الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » لؤي حمزة عباس: الصــور

لؤي حمزة عباس: الصــور

luay_hamza1
ثمة نوع من الأصدقاء يظل محافظاً‮ ‬علي حضوره الواهن،‮ ‬مثل خيط لا يكاد يُري،‮ ‬في حياة الجماعة،‮ ‬مثل بطانة ستارة،‮ ‬شفيفة مخرّمة،‮ ‬لا يمنع ضوءاً‮ ‬ولا يصدّ‮ ‬ريحا بانتظار لحظة ما تنقله إلي موقع جديد‮. ‬كان يوسف حنش من هذا النوع‮. ‬إنه بطانة الجماعة بحضوره المخرّم،‮ ‬وخيطها الرفيع‮. ‬ربما ما قرّبه إلينا أول مرّة هو صوته الغريب‮. ‬صوته الذي يعلو بنبرة عميقة واضحة مثل أصوات مدرسي التربية الدينية،‮ ‬لكنه سريعاً‮ ‬ما ينكسر بنعومة مفاجئة تضطره لأن يبتلع كلماته‮. ‬يصمت قليلاً‮ ‬ويفرك مقدمة حذائه علي الأرض كأنه ينشغل بسحق عقب سيجارة لا يراه‮ ‬غيره‮. ‬يسحب حذاءه ويجرّب أن يقول‮. ‬لكنه يظل محافظاً‮ ‬علي صمته‮. ‬محتمياً‮ ‬من عيون التلاميذ‮. ‬خجلاً‮ ‬من البنت التي تنام في حنجرته‮. ‬في نهاية الدرس ومن بين ضجيج الأولاد ناداه ياسين‮: ‬حنش‮. ‬لم يكن في متوسطة الرشيد حنش‮ ‬غيره‮. ‬إلتفت سريعاً‮ ‬فتحركت ممحاته المعلّقة بخيط علي رقبته مثل جرس الماعز وعلي شفتيه شبح ابتسامة‮. ‬ربما لأنها المرّة الأولي التي يناديه فيها أحد باسم أبيه‮. ‬اسم أبيه الذي لا معني له‮. ‬فما معني أن يُسمي رجل باسم حية عظيمة سوداء ليست من ذوات السموم‮. ‬فتح ياسين معجم الصحاح بطبعته المدرسية المجلّدة ووضع خطاً‮ ‬بقلم الرصاص تحت التعريف‮. ‬خطاً‮ ‬متعرّجاً‮ ‬مثل أثر حية علي الورقة‮. ‬لم يكن صوت يوسف هو ما وطّد حضوره بيننا،‮ ‬كما لم يكن اسم أبيه أو ممحاته المثقوبة المعلقة بخيط علي رقبته‮. ‬كانت مسروقاته من جنة أخيه هي ما‮ ‬غيّرت موقعه في حياتنا‮. ‬رفعته من مكانه في آخر الصفوف حيث بالكاد تبدو لمّةُ‮ ‬شعره لتضعه في قلب الصورة‮. ‬بمواجهة الكاميرا‮. ‬مكان أقرب إلي الحلم والمستحيل‮.‬
2
كان سعود،‮ ‬أكبر أخوة يوسف،‮ ‬يعمل ميكانيكاً‮ ‬علي إحدي ساحبات ميناء المعقل‮. ‬بقامته القصيرة الممتلئة وشعره الكثيف الواقف كأنه زُرع علي رأسه شعرةً‮ ‬شعرة‮. ‬لم يكن يعود آخر النهار بالدهن وحده وقد لوث يديه وطمر لون بدلته،‮ ‬ولا برائحة عرقه الفائحة،‮ ‬كان يخبئ تحت البدلة،‮ ‬علي الجلد مباشرة،‮ ‬ما يأخذه من البحارة الهنود والباكستانيين من مجلات مقابل أرباع العرق التي يخبؤها في جيب بدلته الداخلي بانتظار اللحظة التي تدخل فيها إحدي الناقلات إلي الميناء‮. ‬مع ضجيج المكائن واقتراب الناقلات يتسارع تلويح البحارة وهم ينحنون علي المساند،‮ ‬ويتعالي تصايحهم بفصاحة مضحكة وتنغيم‮: ‬زحلاوي‮.. ‬زحلاوي‮.‬
3
بعد حوالي خمس سنوات،‮ ‬مع أول قذيفة تطلقها إيران علي ميناء المعقل سيموت سعود ولما يكن قد تزوج بعد أو أكمل الثلاثين‮. ‬ستتشظي قامته القصيرة،‮ ‬وقد نزلت القذيفة عليه مباشرة كأنها قذيفته،‮ ‬ولا يُستدل علي جثته إلا من فروة رأسه التي عُثر عليها ملتصقة علي الجدار‮.‬
4
