ليث الصندوق : ليلة الاحتفاء بالحرية – أم ليلة الخلاص من الألم

laith 5ربما تضيء المرأة التي أهدى إليها حسن العاني مجموعته القصصية ( ليلة الاحتفاء بالحرية ) مساحات أوسع من السطور الأربعة التي استهل بها المجموعة ، وتترك ملامح قداستها وعشقها وصمتها وحيائها على النساء الاخريات في أكثر من قصة وفي أكثر من دور . وإذا كانت كل قصص المجموعة – دون استثناء – تجري على لسان سارد رجل ، إلا أن ذلك الرجل ظل في أكثر من نصف سردياته عاشقاً باستثناء دوره في ( ألسد ) ودوره المحايد في ( الإعتراف وليلى والذئب ورب الأرباب ) . وظلت صورة محبوبته في سرديات العشق قريبة إلى أبعد حد من ملامح إمرأة الإهداء . ولعل الجنون الذي طلب الكاتب المزيد منه في إهدائه ، هو ذاته الجنون الذي انتهى إليه بطل القصة المحورية التي استمدت منها المجموعة عنوانها .
تضم المجموعة تسع قصص تمتاز بلغتها الفخمة المكثفة الخالية من الزوائد والتي اقتربت في تكثيفها وتركيزها من الشعر ، تعينها على ذلك معالجاتها الغرائبية لأحداث من واقع كان قائماً ذات يوم ، أو أنه ما زال قائماً لحد الآن ، ولكنه في الزمنين ، الماضي والحاضر ، كان مثار تفكه وتندر سريين من قبل الرافضين له ، وحسن العاني من أولئك الرافضين ، يقاوم ما يرفضه بسلاح سخريته وهو يعلم أن ظروف المواجهة مع الخلل المستحكم ، ومع القمع الممنهج أثبتت أن السخرية سلاح فعال من أسلحة المقاومة في مرحلة أضعف الإيمان .
كل قصص المجموعة تدخل ضمن منحى إنتقادي ساخر ميز كتابات حسن العاني القصصية والصحفية معاً ، يلتقط موضوعاتها من داخل مسرح كوميديا الواقع السوداء ، ولعل ما يثير الإنتباه في تلك الكتابات ليس طريقة نفخ الأخطاء وتضخيمها فحسب ، بل طريقة فهم الشخصيات لتلك الأخطاء والتعاطي معها بإغفال الخطأ الكبير والتركيز على زوائده الصغيرة وظلاله المتلاشية ، ولذلك دلالة مفادها أن الأخطاء الكبيرة عندما تعمّ وتشيع تصبح جزءاً من منظومة الحياة ، لا يُلتفت إلى تباينها وانحرافها عن الصواب ، ولا يُنبش عن تبعاتها ، لأنها تكون قد غادرت مستوى الغرابة ، واستقرت ضمن مستوى الإعتياد . أما من الناحية الأسلوبية ‘ فأغلب قصص المجموعة تستمد فرادتها من خطاب السارد الذي يقرب من الهذيان ، مع الإختلاف في الهدف من استخدام هذا الأسلوب و الاختلاف في كثافة استخدامه ما بين قصة وأخرى .
hasan alaniهذه القراءة ستتوقف عند قصتين هما ( الشرفة ) وهي القصة الأولى في المجموعة و ( ليلة الاحتفاء بالحرية ) وهي ثانيتها وأطولها إذ تشغل أكثر من ثلث صفحات المجموعة . والبنية الدلالية المحورية المشتركة للقصتين هي الإحساس بالغربة والبحث عن الأنيس ، وقد تعاضدت هذه الدلالة مع القرب الموقعي للقصتين من بعضهما فجعلت ظلال المعاني تتداخل حتى بدت كل منهما وكأنها امتداد سردي للأخرى . ومن هنا كانت الرغبة في التوقف عندهما ، ولكن قبل الإقدام على ذلك سنقدم قراءة سريعة للقصص الأخرى .
تكرار الخلل أم استنساخه :
تخفي قصة ( ثقب الباب ) وراء روح الدعابة التي تميز أسلوب حسن العاني جدية موضوعها الذي لا يبعد كثيراً عن مجال عمله في الجهاز الإعلامي التنفيذي ، ومن خلال ذلك يخرج بمروية فنطازية تستل رموزها ومفارقاتها من واقع المؤسسة المرسوم من قبل الجهاز التنفيذي الذي يقوده الدكتاتور ولكن بدون استنساخ ، إذ أن حالات إعادة الصياغة أزاحت الرموز والشخصيات والأفعال عن سلبيتها الدموية باتجاه سلبية ساخرة ، وفي هذا التحول أنتُزع الدكتاتور من دوره التاريخي ليؤدي دوراً تخييلياً أقرب إلى دور الطفل العابث النزق حتى في ساعات إصداره قرارات الإعدام السريعة ، بينما تحول الموظفون التنفيذيون إلى نسخ مصغرة من النسخة المصغرة أصلاً للدكتاتور الطفولي ، لا تقل عن نسخة الدكتاتور  طفولية وعبثاً . ويتجلى المظهر السيميولوجي للقصة مع انطواء صفحة الدكتاتور / الدال ، وفتح الصفحة التالية / المدلول التي يُفترض أن تكون خالية من أمراض الماضي وعقده ، لكن يتبين أن العلاقة ما بين الصفحتين / الدال والمدلول هي الشبه ، وأن الحاضر لم يكن سوى صفحة مستنسخة عن سابقتها مع تعديلات طفيفة أبقت على قيادة الجهاز التنفيذي وأتت على شخص الدكتاتور فقط . وكما جاءت هذه القصة لمتابعة مراحل تطور الخلل الذي له القدرة على استنساخ نفسه ، بالرغم من تغير الظروف ما دامت حواضنه باقية دون تغيير ، جاءت قصة ( الإعتراف ) لتكشف عن الآليات التي تطيل في عمر الخلل ، وتضفي عليه طابع المهابة والتقديس . وقصة ( الإعتراف ) هي الأقدم في المجموعة ، فهي – بحسب الهامش كتبت في منتصف التسعينيات من القرن المنصرم ، وهي – بحسب النص – تتقاطع مع حدث تاريخي حساس تزامن مع فترة كتابة القصة وتسبب في سحبها من النشر في حينه ( محاولة اغتيال أبن الملك في القصة ، تقابلها محاولة اغتيال الإبن الأكبر لرئيس الجمهورية ) ، وبذلك يمكن الاستفادة من الحدث التاريخي في إضاءة دلالات القصة ، بالرغم من أن الإضاءة تبدو مضللة خصوصاً فيما يتعلق بالمقارنة ما بين تبعات الحدثين التاريخي والتخييلي . ولعل هذه القصة هي الوحيدة التي يمضي فيها الزمن على استقامته باتجاه الأمام وتبدو أسلوبياً خالية من التراكيب البنائية التهشيمية التي ميزت القصص الأخرى والتي تتقاطع فيها الأحداث مع بعضها بعد حالات من البتر المفاجئة بما يضفي على هذه القصة طابع الرسالة المباشرة  . وبالرغم من أن هذا النوع من القصص التي تستشرف أحداثاً معينة أو تتقاطع معها سواء عن قصد أم بدون قصد إلا إنه من غير الممكن قراءتها بمعزل عن التأويل ، أو بمعزل عن البحث عن صورة مطابقة لها من الواقع . وربما أصر على أن بعض التفاصيل التي لها شبيه في الواقع لا يمكن أن تكون قد وردت عفواً ، حتى في الأحداث الفرعية التي مهدت للحدث النواة ، مثل طريقة استدعاء المتهمين والتحقيق معهم وتلبيسهم التهم .

لوحة للفنان والشاعر المبدع ليث الصندوق
لوحة للفنان والشاعر المبدع ليث الصندوق

وفي سياق التقاطع مع الواقع ، وتضخيمه تضخيماً فنطازياً ذكياً تأتي قصة ( 5 أيلول 2009 ) بأجوائها الرومانسية ، وهي من أكثر قصص المجموعة احتفاءاً بالمكان ، وبالواقع االتاريخي  معكوساً على واجهة ثقافية تمثلها شخصيات ذات حضور ملموس . بيد أن المكان لا يعدو أن يكون مجرد حاضنة للأحداث والشخصيات دون أن يحظى بعناية وصفية تغطي سطحه الخارجي ، وتمنحه قدرة على النمو والتواصل إلا نادراً ، وهذه الثغرة عادة ما تُملأ باقتران بعض تلك الشخصيات الثقافية التاريخية بمواقع أو أماكن نشاطها النوعي ( موفق الخطيب / قاعة الرواق ) و ( قاسم سبتي / قاعة حوار ) و ( فوزية حسن / الإذاعة والتلفزيون ) او بتبادل المواقع ذهاباً وأياباً ما بين القاطنين ( … ولكن السيدة عادت إلى بلادها – لبنان – ولم يعد الياسري من كندا . ص / 184 ) كسراً لسكونية الموت التي تحيط بمشهد التبادل الموقعي من جانبيه ، من الجانب الأول موت الحبيبة الرسامة ، ومن الجانب الثاني موت موفق الخطيب . وما بين تلك الأماكن والشخصيات التاريخية والتخييلية تدور قصة حب مهددة بالسرطان بين كاتب ( وهو نفسه السارد ) وحبيبته الرسامة المصابة بسرطان استمرت تقاومه ببسالة وصبر ثلاث وثلاثين سنة . وجاء موتها بعد كل تلك السنوات ليعبث بواقعية السرد وينقله فجأة إلى منطقة ماورائية لا يدرك أسرارها وخفاياها سوى السارد الذي ظل يلتقي فيها حبيبته الميتة وغير المرئية بالنسبة للآخرين ، لكنها بالنسبة له ما زالت حية ومرئية ، ولم يتغير منها شيء سوى موقع إقامتها الذي انتقل من عالم الأحياء إلى المقبرة ، هكذا ظل السارد يعيش متنقلاً ما بين العالمين ، وهكذا ظل الناس من حوله يعيشون في حدود الملموس والمرئي ، بينما ظل هناك حاجز فاصل يمنع التواصل والتفاهم ما بين المنطقتين .
ألقرى – الرموز :
وبينما جاءت القصص السابقة من واقع مديني ، جاءت قصة ( السد ) من واقع القرية ، وهو واقع يختلف في معطياته الحكائية والقيمية عن واقع المدينة ، والإطار العام لهذه القصة هي مشاكل الفلاحة التقليدية في الريف العراقي ، ولكن الكاتب  يحرر تلك المشاكل من تقليديتها باستبدالها برموز جديدة تخرج الموضوعة من إطارها الفلاحي الضيق لتضعها في إطار وطني أوسع ، فاستعانة أهل القرية بدعم من أهل القرى المجاورة للتحرر من سطوة شيخ القرية وهيمنته على مصادر المياه حقق لهم ما يريدون ، ولكنه أوجد مشاكل وعقبات أخرى لا تقل سوءاً عن طغيان شيخ القرية . وفي نفس الإطار تتحرك قصة ( ليلى والذئب ) ، وتستعير نفس الأجواء تقريباً ، مستفيدة من قيم المجتمع الزراعي والريف ، وهي مثل قصة ( السد ) تفتح حدود الرمز ، وتوسع مجال اشتغاله ، ولا تحصره في حدود القضية الضيقة التي انطلقت منها . وقبل الدخول في القراءة لا بد من الإشارة إلى أن تقديم هذه القصة على أنها نص حكائي هو من قبيل البديهيات ، فمن الناحية الكتابية هي نصٌ حتماً ، ومن الناحية السردية هي حكاية حتماً ما دامت تتوفر على شروطها وما دام التجنيس كقصص قد حسم في هذه المجموعة بدءاً من صفحة الغلاف الخارجي باعتبار أن الحكاية والقصة مظهران لشكل سردي واحد . في هذه القصة ينتزع الكاتب محكية اعتيادية من الريف العراقي ولكنه لا يمضي بها إلى ختامها إلا بعد أن يجردها من اعتياديتها ويضخ فيها قدراً من الغرائبية والرمز فإذا بليلى وريثة مشيخة القرية تُنجب وليداً مسخاً شبيه الذئب بعد أن عالجها من عقمها طبيب أجنبي ، وبذلك تكون الحكاية الخيالية العالمية ( ليلى والذئب ) قد أعيدت صياغتها محلياً ، ومن ثم تقاطعها مع سياق القرية العراقية ، وهكذا لم يعد القاتل / الذئب كما كان في المحكية العالمية من صلب الغابة ، ، بل هو من صلب القتيل / ليلى ألمؤجل قتله / أو قتلها إلى حين . ولكن السؤال الذي لم تقدم القصة إجابته هو ( هل أن علاج ليلى من العقم على يد طبيب أجنبي مُبتز هو السبب في تلك الولادة المشؤومة ؟ ) ربما هذا ما أراد أن يقوله السارد ولكنه أحجم عن التصريح به لأنه يدرك بأن الإجابة المؤكدة هي لدى الناس الذين سمحوا بعرض ليلى على طبيب أجنبي ووافقوا على شروطه المجحفة قبل أن يتوثقوا من كفاءته ويضمنوا نجاعة علاجه .
ومن واقع القرية أيضاً تنطلق قصة ( رب الأرباب ) ، ولكنها تختلف في إطارها العام عن الإطارين الحكائي والقيمي القروي اللذين انطلقت منهما القصتين السابقتين ، فقصة ( رب الأرباب ) تنطلق من إطار آخر يستثمر موضوعة الدين إستثماراً يُخفي تحت قشرته الخارجية أهدافاً سياسية . وبالعموم فهذه القصة هي متابعة رمزية لمراحل صعود ، ثم انهيار طاغية ونظامه السياسي في مسيرة تميزها خطوط تاريخية عريضة تتفرع منها شبكة واسعة من خيوط التخييل ، وبذلك يُعاد رسم الأحداث بعد تهشيم الواقع التاريخي واستثمار وحداته في رسم واقع تخييلي بديل يكتسب فيه الرمز حيويته من الأجواء الروحانية التي تستعير ملامح النبوءات الشرقية يعززها الخطاب الديني السماوي الملفق للدين الجديد والذي يتلاقى مع الخطاب الديني التقليدي في بعض الوجوه ، ولكنه يختلف عنه من حيث الأهداف السياسية ذات المبادي المادية المستعارة من أيديولوجيات السرديات الكبرى ، مثل الحرية ( سنهدم الأسوار بين القرى ، ونتحرر من عبوديتنا ) والاشتراكية في مرحلتها المشاعية البدائية ( الأرض وما فيها ، وما عليها من ثروات ملك للجميع ) والقضاء على الفقر ( ليذهب الفقر والجوع إلى جهنم ) . بيد أن الوجه الديني للرمز السياسي ليس هو الوجه الوحيد الذي يكشف أبعاد اللعبة السياسية وهويات لاعبيها ، فقد سبقته إشارات من حقول :
–    تاريخية ( آل سطيح ) .
–    وقبلية  ( ألبو بيجات ) .
–    وزمنية ، تحدد دلالاتها التصورات المقوّمة بالسنوات ( بعد حادثة العام الحادي والعشرين ) أو ( الذكرى الثالثة والعشرين لإعلان الماجد رباً ) .
–    ونوعية ، تستعيض عن التسميات التاريخية للأماكن بتسميات تتوافق مع شهرتها النوعية الإقتصادية حصراً مثل قرية الموانيء وقرية المنافطة .
–    ولفظية ، تحرف اللفظ الغربي لتضعه في سياق محلي ( شعبي ) مثل ( جورج باش أفندي ) .
–    وعددية ، ذات دلالات جغرافية ( ألقرى الثماني عشرة ) أو ( تبعد عن قرية آل سطيح ألفي كيلو متراً ) .
وقد تضافرت كل تلك الحقول لترسم أبعاد الرمز السياسي ومجال حركته .
بعد هذه القراءة السريعة نتوقف على قصتي ( الشرفة ) و ( ليلة الاحتفاء بالحرية ) ، ولكن قبل الوقوف عليهما لا بد من ملاحظة أن افتتاح المجموعة بهما معاً ، وعنونتها بعنوان ثانيتهما لم يأتِ اعتباطاً ، فهما تحملان البذور السردية والأسلوبية التي ستُبذر ، وتنمو في القصص الأخرى .
ألشرفة :
ليس من أجل التلخيص لذاته ، بل من أجل الوقوف على العناصر السردية الأساسية في القصة نرى من الضروري الوقوف على إطارها العام الذي يتمحور حول رجل يتابع يومياً ، وفي ساعات ما قبل الغروب ظهور طائرين على سلك الكهرباء أمام شرفة بيته التي اعتاد الجلوس قرب سياجها وإلقاء أعقاب السجائر لإفزاع الطيور . إن تفكيك هذا الإطار يقدم جرداً بالوحدات البنائية السبع الأساسية للقصة ، وهي :
–    رجل وحيد
–    ألشرفة
–    طائران
–    وقت الغروب
–    حبات القمح وآنية الماء
–    سلك الكهرباء
–    أعقاب السكائر
والعنصر البؤري الذي يربط ما بين كل تلك الوحدات هو / هما ( الطائران ) ، فبلقائهما أو بالتنبه إلى لقائهما تتشكل وتنمو بذور القصة ، وبمرض أحدهما وانسحابه من البؤرة السردية / الشرفة تنفرط أواصر الربط ما بين الوحدات البنائية ، وتؤذن القصة بنهايتها . والطريف في القصة إن البطولة لا تقتصر على جنس البشر ، بل تتقاسمها معهم المخلوقات الحيوانية / الطائران اللذان يؤديان أدواراً وأفعالاً سردية فاعلة ينعكس تأثيرها على الشخصيات الآدمية الأخرى ويتسبب في ردود أفعال تتحكم بكل مجريات السرد . ويمكن تصنيف الأفعال التي يؤديها الطائران في القصة بثلاثة أصناف :
الصنف الأول : هي الأفعال النمطية ، أو الغريزية بايولوجياً التي تؤديها عادة كل الطيور الصغيرة الأخرى ( تطير / توكّر / تلقط الحبّ / تشرب الماء ) .
ألصنف الثاني : هي الأفعال النوعية التي يتميز بإدائها الطائران عن بقية الطيور المماثلة ( يقفان طوال الساعة التي تسبق الغروب من غير حراك ، ألعصافير والفاختات تتقافز فوق الأسلاك ، وتصدر ضجيجاً )
الصنف الثالث : هي الأفعال البشرية التي خرج بها دوريهما من نمطيته ليكتسب بعضاً من الرمزية ، فهما يضحكان ( صدقني يا رجل كانا يضحكان ) ، وهما لا يستغربان من البشر ( ألقادم من الغرب والقادم من الشرق لم يستغربا ) ، وهما يبتسمان ( إبتسما في لحظة جلوسه ) .
وعلى مدى واحد وثلاثين عاماً ( والرقم ينطوي على رمزية واضحة ، فليس من المعقول بايولوجياً أن تمتدّ أعمار الطيور الصغيرة إلى هذا الحد ) تستمر متابعة الرجل الوحيد / السارد اليومية للقاء الطائرين بحميمية بالغة ، ومع المتابعة تتوثق العلاقة ما بين الطائرين من جهة ، وما بين السارد من جهة ثانية ، وما بين السارد والشخصيات التكميلية ذات الملامح الغائمة التي تحضر بصيغة الغياب من أجل ربط المشاهد بسياقاتها المرجعية من جهة ثالثة ، وتلك الشخصيات تمثلها كل الأصوات الأخرى – ما عدا السارد – والتي قد تُسمع مستقلة ، أو مرتبطة بصوت السارد ضمن نص حواري مبتور ، أو قد تكون مندغمة بصوته ومتضمنة في خطابه ، وتلك الأصوات الغامضة قد يُشار إليها كنكرة ( أحدهم ) وهذا ما يزيد في غموضها ، أو قد يُشار إليها بمهنة صاحبها ( ألطبيب ) أو قد يكون الصوت أنثوياً يعود لزوج السارد ، وهذا الصوت فقد حرارة نبرته القريبة والمباشرة لأنه يأتي دائماً من البعيد وعبر أسلاك الهاتف من وراء الحدود متنقلاً ما بين ( تركيبا ، اليونان ، بودابست ، ألقاهرة ) . ولكن مجيء هذا الصوت القادم من الخارج والذي تسبب في تفاقم وحدة السارد يأتي ليسخر من العلاقة التي تشكلت في الداخل ما بين السارد والطائرين والتي كان لها الفضل في تبديد وحدته . ويترتب عن تلك المفارقة المركبة ولادة أسرة تضم السارد والطائرين أو كما يسميها الصوت الهاتفي الأنثوي استفزازاً ( أولاده أو أسرته الحيوانية ) ، ولكنه إستفزاز يتضافر مع ضمير جماعة المتكلمين الذي يميز خطاب الصوت الهاتفي الأنثوي / زوج السارد ( ربما نتأخر بضع أسابيع / ما زلنا في الفندق نفسه / نتوجه بعد يومين إلى بيروت ) ليؤكد أن في مقابل عائلة السارد الحيوانية الحاضرة في الداخل هناك عائلة بشرية غائبة في الخارج ، وبالتالي فأن ثمة موازنة يقف السارد في منتصفها من أجل معادلة ثقل الإحساس بالوحدة والاغتراب . وإن كانت بداية انطلاق الصوت الهاتفي الأنثوي / صوت زوج السارد متزامنة مع بداية تشكّل العلاقة ما بين الطائرين من جهة ، وما بينهما والسارد من جهة أخرى ، إلا أن أواصر العلاقة الثلاثية التي استمرت لواحد وثلاثين عاماً إنفصلت ، وما زال الصوت الهاتفي الأنثوي يأتي عبر الأسلاك من البعيد محدداً إتجاه حركته التالية ( نتوجه بعد يومين إلى بيروت ) وبذلك تكون الموازنة قد اختلت تماماً بغياب جفنة الميزان الداخلية ممثلة بألطائرين ، واستمرار غياب الجفنة الثانية ممثلة بصاحبة الصوت الهاتفي في الخارج ، وهذا ما يؤدي إلى مضاعفة الإحساس بالوحدة ، وهو ما سيعاني من وطأته الطرف الواقف في منطقة التعادل / السارد .
والإتجاهات في القصة لها دلالاتها ، ولكنها دلالات تستمد معانيها وحيويتها من داخل القصة ، وليس من خارجها ، فبالإضافة إلى مفهومي الداخل والخارج وحوار المسافات عبر الهاتف ما بين السارد وزوجه ، فهناك جهتا الشرق والغرب ، فالطائر الغريب الذي كان قد جاء من الغرب يحظى برفقة مفاجئة من طائر غريب آخر يأتي من الشرق ، وبحضور الطائر الشرقي تكون شروط بناء علاقة قد اكتملت وستستمر لواحد وثلاثين عاماً على وفق نظام يومي دقيق يتمثل بمجيء طائر من جهة الغرب ، ثم آخر من جهة الشرق ، يمكثان معاً مكوثاً هادئاً على سلك الكهرباء ، يتبادلان خلاله الملامسة والنظرات ، ثمّ يحلقان بعيداً ويفترقان مثلما جاءا كل إلى جهته .
ولأن بداية العلاقة كانت مع حضور الطائر القادم من الغرب ، واكتملت مع حضور الطائر القادم من الشرق ، فإن انهيار العلاقة سيكون على عكس نموذج الحضور ، حيث سيرحل إلى حيث لا عودة الطائر القادم من الشرق ، بينما سيعود إلى موقعه فوق سلك الكهرباء وحيداً – كما جاء أول مرة – الطائر القادم من الغرب ، ولكنه سيعود لمرة واحدة ، وسيغيب  بعدها إلى الأبد . ولعل دلالة الاتجاهات تكتسب معنى محيراً في رحيل الطائر الغربي ، لأن رحيله – في أعقاب رحيل الطائر الشرقي – لم يكن بنفس الإتجاه الذي جاء منه / الغرب – كما جرت العادة ، بل سيرحل في ذات الإتجاه الذي كان يأتي منه ، ثمّ يرحل إليه رفيقه / الشرق ( وفجأة وثب الطائر الذي فقد لون منقاره ، حلق عالياً ، واتجه نحو الشرق ) ولعل نداء الموت الذي استدعى رفيقه من جهة الشرق ، دعاه هو أيضاً ليلحق به .
وعندما تنفضّ العلاقة الثلاثية ما بين السارد والطائرين برحيل الطائرين ، يبقى الرجل الوحيد / السارد في شرفته وقت الغروب ، وتبقى العناصر البنائية الأساسية التي ضمنت تشكّل العلاقة السابقة بعد رفع الطائرين منها ( حبات القمح ، وآنية الماء ، وأعقاب السكائر ) على أمل أن يحظى بعائلة طائرة أخرى في الداخل تعادل جفنة الميزان الثانية الغائبة في الخارج ، والتي ما زال غيابها مستمراً حتى السطر الأخير ، بل إنه بعد أن كان غياباً كيانياً يعوض عنه الصوت القادم عبر الأسلاك ، تضاعف ذلك الغياب ليصبح  غياباً  صوتياً أيضاً في ضوء انقطاع خطوط الاتصال ( خطوط الاتصال جميعها توقفت ) وربما تؤكد مفردة ( جميعها ) أن المحمول الدلالي لعبارة ( خطوط الاتصال ) يتجاوز معناها العرفي التقني ، فليست خطوط الاتصال الهاتفية الخارجية هي وحدها المعنية بالانقطاع فحسب ، بل إن خطوط الاتصال الجسدية والروحية ما بين الرجل والمرأة في مرحلة ضعف وانقطاع ، وخطوط الاتصال الروحية ما بين الرجل الوحيد وعالم الطيور الرائع قد انقطعت ، وبانقطاع تلك الخطوط لم يعد هناك من اتصال يربط الرجل الوحيد بالعالم ، وتكون الوحدة قد ضربت من حوله حصارها الخانق .
ليلة الاحتفاء بالحرية :
هذه القصة أشبه بقصيدة شعرية منها إلى قصة ، إذ أن كل الدعائم التي تتحكم بالقص تتداعى وتتغير باستمرار ، فلا الزمن له فضاؤه المحدد باستثناء إشارات غائمة موزعة على بعض الأحداث والأفعال ، ولا المكان يؤطر أبعاد حركة الشخصيات بالرغم من وجوده كعنصر ثانوي بلا أوصاف ولا ملامح . والموضوعة الرئيسية للقصة تتنازعها شخصيات نسائية تبدو أحياناً وكأنها أشبه بامرأة واحدة تتحرك داخل غرفة المرايا ، وقد ساهم التباين في أسم الشخصية النسائية المحورية ما بين ( مريم ) في أكثر المواقع و( مريم هوبي . ص 23 ) و ( مريم يعقوب . ص / 47 ) في إحداث وتعميق حالة التماثل والخلط ، ويبدو أن الإنسياق وراء سحر السرد وتدفقه حال دون الفحص والتدقيق .
يتنقل السارد الذي يبحث عن علاقة يقتل بها وحدته ما بين تلك الشخصيات النسائية : الأرملة الجميلة ، مريم ، القوادة ، البغي الشابة ، وثمة إمرأة أخرى زادت النص التباساً على القاريء وعلى السارد معاً عندما خلطت عليه الحقيقة بالخيال فادعت له أنها تكبره بتسع سنوات ، ثم جعلت الرقم ثلاث وعشرين سنة ، وظلت تراوح صعوداً ونزولاً بين الرقمين ( ص / 60 ) وهي تكشف له أسرار الدور الدون الذي ألبس لها عنوة / دور القوادة . وكان بمقدور العلاقة ما بين الأثنين ان تفكك الكثير من أسرار وغوامض القصة خصوصاً في مرحلة ما بعد التقاء جسديهما ، فمنذ تلك اللحظة سيتحرر الجسدان من عذريتهما ، ومعهما ستتحرر الأسرار والغوامض من أغطيتها الثقيلة ، فإذا بهذه الإمرأة هي التي وشت بالسارد لدى الجهات الأمنية ، وكانت سبباً في اعتقاله لتضع بذلك حداً لعلاقته بالأرملة الجميلة . ولكن سرعان ما يتبين بأن كل الأسرار التي أماطت عنها هذه العلاقة اللثام هي بدورها أضغاث حلم عارض لا يشكل سوى جزء من هذيان السارد المتواصل . كل أولئك النسوة يدخلن تجارب السارد العاطفية متجردات من ميزاتهن الشخصية ، أو أن تلك الميزات تذوب وتنحل في الملامح المتشابهة بينهنّ ، بينما تخلط ذاكرة السارد جذاذات من أخبار علاقاته مع أولئك النسوة ببعضها ، أو تقاطعها مع تجربة السجن المستعادة ، وبذلك تتكرر التقاطعات على طريقة اللوازم الشعرية لتتحول القصة بكاملها إلى تهويمات منتزعة من ذاكرة لازمنية تعيش حلماً متواصلاُ ومستمراً ، تتداخل فيها الأحداث والشخصيات تداخلاً من العسير تفكيكه ، وتجعل من النص أشبه بالهذيان ( ونسيت هذياني وصخب الأسئلة . ص / 56 ) أو ( كنت أقول كلاماً لا معنى له أشبه بالهذيان . ص / 60 ) . أنها قصة ، أو نص مركب مثقل بالغيابات ، ويحتمل المزيد من القراءات والتأويلات ، بل وكانها اكثر من قصة واحدة جُمعت معاً من قبل سارد ذي ذاكرة مهشمة تقطع أواصر القصص وتفتحها على بعضها ، وتسمح لأبطالها ( أو بالحري بطلاتها ) بحرية الحركة ما بين المقاطع ، وهذا ما صعّب مهمة القاريء الذي عليه تفهم دوافع السارد من هذا التهشيم والخلط لاسيما أن حياته الخاصة لم تتعرض إلى إكراهات خارجية قاهرة هددت سلامة ذاكرته باستثناء فترة سجن قصيرة تعرض خلالها إلى تعذيب قاس ، لكنه لم يركز لاحقاً على تبعاته ، بل صار في مرحلة من مراحل ما بعد السجن مثار تندر ( وقد ترك عقب السيجارة ندبة فوق خصيتي اليسرى ، ولم نتوقف عن الضحك . ص 47 ) .
وليست الأحداث وحدها التي تشهد قطوعات وتقاطعات ، بل الحوارات الداخلية والخارجية ، والخطابات ( خطابات الأقوال وخطابات الأفعال ) ولعل البداية المربكة للعلاقة ما بين السارد والأرملة الجميلة قد شهدت أولى القطوعات النصية ، أعقبته إعادة ترتيب الأحداث بشكل غير منتظم زمنياً ، بل هو تقديم وتأخير في خطاب الأقوال ( أو في خطاب الأرملة الجميلة تحديداً ) يكشف أن خطاباً من نوع آخر كان قد تم إرجاؤه ، وهو من نوع خطابات الأفعال ، من أجل تقديم خطاب أفعال متأخر كانت فيه العلاقة ما بينها وبين جارها / السارد قد شهدت تطوراً .
إن هضم وتمثّل هذا النوع من الصياغات السردية يحتاج إلى يقظة دائمة من أجل ربط المقطوع من وحدات الزمن والخطابات والأفعال . فملفوظ إعتراف الأرملة الجميلة المتقدم ( والله العظيم أموت عليك . ص 19 ) هو تقديم لمشهد مقطوع من شريط العلاقة بينها وبين السارد ، بينما تم إرجاء المشهد الذي يتوافق زمنياً وسببياً مع هذا الملفوظ إلى ما بعده . وبذلك يكون مشهد الاعتراف مشهداً مقتطعاً من سياق الزمن المتقدم ، ومحصوراً ما بين خطابين من الزمن المتأخر : خطاب المرأة – وهو خطاب اعتذار ( أستاذ أنا آسفة حقاً ، لم يكن سلوكي البارحة متحضراً . ص / 18 ) ، وخطاب السارد – وهو خطاب مركب من إعتذار ومن تسويغ معاً ( ألحق أنا من عليه الاعتذار ، شعرت بالوحدة ، وأنني أحوج ما أكون إلى أسرة تشاركني عيد ميلادي . ص / 19 ) وتتحول لعبة بتر المشاهد وإعادة ترتيبها تقديماً وتأخيراً إلى لعبة بلاغية عالية الحساسية ، تنعكس فيها دلالة المتقدم على المتأخر ، فالمقبوس التالي يتضمن إسترجاع حدثين ، الأول يتقدم زمنياً على الآخر ، ولكنهما جُمعا معاً في نص واحد دون فواصل سياقية ، باستثناء علامة الفرز بما يوحي أن ثمة إضاءة دلالية يقدمها الحدث الأول للثاني ، بينما ساهم ظرف المكان – حيث – في بداية الجملة الثانية التي أعقبت الفارزة والذي عادة ما يتعلق – نحوياً – بما قبله ، ساهم في ربط الحدثين ببعضهما زمنياً وكأنّ أحدهما يكمل الآخر ( ولا بدّ أنها في اللحظات السابقة التي ضغطت فيها على فخذي قد تحسست ذلك الشيء العذري الذي غادر مكانه ، حيث انشغلت طوال ساعة الغروب بسقي الحديقة و – رشّ – الأشجار وتهيئة مكان العشاء . ص / 20 ) .
ومن الملاحظ إن السارد لا ينقل أحداث القصة من الواقع مباشرة ، بل هو ينقلها من ذاكرته لأنه حين يشرع بالسرد يكون كل شيء قد انتهى وانتقل من موقع الحدوث إلى موقع الإستعادة / الذاكرة ، بعد أن تكون الذاكرة قد تلقفته ، وخزنته ، ثم أعادت صياغته وفق ترتيب لا يخضع إلى منطقي السببية والزمن ، بل وفق منطق التداعي الحر للأفكار والصور حيث تصبح المشاهد السيالة والمتدفقة مظهراً من مظاهر ما سمي بتيار الوعي . وضمن هذه الآلية تقود ذاكرة السرد النشطة إلى مشاهد تتكرر فيها حالات البتر والتقديم والتأخير ، ثم جمع المتأخر بالمتقدم معاً متجاورين في نص يضيء فيه الأول الثاني ويُمهد له ، ثم يعمق دلالاته ، وهذا ما تمّ في استدعاء حدث لا يخلو من دلالات جنسية ، ولكن هذا الحدث / المتأخر لا يتقاطع هذه المرة مع حدث واحد مثل الحالة السابقة ، بل مع حدثين ، أحدهما يعود إلى بدايات أيام العلاقة بين السارد والأرملة الجميلة عندما اكتشف فيها حبها للنباتات والأزهار ( … وكنت قصدت مشتل – الأمانة – واقتنيت ست شتلات من القرنفل متباينة الألوان . ص / 25 ) وحدث يعود إلى أيام نضوج العلاقة بينهما ، بل إلى أيام بلوغ العلاقة أقصى مراحل تطورها العاطفي ، وهو حدث التحام ما بين جسدي العاشقين ( كان الذي في كفي يتململ ، يتفتح كزهرة القرنفل في صباح ربيعي مشمس . ص / 25 ) وتبدو واضحة اواصر العلاقة الدلالية المشتركة ما بين الحدثين والمنتزعة من منشأ نباتي ، لا علاقة مباشرة لها بالجسد البشري ولذائذه . وكان قد مهد للحدثين السابقين حدث من سياق آخر – سياق السجن – أختزلته بشكل مفاجيء وبدون تمهيد جملة ( حدثت نفسي في مراجعات السجن واستذكاراته . ص / 24 )  لا سيما أن أحداث هذا السياق لم يكن قد حان ورودها بعد في سياق الأحداث . وكانت تلك المرة الثانية التي ترد فيها مفردة السجن وروداً عابراً في تداعيات السارد ، فقد سبقتها المرة الأولى في الصفحة / 20 ، وسيتكرر التذكير بالسجن دون أن يتجاوز ذلك المفردة مجردة من سياقها
–     وفي السجن تساءلت عن اللذة التي غمرتني . ص / 26
–     وقد تساءلت في وقت من أوقات السجن الفائضة . ص / 27
–     ولذلك تساءلت أيام المراجعة في أوقات السجن الفائضة . ص / 28
–     واستعدت طرفاً من المشهد في السجن . ص / 33
–     واستذكرت تفاصيل المشهد في السجن . ص / 34
–     وتساءلت في السجن هل كانت الغرفة مظلمة ؟ . ص / 35
ويبدو أن كل نصوص السجن هي استعادات لمسيرة العلاقة ما بين العاشقين ، ونبش في خفاياها من وجهة نظر أحد طرفيها / السارد ، وليس في تلك النصوص أي استشراف لمستقبل العلاقة ، أو استقدام لأحداثها . وبعد مرور قرابة نصف القصة تتكشف تفاصيل مروية السجن ، وتتفكك المفردة الوحيدة – بعد أن دخلت ضمن سياقها المرجعي – عن تفاصيل الاعتقال يقترن ذلك مع عدم التخلي عن الاسلوب الاستفهامي الذي لازم مفردة ( السجن ) ( سيأتي يوم من أيام المراجعات في السجن أضحك فيه طويلاً ، فقد تساءلت مع نفسي بسخرية – لماذا لم أخبرهم أن وقت الزيارة لم يكن موفقاً . ص / 37 ) وفي كل الحالات ظل السجن هو المكان المناسب لاستعادة وفحص تجارب الماضي العاطفية غير المكتملة .
ولعالم النبات في القصة مدخلين :
المدخل الأول : فلسفي ميتافيزيقي يستعيد أفكار بعض الشعوب البدائية في ربط مصائر البشر بنبتات معينة ، وربما كان المصير الذي انتهى إليه السارد / الجنون في أعقاب موت زوجه ليلة دخلتها ( زوجتي ليلة دخلتها لا تستجيب لندائي . ص / 65 ) هو من تبعات هذه القراءة الماورائية لحياة نبتة غريبة ذبلت في حديقة بيت السارد ( ورأيت النبتة قد ذبلت ، تهدلت أوراقها ، وتساقطت الفراشات الصغيرة ، لكنها لم تمت بعد . ص / 65 ) .
ألمدخل الثاني : لغوي تُطوّع فيه النباتات لتتحول إلى رموز أو دوال إيرتيكية تحديداً ، وضمن هذا المدخل جاء الحوار ما بين السارد والارملة الجميلة مستكملاً الحوار السابق الذي يعود إلى بداية أيام العلاقة بينهما والذي يكتنفه قطع مفاجيء آخر يعود بعده مباشرة بالنص إلى أيام العلاقة في قمة تطورها الجنسي ، وفي الربط الأخير ما بين الحدثين لا يتذرع السارد – هذه المرة – بما بين مرحلتي تطور العلاقة من إيحاءات إيروتيكية يولدها عالم النبات والأزهار كما حدث في الربط الأول ( … ولذلك لا تدفن القبيلة موتاها إلا بعد أن تموت النبتة ، لأن روح صاحبها سيعود إليه طالما بقيت النبتة حية ) ولم أكن قادراً على استيعاب المشهد ، عيناي مغمضتان ، وأصابعي تنزلق في الظلمة تبحث عن النداء ، ألصراخ ينبعث من خلايا الجسد كلها . ص / 26 ) . ولعل ذريعة الربط الأول أعفت السارد في المرة الثانية من التكرار ، لأن ذهن القاريء صار مهيئاً لتقبل إعادة الحدثين بعد أن كان السارد قد روّضه على تقبّل هذا النوع من التقاطعات والانتقالات ، ولذلك ستتكرر لعبة الربط بعد ذلك ما بين الحدثين تقديماً وتأخيراً ، دونما حاجة إلى إيحاءات دلالية رابطة حتى يحدث الربط إيحائياً ما بين الحقلين الجنسي والنباتي في عبارة واحدة مكتملة الدلالة ( كيف لرجل يستحي من خفايا جسده ، ولا يعرف أسرار المرأة ، ولم يذق انتشاءها ، أن يستدلّ من دون دليل على زهرة القرنفل . ص / 27 ) وبذوبان الحقلين معاً يكون الطريق ممهداً لحقل النبات بالهيمنة على رموز وصور عالم الجنس ، وربما جاءت تلك الهيمنة في صيغة صور ورموز تستمد من عالم النبات الشكل / الظاهر ، وتستمد من عالم الجنس الدلالة والإيحاء / الباطن .
– هي انتشاءات رجل لم يعرف معنى الانتشاء إلا في رحلته الغريزية بين الزهرتين وموطن الأنين . ص / 29 .
– كانت يدي اليمنى تتلمس طريقها بحذر إلى زهرتي القرنفل . ص / 35 .
– تمزقت تحت أصابعي زهرات القرنفل . ص / 35
– كانت بيني وبين زهرتي القرنفل قطعة ملابس قطنية سميكة ز ص / 48
– وفمي ما زال يطبق على زهرة القرنفل . ص / 50 .
– والتحمت أجسامنا وشفاهنا وأزهار القرنفل . ص / 52
– وتفتحت زهرتا القرنفل قبل أن ألامسهما . ص / 54
– واشرأبت الأزهار وتيجان القرنفل والأسرار المختبئة . ص / 55 .
– تفتحت مباهج القرنفل . ص / 60 .
وتكون الصدمة مركبة في تقاطع مفاجيء لحدثين نقيضين لا يلتقيان أبداً ، الأول هو قمة في التواصل الإنساني ما بين جسدين عاريين في حالة تواصل عاطفي / السارد والارملة الجميلة ، والحدث الثاني الذي يقطع على الجسدين اتصالهما العاطفي هو طرق مفاجيء على الباب لعناصر الأمن جاءوا لاعتقال السارد . وبلغة مثقلة بالدلالات الموحية والرموز الحية يحدث الانتقال والتقاطع ما بين الحدثين مستمداً من الأول أكبر قدر من دلالات الغياب ، ومستمداً من الثاني أكبر قدر من دلالات الحضور حتى ليبدو النص أقرب إلى قصيدة شعرية في قمة توهجها الروحي منه إلى لحظة سقوط بين براثن القوات الامنية ( … والتحم الأنين بالأنين ووجع السنين وصراخ الأجساد في لحظة عناق مجنون ، كانت يداها ، كانت يداي ، كنا نجوس في ظلمة العينين المغمضتين بحثاً عن مزيد من اللذات المغروسة في كل خلية ، ولم يتحمل الكائن العذري أكثر مما احتمل ، توجه إلى حيث تنتهي الرحلة ، وضع خطواته الأولى في بلاد العجائب ضيفاً طال انتظاره ، وكان الطرق مفزعاً أن ثمة من يحطم باب بيتي . ص / 35 ) . ومثلما كان اتجاه القطع ثم الربط  يمضي من اللين إلى القسوة في حدثين نقيضين ، يعود السرد مرة أخرى إلى الإتجاه المعاكس مغادراً أجواء السجن / القسوة باتجاه التواصل العاطفي / اللين مع جلسة تُبتر فيها بشكل مفاجيء مروية السجن لتضعنا ما بين العاشقين وهما يحتسيان القهوة في غرفة الضيوف في بيت الأرملة الجميلة ( ص / 37 ) . وقد تكررت تعاقبياً مروية الحب / اللين ، ومروية السجن / القسوة مثل سلسلة من خمس حلقات لين ، وخمس حلقات قسوة حتى انتهت بمروية مزدوجة تجمع ملامح وعلامات المرويتين ‘ وهذا ما يفصح عنه طلب السارد من والده – الذي جاء لزيارته في السجن – تزويجه الأرملة الجميلة ( ص م 41 ) .
ويحق لنا في الختام أن نسأل : أية حرية إحتفل السارد بليلتها ؟ هل هي الحرية من السجن ؟  ليس هناك ما يرجح هذا الاحتمال ، فبالرغم من قسوة فترة السجن إلا أنها لم تأخذ من السرد سوى مساحة قليلة ، ولم تكن ظلالها ثقيلة على حياة السارد أو ذاكرته ، وإن عبأها لم يُحمل إلى النهاية . ولعل حالة الهذيان التي تغلف القصة بكاملها هي المرشحة للإجابة على السؤال وذلك بتقديم معنى آخر للحرية ، معنى تدعمه الرغبات الدفينة في النص الموازي / الإهداء ، وتؤكده النهاية التي قادها السارد باتجاه منطقة محاذية للجنون ، إذ ربما تكون الحرية مرادفة للجنون من حيث أن كليهما يوفران نافذة  لخلاص الروح وتحررها من الألم ، ومن ضغوطات عالم الخارج الذي يكبت ويسحق عالم الداخل ، والاستقلال بالذات المعذبة عارية حتى من آخر ورقة توت . وربما كانت حالات البتر والربط المفاجئة والمرتبطة بتعالقات نصية متباعدة عن بعضها سياقياً ليست سوى مظهر من مظاهر الاعتلال النفسي للسارد الذي ترقى مونولوجات ذاته المفصومة إلى مستوى الهذيان .

شاهد أيضاً

الكُتل التجريديّة في ديوان الشاعرة التونسيّة “هندة السميراني” (أنّاتُ ذاتٍ في يمّ الشتات)
بقلم: كريم عبدالله – 22/11/2020 – العراق .

ما هي القصيدة السرديّة التعبيريّة , ماذا نعني بالسرد , وماذا نعني بالتعبيريّة , ولماذا …

مهند الخيكاني: بين الرواية والفيلم: تحولات الخفّة وهروب الكائن الثقيل

يصدق القول على مثل هذا الفيلم ، والمقصود هنا فيلم “كائن لا تحتمل خفته ” …

النسق المهجري والشعور بالغربة في رواية رياح القدر للكاتب مولود بن زادي
بقلم: الناقد أبو يونس معروفي عمر الطيب

لاشك أنّ قارئ رواية (رياح القدر) للكاتب الجزائري البريطاني مولود بن زادي سيلامس من خلال …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *