الرئيسية » نقد » ادب » هاتف بشبوش : يحيى السماوي ، بين العدميّةِ والآيروتيك (1)

هاتف بشبوش : يحيى السماوي ، بين العدميّةِ والآيروتيك (1)

hatef bashbosh 3يحيى ، رمزُ صبانا ونشاطنا الثوري ، هو ذلك الشاعر الذي بدأ كأسطورةٍ سماوية تتناقلها الألسن منذ السبعينيات وديوانه الأول (عيناك دنيا 1970) ، حتى أكمل ديوانه الخامس والعشرين ( أنقذتِني مني) ، وحتى تأطر بأحزان (جبران خليل جبران) قبل أشهرٍ قليلةٍ حين نال الجائزة الجبرانية العالمية الكبيرة في إستراليا . كل قصائد الشاعر يحيى لاتحتجب وراء الستار، بل كلها موصوفة على مقاساتنا نحن البؤساء في أغلب الأحيان والسعداء قليلا بما يكرم علينا الزمن بين الفينة والأخرى ، شاعرّ له من الطاقة الموضوعية والأخلاقية التي تجعله مصراً على المضيّ قدما في رسم ذلك النهج ، الذي يساهم في حلحلة تعقيدات الحياة ، نستطيع من خلال نصوصه أنْ نستعرض خلفية شاعر كبير على غرار نجوم الشعر الكبار في العالم .عمودياً أولاً ، ناثراً ، كتب بالسونيتات والرباعيات ، في أغلب أعماله نرى الثورة والشعر ، يكتب بالأسلوب البانورامي الثابت منذ أول شقائه وحتى اليوم ، والذي سوف يستمر صوب العمر المديد . نراه يتجه الى الإنسانية المعذبة ، الى الطبقة العاملة التي تئنّ تحت غول رأس المال .
وأنا أقرأ يحيى ، أجده كبيراً متميزاً بين آلاف الشعراء شرقيّهم وغربيّهم ، يمتلك من التقنية المذهلة في التوصيف ، لا أجد مألوفا ولاروتينا ولا غثيانا في أغلب أشعاره ، سوى تواجد العصارة الشعرية أمام الرائي . الشاعر يحيى وهو في قمة أحزانه يرقبُ على الدوام تغييرا جديداً مثلما تقول فرجينيا وولف ( أرقبُ على الدوام عصراً قادماً ، أرقبُ الجشع ، أرقبُ قنوطي الخاص ، أصرّ على أنْ أمضي هذا الوقت ، في عمل أفضل الغايات) . كل قصائد يحي السياسية أدّت مهامها كما كان يبتغيه ،كما وأنه إجتهد كثيرا وكافح كثيراً ، حتى حصل على هذه الشهرة المميزة ، والأكثر إمكانية ثأثيراً على مشاعر الآخرين . يحيى لايكتب شعراً مكبوتا بل واقعياً شديداً لدرجة خلق الصدمة لدى المتلقي ولدرجة أنْ تكون أغلب قصائده لكمة بوجه المجرمين والمتحكمين . يحيى يكتب المحتوى والشكل ، العاطفة والإحساس،الإلحاح والتعمديّة في فضح المستور والتأشير بشكلٍ علني على من هم في قائمة السفلة والمنحطين والمراوغين . يحيى السماوي وفي صلب هذه الأحداث اليوم وكأنه يقول لنا ما قاله كزانتزاكيس قبل مئة عام حول عقيدة العصر الإنتقالي ( إنّ مشكلة عصرنا تكمن في أنه قد أمسكَ بنا من الوسط) ، فقد فقدنا تقديرنا العفوي لجمال هذا العالم من جهة وفقدنا إيماننا بالسماوات العلى من جهة أخرى ، وهكذا لانستطيع أنْ نكون وثنيين لأنّ المتأسلمين سمّموا نظرتنا الى الأشياء المادية ، ولانستطيع أن نكونْ متأسلمين ، لأنً الدواعش سمًموا نظرتنا الى الأسلام والمتأسلمين والعالم الروحي الكامل والذي كان هو الأساس في السلوك الإسلامي ، وهكذا نحنُ ضحايا العصر الإنتقالي ، الذي تطرّق له كزانتزاكيس خصوصا في الفترة الداروينية التي أثرت كثيراً على مفاهيم المسيحية .
Yahia_ALSamawy 2[1]أما حين نقرأ الشاعر في غزلياته ، نجد أنفسنا في فردوسٍ من التفاصيل ، صغيرها وعظيمها ، والتي تشكل كل الجمالات التي نراها ونحن نطرق مداخل هذا الفردوس : مثل النظرة الأولى ، القدرية في الحب ، القلوب حين تفتقد شيئاً ، الإلتفاتة ، ماذا نفعل حيال الحب ، وصف الحبيب ، تبادل النظرات ، تقابل الطرق ، العفوية في اللقاءات ، الندم ، الجرأة ، المراقبة ، التحديق ، الإنجذاب ، التعلق ، تبلّد الشعور ، السأم ، العذل ، عظمة القلق ، اللواعج ، وكل ماعرفناه وما لم نعرفه عن الجنس اللطيف ومايخبئهُ تحت طيّات الحرير .
النجاح الهائل لأغلب أعماله يعزى لكونه يمتلك القدرة على صهر المعرفيات في القصيدة التي تتشكل بين ماهو خاص وعام ، كما وأنه قادر على إستخراج الصرخة التي نادى بها (برجستون) ، ألا وهي صرخة ( إله الحق) التي جاءت كحلٍ وسط بين الوثنية والمسيحية والإسلام ، لنرَ الشاعر كيف إستخرج تلك الصرخة من خلال نصه الموسوم (الآمـرون بالوطن الحر والشعب السعيد) :

بـسـطـاء كـثـيـابِ أبـي ذرّ الـغـفـاري
خِـفـافٌ كـحـصـان عـروةَ بـن الـورد
يـكـرهـون الإسـتـغـلال كـراهـة الشـجـرة لـلـفـأس
ويـحـبـون الـعـدالـة حـبَّ الـعــشــبِ لـلـربـيـع …
سـيـمـاؤهـم فـي أيـديـهـم مـن أثـر الـبـيـاض
وحـيـثـمـا سـاروا تـنـهـض الـمـحـبـةُ مـن سُــبـاتِـهـا !
عِـطـرُهـم عـرقُ الـجـبـاه …
ومـثـل تـنّـورٍ يـمـنـحُ خـبـزهُ لـلـجـائـع مُـكـتـفـيـاً بـرمـاده
يـقـولـون : خـذوا
ولا ثـمـة فـي قـامـوسِـهـم كـلـمـة أعـطِـنـي !
لـهـم مـن الـمـطـرقـةِ الـصّـلابـة
ومـن الـمـنـجـلِ حِـدَّتـه
ومـن الـحـمـامـةِ هـديـلُ الـدولاب !
مـنـذ إحـدى وثـمـانـيـن دورة شـمـس
وهـم يُـعـبِّـدون بـأضـلاعـهـم طـريـق الـقـافـلـة
نـحـو الـمـديـنـة الإنـســان !
ـــــــــــــــــ
هنا تميل علينا اللغة هفهافة مزينة بكل تلاوين الدهشة التي قفزت علينا من عنوان النص اللذيذ والشافي لدماملنا, وبنفس الوقت هو عنوان يحمل المقدس المطواع والذي لايشكل أية مفارقة لو شرحناه من بابٍ آخر , شاعر كبير لديه القدرة الفائقة على أنْ يقتبس من المقدس ويجعله في خانة من هم على دروب المادية والديالكتيك ، دون أنْ يسيء ، بل هو أبرز لنا المفاهيم الآخرى من المقدسات لو إستطعنا توظيفها في المكان الصحيح وهذه كلها تعتمد على الفطحلة اللغوية التي يمتلكها الشاعر ومدرس اللغة العربية أيام زمان ، الفطحلة التي تستطيع أنْ تشكل ( المعاني مطروحة في الطريق…الجاحظ) . محمود درويش في يوم إستخدم المسيح في إحدى قصائده وراح يشرح من خلال النص ، المعنى الذي يريده لكي ينال من الأكليروس والشوفينية الدينية التي على غرار مانراها اليوم في التصرف السعودي ضد اليمن . محمود درويش سألوه لماذا استخمدت المسيحية في شرح ماتريده ، فقال إنّ المسيحية هي ديانة مطاطة تستطيع أنْ تفعل بها ماتشاء دون أنْ تتعرض للأذى ، عكس ما تجلبه لي ديانة آبائي وأجدادي فيما لو تعرضتُ لهم حتى وإنْ كان بالسداد والموفقية . حتى لو قلتُ ، أنا أشيد بالآمرين بالمعروف والنهي عن المنكر . عنوانُ نصٍ رائع فيه الكثير من الجاذبية ، عنوان نستطيع من خلاله أنْ نكتفي بما يأتي ماوراء القصيد ، ولكن حالما تقع أعيننا على أبي ذر الغفاري ، ثم عروة بن الورد ملك الصعاليك ، لانستطيع سوى أنْ نكون ملزمين في إنشاء إنشودتنا الخالدة عن الفقراء والمساكين . نص عدو للكراهية ، صديق للعدالة ، كارها للفأس مثلما الشجر الباسق ، نص ربيعي وجاء بمناسبة العيد الحادي والثمانين لميلاد الحزب الشيوعي العراقي ، وقد كتب فعلا في آذار ( عشب , شجر , ربيع , حمام ,) كلها مدلولات الربيع الصافية صفاء الأيدي البيضاء التي لم تسرق ، بل وليس لديها الجرأة على السرقة مهما كلّف الأمر . نص من خلاله كنتُ أبحث عن نفسي ، وحاولت ، فلم أجد ، غيرأنني بين فراغات أسطر هذه الأبيات الرائعة ، نص يقودني مع جوقة الآمرين بالوطن الحر ، نص صارخ لايحمل المتشابهات كالظلام والصمت ، يعطيني الذريعة في أنْ أكابد وأكابد حدّ اللهاث في أنْ أصل الى المدينة الإنسان ، نص يجعلني مثل (هيلين) وهي تسبح في ماء الخلود تنتظر (زيوس) على مركبٍ هائم ، نص من خلاله لايستطيع المرء سوى أنْ يرسلَ عبر الأثيرإحدى وثمانين قبلة لجبين الشاعر الخالد ، نص سيظلّ صداه عبر الأجيال ، إنه الصدى الذي يرجع منادياً صارخاً بحق الجياع ، قولاَ وفعلاً كما نقرأ في النص أدناه ( رجعُ صدى) …..

قـال الـجـائـع : الـقـمـر جـمـيـل …
لـكـنّ رغـيـفَ الـخـبـز أجـمـل !
ـــــــــــــــــــــــــــــ
ومانفع القمر الجميل لشاري شابلن في أحد افلامه( البحث عن الذهب) وهو جائع وفقير مدقع فيضطر أنْ يأكل قيطان حذائه وكأنه نوع من أنواع السباكيتي الفاخرة ، وما فائدة القمر الجميل بالنسبة لامرأةٍ صومالية في مقاديشو وقد عرضت قبل أيام من على شاشات التلفزيون وهي تنتقي غذاءها المفضل من أحد أكوام المزابل . ومافائدة النجم القطبي الجميل بالنسبة الى روبن هود إذا لم يسرق من الأثرياء كي يستطيع إطعام الفقراء من لذيذ الرغيف ، ومافائدة القمر الجميل بالنسبة لبائعة الخبز في الرواية العالمية الشهيرة الرائعة . ومافائدة القمر الجميل بالنسبة لتلك الأميرة التي يقال أنها طلبت من الآلهة أنْ يتحول كل شيء تمسكه الى ذهبٍ خالص ، فاستجابت لها الآلهة ، مسكت المشط لكي ترتب شعرها الطويل فتحول الى ذهب خالص ، مسكت الوردة الحمراء ذات الرائحة الطيبة كي تزين بها كتفها فتحولت الى ذهب خالص ، مسكت مظلة المطر لكي تأخذ جولتها الأميرية في المدينة الصاخبة فتحولت الى ذهب خالص ، وبعد التعب والإعياء من الراحة والإستجمام شعرت بالجوع وأرادت ن تأكل فلم تفكر سوى بالرغيف في بادئ الأمر . إنّ الحكاية هذه تضرب للموعظة ، فلم تفكر بالفاكهة أوالحلوى ، الرغيف هو رمز الحياة ، هو صانع الحياة وديمومتها ، هو حلم الجائع على الدوام . فلما مسكت الأميرة قطعة الرغيف تحولت الى ذهبٍ خالص ، وضعتها على أسنانها فتكسرت أسنانها ، وهكذا مضى الحال معها حتى ماتت من الجوع ،فما نفع القمر الجميل بالنسبة للأميرة هذه لو مسكته وتحول الى قمرٍ من الذهب الخالص وهي لم تستطع تذوق الرغيف إكسير الحياة . مسكُ الرغيف يعني الواقع الأخضر ، بينما مسك القمر الجميل هو الحلم البعيد المنال ، هو النظرية الجدباء ، فتحيتي للشاعر القدير والى موسيقاه الشعريةِ التي لاتنضب ، مثلما نطربُ في المعاني المطريّةِ للسطور أدناه .

حـلـمـتُ يـومـاً أنـنـي ربـابـة ْ
وكـان مـا بـيـنـي وبـيـن مـعـزفـي
حـنـجـرةٌ تـنـهـلُ مـن بـحـيـرةِ الـكآبـة ْ
وحـيـنـمـا اسـتـيـقـظـتُ
سـال الـضـوءُ مـن أصـابـعـي
وأمـطـرتْ حـديـقـتـي سـحـابـة ْ
ــــــــــــــــــــــــــ
من يحلم بالموسيقى ، عليه أنْ يحذر من أنْ يكون إسطورة ، على غرار إسطورة أورفيوس الشهيرة ، ذلك الموسيقي المعروف الذي كان يغني للحيوانات حد الإفتتان ، هذا الساحر الفنان إستخدم موسيقاه كي يلهي بها حرس العالم السفلي والآلهة كي يستطيع إنقاذ حبيبته ( اورديشي) من الموت ، لكنه لم ينفّذ شرط الآلهة والأشباح في آخر المشوار وخرج وحيدا تاركا حبيبته هناك ، ثم القصة المعروفة لنهايته على أيدي النساء لتركه الموسيقى فمزقن أشلاءه . وهناك من يحلم بالموسيقى على غرار كاظم الساهر فإنه سيكون ملكا لزمانه ، هكذا هي الحظوظ والأقدار، لكن شاعرنا الكبير يحيى السماوي لم يتحقق حلمه في أنْ يكون موسيقيا عازفا للربابة ، فحينما إستيقظ وجد نفسه ذلك الشاعر العملاق الذي تنسال من أصابعه أنهر وبحار من الكلمات ، بل أضواء وأقمار تنير الدروب الحالكة ، وجد نفسه لايعرف سوى أنْ يكون شاعرا ، لأنها هويته وموهبته ولربما حرفته النهائية حتى إنقضاء هذا الكون ، وجد نفسه أديبا شاطرا في البوح ، ذكيا في رسم الصور الكلماتية الخلابة التي تسحر القلوب فتية وفتيات ، وجد نفسه في معترك الحروف ، وعليه أنْ يفضّ نزاع هذا المعترك بأصابعه الذهبية المعطاء ، وجد نفسه حديقة تمطر وابلا من الكلمات ، وجد قلبه عاشقا هائما في تيه اللغة وسحر البيان ، وعليه العزف بالكلمات لا بالموسيقى والألحان ، فالألحان من مهمة الموسيقي ، لا الشاعر ، الموسيقي الذي يلحن مايكتبه الشعراء الكبار على غرار شاعرنا مدار البحث هذا. يحيى ذلك الرجل الشفيف الذي يعرفُ جيداً أين يمطر ، كي يخضرّ الوجود الذي حواليه ، كي تنتصب السنابل ، لنأكلَ الرغيفَ النعيم ، لا الرغيف الزقوم الذي نأكله اليوم بسبب رجال الساسة في بلدنا كما حدّثنا عنهم شاعرنا في رباعيته التهكميةِ الخشنةِ أدناه :
سِــــيّـانِ عــنـدي جَـنَّـة ُ وجـحـيـمُ
إنْ قــد تــســاوى نـاسِـــكٌ وأثــيــمُ
مانفعُ ضوءِ الشمس إنْ كان الـدُّجى
في القلبِ ؟ أو أنّ الـضميرَ هـشـيـمُ ؟
الـسّـاسـةُ الــتـجّـارُ أصـلُ شــقـائِـنـا
فـهـمُ الـرّزيـئـةُ والـغــدُ الــمـشــؤومُ
إنْ لـم نُـطِحْ بالـمُـتـخَـمِـيـنَ فـيـومُـنـا
داجـي الضـحـى ورغــيـفــنـا زقُّــومُ
ــــــــــــــــــــــــــــــ
ومانفع الساسة ممن ينتمون الى علم ودستور ومجلس أمة كل عن المعنى الصحيح محرف ( الرصافي) ، وما طعم الساسة إنْ كانوا من القتلة الدواعش ، وماهو حجم جيوبهم وهم سرّاق ، وماهي بقاياهم انْ فضحناهم ورحلوا عن ديارنا . الشاعر يحيى لايداهن ، لكنه ذلك الناسك الذي يكره كل مايشير الى الغلو والعلو الناجم عن الفراغ ، هو ذلك العراقي البسيط كبساطة نهرينا مثلما نقرؤه في النص أدناه( رصيف ونهر) :

أنْ أكـون رصِـيـفـاً نـاعـمـاً يـعـبـرُهُ الـحـفـاةُ
أو ســفـحـاً مُـطـرّزاً بـالـشـجـر
خـيـرٌ لـي مـن أنْ أكـون
قِـمَّـةً تـبـنـي فـيـهـا الـنـسـورُ أعـشــاشــهـا
*
الـنـهـرُ يُـحِـبُّ الـوديـانَ
ويـكـرهُ الـقِـمـم !
ـــــــــــــــــ
الرصيفُ يعطينا تأريخً جميع من مرّوا فوق أرصفة التراب في الأزمنة القديمة ، أو فوق الإسفلت في الزمان الحديث ، جميع تأريخ السابلة حفاتها ومنتعليها ، وشاعرنا يحيى يحب حفاتها ، على غرار كونفوشيوس العظيم الذي يقول ( كنتُ أحسد من يمتلك حذاءً , حتى رأيت رجلاً بلا قدمين) ، الرصيف هو رمز الوداعة والإئتمان ، الرصيف هو المضي قدما ، الرصيف هو المستقبل الواعد ، هو الموعد في المكان الفلاني ، هو أنا وأنت حينما نريد العبور منه الى الضفة الأخرى . أما السفوح ، فهي بالضبط تلك التي رأيتها قبل أيام في فيلم جميل يحملُ عنوان ( تشي) أي تشي جيفارا ، إنتاج عام 2014 ومن تمثيل البارع ( بينسيو ديل تورو) في دور الثائر تشي جيفارا والحسناء( جوليا أموند ) ، هذا الفلم يحكي قصة جيفارا الثائر الذي مضى على موته أكثر من خمسة وأربعين عاما ولازالت السينما العالمية تتناول حياته وذكراه ، في هذا الفلم رأيتُ كيف كانت تلك السفوح التي تكلّم عنها الشاعر يحيى في نصه أعلاه ، مليئة بالأشجار البوليفية الباسقة حيث كان جيفارا يتفيأ تحتها ويرسل من خلالها أجمل رسائله ووصاياه الى أكبر الكتاب والمبدعين في العالم ومنهم جان بول سارتر وبرتراند راسل . تلك السفوح التي كان يحيّيها الكبير الجواهري في رائعته ( حييت سفحك عن بعدٍ فحييني ) . أما القمم بتعبيرها الرمزي فهي( القمم الشماء) ، أما شرّها مثل ماحصل مع قمة جبال الألب وارتطام الطائرة الألمانية قبل أيام ،التي مات فيها مائة وخمسون راكب .أما النهر هو الماء وكل مايحتويه من الحياة ، النهر هو الذي يشكل الهيولي القادم من الأزل صوب الأبدية ، النهر الذي نقرؤه في كل الإبداعات للكبار وللمرموقين ، وكيف اتخذ لممارسة الطقوس الخاصة بالأقوام والإستحمام به لغرض تطهير النفس على غرار ما يستخدمه المندائيون في العراق . أو ماقاله أحد القدماء ( لايمكن للمرء أنْ يستحم في نفس النهر مرتين ) . هذا هو الشاعر الكبير حينما يصدح مع النجوم ، نراه بكل سراجه محباً خالصاً ، يتماهى مع الخصوصيات التي ينظر لها من جانبٍ آخر ، والتي خطّت لنا إبداعه الصادم فينا من خلال الجوهرة أدناه ، حيث يوجه صفعاته للمجرمين ( حب من نوع خاص ):

يـتـهـمـنـي الـبـعـض بـأنـنـي أكـره جـمـيـعَ الـدّواعش ..
هـذا غـيـرُ صـحـيـح
فـأنـا أحِـبُّ الـدّاعـشـيَّ حـيـن يـتـدحـرجُ رأسُــهُ عـلـى الأرض ..
وأحـبُّـه أكـثـرَ حـيـن يُـحـرقُ وتـكـنـسُ الـريـاحُ رمـاده !
ـــــــــــــــــــــــــ
لو تسنى للشاعر يحيى و لكم أيها القراء ، أنْ تروا فيلم ( زورو) من تمثيل الشاب الأسباني المحبوب ( أنطونيو باندرياس ) والبارع العجوز المجنون ( أنتوني هوبكنز) ، بالمختصر المفيد : البطلان في الفلم يعملان سوية ويتدربان لسنين طويلة لكي يأخذوا ثأرهم من الطاغية الجبار الذي لم يترك رجلا وطفلا الاّ وقتله . وفي يوم قبض على أنطونيو باندرياس وقدم له رأس أخيه محنطا في دورق ، وفي يوم آخر قتل زوجة أنتونيو هوبكنز وسرق ابنته وأدخله السجن لعشرين عاما حتى إستطاع الهروب ، ناهيك عن السجون التي أمتلئت بسببه ، فلابد أنْ يكون للانتقام والثأر طعم آخر بحق هذا المجرم . في نهاية الفلم( زورو) تتحقق أمنياتنا كمشاهدين ، حيث أننا نفرح لإنتصار البطل ، وتتحقق أمنية البطلين (باندرياس والعجوز هوبكنز) وبالشكل الذي يثلج القلب ، مثلما نقرأ أمنية الشاعر أعلاه وحبه في دحرجة رؤوس الدواعش ، السطور أعلاه ، لاتعني حب الإنتقام ، ولا التمثيل ، بل هي إرادة الأبطال أمام شعوبهم ، أمام ماتعاهدوا عليه كما في هذا الفلم ، حيث أنّ الثائرين ( باندرياس وهوبكنز) يمسكان بالمجرم الطاغية في أعلى الناصية ، وفي لقطةٍ مثيرة للغاية حيث أنّ السجناء يُطلق سراحهم كما في الإنتفاضة العراقية لعام 1991 ويتجمعون مطالبين الثأر .. أسفل الناصية الثائران أرادا قتل الطاغية ، لكنهما بدلا من ذلك دحرجاه هو ورأسه الى الشعب الذي تلاقفه في حالةٍ يحبها قلبي وقلبك أيها القارئ وقلب الشاعر وقلوب الآخرين الذين لاقوا مالاقوه من أمثال هذا الطاغية المجرم ، دحرجاه بين مئات المظلومين والمُطلق سراحهم للتو ، المنتظرين لهذه اللحظة الحاسمة التي لابد لها أنْ تحصل ، يموت المجرم الطاغية من الضرب ومن اللكمات أولا ، ومن البصاق ثانيةً ، ولم يلحق أنْ تكنس الريح رماده ، بل الأيادي البيضاء والسواعد السمر هي من كنسته الى مزبلة التأريخ ، وينتهي الفلم بكتابة بطل الفلم أنطونيو، بالسيف وبلون أحمر وعلى طول شاشة الفن السابع ، بكتابة إسم الثائر (زورو) . ولكم تمنينا أنْ ينتهي صدام بمثل هذه النهاية ، لكنها أيها القارئ ، الحظوظ العاثرة للعراقيين وتلك الريح التي تأتي بما لاتشتهي السفنُ .
من خلال هذا الفلم ، هل هناك مبرر لحقوق الإنسان لاحترام مثل هكذا مجرم ، حقوق الإنسان الذي تجعل الرئيس العراقي الحالي يمتنع عن إعدام القتلة الدواعش ، حقوق الإنسان التي تتكلم عنها أمريكا وهي نفسها لاتحترم الإنسان ، تريد من العراق الغاء عقوبة الإعدام وهي تعمل بها حتى اليوم ، وهناك سلسلة رائعة يكتبها هذه الأيام المبدع حسين سرمك حول أمريكا بعنوان ( لاتثقوا بالولايات المتحدة ) حيث فضح أمريكا وألاعيبها بهذا الخصوص ، وكيف كانت تعدم ألأطفال الفيتناميين ، وغيرذلك من إجرامها المعروف للقاصي والداني في كثير من أمصار هذا الكون المترامي . أمريكا تلك الأرض المكروهة من قبل الكثيرين ،(الكاتب البرتغالي العظيم ساماراغو ، عندما وقع من يده كوب الماء ، حين ذكروا له اسم امريكا ووقاحتها أثناء لقاءٍ صحفي ، فقال حمدا لله أنه كوب ماء وليس كوب القهوة الساخن ، فقال له الصحفي ، لعمري أنّ هذا غاية في التفاؤل). وبخصوص هذا الموضوع قد كتب الشاعر من جميل إبداعه ضدّ عدوّة الشعوب أمريكا وماتدعيه من إحترام لحقوق الإنسان ، تلك الإدعاءات المزيفة والكاذبة على مر الدهور :
يتبــــــــــــــــــــــــع في الجزء الثانــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــي
هـــاتف بشبـــوش/عراق /دنمارك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *