د انور غني الموسوي : احضار الغياب في مجموعة (حينما تجلت بين يديه) للشاعر رحيم زاير الغانم

anwar ghani almosawi(حينما تجلَّت بين يديه ) مجموعة شعرية للشاعر العراقي رحيم زاير الغانم ، اصدار عام 2015 ، تحتوي على 83 نصا ، من قصائد النثر المتوسطة و القصيرة .
عنوان (حينما تجلت بين يديه ) موغل في الغياب كما هو ظاهر في تأجيل البوح ، حيث ان جواب الشرط محذوف و الجملة غير تامة ، و الثانية هو الاضمار المؤكد في الفاعل (هي ) صاحبة التجلي و( هو )من تجلت بين يديه .و هذا يبعث على الشعور اننا امام لغة تميل الى احضار الغياب . و نجد هذه الاسلوبية حاضرة في نصوص الديوان ، و تمثل سمة بارزة في كتابة رحيم زاير في هذه المجموعة .
ان جمالية اسلوب احضار الغياب تكمن في تحقيقها ادهاشا للقارئ من خلال تأجيل البوح بالاضمار او الابهام او من خلال النقل الى عالم الغائب المفارق لخطابية الكلام و حضوره . اضافة الى ذلك فان اسلوب احضار الغياب تنطوي على عذوبة الهمس الرقيق الذي يجعل القراءة عملية ابحار او بمعنى ادق كالعوم ، فانت في خضم توهم امتلاكك المبادرة في الفهم و الامساك ببوح النص ، فهو ايضا بسبب الغياب المحضر يكون كالعائم في ماء البحر ، لا يدري اي موجة ستأتيه ، و الى ان ستأخذه ، فاما الى الساحل الأهدأ او الى اعماق البحر . و هنا يكمن توتر الخاص بين ثنائية تضادية من امتلاك ناصية فهم النص و الخشية من الضياع فيه ، و هذا ما يحقق الابهار و الامتاع.
و لا يكتفي رحيم زاير في دفع القارئ الى الابحار فقط باسلوب كتابته ، و انما ايضا في قاموس مفرداته و تراكيبها كما في قصيدته ( الابحار) حيث يقول :
( اما زال قصر الرمل
منحنيا على ساحلك الهش
متدليا من اعلى الكوة
موحيا بالابحار
الى السواحل البعيدة
مشركا الموج
في منولوج عزف ابدي
يشاركك فيه
الالق و الابتسام
داعيا حتى الغمام
كي تعذر رحيلك )
rahim zayerهذا النص العذب الهامس اضافة الى رمزيته و انفتاح دلالاته المحققة و اضافة الى اسلوب احضار الغياب ، فان النص غارق في (لغة الابحار ) التي تنشد السواحل البعيدة . فالنص مملوء بالالفاظ الابحارية ليس فقط في مفرداته (كالابحار و ساحل و موج )و انما ايضا في طبيعة التراكيب المتموجة و المتحركة مثال ( قصر الرمل ، ساحلك الهش ، متدليا من اعلى الكوة ، منلوج عزف ، تعذر رحيلك ) .
بهذه الثراء و اللغة الايحائية العذبة تتميز باقي نصوص المجموعة الشعرية و يمكن تلمّس ذلك في باقي النصوص بلغة تموجية ترقبية مع اخضار للغياب ففي قصيدة ( ولوج ) يقول الشاعر :
( لك مني شروق
يعد الطيف الخجول
في امسيات
لا يبدو الغاية
فيها واضحة
فقد تجول في الفكر
ترهات
لا ارغب في ماقرتها
وان يدوم السكر
قد لا يستحيل
الابتسام
و قد ترتوي الايام
بالولوج
لاقف بعيدا
عن هرمون العزلة
مخلفا
الغبش ورائي )
و كذا يحضر الغياب و التموج البوحي في قصيدة ( اعتذار )
آسف ان كنت بعيدا عن ألمك
آسف ان شاهدت الكلمات
تذبل
آسف ان في حلمي الاخير
بدت صورتك غير واضحة الألوان
أعذرني فأنا غائب .
و بهذا يحقق الشاعر تفردا بلغة خاصة تعمل على احضار القاري الى النص اضافة الى عذوبة و همس رقيق . و هذا ما نسميه الادب الممتع مع الفنية العالية و ايحائية قريبة وهو و ما نصبو اليه في الكتابة معاصرة .

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *