تحليل خمسين رواية عربية نسوية : رواية (قبل اكتمال القرن) (قرن الخراب العراقي العظيم) للمبدعة “ذكرى محمد نادر”

hussein sarmak 4حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة
2010
# رواية ” ما بعد الحب ” :
—————————-
وهذه الرواية – كما قلتُ – هي رواية موت وخراب بامتياز ، لكنها رواية حب بامتياز أيضا . هي رواية ( ما بعد الحب ) . يا إلهي كم أنا ممتن للناقد الذي وصف قصة حب (جون هيثكليف) و(كاثرين إرينشو) في فيلم ( مرتفعات وذرنج) بأنها قصة ( ما بعد الحب ). ولكن كل تجارب الحب العظيمة – في الحياة وفي الفن – لا تأخذ مدياة عظمتها إلا حين يلقي شبح المُثكل ظلاله عليها . لا يتألق الحب إلا عندما يُهدّد . ولا تستغربنّ من النهايات البائسة التي نسمعها لعلاقات الحب العظيمة التي تتكلل بالزواج . لكن لتجسيد هذه العظمة عاملاً آخر يتعلق بمهارة المبدعة .. عظمة التجسيد اللغوي الرائع .. انتقاء المفردة المُميتة والصورة المذهلة التي تمزق الروح وتعصف بالعقل . تنتقي ذكرى مفردتها بخشوع ومهابة ، وترسم صورها بجلال . ذكرى تحب أبطالها ، وبطبيعة الحال هناك روائيون يكرهون أبطالهم ويعاملونهم بروح سادية . أبطال ذكرى قطعة من وجدانها وروحها . تفزع لفزعهم ، وتحزن أكثر من حزنهم . تشعر وأنت تقرأ ما تكتبه عن آلامهم أنها متألمة حتى أكثر منهم . وكأنثى ، كانت باهرة الكفاية في تشخيص ورسم انفعالات بطلاتها بدرجة أكبر . طبعا هذا لا ينفي قدرة المبدعين من الذكور على تجسيد عواطف المرأة وصراعاتها الداخلية عندما يكون الظل الأنثوي في شخصياتهم قوياً . خذ فلوبير في (مدام بوفاري) مثلا . لقد التحمت الخبرة الأنثوية والمقدرة السردية واللغة الشعرية والاحتدام النفسي والتعاطف مع الشخوص لتقدم رواية متخمة بالحب المميت . حب يًعبُر فيه كل فرد إلى موضع الفرد المحبوب .. يتلبّسه ويفنى فيه أناه منا يقول إبن الرومي . نوعٌ من الالتحام الصوفي برغم أن جميع الأشخاص – رجالا ونساء – بسطاء لا يعرفون غير أن يحبوا حتى الموت . وهذه البساطة هي التي تضفي روح التلقائية والصدق العنيف على هذه التجارب . إنهم يحبون وكأنهم سيموتون بعد ربع ساعة . وكأنهم إن لم يحبوا هذا الشخص فإن الكون والحياة لا معنى لهما . وكلما كان جرح الخيبة واسعا وداميا وباهضا ، كلما كانت الاندفاعة أعظم والإحساس بالإمتنان – لله والمحبوب – أكبر : – من تجربة حب مراثي : ( لاحظ “المُهلّب” أنها [ = مراثي ] برغم ازدهار وجهها وتألُق البريق الأسود في عينيها إلا أنها تذوي ، فحدس أنها عاشقة ولكنه لم يحدس بمن . وغرق في عذاب صمته وعدم جرأته على البوح . ولم يكن يعلم أن حبّه يطوّق دم “مراثي” المبتلى ، وأنها عندما جرحت إصبعها بسكين المطبخ في ظهيرة جمعة وجدت اسم أستاذها يتسق داميا على نصل السكين ، فعرفت منذ تلك الظهيرة أنه احتل كل مسارب دمها ، وأنها ستموت دون هواه ، فقالت لـ (سُبل) :
-لو أنهم فحصوا دمي سيجدون فئته باسم المهلب – ص 175 ) .
thekra 3هل تحتاج هذه التجربة إلى شرح وتفسير . سيفسدها الناقد – حتما – لأنها من تجارب ( ما بعد الحب ) وهذه التجارب لا تُشرح بل يُشعر بها أو (تُتذوق) حسب المنهج الصوفي لمولانا جلال الدين الرومي .
( يبقى أن أشير إلى أن الذوق هو ، في ذروته العليا ، نوع من الحيرة ، ذلك أنه لا يُفسر . ولعل خير ما يفصح عن هذه الحيرة في التفسير نجده في رواية لابن عربي عن زليخا امرأة فرعون ، في علاقتها مع يوسف . تقول الرواية إن زليخا جُرحت مرة فسال دمها على الأرض . وسرعان ما تحول هذا الدم إلى كتابة . ولم تكن هذه الكتابة إلا تكرارا لاسم يوسف ، وللحروف التي يتكون منها . والسر في ذلك ، كما يقول ابن عربي ، هو أن زليخا كانت تحب يوسف إلى درجة أن اسمه كان يجري في عروقها مجرى الدم) (أدونيس : الكتاب الخطاب الحجاب ) .
– من تجربة حب مراثي أيضا : لقد تزوجت مراثي أستاذها الحبيب بعد تجربة حب فاشلة مع ابن عمتها فضائل : (عامر) . اعتقدتْ أنها قد نسيته وسقط في مجاهل ذاكرتها . لكن في ليلة زفافها تعرّت لعريسها “مهلب” فاتسعت حدقتا عينيه وهو ينظر إلى جسدها وقال : -هذا فوق احتمالي ثم سقط فاقدا الوعي : ( كانت تنظر إلى جسده المطروح على السجادة القرمزية بعين نصف مفتوحة . بلحظات ما قبل افتضاح الفجر هجست على نحو مفاجيء بوجه عامر يقفز إلى ذاكرتها . وجه زائغ النظر يائس الأمل . استغربت أن يحضرها طيفه وهي في غرفة عرسها . كان وجهه يلح في وميضٍ خاطف مرتجفٍ كأنه واقع تحت بريق سماوي مقدّر له الحدوث . وعيناه الواسعتان تستغيثان بصوت يائس لا يُسمع . لو كانت لديها القدرة – كما لدى “الوضّاءة” – لعرفت أنه في تلك الليلة بالذات تسلق إليها بمحاولة مشلولة ستكلفه حياته … وحدها “الوضّاءة” البعيدة هجستْ – وهي تحلم صاحيةً – أن الطريق قد انقطع بعامر ، فأرسلت مواساتها على نبض تلغراف قلبها إلى أختها فضائل – التي لن تحزر أبدا ، أنّهم – الآن توا – قد أخذوا منها ولدها إلى الأبد . وحدها سُبل عرفت أن عامر قد اقتُلع للمرة الأخيرة . رأت كيف أنه لم يقاوم . لم يهرب كأنه متعب من قدر أنهكه . سمعته يصيح : أخبريها أنها الوحيدة . أخبريها أنني تقصّدتُ بأن أبعدها عني لما قد أسببه لها من ألم .. أمران اخترت بهما حتفي : حبّها والحزب – ص 180 و181 ) .
– من تجربة حب فضائل : أحبّ “عبد الجليل الجراخ” فضائلَ ، وتزوجها ، لكنه وقع في حب أختها “الوضاءة” التي تزوجت من محامٍ وسافرت معه إلى الخارج . ظلّ عاشقا لها حتى الموت . في لحظات احتضاره تزاوج الروائية بين تداعيات الموت والحياة .. الذكرى السوداء لقطار الموت الذي نقل عبد الجليل ورفاقه الشيوعيين في عملية إعدام مُبيّتة في عربات مُقفلة ومليئة بالقار ، وبين حبّه القاتل للوضاءة :
( أشدّ ما عذّب موته الخشن تلك الرحلة اللعينة التي لن يكررها التاريخ مرة أخرى ، وحبّه القاتل . كان يروي – بصعوبة – كيف ضاق بهم الصفيح السميك الملتهب بنيران الشمس الصحراوية ليتُركوا هناك للعطش المتعمد ، ينشبون أظفارهم بمفاصل العدو الحديدي الساخن الأخرس . يتبولون القطرات القليلة المتجمعة في مثاناتهم بحرص مأساوي ليتناوبوا شربها لاعقين حبات العرق المالحة فتكوي شفاههم المتشققة اليابسة ملوحتها – ص 133 ) .
هذه هي السياسة في العراق .. هكذا تلاحق الصور المفزعة ضحاياها حتى وهم على فراش الموت . وعبد الجليل يهذي كالمحموم وهو يصرخ :
– سيأتون ..
ستلحقه أشباح الطغاة والجلادين حتى بعد موته !!
ومع تقطّع أنفاسه الأخيرة طلب كاساً من الخمرة وسيجارة .. ثم طلب أعز ما في حياته .. طلبه من زوجته التي كانت تضم رأسه إلى صدرها . وهذا مشهدٌ آخر من مشاهد ملحمة (ما بعد الحب) يفسده تفسير الناقد اللعين :
( كان يبحث في الوجوه لاهثا ، يدور في عينيه سؤال خارق ، سؤال وحيد مؤلم ، معادل للحياة ذاتها ، ولا يجسر على البوح به حتى وهو على حافة الموت . كان صدره يتشنج بالحسرة ، وبخار تنفسه المضطرب مُثقل بالأشواق المخنوقة . كشفت “فضائل” عن أكثر رغباته صدقا وحرارة . تجردت من كبريائها وقدّمت إليه في اللحظة الأخيرة قربان المرارة لآلهة قاسية ، فمسحت الغبار عن الصورة الوحيدة لـ “الوضاءة” تلمع عيناها الواسعتان بابتسامة نبوءتها . حدّق في عيني غرامه الجبار ، ومن أعماقه الخربة تسربت الأنة الأخيرة لقلبه ، ويداه تضغطان بعرفان كبير يدى فضائل . استعاد – بومضة هاربة قبل موته بلحظات – ماضيه السري لذيذ الألم ، فانهمرت عليه أمطار لوعته حتى أغرقته في فضاءٍ أبيضَ رحبٍ وبعيد . اقترب مرتضى من أخته :
– أهناك ما يمكن عمله ؟
أسدلت فضائل الجفنين فوق عيني عبد الجليل ، وقد انطبعت في مائهما المنحسر صورة “الوضاءة” راسخة كبصمة أبدية . هزّت فضائل رأسها بالنفي ، وهي تمسح دموع هزيمتها . عندما حضر الطبيب المتأخر شخص سبب الوفاة : سرطان الرئة .. وحدها فضائل كانت تعرف – بشكل قاطع مرير – أنه مات بسبب : لوعة الحب . كانت تعرف أنه حتى لحظة موته الأخيرة ، عندما ارتخت دقات قلبه وتوقفت عن الحياة ، لم يتوقف حبه للوضاءة على الإطلاق . في فراش وحدتها الجديد بكت سنواتها المهزومة بحبّ ثابرت على حمله بين جوانحها النحيلة . حب خذلها حتى النهاية – ص 136 و137 ) .
تصوّر امرأةً تعيش مع رجلٍ لأكثر من عقدين .. رجل تزوجته لأنها تحبه وهي تعلم أنه حتى موته يحب شقيقتها !! وتحرص على تنفيذ رغبة الموت الأخيرة ، فتجلب له صورة (غريمتها) لينطبع طيفها في ماء عينيه بعد رحيله !! أيّ بشر هؤلاء ؟! بل قل أيّ نساء ؟! الأنثى هي عماد الكون وأم الحياة وأسها .. أمّا الرجال فزيادة أو استطالة ..
– من تجربة حب الضرير : و”الضرير” هو عازف الربابة المخلص لقائده الراحل الرضواني ( الملّا ) الذي فقد بصره بفعل الشيخوخة . كان هذا مُلتماً على ذاته ، صموتا ، حانيا على تجربة حبٍ دامت أكثر من خمسين عاما لزوجة قائده (الشمرية) !! :
( تذكرت سُبل بتحفز شديد الشيخ الضرير عندما سُئل عن غرامه ، كيف جفل وهب يزحف إلى بئر عتمته خائفا عبرةً أفلتت منه عنوة في ظلمة الدهليز ، فلم يُفلح في إبقائها في صدره . عندما استقبلته الرطوبة اللذيذة أطلق – للمرة الأولى – مُرّ بكائه الملتاع في حبه الطويل المذبوح على صخرة الوفاء ، وصاح من عمق فؤاده – وهو يعتصر رأس عصا الملا بقوة – ونطق قلبه للمرة الأولى والأخيرة :
– آه .. آه .. يا شمّرية .. يا ثمرة القلب .. قال بصوت سمعته سُبل الزاحفة إلى سرّه العميق ، يحمل نذير حكمة قاسية ، يخاطب موتى الدهليز : – نحن أكثر موتاكم .. إنكم في القلب أحياء أكثر منا !! تجرّأ للمرة الوحيدة أن يبكي غرامه المستحيل للمرأة العنود ، واستعاد وميض عينيها .. سمعته سُبل يعاتبها : – آخ .. لو أنك يا “شمرية” ذكرتني لمرة وحيدة – ص 149 و150 ) .
– من تجربة حب سُبل : تزوجت سُبل من نواف الضامن بعد تجربة حب فاشلة ، لكن عنيفة ، استمرت ثلاث سنوات تخلى في نهايتها حبيبها عنها بسبب ( الشبهة السياسية ) ؛ هجرها بصورة مفاجئة دون أن ينذرها فظلت تنتظره لستة اشهر ، كل يوم اثنين ، انتظارا ممضا خمس ساعات وعشر دقائق . لكن بعد أن أجهضها نوّاف ، وضربته بالحذاء ( لا تستغربوا فقد نشرت مذكرات عن عشيقات لهتلر كان يتذلل لهن ويطلب منهن أن يضربنه – راجع كتاب إريك فروم : تشريح التدميرية البشرية ) . قابلت حبيب الأمس الغادر مصادفة :
( تساءلت ، حالما سمعت صوت اصطفاق الباب ، عن عدد السنوات التي مضت دون أن تراه . بسرعة استعاد نشاطَ دأبِه المحموم في الإنضمام إلى المنعطف الوحيد . حدست سُبل أنها لو تحدثت معه لثانية واحدة ، لانهارت حصانتها . كان كل ليلة ، حتى يتساقط حفيف الساعة الثانية عشرة ، يقف وحيدا . وحين يغادر ، تراقبه سُبل من خلف ستارة نافذتها . يتسلل إليها الأرق ، يتقلب بين جفنيها ، ينبئها أنّ خريفا آخر قد حلّ فتسمع همس الأوراق الذهبية المقتولة في حوش الدار ، فتتفتح في صدرها نجوى احتراق امرأةٍ تكابر على وجعها . كان برد الخريف قد تسلق الهواء ، فلسع وجهها عندما فتحت الباب لتواجهه . استعد في وقفته مختلسا ابتسامة بائسة . كان قلبها ينزف دقاته بعجالة وخفة :
– آه يا حبي المغفل !
شيطانٌ صغير كان يلهو في ضميرها حاثا إياها لارتكاب بعض الحماقات . أمام المرآة ، وهي تطالع وجهها ، حرّضت نفسها مجددا :
– إن بعض الحماقات ضرورية لجعل احتمال الحياة ممكنا ! – ص 208 و209 ) .

# المشهدية البليغة :
———————
kh thokraوتتجلى براعة “ذكرى” في مناحٍ كثيرة تجلّ على الوصف والتأطير النقدي الذي قد يبدو باختصاره متعسفا ومجحفا في حق هذه الرواية العظيمة . على سبيل المثال ، لا الحصر ، هناك قضايا كبرى تلخصها الروائية في مشهدٍ على القاريء ان يتفحص ممكناته الدلالية ، ويستخرجها بمعرفيته المختزنة وباستجابة محددة وليست سائبة ومفتوحة حسب أطروحة ( استجابة القاريء ) الحداثية . القاريء لن يموت مثلما أن المؤلف لن يموت أيضا . هذه أطروحات فقاعية الطابع .. انفجرت ولفت انفجارها الإنتباه ثم تلاشت . ولعل الشعور بالتبعية المعرفية والدونية النقدية هما السبب في تمسك بعض النقاد العرب بها بعد أن غادرها أصحابها الأصليون . البعض مازال يبحث بروح مازوخية كريهة في سلة نفايات النقد الغربي . والقاريء العراقي تحديدا سيسهل عليه فهم الأبعاد الواسعة والمضامين العميقة لتلك المشاهد التي تبدو موجزة ضمن سياق الرواية الطويل (247 صفحة) . لكن بالرغم من الإيجاز ، وهو في حقيقته تكثيفٌ بليغ جعل الرواية بهذا الحجم ، وكان من الممكن أن تمتد لمئات الصفحات الإضافية ، يستطيع المتلقي العراقي المُمتحن بقرون من البلاء الذي لا مفر منه ( هذا ما كتبته مراثي : لا مفر ) أن يدرك حتى الإشارات السريعة التي تطلقها الكاتبة ضمن سياقات سريعة وقد تكون غير مألوفة . رُزق “الرضواني” بإبنة لديها قدرات تنبؤية هي ( الوضّاءة ) .. كانت تشعر بما سيحصل من كوارث ستمزق وجود العائلة الكبيرة قبل وقوعها . استشعرت بدهم زوّار الفجر البيتَ بحثا عن مرتضى والصفوان .. كانت تتململ وتغرق عرقا منفعلة بما هو آت . أغلب مصائب العائلة كانت (تستشعرها) قبل وقوعها ، وتحذّر أهلها من قرب حصول ضرباتها المدمرة . حتى بعد أن تزوجت للخلاص ، وسافرت إلى الغرب ، استشعرت – هناك – بواقعة اعتقال “عامر” ابن اختها “فضائل” وغيابه أو تغييبه إلى الأبد . أرسلت رسالتها على نبض تلغراف قلبها كما تقول الكاتبة . لكنني أعتقد أن معاني زواج الوضّاءة وهجرتها أوسع من هذه الدلالات . هذه البلاد التي هي موطن الجريمة الأولى في التاريخ .. والتي تتكرر فيها وقائع هذه الجريمة تفصيليا كل يوم لا كرامة لـ (نبي) فيها . بلاد لا تتعض من تجاربها الأكثر دموية في التاريخ .. وحتى في مراحل ما قبل التاريخ .
لنسأل : ما هي الغاية من وجود “الوضّاءة” المتنبئة في بلاد لا يتعض أهلها بأي نبوءة ؟؟ وحتى في ثيمة إقبال “عبد الجليل” على فضائل – أخت الوضّاءة – وارتباطه بها وزواجه منها ، ثم شعوره بحبه المميت للوضاءة دلالة عميقة ؛ فالفرد العراقي لا يعرف الإختيار ؛ إنه يقوم باختيار (إرادي) لموضوع حب وهو ، من دون أن يعلم ، يخطط لاشعوريا لتدمير حياته من خلال اختيار موضوع آخر مُضمر . هذه سمة سادومازوخية مدمرة من سمات شخصية الفرد المواطن العراقي . إنها سمة خلّفت دمارا شاملا على المستوى السياسي خصوصا ، وهذا الخراب السياسي كان مفتاح الخراب الشامل على الصعد كافّة . يشرح “السجّاد” الكيفية التي ألقى بها القبض على السجينين الهاربين وهو يبتلع ملاعق الرز بلهفة مع عبارات تفاخر أمه العوراء بظَفَر ابنها :
( كانا يرتديان أسمالا لا لون لها ، واستطال شعر ذقنيهما حتى البطن ممتزجا بشعر رأسيهما ، واعوجّت من استطالتها أظافر يديهما . حُفاةٌ التصق جلدهم بالعظم حتى يظن المرء أنهما خرجا توا من قبر ما … الآخر لم يظهر من وجهه إلا عينان واسعتان عسليتان أرعبني حتى الموت عندما مدّ يده إلي . لقد حاول لمس وجهي – ص 200 ) .
# مشهد بليغ آخر : تُمعن “ذكرى محمّد نادر” في تصوير تأثيرات الطغيان من خلال مشاهد سريعة وموجزة ، لكنها شاسعة الإرسال لشفرات سريعة مدمرة : ما الذي يفعله الطغيان والدكتاتورية بالإنسان ؟ حول هذه التأثيرات كتب دينو بوزاتي وميلان كونديرا ونجيب محفوظ وغيرهم . في العراق قد تكون هذه أهم وأوسع رواية تتناول هذه التأثيرات بمثل هذه الرؤية الشاملة والفنّية العالية . لاحقنا ما فعله الجلاد “نواف” بسُبل وكيف خرّب حياتها وحياة عائلتها . لكن زواج نواف من سُبل أدخل جرثومة الطغيان (الشعرية) في جسد العائلة فأخلّ بقيمها وأشاع في صلاتها الاضطراب . قال له الشيخ الضرير وهو الشاهد المُبصر في الواقع : أنت المستفيد من كل ما يجري من خراب . فنهره نوّاف وأيده “عباس” ابن الأم الزنجية مُهدّدا بإلقائه في الشارع . بدأت الأمهات : ( القادرية زوجة الشهيد الصفوان ، والعوراء زوجة مرتضى ) يقدمن أبناءهن لنواف ، كي يرعاهم ويقوم بتربيتهم وفق (أصوله) ، ويجعل لهم متكأ في السلطة . رعى أولا (السجّاد) ابن العوراء ، وهو في الواقع ابن مرتضى الذي رتّب نوّاف اغتياله . فما الذي أنجبته (الأم) الطاغية حين أرضعت هذا الولد من ثديها المسموم ؟
لقد جاء – ذات يوم – إلى البيت ليتناول طعام الغداء ويسرد على الجالسين كيف انهم بُلّغوا بالبحث عن مُعتقلَين سياسِيّيْن هارِبَيْن . سألته فضائل الأم عن مواصفات السجينين اللذين ألقى القبض عليهما وحظى بالتكريم من أجل ذلك ، فقال – وهو يبتلع ملاعق الرز بلهفة :
( كانا يرتديان أسمالا لا لون لها ، واستطال شعر ذقنيهما حتى البطن ممتزجا بشعر رأسيهما ، واعوجّت من استطالتها أظافر يديهما ، حفاةٌ التصق جلدهم بالعظم حتى يظن المرء أنهما خرجا توا من قبر ما .. سهم “سجّاد” متطلعا في الجدار قبالته تُعلّق عليه صورةٌ مبتسمةٌ لـ “عامر” قبل أن يكمل :
– الآخر ، لم يظهر من وجهه إلا عينان واسعتان عسليتان أرعبني حتى الموت عندما مد يده إلي . لقد حاول لمس وجهي . كان ينظر إليّ وكأنه يعرفني .. رفع “سجّاد” كأس الماء ليشرب حتى استقرت عيناه على صورة “عامر” يبتسم فيها بقدر يجهله . جمد الماء في حلقه . لحظتها أدركت فضائل ( أم عامر ) أن قَدَرَها – بصلفه المتعالي – مازال يحتفظ بوجيعة ما أمسكت قلبها واستغاثت بولده – لاحظ توظيف اللغة العامية العظيم التأثير – :
– يمّه عامر اسم الله عليك – ص 199 و200 ) .
ما الذي ستنفع معه الحكمة الجريحة والمستغيثة التي أطلقتها “فضائل” :
– ليس من ضلع الرضوانية من يُبعد الأبناء عن أحضان الأمهات – ص 200)
لقد دخل الجلاد – بفعل وتبريرات سُبل المحطمة الرحم الأمومي العائلي وخصبه بسمومه فلن يلد بعد الآن إلا سفاحا . لقد اعتَقل “سجاد” (أخاه – ابن عمته ) بفخر ، وسلمه لآلة الطغيان كي تسحقه . لم يفته أن ينظر إلى صورة عامر معلقة على الجدار وهو يأكل فيلحظ الشبه .
اسمعوا الآن حادثة حقيقية من عيادتي النفسية : كنت أستقبل في عيادتي عددا من السجناء السياسيين السابقين الذين تحطموا نفسيا ، وصارت حاجتهم للعلاج ضرورية جدا . تحصل رغبتهم في العادة بضغط من زوجاتهم الصابرات العظيمات ، وإلا فإن للطب النفسي (وصمة – stigma ) لا يمكن تحمّلها في مجتمعاتنا خصوصا حين يصيب الاضطراب النفسي شخصا يعد أنموذجا في الكفاح والتصدي . كنت بعد الفحص أتلاطف مع المريض السجين السياسي السابق فأسأله : هل ضحكت مرة وأنت في المعتقل ؟ وهل بكيت مرة ؟ وما هو السبب ؟
لديّ سجلٌ كامل بحوادث لا تصدق منها هذه الحادثة :
قال لي ( آ . س ) ، وهو مهندس وشقيقه من شيوخ عشيرة شمّر ، اعتُقلت في كركوك وأخذوني إلى مديرية أمن كركوك ، وعُذبت تعذيبا شديدا .. ثم ألقوني في (القاووش) مع سجناء كثيرين كان من بينهم شاب اعتُقل لأن أخاه اتُهم برمي قنبلة على مقر المخابرات ، واختفى في سجون بغداد منذ أكثر من سنة . بسبب كبر سني وموقعي العشائري “أنعم” علي السجانون بأن أكون مسؤولا عن السجناء . ذات ليلة فُتح باب القاعة الحديدي ، وأُلقي شخص شبه ميت .. بلحية طويلة تصل ركبتيه ورائحة قذارة مُنفرة . قالوا أنه من سراديب بغداد . كان لدينا تحذير من الاتصال بأي سجين جديد . جاءني الشاب التركماني وقال لي :
– أستاذ .. هذا السجين من سراديب بغداد .. هل أستطيع أن أسأله عن أخي المحتجز هناك منذ سنة ؟
فقلت له :
– إسأله في الليل ، وكن حذرا .
وفي الليل ، ارتفع صوت بكائه الوحشي . ذهب الشاب التركماني ليسأل سجين بغداد عن أخيه .. فوجد أنه هو أخوه ، ولكن كل منهما لا يعرف الآخر . لقد غيّر القهر والطغيان والتعذيب حتى ملامحهما ، فأصبح الأخ لا يعرف أخاه . لقد فرّق الطغيان أبناء الرضوانية عن أمهاتهم .. ومزّق شمل العائلة العراقية !!

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

|| الناقد الراحل د. حسين سرمك حسن : تحليل رواية “حياة ثقيلة” للروائي سلام إبراهيم | الحلقة الثالثة(ملف/153) .

هل يمكن أن تتفق هذه المعلومات مع تسلسل أحداث حكاية أحمد التي قصّها علينا الراوي …

| صباح الأنباري : ميكافيلية الغزل في حكايات حميمة (*) .

  العنونة (حكايات حميمة) تشي هذه العنونة بوجود مجموعة حكايات أو مرويات ينقلها لنا الحكواتي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *