتمعت فيه أسباب المنادمة، وكان يقرع أبواب المسالمة، يضرب بالعود وأين إسحاق وإبراهيم، فكلاهما لو كان في عصره كاد به يهيم، ويغني ولا مثله غناء معبد والغريض. فلو رأياه لعثرا في ميدانه الطويل العريض، ويلعب بالشطرنج وأين اللجلاج، لو عاش لقتله منه الغيظ واللجاج، كان نديمَ قسيمِ الدولة سنْقُر البرسقي كل يوم لقبوله عنده يرتفع ويرتقي، وهو ينظم أبياتاً مطبوعة، وينثر كلمات مسجوعة ، وهو صاحب نوادر ومضاحك، ولسان كحد السيف باتك ، يلعب ويُطرب، ويشعر ويكتب ويغني بالعود ويضرب ويسقي ويشرب. إن لعب بالشطرنج فاق، أو بالنرد راق، أو غنى شاق، أو ضرب بالبربط (أي العود) انشرح القلب الذي ضاق”.
أنشد قمر الدولة في علي بن أفلح القيس الشاعر (س 535 هـ) وكان ابن أفلح أسود مشوه الخلقة:
هذا ابن أفلح كاتبٌ
متفرِّدٌ بصفاته
أقلامه من غيره
ودواته من ذاته
ومن شعره
لما رأيت المشيب في الشعر الـ
أسود قد لاح صحتُ: واحَزَني
هذا وحقِّ الإله أحسبه
أول خيط سُدِّي من الكفن
وله:
إن صار مولاي ذا يسار
فإنني ذلك المقلُّ
كالشمس إن زيدت ارتفاعاً
يقصرُ فيءٌ لها وظلُّ

ومن شعره:
تعجبت “درُّ” من شيبي، فقلت لها:
لا تعجبي فطلوع البدر في السَدَف
وزادها عجباً أن رحتُ في سمل
وما درت ” دُرُّ” أن الدر في الصدف

وله أيضاً:
قلت لمن نادمني ليلةً
عند التداني :نحِّ قمصانك
فامتثل المرسوم من وقته
فقلت عند الصبح: قم صانك

وله من قصيدة مشهورة يغنَّى بها:
هل أنت منجزة بالوصل ميعادي
أم أنت مشجية بالهجر حسادي
سألت طيفك إلماماً فضلَّ به
ولو ألمَّ لأروى غلة الصادي
يا ظبية الحيِّ، ما جيدي بمنعطف
إلى سواك، ولا حبلي بمنقاري
لولا هواك لما استلمعت بارقةً
ولا سألت حمام الدوح إسعادي
ولا وقفت على الوادي أسائله
بالدمع، إلاّ رنا لي بذلك الوادي”

توفي بعد سنة 518هـ بسنين كثيرة. ” (15) فان شخوص بسيسو هم من عامة الناس بل هم من ارذال افراد المجتمع . ويمكن القول ان شخوص بسيسو هم يعملون مع السلطان .. بمعنى آخر هم حاشيته .. حتى القاضي له دور مهم عند السلطان انه مرجعيته القانونية والدينية على حد سواء . سوف نرى كيف يكشف لنا بسيسو دور القاضي في تبرئة السلطان من زلاته واخطائه التي يرتكبها عن عمد او دون عمد . قمر الدولة هو الاخر سند للسلطان . انه فنان السلطان وشاعره وخطيبه ومطربه . انه بمعنى ما بوق السلطان ولسان حاله . وبتعبير معاصر انه وزير الاعلام في دولة السلطان . لنرى ماذا اخبر الوراق عبر وسائل وقنوات الاخبارية التي نقلها او حكاها الى بسيسو فيقول :-
كنا في مجلس مولانا ،
في شمس الرابع من رمضان
مولانا أنطقه الله فصاح
من يقعي خلف الابواب ،
من الفقهاء ، من الشراح
(المصدر نفسه ، ص 233)
**********************
اذن كل شخوص بسيسو في مقامته كانوا جالسين في مجلس الوالي السلطان (16) . ان هذا الوالي لا ينطق عن الهوى . الله ذاته وراء كلماته . بسيسو يريد ان يقول لنا ان السلطان خليفة الله في الارض بشكل مطلق . هنا هذا السلطان لديه مشكلة كانت سببا لأرقه الليلي فطلب من قضاته وفقهائه ومستشاريه ان يحضروا ويجدا حلا لما كان سببا لأرقه هذا . كان هؤلاء القضاة والفقهاء جالسين خلف الابواب وهم رهن اشارة السلطان ومن يجرء ان لا يكون غير ذلك . وكان اول من لبى استشارة السلطان هم الفقهاء والشراح . لأنهم اصحاب الحجة والسلطة والمرجع والدليل . بهم يستشير السلطان وبهم يهتدي . وبهم يحتذي . الا بسيسو يفاجئنا عند يكشف لنا هوية هؤلاء الفقهاء والشراح . وبهذا الكشف تكمن سخرية بسيسو ويكمن تهكمه على هؤلاء المستشارين . لنرى من يكون هؤلاء الذين بهم ينتظر السلطان اراءهم ليتخذ من الاراء منارة له . يقول بسيسو :-
ـــ مولانا في بابك عبدك وأواء النطاح
وهنالك عبدك ، خفاش بن غراب
والشيخ الواثق بالله ، ابن مضيق
صاحب ألف طريق وطريق
تسلكه الزنديقة والزنديق
(المصدر نفسه ، 233)
***********************
إذن هؤلاء هم شراح وقضاة مولانا الجليل ادام الله ظله . لا نريد ان نعلق على الفقهين الاول والثاني . سخرية بسيسو منهم لا تحتاج الى وقفة او تأويل او بعد نظر . ما يهمنا ، على وجه التحديد ، هو الفقيه الثالث والذي هو بالتحديد ما يحتاجه السلطان ليجيز سلوكه ويشرعن افعاله واقواله . الفقيه الواثق بالله ابن مضيق صاحب الف طريق وطريق …. ! النص شائك جدا بقدر ما هو مثير للغاية لأنه يعد موقفا ووجهة نظر إزاء المرجعية الدينية ورموزها . ما هو مهم ، هو ان الزنادقة هم ايضا يلجؤون الى ابن مضيق هذا . تصوروا يا قوم الزنادقة تذهب الى الفقيه لتشرعن زندقة هؤلاء الزنادقة !! . ان هذا الفقيه هو دائرة معارف عصره . فقيه الدنيا والدين . الفقهيان الاولان التزما الصمت امام الشيخ الواثق بالله ابن مضيق . حلال المشاكل والعقد وفك الطلاسم والحرز وكل ما لا يمكن حله او فكه من رموز واشارات . السلطان لا خيار له الا باللجوء والاستعانة بأبن مضيق هذا حجة زمانه ووحيد دهره وفريد عصره . لديه الحل والربط . يقال في المأثور الشعبي ” تمخض الجبل فولد فأرا ” عبارة تقال على وجود مفارقة عجيبة تتجلى امامنا . الجبل يلد فأرا . هكذا يريد بسيسو ان نفكر في موضوع السلطان وهمومه ومتاعبه . السلطان ليس منشغلا برعيته ومملكته ولا بالسهر على امنها وراحتها . بل هو منشغل بذاته إيما انشغال . وهذا الانشغال دليل على من يكون هذا السلطان وكيف ينبغي ان نراه وكيف ينبغي ان نرسم صورته وملامحه على الوجه الذي يتناسب واقعه . لنرى ماذا كان يجول في ذهنا السلطان ويشغل باله ويكون سببا لأرقه ومتاعبه لأن ينام وينعم برغد العيش !! . قبل المصادرة لنقرأ نص بسيسو ونرى المفارقة التي يرغب في ان نطلع عليها ونقف عندها . يقول بسيسو :-
مولانا عطس ثلاثا يرحمه الله ،
وانتصبت أذناه ،
ـــ إلى بوأواء النطاح …
وانزلق الشيخ من الباب ،
مولانا كفا في كف ضرب ،
وهمهم يا وأواءْ…
أقسمت ُ ثلاثا للجارية الرومية وطفاء
أن أطرق َ مخدعها ،
(المصدر نفسه ، 233-234 )
**************************
يبدو ان السلطان كان على علم بنوايا مستشارية وموقفه منه ولذلك استشار السلطان الفقيه الأول الوأواء النطاح واهمل اجتهادات وفتاوى ابن مضيق ، فكان الشيخ قد لبى النداء على الفور حيث كان على الباب منتظرا ماذا سيقول السلطان .ان رمزية اسم هذا الفقيه لا تحتاج الى وقفة طويلة انطلاقا من معناه اللغوي المألوف . قد يكون العطاس ، في تقديرنا ، إشارة الى حيل دفاعية هروبيه من الموقف الحرج الذي يمر به الوالي او السلطان . لقد اقسم الوالي ثلاثا واعطى وعدا للجارية الرومية ” وطفاء ” بأن تكون هذه الليلة ليلتها .. اي ان السلطان يكون هذه الليلة زائرها الشرعي . لكان الصدف .. اللاشعور ان صح التعبير قادت قادماه الى احد غلمانه !! . الوالي مثلي الجنس إذن . ولا شعوره قادته الى حيث رغباته الحقيقية القابعة في قعره . يقول بسيسو مستطردا حكاية الوالي :-
ضلت قدمي ، واختلطت في عيني الابواب
وصحوت مع الديك ، فإذا بي ،
أتمدد في ذنبي ،
في حجرة احد الغلمان
(المصدر نفسه ، ص 234)
***********************
لقد ضل السلطان الطريق وما عاد يميز بين ابواب غرف غلمانه وجواريه . هل نقول ان بسيسو يتهم سلطانه هذا بأنه سلطان منفلت الغرائز وان غرائزه حين تتهيج لا تعرف هدفا او سياقا غير الاشباع او الارواء ؟؟ . هذا ما يوحي الينا به هذا المقطع من النص . من هنا كان شعوره بالذنب .. انه يتمدد بذنبه اي يتمرغ فيه . من هنا لجوئه الى مستشاريه وفقهائه . فكان ان طلب من الوأواء النطاح ان يفتي له بفتواه . لنرى ما هي فتوى هذا الفقيه . يقول بسيسو :-
وتنحنح ، بسمل ، حوقل ،
وأواء النطاح وصاح :
ليس على مولانا السلطان جناح
فالقسمة غلبت ، والعبرة في النية ،
لا أين تسير القدمان …
وسواء ، في المخدع إنس أو جان
والذنب على الجارية ،
فلو وضعت في باب المخدع مصباح
ما ضلت قدما مولانا ،
والله أعلم والسلطان …
وخازن بيت المال
(المصدر نفسه ، ص 234)
***********************
اذن الوأواء النطاح قد اعطى للسلطان حل هو هذه الفتوة التي املاها على مولاه . فالوالي ليس مذنبا وليس عليه جناح . الذنب ذنب الجارية . لو وضعت على باب مخدعها مصباح يعد اشارة الى انها هي المعنية والمقصودة هذه الليلة ما ضلت قدما الوالي . في هذه الفتوة نتعلم او يريد بسيسو ان نتعلم درسا مهما وهي ان السلاطين والملوك واصحاب رؤوس الاموال هم بلا ذنب ابدا . الذنب ذنب الفقراء والعبيد والمعوزين لأنهم لا يعرفون كيف يطيعون اسيادهم وملوكهم واصحاب رؤوس اموالهم . انه فن ادارة المواقف . الطبقات الدنيا لا تعرف او لا تدرك كيف تتقن هذا الفن . اذن فليبقى الذنب ذنبها وليس على غيرها من والي او سلطان او صاحب رأس المال مثلا …
نكتفي بهذا القدر من الرموز التي توقف عندها بسيسو من خلال تجواله في دروب حضارته العربية تاركين اكمال المشوار لغيرنا ان شاءوا ذلك .

الهوامش :-
1- ابو الدهب ، اشرف طه ، 2002 ، المعجم الاسلامي ، دار الشروق ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 68 .
2- د. حرب ، طلال ،1999 ، معجم اعلام الاساطير والخرافات ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 229 .
3- ابو الدهب ، اشرف طه ، مصدر سابق ، ص 22 .
4- د. الحفني ، عبد المنعم ، 2003 ، الموسوعة الصوفية ، مكتبة مدبولي ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 219-222 . وموضوع الخلاف بين الرجل ومعاوية مذكور في صفحة 219 ويتمحور الخلاف ” في توزيع الاموال وطريقة انفاقها ..” .
5- ابو الدهب ، مصدر سابق ، ص 299 .
6- ابو الدهب ، المصدر عينه ، ص 431 .
7- مادة ابن المقفع في الموسوعة الحرة على شبكة الانترنيت .
8- مادة عمار بن ياسر في الموسوعة الحرة على شبكة الانترنيت .
9- مادة الحجاج بن يوسف الثقفي في الموسوعة الحرة على شبكة الانترنيت .
10- مادة قمر الزمان في الموسوعة الحرة على شبكة الانترنيت .
11- د. حرب ، طلال ، 1999 ، معجم اعلام الاساطير والخرافات ، دار الكتب العلمية ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 204 .
12- مادة بديع الزمان الهمذاني في الموسوعة الحرة على شبكة الانترنيت .
13- المصدر السابق .
14- مادة الكوفة في الموسوعة الحرة على شبكة الانترنيت .
15- جريدة البيان الالكترونية ، عدد 208 في 11-5-2015 .
16- للأمانة العلمية وجدنا قراءة مشابهة لقراءتنا هذه كان قد سبقنا بها في دراسة الدكتور محمد توكلنا وهي بعنوان ” معين بسيسو شاعر الاقدام والاصرار واستنهاض الهمم وهي منشورة على موقع ” بيت فلسطين للشعر ” على شبكة الانترنيت .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *