جواد وادي* : ماذا الذي يجري في وزارة الثقافة العراقية؟ دعوة للتضامن مع بدل رفو

jawad wadiمنذ مدة ليست بالقصيرة وتحديدا قبل أكثر من عشر سنوات، كتبنا مقالات عدة وما زلنا، تتصدى لما تقوم به وزارة الثقافة العراقية من أفعال كنا نأمل أنها لا تكرر ذات المنحى الذي كان سائدا وقت النظام الفاشي المنهار، لا باعتبار الثقافة مادة استهلاكية ليست من الأهمية بمكان وهذا ليس تجنيا، بل ما جاء على لسان وزيرها المنتدب من المسجد ليمتلك قرار وضع الثقافة العراقية متمثلة بوزارتها الوصية على سكة الخراب، للتتوالى ودون انقطاع، أفعال شائنة ليست لها علاقة بالثقافة لا من قريب ولا من بعيد، مما دفع أطراف حريصة على الحفاظ على الثقافة العراقية المشهود لها عربيا ودوليا بمنجزها الذي أثبت حضوره القوى من خلال فعاليات ثقافية عراقية، سيما المتواجدة في بلدان المهجر، لتثبت أن المبدع العراقي هو مرجل عطاء وخلق وابداع وتلاقح واثراء حقيقي لثقافات تلك البلدان وبشهادة مبدعي تلك الأصقاع التي تلم شتات العراقيين المبدعين، أينما حلو وحيثما تواجدوا، دون أن ننتقص من كفاءات المبدعين داخل الوطن، بطبيعة الحال، لكن الإرتكاسات بعد التغيير الذي كم استبشرنا له وتصورنا أن أبواب العطاء قد فتحت لكل المبدعين سيما لأولئك الذين فروا بجلودهم من سياط النظام الفاشي الذي ميّع الثقافة العراقية وسلّعها بشكل رث ومقيت، وتساقطت اثر ذلك أقلام واقلام وعرضت الضمائر للمهادنة لتباع في سوق النخاسة البعثي، لتنزل البركات على كل من تحول إلى بوق لرأس النظام المعتوه، لكن الأنقياء ما لانوا ولا هادنوا ولا ساوموا على قيمهم ومبادئهم وحافظوا على نظافة أقلامهم، لكن وللأسف، تلك الإرتكاسات أخذت بالتناسل لتتحول إلى أسلحة دمار للثقافة من خلال مسيرة الأربعة عشر عاما الفائتة بعد التغيير وحتى لحظتنا البائسة هذه، مستثنى منها، فترة الأستاذ مفيد الجزائري التي أعادت الروح لجسد الثقافة المشلول أصلا، لكن الفرحة لم تتم فقبرت تلك الجهود المميزة بفعل فاعلين، وعادت دار لقمان على حالها ليبقى المراؤون من زمن الطاغية، هم من يتسيّد سلطة القرار الثقافي في عراقنا “الجديد” .

أليس من حق أدباء العراق ومثففيه والحالة هذه أن يبتهجوا بالتغيير؟ خصوصا أن السياسة لا تعنيهم الكثير، فقط ما كان يعنيهم وضع الثقافة العراقية بعد التغيير على المسار الصحيح لتتفجر الطاقات الإبداعية بوتائر أشد وأمضى، وبالتالي ينال العراق شرف احتضان الكفاءات الإبداعية لأبنائه المشردين والذين ذاقوا الامرّين عبر فترات المحن داخل الوطن، لتعاد لحمة المبدعين العراقيين ليشكلوا الجسد الحقيقي للثقافة العراقية الرصينة والجادة، ويتنفسوا هواء الحرية التي حرموا منها عبر عقود الخراب البعثي.
هنا ينبغي الإشارة والتأكيد كذلك، على أننا حينما نتصدى للمثالب التي تصدر من وزارة الثقافة العراقية، لا نتقصد الإساءة لأحد أبدا، بل ونبارك كل الأيادي البيضاء، إن وجدت، لتضيف لبنات بناء كيان ثقافي جديد بعيد عن المحاصصة والمحاباة، وهو المعمول به الآن، همنا الأساس أن نجد في وزارتنا كفاءات إدارية وثقافية تقود هذه السفينة لبر الأمان، لأن الثقافة في أي بلد يريد البناء الحقيقي للإنسان وتحصينه من قيم الخراب السائدة الآن بكل مناحيها الكارثية وسوءاتها وبلاويها، ينبغي أن تكون من أولويات سياسة البلد الخارج من مراجل الخراب والحروب وضياع الأنسان وما زال يتخبط في ذات الكوارث، لهذا بات الملف الثقافي مهمة وطنية ينبغي إيلاءها ما تستحق من اهتمام ورعاية، هذا إذا أردنا وبنوايا المواطنة الحقة الخروج من المحن التي يعانيها العراق وشعبه بشكل يومي، وباتت قدرا لعينا، لا يبدو لنا أي فكاك منه، إن لم نول الثقافة ومن خلال مبدعيها ذات الاهتمام الذي نوليه للتوجه العسكري والسياسي والاقتصادي والتربوي وما سواها، وهذا هو النسيج الحقيقي المتكامل الذي يجب على كل سياسي حريص على امن البلد ومستقبل الأجيال أن يكرس له ما بقدرته للعمل باتجاه ترسيخه والدفاع عنه بكل الممكنات.
ما دفعنا لهذه المقدمة، هي الصرخة التي أطلقها المبدع العراقي، الشاعر والمترجم المعروف بدل رفو المزوري، بوجه الوزارة التي تجنّت كثيرا على منجزه الذي ما لبث يكرس كل جهده واهتمامه ليكون بالشكل المطلوب، حرصا على خدمة الثقافة العراقية أولا، والكردية على وجه التحديد، وصولا إلى هم كوني يلازمه دائما من خلال معرفتنا بتجربته الثرية والتي تعدت حدود الوطن لينال شرف التواصل مع ثقافات أخرى، ويكرس كل اهتمامه لإيصال الثقافة الكردية التي وللأسف يجهلها الكثير من المثقفين في أرجاء المعمورة، ليصبح سفيرا حقيقيا وبامتياز لإيصال الشعر الكردي بتراجمه الرصينة وبأسمائه الكبار للقارئ العربي، وبقدر ما يخصنا الأمر، فقد وقفنا شخصيا على هذا الأمر حينما يتواجد في المغرب ويلاقي من التكريم والحفاوة ما يستحق، الأمر الذي لا يجده في وطنه وحتى في الإقليم، وقال لي مبدعون مغاربة، بأنهم لم يكونوا على بيّنة من الأدب الكردي، سيما جنس الشعر منه، حتى كان الفضل للمبدع بدل رفو للاطلاع عليه ومعرفة أهم الأسماء من الشعراء الكرد، والجدير بالذكر أنهم اطلقوا عليه “سفير الثقافة الكردية” فهل يحظى هذا المبدع من وطنه ما يلاقيه من قيمة اعتبارية لدى غير العراقيين؟ تصوروا أنني اتصلت به أخيرا لإخباره عن دعوته لمعرض الكتاب الدولي المنعقد في أربيل، وما هي الآليات التي يعتمدها المنظمون لتوجيه الدعوات لمبدعي المنافي، فكانت الصدمة بعدم توصله بدعوة الحضور كما دائما، علما أن حضوره يعتبر شرفا كبيرا للملتقيات، ونجد أن من يحضر من النكرات ما أنزل الله بها من سلطان.
فأي خراب تقف عليه الثقافة العراقية، ليس في الإقليم فحسب، بل في ربوع الوطن المنكوب بكل جهاته.
تتلخص صرخة المبدع بدل رفو كونه قد لاقى من الحيف والتجاوز في التلاعب بنصوص ديوانه “أطفال الهند علموني” المطبوع من قبل وزارة الثقافة عن دار الثقافة والنشر الكردية، ما يستوجب الغضب الحقيقي، لأنه وبمرارة المنتكس، فوجئ ببتر العديد من قصائده من قبل رقيب وصفه بالجاهل، وهذه طامة الثقافة العراقية بوجود نكرات لا يعرفون من الثقافة حتى تعريفها، ويا للهول…!، والغريب في الأمر أن الإصدار يتضمن الفهرس الذي يحتوي على عناوين القصائد المحذوفة، والأنكى من هذا، أن مقدمة الديوان التي كتبها الناقد المغربي حسن العابدي تستشهد بمقاطع من القصائد المبتورة، فأي جهل هذا، وأية كارثة تحل بمبدعي العراق؟
ونحس مرارة ما يشعر به المؤلف ليستغرب من هذا الفعل الأخرق وغير المسؤول ويعتبرها إهانة شخصية للثقافة الكردية والأدب الإنساني.
ويستطرد المبدع بدل رفو بأنه اتصل شخصيا بالسيد فوزي الأتروشي باعتباره وكيل وزارة الثقافة في العراق، أولا. والمسؤول عن إدارة دار الثقافة والنشر الكردية وكالة، ثانيا، عن طريق هاتفه المحمول ولم يرد، مما اضطره ان يكتب رسالة هاتفية له، ولكن دون جواب.
ماذا يصف القارئ الكريم مثل هذا السلوك الذي لا يخرج عن روح التعالي والتنكر لمبدعين لهم الشأن في الثقافة العراقية والكردية، وسنذكر لكم لاحقا ما يدعم هذا الكلام.
وعليه قرأت رسالة الكاتب وقرأت رد السيد الأتروشي التي ظهر أنها ليست سوى ذر الرماد في العيون، واليكم ما جرى.
بعد الاطلاع على ما كتبه الأستاذ بدل رفو ورد السيد الاتروشي بما يشبه العتب والاعتذار، استبشرت خيرا بان الثقافة العراقية ما زالت بخير، وأن هناك من يعير الاهتمام للمبدع العراقي، فكتبت رسالة للسيد الأتروشي عبر إيميله الذي يراسلني من خلاله، احييه على هذا الرد وبأنه سيعيد الاعتبار للسيد بدل، وعليه ذكرت له قصتي مع الوزارة وما جرى لي من تلاعب خطير، ظنا مني بأنني سأجد الأذن الصاغية.
ذكرت للسيد الأتروشي بانني دفعت ديواني لوزارة الثقافة العراقية وتحديدا للسيد عقيل المندلاوي منذ أكثر من عام، وكان رده بالموافقة مشكورا، وأوعز لاحقا للمركز الثقافي ببيروت متمثلا برئيسه الدكتور علي عويد للاهتمام بالديوان والسعي لطبعه بعد أن عرفت أن تغطية تكاليف الطبع قد أرسلت للمركز، فتم الاتصال بالسيد على عويد منذ ما يناهز العام وكان دائما يخبرني بأن الديوان على قيد الطبع بعد أن أرسلت له نسخة منقحة ونهائية ثم بغلاف الديوان، لكن الأجوبة كلها كانت من أجل الاطمئنان الكاذب، وأخيرا اخبرني دكتور علي بأن هناك في الوزارة من لا يهتم بطبع الكتب دون أن يبين لي لماذا؟ ومن هذا الشخص؟ وبالتالي انتهت مسألة الطبع بالتجميد النهائي، “الفاتحة على الديوان”.
انتهزت فرصة خطاب السيد الأتروشي للمبدع بدل رفو قصد متابعة أمر طباعة ديواني خصوصا بعدما أن عرفت اهتمام السيد الأتروشي بالرد، فكتبت له رسالة أحييه على موقفه هذا والاعتراف بأهمية المبدع بدل رفو، وشرحت له تفاصيل مشكلتي بانتظار الرد، لكن لا حياة لمن تنادي، أعدت له التأكيد مرات دونما جواب، الأمر الذي حز في نفسي كثيرا لأكتشف بأنني أخاطب جدران الوزارة لا من في داخلها.
لكم حكاية أخرى مع الوزارة تدعم ما ذهبت إليه، ذلك أنني كاتبت دائرة الترجمة التابع للوزارة، لا أعرف ماذا يطلقون عليه، قصد اخبارهم بالوثائق بأنني مترجم عراقي مقيم في المغرب وأرسلت لهم أغلفة تراجمي، قصد حصولي على دعوة لحضور مؤتمر الترجمة، لكنني لم أتوصل بأي رد يشفي الغليل، والمفاجئة المحزنة المضحكة، انني عرفت أن دعوات وجهت لأخوة مغاربة لا علاقة لهم بالترجمة، أو لا يتعدى رصيدهم في الترجمة الكتاب اليتيم، علما أنني أحتكم على أكثر من سبعة كتب مترجمة في شتى صنوف الإبداع.
ما الذي يحصل؟ إنه في علم الراسخين في دهاليز الوزارة ومفرداتها السريالية…
لهذا أقف بقوة إلى جانب المبدع بدل رفو مستنكرا كل ما حصل له، وعليه أدعوا كل المثقفين العراقيين أن يساندوا السيد بدل رفو وكل من لحقه شطط الوزارة وحيفها، وكذا كل حريص على الثقافة أينما كانت.
والأمر معروض لكم جميعا أيها المثقفون العراقيون كتابا ومبدعين لتبينوا عن مواقفكم الحقيقية لتصحيح المسار وكفاكم صمتا، لأن السكوت إزاء هذا الوضع الشائن يعتبر مساهمة فعلية في الخراب الذي تمر به الثقافة العراقية.

*شاعر وكاتب ومترجم عراقي
مقيم في المغرب

شاهد أيضاً

شكيب كاظم: التأريخ الهجري جزء من منظومتنا الثقافية والقومية

ثمة تقاويم عدة أنتجتها الحضارة البشرية منها، التقويم العبري اليهودي ومازالت بعض صوره قائمة حتى …

متاهة سبعينية، عن مختار وصنوه أبو حمديه
حاتم جعفر
السويد ـــ مالمو

( في هذا المقال سنستحضر بعض اﻷسماء ممن كان لها الفضل الكبير في دفعنا نحو …

مقداد مسعود: رسائل خطّية من الشاعرة “زهور دكسن”

الأستاذ الفاضل مقداد مسعود المحترم لك تمنياتي بديمومة الصحة والعطاء.. مع شكري لما أوليتنيه من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *