تابعنا على فيسبوك وتويتر

abdulzahra lazem 2لا شك أن الكاتب في هذا المضمارأراد أن يبين مدى أهمية النص الشفاهي أو ما يسمى بالشعبي المتاوارث والمتداول بين عامة الناس , سوى كان شعراً أم نثراً أم قصةً أم غيرها من النصوص الأخرى التي أراد بها أن يثبت مدى أهميتها التاريخية والإنسانية على السواء , لأن الكثير من المساجلات الخطابية والشعرية التي تنحو منحى هذا التراث الشعبي ما زالت باقية ومتداولة حتى الآن!
فالكاتب أراد أن يوضحها ويذكًر بها حتى لا تنسى رغم انشغال مجتمعاتنا العربية عموماً والمجتمع العراقي خصوصاً بالحركات الثقافية وصخب التكنلوجيا والأنترنيت والهواتف النقالة التي أخذت الجزء الأكبر من أوقات الكثير منا !
إذن هذه لمحة لا شك أنها تاريخية مهمة وضح بها الكاتب مراسيم الحزن الذي اكتنفته المرأة طوال العصور التي عاشتها في القرون المنصرمة وما زالت مستمرة لحد هذه الأعوام .
والتي اشتملت على الكثير من الكوارث البيئية وأهمها الحروب الطائشة والتقاتل القبلي المقيت الذي راح ضحيته الكثير من الناس .
فكانت المرأة الشلال الهائل الذي انثالت هواجسه وأمطرت غيومه ورعوده على مأساوية هذه الأحداث وغيرها , فهي ترى وبتأكيد معنون حسب ما تمليه تلك العواطف الجياشة من الحب الفطري الذي تحمله بين جوانحها , فهي تسكب هذا الوقود الوجداني على لحود محبيها ومن رقدوا فيها من الأهل اعتقادا منها التخفيف عن أرواحهم شدة الفراق واللوعة وعن نفسها وطأة تكالب الزمن عليها , وهذا ما أكدته الكثير من الدراسات المثيولوجية وذكرته القصص والأساطير الأخرى التي رسمت لنا لوعة وحزن المرأة في المجتمع العربي بصورة عامة والعراقي بصورة خاصة ولا أنكر إن هذه الدراسة التي بين أيدينا واحدة من الأدلة التي كتبت بهذا المضمار , وقد لا أقول أنها الوحيدة , ولكنها أحد حلقات السلسلة المفصولة التي بالتأكيد أثارت شجونه وحركت قلمه المبدع على الخوض بها .
ليس مراثي المرأة وحدها على فقدان من تحب فقط ولكن امتدت به هواجسه إلى المراثٍ الأخرى الدينية مثلاً التي اعتاد الناس الولوج فيها والركون إلى الدموع لترميزها وأرخت مناخاتها المختلفة حتى أصبحت ثيمة تميز المجتمع العربي والعراقي على وجه الخصوص !
حيث يذهب الكاتب على تأكيده لمجمرته التي تخزن الحزن والرثاء بقوله : – ((( إن المرأة هي بطلة الحزن العراقي وعرابته وسادنته )))
وهنا اباح الكاتب لنفسه أن يحلل هذه السمة عن المرأة العراقية لما يلحقها من حيف وضرر في العصور الغابرة وحتى في عصرنا الحاضر إذا ما قورنت تلك الحقب بالحاضر !
ويستمر الكاتب في بناءه المتكامل عن أسطورة الحزن الأزلي منذ العصور القديمة عن الآشوريين والبابليين وملاحات المرأة وبكائها على أخوتها وفاقديها بأبيات من الشعر الوجداني المفجع وهي تخاطبهم بلوعة وحزن شديد , حتى يصل به إلى هدفه المنشود وهو المرأة العراقية ودورها في احتضان الحزن ومناغاته بأبيات من الشعر ما زالت خالدة على أفواه الكثير من الناس تتداولها في الدواوين وفي جلسات السمر على المواقد الدافئة أيام الشتاء الحالك السواد في القرى والأرياف !
فالحزن عندنا وكما أكده الكاتب نوع من الإشكالية المأثورة التي لابد منها في حياة المجتمع العراقي الذي يمثل على ما أعتقد التأريخ الإنساني للحزن والفواجع التي مرًت على البشر منذ القدم , والذي مثلته بكل جدارة المرأة العراقية حتى كان البكاء والنحيب عندها فناً عراقياً خالصاً لا يشاركها به أحد كما يقول الكاتب بحديثه عن الحزن وتمثيل المرأة له وربط واقعة الطف الخالدة به :
(( ….. ربما أميل إلى رأي قد لا يلقى قبولاً لدى الكثيرين , وهو لو أن ملحمة الطف حدثت في أرض أخرى غير العراق لما أغرقت بهذا الطوفان الهائل من الحزن وهذا الانسجام الرهيب …….!!))kh ali abo iraq
وهذا ما يقوله العقل أيضاً لأن العراقيين وحبهم المتواصل والمنقطع النظير للمبادئ الإسلامية الحقة ولأهل بين المصطفى محمد (ص) وعليهم السلام , وانفعالهم المتجدد عبر السنيين مع فاجعة كربلاء واستشهاد الأمام الحسين وأبناءه وأصحابه جعل هذا الحزن يتجدد كل عام وبكل قوة , وهذا ما يؤكد انتصار العراقيين للحق الذي سار عليه الأمام (ع) مقاتلاً بوجه الظلم والطغيان المتمثل بالحكام الأمويين على طول تأريخهم الأسود !
وهذا المدخل حقيقة أراد به ابو عراق على ما أعتقد الولوج إلى مفتاح مهم للدخول إلى شفاهيات ومروريات العراقيين وهم يخلدون موتاهم أولاً ومن ثم الدخول إلى بعض القصص والمواقف التي ما زالت تذكر عند كل مساجلة وحديث حيثما يكون المثل وموقعه من أصول الكلام !
فهذا شنيين الأخرس وما له وما عليه من أمر الدنيا التي واكبته وجعلت من أهله وعشيرته أعداءً لا أعواناً وهو اليتيم الوحيد الذي فقد النطق منذ الصغر , بفعل عمل خبيث دسه له بعض الحاقدين وأوصله إلى شيخ العشيرة التي هي أهله وناسه جعلت منه رجلاً منبوذاً لا يكلمه أحد ولا يتعامل معه أحد !
فالكاتب هنا أراد أن يبين لنا ماهية العلاقة الوجدانية الحقة وتفاعل ابناء القبيلة المبنية على الحب والألفة والتعاون والعطف فيما بينهم , وانصهار الرئيس معهم كسبيل إلى الرفعة والمنعة والحياة السعيدة الأمنة التي تضم أبناء العشيرة كلها ابيضها وأسودها . ناطقها وأبكمها , شيخها وفلاحها !
وينتقل الكاتب إلى جانب آخر من جوانب الحياة ليضع على بساط البحث قصة الشابة الجميلة المدللة التي أحبت ((هويش)) العبد الذي يعمل في مضيف أبوها وهو عبد أسود البشرة رغم ما توافد على خطبتها كبار القوم , وأصرت على رأيها مخاطبة جدتها بأبيات من الشعر تؤكد هذا الرأي :
(( حجيه أريد هويش لا عن ولا عن
بعد الحجي شيفيد وعلومه شاعن ))
هذه الانتقالة أراد بها الكاتب أن يبين مدى أهمية الحب وسلطانه على النفوس مهما بلغت الفوارق , ومهما بلغ اختلاف الجنس واللون , إلى الحد الذي لم يكن سوى الهروب الأخير إلى جنة التلاقي والرضوخ إلى الحتمية التي غرست في القلوب , متحدية كل المصاعب والقيم الاجتماعية الأخرى !
ويبقى الكاتب على فرسه الجموح تارة يتنقل من فريج إلى فريج (1)
بين قرى وأرياف الجنوب . وعلى مشحوفه المطلي بالقار , من قصبة إلى أخرى ومن كلك إلى مجمع سكني بين القصب والبردي في أهوار محافظة ميسان الجميلة تحفه الطيور بأصواتها العذبة وتفتح شهيته رائحة الشواء الزكية , يقطف ما لذ وطاب من شفاهيات ومرويات بلده العزيز عراق السلالات والنخيل الشامخة تارة أخرى !
يجلب أنتباهه صمود أبناء بلده وشجاعتهم ووقوفهم بوجه الظلم والطغيان وانتصارهم على رفع قيمهم التي تربوا عليها وأوقفوا حياتهم من أجلها , فهذا الشيخ شعلان أبو الجون يثب مقاتلاً بكل عزم وقوة مردداً لأثارة العزم والثورة في نفوس العراقيين عندما بلغه بأن العدو حشد على قتالهم أبان أستعار ثورة العشرين حيث قال :
(( بي خير ويجشر عسكر وريلات
اسواريه أو بيادة وفوك طيارات
بعزم الله وعزم حيدر أبو الحملات
( يتوزع وطروح أنشيله ) )))
وكذألك عندما رأت أحدى العراقيات أبنها يقتل قاته أنبرت شعراً وقالت :
(( عفيه أبني الجاتل جتاله ))
وهكذا بقي العراقيون بمواقف البطولة والعنفوان يتعرضون ضد الظلم والتسلط عبر التاريخ ولحد الآن , مما يثير شجون كتابنا وشعرائنا المبدعين على السير بمراكب البحث الصعبة والتقصي عن القصص والروايات الجميلة المشبعة بالأشعار والمواقف التي تحرك وجدان القارئ والمتتبع
وهذا الفيض هو واحد من هذه الكتابات التي اراد بها الكاتب علي ( أبو عراق) أن يحرك شجوننا بها لعله يضع أمامنا جزءً من التأريخ الذي لا شك أننا قد عشناه وربما جزء منه !
لم تختصر شفاهيات (أبو عراق) على ذكر مواقف الثورات والبكاء والحزن على الشهداء والأموات , بل تعدت إلى المواقف الأخرى التي هي من فعاليات مجتمعنا العراقي كالحب وما له من خصوصيات سلبية في كثير من الأحيان , وأعمال الزراعة والحصاد ولقاءاته العاطفية , ومواويل العاملين انتظمت في سمفونية بديعة أراد بها مبدعنا أن يطَلّع عليها قرائنا بروح من التأني والوقوف عند كل شاردة وواردة ,فهذا موسم الحصاد الذي يعدونه أهل القرى والأرياف الحاضنة التي تجمع الأهل والأحباب والعاملين الذين يأتون من مناطق أخرى لأجل الكد والعيش وجمع ما يمكن جمعه في أيام الحصاد وهو موسم سنوي ! هذا الموسم النيساني الجميل يعتبره أهل الريف المهرجان الذي يجمع الجميع مكللا بزغاريده وهوساته وأغاني الموهوبين من أصحاب الأصوات الجميلة التي تبعث الحب والمودة في قلوب السامعين اضافة إلى النشاط الذي لابد منه لحصاد أراضي واسعة غطتها المزروعات من الحنطة والشعير والشلب , وهذا الفيض من الأغاني الذي يشكل متوالية الحصاد الجميلة عكف الناس في أعمالهم اليومية حتى أصبحت سمة تميزهم , لأنها وحسب رأيهم تخفف عنهم أعباء الحياة ومشاق العمل الدؤوب , اضافة إلى انصهارهم مع البعض بروح المودة والحب !
فهذا الشاب ( ناهي السرهيد ) بن الريف الجنوبي الذي يردد رافعاً صوته العذب والذي يبعث الدفء في قلوب المحبين ويتمنى على السماء أن تجعل الحصاد ليلاً حتى يستطيع اللقاء مع حبيبته التي هي الأخرى تسمعه , حيث يقول :
(( يزرك يبو أنجوم ….. خلي الحصـــــاد بليل
ونذب الهــــدوم ….. ونخالف الذرعــــــان ))
وبصوته هذا المشبع بصدى الليل وأبياته الدارمية الجميلة يحرك شجون غيره من المحبين !!
وتنطلق عرابة الشابة الجميلة ( بدرية ) التي رحل عنها قطار العمر وسافر بعيداً تقول :
(( شـــــــــــفت الزين بالبيدر يحدس
وعنده ريحة أخضـــــــيره اتعطس
إن جاك الشيب ريت الشيب يدرس
ولعنك بالعزب أول شـــــــــــــبابه ))
وهكذا الأخريات تندمج بهذه المتوالية الجميلة التي تجمع القلوب مع بعضها مما تجعل من الريف والريفيين رمزاً خالداً يتعاطاه الناس دائماً في مواويلهم وأغانيهم الخالدة !
ولا أريد أن أستمر في تحليل هذه المروريات وأسلب حق القراء فرصة التمتع بدراستها , حيث أرى أن هذه الدراسة تستحق النقد والتحليل لما لها من أهمية في حياة مجتمعنا العراقي الأصيل , والتذكير بمواقف القيم الإنسانية التي كان وما يزال يتحلى بها شعبنا رغم أخطبوطات هذه الأزمنة التي غصت بالمواقف المخجلة وراحت تمتهن الخيانة ضد أبنائها وشعبها
عليه أرى أن الكاتب أثبت وبكل جدارة هذه المروريات التي جاءت على شفاه العراقيين ووضعها على مائدة القراء والنقاد بهدف دراستها والوقوف على محاسنها !!
البصــــ22/4/2015ـــــــــــــــرة

(1) الفريج : المنطقة السكنية يسميها أهل الريف بالفريج !


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"