أسند يوسف دراجته الهوائية الصفراء إلي حافة الجسر وسبقنا متقافزاً‮ ‬إلي الضفة‮. ‬كان يفتح رجليه مع كل قفزة متجنباً‮ ‬الأشواك‮. ‬أمسك ياسين بيدي واندفعنا نحوه‮. ‬كانت قدماي تتخبطان فأحسُّ‮ ‬الأشواك تتكسر تحت حذائي‮. ‬رفع يوسف ذيل قميصه وسحب بيدين خفيفتين مجلة أجنبية من خلف حزامه‮. ‬لم نكن قد رأينا جسداً‮ ‬نسوياً‮ ‬عارياً‮ ‬حتي تلك اللحظة‮. ‬كانت أجساد النسوة تقفز من شاشة سينما نادي الميناء الرياضي إلي رؤوسنا‮. ‬أجساد عامرة تلمع تحت بريق الشهوة‮. ‬تتأوه تحت سياطها‮. ‬أجساد الراقصات في كثافة دخان المراقص‮. ‬أجساد البطلات علي الشواطيء‮. ‬بالأبيض والأسود أو بالألوان يحرّكن دفق دمائنا كلما وصل الفلم إلي لحظته الذهبية‮. ‬اللحظة التي تلبط البطلة فيها مثل سمكة بين يدي البطل‮. ‬اللحظة التي لم نكن نراها أبداً‮. ‬فحالما تتلاقي الشفاه وتبدأ الأجساد بالتلوي ينقطع المشهد‮. ‬كأن فماً‮ ‬جباراً‮ ‬يبتلع اللقطة بأبطالها وبطلاتها ويتركنا نتقلب علي الجمر‮. ‬كان يوسف يتصفح أوراق مجلته‮. ‬يقلّب طبقات عوالمه‮. ‬طبقة بعد طبقة تنفتح العوالم،‮ ‬وتضيء المشاهد السينمائية المحذوفة أمام أعيننا دفعة واحدة‮. ‬ساطعة بأجسادها البضة،‮ ‬وجلودها اللامعة،‮ ‬وزغبها الناعم المبتل‮. ‬أقسي من قدرتنا علي التخيل وأمضي من أحلامنا‮. ‬أجساد تصيبنا بالدوار‮. ‬وتحشرج الكلام في حناجرنا‮.‬
5
كانت الصور تعيش في ذاكرتي حيةً‮. ‬نضرةً‮. ‬لها رائحة وطعم‮. ‬لها ملمسٌ‮ ‬دافئ‮ ‬غريب‮. ‬لا تستقر نساؤها علي حال‮. ‬إنهن يتقلبن في ليل وفي نهار‮. ‬أفتح المجلة وقد استأجرتها من يوسف يوماً‮ ‬أو يومين فأري النساء أنفسهن الشقراء الرشيقة والسمراء الممتلئة،‮ ‬لكنهن يتخذن وضعيات مختلفة‮. ‬أغلق المجلة ثم أفتحها علي الفور فأتأكد أنهن يعبثن بي كما يعبث بي البحر الذي يتبدل لونه خلفهن،‮ ‬والرمال التي يستلقين مسترخيات فوقها‮. ‬الصور تكذب‮. ‬والمجلات تكذب‮. ‬والأجساد تكذب‮. ‬أمسك عضوي وأضربه علي الحائط بعد أن باغتني فأطلق قذيفته اللزجة ولوّث المجلة‮.‬
6
انطلق صوت يوسف مثل أصوات معلمي التربية الدينية وقد هالته رؤية أكثر من صفحة من صفحات المجلة مكرمشة حالت ألوانها بعد أن حاولت مسح القذيفة عنها بالماء‮. ‬عرفت أنها لن تعود إلي أول حالها،‮ ‬وأنني لن أتمكن من تأجير مجلة مرة أخري فسخّنت المكواة ومررتها حذراً‮ ‬علي الصفحات‮. ‬لم تكن تبدو علي أجساد النسوة المبللات طيةٌ‮ ‬واحدة،‮ ‬لكنني واصلت الكيَّ‮ ‬حتي انتبهت لألوان الصور التي أخذت تبهت كأنما كنت أحثو عليها التراب‮. ‬سكت يوسف وهو يحدّق مشمئزاً‮. ‬إنه يتصورني وقد فعلتها علي الصور مباشرة‮. ‬بعد أن مررت عضوي علي الأجساد‮. ‬لمستها جسداً‮ ‬بعد آخر‮. ‬وتوقفت طويلاً‮ ‬عند مغاورها اللدنة‮. ‬حاولت أن أفهمه بأن القذيفة انطلقت رغماً‮ ‬عني‮. ‬وأنني كنت أفكر بالصور وهي تكذب والأجساد وهي تتبدل‮. ‬تغيّر وضعياتها‮. ‬لا تشبه أنفسها‮. ‬ضحك ياسين‮. ‬من بلاهة ضحكته عرفت بأنه يفكر مثلي بالأيام التي ستمرُّ‮ ‬من دون أن يُسمح لنا فيها بتأجير مجلة أو رؤية صورة‮. ‬بصوت البنت التي تنام في حنجرته أسدل يوسف الستار علي جنة الصور،‮ ‬وأطفأ الضوء عن مشاهد اللحظات الذهبية‮. ‬لن تروا مجلة مرة أخري‮. ‬قالت البنت‮. ‬حدجنا بنظرة معلّم التربية الدينية من دون أن يعبأ كعادته بصوته وهو يخونه‮. ‬وضع المجلة تحت حزامه،‮ ‬علي الجلد مباشرة،‮ ‬وأنزل القميص،‮ ‬صعد الضفة متحاشياً‮ ‬الأشواك ثم ركب الدرّاجة وانطلق بعيداً‮. ‬بقيت مع ياسين‮. ‬ننظر إلي الجهة التي‮ ‬غاب فيها‮. ‬بانتظار اللحظة التي يغيّر رأيه فيها ويعود‮. ‬ولما طال انتظارنا وضع ياسين يديه علي فمه وصاح بأعلي صوته‮: ‬حنش‮.‬

3 تعليقات

  1. صلاح البصري

    عزيزنا الغالي
    لقد رجعتنا والذكريات الى الايام الخوالي
    الايام التي كنا بها في تلك المدينة التي تغفوا على شط العرب بوداعة وصفو
    كانت الليالي والغناء على سواحل شط العرب وصوت مرزوق وعربته تمزق سكون الليل نادي الميناء والنفط والموظفين كلهم بروادهم الدائميين وظيوفهم
    شكراً على هذه القصة انتظر الكثير مع التحيات

  2. نبيل جواد

    لا فض فوك يا استاذ لتمكنك من ادواتك اللغوية باللغة تملئها السلاسة في السرد عموما الثيمة العامة لهذة القطعة الفنية الرائعة نستشف منها المعانات العراقية القديمة والحديثة التي لازالت الي يومنا هذا واصبحت كالوجبات الغذائية اليومية التي لا انقطاع منها هي ضعف اقتصادي اخر علمي وتكنلوجي مشاكل سياسية عارمة وكاننا في الصف الاخير من قطار العالم الثالث وهذة هي حقيقة البلد الذي نحن فية ……. عموما شكرا ونتمنى منك المزيد بارك الله فيك

  3. جمانه من السعوديه

    قصتك جدا رائع سيدي كلما قرأت قصة رائعه احزن

    واقول في نفسي متى استطيع ان اكتب مثلها؟؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *