ناطق خلوصي : تعدد أصوات السرد في رواية ” شرق الأحزان “

natek 4تأتي رواية ” شرق الأحزان ” للقاص والروائي والمسرحي والناقد عباس لطيف ، امتدادا ً لروايتيه :”الأعالي ” و “رماد الممالك ” ومجموعاته القصصية الثلاث : ” شقاء الذاكرة ” و “احتفاء بلون الحلم ” و مذكرات ساحة سعد ” وغير ذلك من نتاجاته الابداعية في المسرح والسينما ، كاتبا ً وناقدا ً ، وقد صدرت عن ” دار الجواهري “مؤخرا بـ 164صفحة من القطع المتوسط تغطي واحدا ً وعشرين فصلا ً قصيرا ً .
يشي عنوان الرواية بالجو المأساوي الذي سيخيم على شخصياتها وأحداثها ومسار هذه الأحداث لاسيما ان الروائي اختار شخصياته من شريحة اجتماعية تنتمي الى طبقة مسحوقة ، مسكونة بالبؤس والمعاناة وقد غادرت أرضها في ريف العمارة قسرا ً تحت وطأة ضغط مظالم الاقطاع قبل ثورة 14 تموز لتجد لها في العاصمة ملاذا ً تواصل فيه بؤسها ومعاناتها .
لا ينفرد صوت واحد في سرد أحداث الرواية فثمة بضعة أصوات تتناوب على السرد بشكل متواتر أحيانا ً ، ينفرد الصوت الواحد بسرد فصل واحد من فصول الرواية بضميرالمتكلم، وقد يتداخل أكثر من صوت في سرد الفصل الواحد . ان تعدد أصوات السرد يمثل احدى سمات الرواية هذه. لقد أشار الروائي الى ان ” البوح الذاتي والتداعيات الداخلية لشخصيات الرواية وضعت بين قوسين ” ليضع بذلك حدودا ً بين صوت سردي وآخر، وبالتالي فإن السرد لم يتخذ مسارا ً أفقيا ً متواصلا ً . ان تعدد الأصوات هذا منح الرواية خصوصية النأي عن التقريرية ، مع ملاحظة ان كل الأصوات في الرواية ظلت تحت سطوة السارد الرئيسي ، ونعني به الروائي نفسه .
تنحو هذه الرواية منحيين : منحىً توثيقي ومنحى ً سيَري، يقترب أحدهما من الآخر أحيانا ً الى حد التداخل بفعل تماثل الوظيفة التي يضطلع بها كل منهما وعلاقتها بالأحداث . فثمة مسعىً لتوثيق بعض أحداث شباط 1963 ومعركة وزارة الدفاع و ” عبد الكريم الجدة الذي ربط جسده بسلاحه لئلا ينسحب لآخر رصاصة ” ( ص 11 ) ، وعمليه هروب عدد من السجناء السياسيين من سجن الحلة من خلال النفق الذي حفروه بأنفسهم ، ، ثم عملية هروب الضابط الطيار صلاح أحمد من سجن نقرة السلمان بعد أن كان قد نجا من قطار الموت ليلقى نهايته في صحراء السماوة . ان الرواية بمجملها توثق حياة العراقيين في واحدة من أقسى الفترات سياسيا ً واجتماعيا ً كانوا يجتازونها بصعوبة لاسيما في ظل ظروف الحرب العراقية ــ الايرانية التي توقفت الرواية عندها بتمهل . abbas latifأما المنحى السيَري فيتعامل مع المكان والأشخاص معا ً . المكان الرئيس هنا مدينة ( الثورة ) التي يتناول هذا المنحى جغرافيتها : قواطعها وأسواقها وأهم المواقع فيها ، مع القاء الضوء على أصول تسميات هذه الأماكن ، وطبيعة الواقع الاجتماعي فيها والبعد العشائري لمجتمع توزع بين تقاليد الريف وتقاليد المدينة مع ما يحتمل أن يترتب على عملية التقاطع بين هذين النمطين من التقاليد وتأثر سلوك الشخصيات به .
تبدأالرواية بشخصية ” كامل ” وتنتهي بها فيكاد يكون الشخصية الرئيسة فيها بفعل حضوره شبه المتواصل في مجرى الأحداث، أو تأثيره على مسارها بالارتباط مع غيره من الشخصيات . وبدا ان الروائي حرص على أن يتتبع سيرة هذه الشخصية منذ طفولته البائسة مع ملاحقة التطورات الاجتماعية والثقافية والنفسية التي طرأت على حياته، وليلقي الضوء على طبيعة الوضع الاجتماعي المتدني للشريحة التي ينتمي اليها. وكامل هذا هو ثالث أولاد أب أفنى عمره في العمل في سلك الشرطة لينتهي به المطاف في بغداد بعد أن كان قد هاجر من موطنه في ريف العمارة . كان الأبن الأكبرمحسن عسكريا ً ضمن القوات التي كانت تدافع عن وزارة الدفاع ضد الانقلابيين في شباط 1963 واضطر لأن يستسلم بعد نفاد عتاده فحكم عليه بالاعدام بتهمة مقاومة الانقلابيين ، لكنه دفع سبع سنوات من عمره سجينا ً بعد أن فشل في الهرب من خلال نفق سجن الحلة فنقل الى سجن نقرة السلمان . ووجد الروائي ، من خلال محسن هذا ، فرصة القاء الضوء على معاناة الأم العراقية من خلال شخصية الأم التي ” كانت في كل مرة تكافأ بنقل السجناء الى سجن آخر مجهول حتى انها فقدت ابنتها الصغيرة ذات الخمسة أعوام في باب سجن الحلة ” ( ص 12 ) ، مثلما وجد فرصة أن يستعرض تفاصيل الحياة اليومية في السجن . وبعد أن ضاقت سبل العيش بمحسن في بغداد انتقل ليعمل في الديوانية وغابت تفاصيل تلك الفترة . أما الابن الثاني حامد ، فقد كان يساريا ً دفعته ظروف عائلته المادية لأن يتطوع في الجيش ، ووجد الروائي هنا ، وضمن المنحى التوثيقي ، فرصة التعريف بتقاليد الحياة العسكرية الداخلية . فقد اكتشف حامد ” ان التكنة العسكرية تحول الانسان الى جسد يركض ويتقلب فوق التراب وتجعل من السلاح جزءا َ من هوسه الجسدي ” ( ص 24 ) ، فشعر بالانفصام بين واقع الروايات والكتب التي قرأها لسارتر kh abbas latif 3وفرويد وديستوفسكي وبوشكين وماركس ، والواقع الحقيقي الذي يعيشه . وبدا كأن اللعنة حلت بالعائلة التي اختارها الروائي، فكان أن تعرض حامد لموقف كلفه وعائلته غاليا ً ، فقد كان متوزعا ً بين موقفه الانساني والموقف المغاير الذي يمليه عليه الواجب العسكري حين تلقى أمرا ً بالمشاركة مع زميل له ، بإعدام أربعة من الجنود الهاربين من الخدمة العسكرية ، فحاول أن ينتصر للموقف الانساني فاستطاع أن يقنع زميله بالقيام بالمهمة نيابة عنه فوافق لكنه وشى به فيما بعد ليتقرر نقله الى الخطوط الآمامية في جبهات القتالل ويختفي أئره بعد ذلك . ولم يكن كامل بمنجى من المصائب التي حلت بأخويه خلال خدمتهما العسكرية فهاهو يصبح عسكريا ً هو الآخر بعد أن أنهى دراسته الجامعية . لقد قدمت الرواية ، من خلال شخصية كامل ، نموذجا ً لمثقف يساري يعوزه التوازن و لا يتوفر على الوعي بواقعه الاجتماعي . فقد فرض عليه أهله الزواج في سن مبكرة وهو طالب ولعل ذلك الزواج المفروض كان سببا ً في تمرده فكانت زوجته ضحية ذلك التمرد . وكان قد تعرف ، في فترة انتقال عائلته الى منطقة جسر ديلي ( وهي المكان السردي الثاني في الرواية ) على ” سراب “ابنة جار صديقه، وكانت على استعداد لأن تتحدى التقاليد والضوابط الأسرية وتقترن به لكنه تهرب من ذلك ، لتقدم الرواية من خلالها نموذجا ً لمعاناة المرأة العراقية في ظل الواقع الاجتماعي العشائري . وضمن مسار تخبطه تعرف على” ساهرة ” زميلته في الكلية وارتبط بعلاقة حب بها مع انه متزوج وله ولد وبنت ، وقرر الزواج منها دون أن ينتبه الى الفارق الاجتماعي بينهما فقد كانت ابنة تاجر جملة كبيريعيش حياة بذخ بخلاف حياة البؤس التي يعيشها هو. وكان الزواج يوشك أن يتم حين صدمه خبر تهجير ساهرة وأسرتها لأنهم من التبعية الايرانية. وظل كامل يواصل تخبطه وسلوكه غير المتوازن فتعرف هذه المرة على ” شهرزاد ” الشابة صغيرة السن وقد ادعت انها شاعرة ، ودفعة سلوكه غير المتوازن الى الرضوخ للشرط الذي أملته عليه مقابل موافقتها على الزواج منه والمتمثل بضرورة طلاق زوجته ليكتشف ان موافقتها للزواج منه كانت خديعة وانه كان ضحية عمل انتقامي مارسته شهرزواد للانتقام لأمها سراب التي كانت قد ماتت حرقا ً بسببه ، وكأن الروائي أراد أن ينزل العقاب ببطله جراء تصرفاته غير المتوازنة والتي ربما يبررها كامل بأنها كانت انتقاما ً من نفسه ومن عائلته والواقع الاجتماعي الذي نشأ فيه . وبدا لنا ان الروائي كان يعد هذه الرواية كمشروع سيناريو لعمل سينمائي أو تلفزيوني لاسيما ان فيها من المشاهد ما يدخل في باب الكوميديا السوداء في الفصل العشرين بشكل خاص .
لقد حرص الروائي على الكشف عن عمق الخلفية الثقافية التي يتوفر عليها هو ، من خلال الاشارة الى كتب كتّاب بارزين وآراء فلاسفة وردت على ألسنة بعض شخصياته ، فضلا ً على الاستشهاد بأقوال لدستوفسكي وقسطنطين كافافي وكارلوس فوينتس التي أوردها في مدخل روايته .. وظلت لغة السرد ضمن السياق المألوف في السرد الواقعي الاجتماعي ، وكنا نتمنى أن ينتبه الروائي الى ان مقاطع الحوار التي جاءت بالعامية الريفية في الفصل الخامس لا تنسجم مع السياق اللغوي الذي اعتمدته الرواية .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *