وتبقى الكلمة (11)
شعر: د. زكي الجابر
إعداد وتعليق: د. حياة جاسم محمد (ملف/26)

Zeki aljaberإشارة :
يهم أسرة موقع الناقد العراقي أن تقدّم هذا الملف عن الشاعر المبدع والإعلامي الكبير الدكتور زكي الجابر بمناسبة الذكرى الثالثة لرحيله حيث غادر عالمنا في الغربة يوم 29/كانون الثاني/2201 . وتهيب أسرة الموقع بجميع الأحبة الكتّاب والقرّاء المساهمة في هذا الملف بما يملكونه من مقالات أو دراسات ووثائق وصور ومعلومات وذكريات عن الراحل . وسيكون الملف – على عادة الموقع – مفتوحاً من الناحية الزمنيّة .هذه المادة المهمة التي تكشف ثراء ثقافة الراحل وتعمّقه في حقل مضاف هو المسرح وصلت من الناقدة الدكتورة حياة جاسم محمد فشكرا لها .

النصوص :

عراقيات
هل فقدناك أيها الوطن؟*
هل فقدناك أيّها الوطن؟
هل فقدناك حين فقدنا أنفسنا
وتحوّل الخوف إلى شبحٍ يترصّد الخطى
ويتنفس الأنفاس في مدارج المطارات
وشبابيك تذاكر السفر
ومنعطفات شوارع الليل؟
كيف صارت كل الطرقات إليك موصدة
بفوّهات المدافع
وأصداء الطلقات
والتماعات خناجر اللصوص
ونظرات التربّص
نصف مغمضة، نصف منفتحة؟
أرأيتَ أيها الوطن؟
لم يبقَ لدينا غير بعض الحنين الخفيض
وبعض الحلم المرتعش
أن نبكي قبور أمهاتنا، ونبكيها
أن نلتفّ بمياه أنهرك الراكدة
مع الأشنات والسلاحف الهالكة
أن نقف على الطلل بعد الطلل
– وفي أعراقنا قشعريرة الذكريات –
ها هي تلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد
وهل مرّت بك الإبل –
يا حادي العيس؟
لكلّ طريق نهاية
والطريق إليك أيها الوطن
ليس إلى منتهى!
– – –
أحلم أنّ الموتى
سينفضون التراب والحجر
ويشقّون مقابرهم الجماعية
ويبنون فوق الأطلال بيوتاً
وسيذهب أطفالهم إلى المدارس
تتصادى ضحكاتهم
على جنبات الدروب
وسينشدون في الساحات:
’’موطني، موطني
الجلال والجمالُ
والسناء والبهاءُ
في رباك
هل أراك – هل أراك؟‘‘
أحلم أيّها الوطن
أنك لن تفقدنا
ولن نفقدك
وأنّنا سنراك
سالماً منعّماً
وغانماً مكرّماً
موطني، موطني

* نُشرت في صحيفة Chaldean Detroit Times، ديترويت، الولايات المتحدة، في 15-1-2014، قبل الذكرى الثانية لرحيل الشاعر بأيامٍ معدودات.

البيان الشعري 2000*
الشعراء يكتبون قصائدهم
فوق الشيكات
وحواشي العملات الصعبة
على فاتورات ’’الشيراتون‘‘
وقمصان النوم
والحمّالات
– – –
الشعراء يكتبون قصائدهم
على خشبات الإعدام
وحيطان الزنزانات
وشواهد القبور
وترسانات الإسمنت
– – –
الشعراء يكتبون قصائدهم
على موائد ’’البارات‘‘
وبطاقات ’’البوكر‘‘
وأوراق ’’التواليت‘‘
وبوابات المباول!
يكتبونها
على لفافات الحشيش
ومجلات الجنس
وجرائد الفضائح
وجوائز تجّار المواد المهربة
مثلما يكتبونها
على شاشات ’’الكمبيوتر‘‘
وصحون الهواء
– – –
يكتبونها على سراويل ’’الجينز‘‘
على قبعات السحر
وظهور فِيَلَة ’’السركس‘‘
وأقنعة المهرجين!
– – –
الشعراء يكتبون قصائدهم
على أقواس ’’النصر‘‘
وتماثيل الأبطال المهزومين
على أحذية الشرطة
وتقارير الأجهزة السرية
وأوامر إلقاء القبض
وتعليمات …’’حذفه الرقيب‘‘
مثلما يكتبونها
على خرائط العسكر
ولوائح أحكام الإعدام
(مقطع حذفه الرقيب)
على باقات الورد
والظروف المنتفخة بالورق الأخضر
وقاعدة الجنديّ المجهول
– – –
أيها الشعراء المرتزقة
والنصابون
ومن يقولون ما لا يفعلون
كونوا حيث يريدونكم أن تكونوا
أيها الشعراء الشعراء
والمناضلون
ومن يمسكون الشعر
كما يمسكون جمرة العشق
كونوا حيث تريدون أن تكونوا!

* نُشرت في صحيفة الزمان في 4-5-2000

حينَ تنطلقُ الهلاهل*
’’ ﮔلـﮕامش، آهٍ، آهِ يا ﮔلـﮕامش*
وأنتَ في إغفائك
سَرقتْ الأفعى عشبة الخلود
من تحت وسادتكَ!
وفي هذا الدخان الملتفّ بالدخان
لا تكاد تنهض حتى تتهاوى
وقد أثقلت كاهلك
جرائم القتلة واللصوص
ومهرّبي آثار ’’أور‘‘
تقطّعت أوتارُ ’’القيثارة الذهبية‘‘
وتلعثمَ الدعاءُ عند عَتَبات ’’الزقورة‘‘
والنسوة ينحبن:
’’ ﮔلـﮕامشُ، آهٍ، آهِ يا ﮔلـﮕامش!‘‘
***
حين تلتقي اليشاميغُ اليشاميغ
حين تنطلقُ الهلاهل
حين يطِلُّ الهلال مضيئاً على مئذنة جامع ’’الحيدرخانة‘‘
حين تصدح أجراسُ كنيسة ’’البتّاويين‘‘
حين تتعالى الهتافات في شارع الرشيد:
’’يا يعيش .. يا يعيش!‘‘
حين تلتف الراياتُ بالرايات،
تأتيك الأفعى
ذليلةً طائعة
لتضع عشبة الخلود بين يديك!
أيها العراق الخالد
سلطان ’’الشط‘‘ و ’’الزاب‘‘ و ’’النهرين‘‘
المتعالي على صهوة ’’حمرين‘‘
أيها المواطن الجميل
آنذاك سأتحدّث إليك
عن نساء البصرة الجميلات!

* نُشرت في مجلّة القيثارة، ديترويت، الولايات المتحدة، العدد 6، 2011

بالأمس كانوا هنا!
’’ ﮔلـﮕامش‘‘ يفتح باراً في بغداد
والمتنبي
يقايض بالشعر
أحذية المطاط!
وزرياب يغني
في ملهى الفارابي!
ورياحك ضاعت
في سوق الصفّارين!
– – –
أبناء المنفى وقفوا مصلوبين
في هولندا
في كولون، في الكاريبي
في تكساس
وبين الورد وأنغام العود الموصلّي
تنساب مناحات أبوذية
وأخبارٌ عمّن ماتوا
في الغرّاف
والحلّة والنجف
ومقام ’’الـﮕبنجي‘‘ يتكسر:
’’يا حادي العيس عرّج كي أودّعهم
يا حادي العيس في ترحالك الأجل
بالأمس كانوا هنا واليوم قد رحلوا!
صِحِتْ
مظلوم
محروم
خايب يَـﮕلبي‘‘

الجواهريّ*
نثر الربيع زهوره ونَداه فوق ثراك الدمشقي
ولم تستيقظ
وأمطرت السماء ليالي الشتاء ونهاراته
ولم تستيقظ
ولوّحت شمس الصيف غطاءك الحجري
ولم تستيقظ
وتساقطت أوراق الخريف
ولم تستيقظ
إذَنْ غلبك الصمت أيها الشاعر
فمن يغني الفرات ودجلة والنساء الجميلات
ومن يحرّض الجياع على الثورة
ومن يتناقل الخطى المتعبة
في الديار الغريبة
ومن يصعد الجبل كالجبل في كردستان؟
***
أتعلمُ – أنت أيّها الشاعر – أم لا تعلم؟
لقد سقط ’’جعفر‘‘ صريعاً
برصاص الانضباط العسكري
قريباً من نَصْب الحرّيّة
وأن جِراح الضحايا فمُ
ينتظر القصيدة!

* نُشرت في صحيفة التلغراف، أستراليا، 2-9-2002

 (1)
    قالت الشوكة
قالت الشوكة للوردة:
’’لو كنتِ تخزين مثلي
لما حامت حولك الفراشات
ولا امتدّت إليكِ أيدي القاطفين!‘‘
   (2)
    جزاء
أيها الوطن
لماذا تخونني
وأنا لم أخنكَ!
 (3)
    سقوط
سقط المنصور بالله
وبقي الله!
 (4)
    الضوء
سجن القمر في غرفته
وأسدل الستائر
ولكنّ الضوء تسرّب من شق الباب!
 (5)
    صبر
أبقى أيوب في كأس الصبر
ثمالة لصديقه العراقي
(6)
    عطش
أمطرت السماء سبع ليالٍ
وسبعة أيام
ارتوت الأرض
وضحك الشجر!
وظلّ الطاغية
عطشاً إلى الدماء!
(7)
    الجحيم
لم يكمل ’’دانتي‘‘ رحلته
هبط في بغداد
قال: ’’هذا هو الجحيم!‘‘
(8)
    الزنزانة
فرّ من زنزانة الوطن
فوجد العالم زنزانة أضيق!
 (9)
    القمر
حسناً فعلت، أيها الإله العظيم
لم تضع القمر على الأرض
وإلا سرقه لصوص بغداد!
(10)
    قبّعة
القبّعة التي كانت على رأس الرئيس
حملتها الريح وألقتها
على رأس متشرّدٍ في منعطف الشارع
فأصبح رئيساً!

قصائد للحبّ

 صلاة عند الينبوع
والتقينا ذات مرة!
همسة دافئة سكرى، ونظرة
وأحاديث يدين
ودموعاً ضحكت في المقلتين
كنتِ ينبوعاً من الضوء تفجّرْ
وأنا في باحة الينبوع أسكرْ!
كنتِ لي يا حلوة الدفء صديقة
وصلاة عذبة في قلب شاعر
شاردٍ في سكرة الحلم الطليقة
ويرى في همسكِ الحلو الحقيقة
– – –
وعشقنا حبنا عاماً فعاما
اللقاءات لها معنى ومعنى
خطوكِ الساحر، واللفتة، والآه المغنّى
كل ما فيك من السحر قصيدة
آه يا طفلة أشواقي وآمالي البعيدة
وخيالاتي الفريدة
كل عامٍ أنتِ في مهدٍ من الفتنة والورد سعيدة
وستبقين سعيدة!
– – –
وسرقنا قبلة في ذات مرة
ولأهواك على خديك حمرة
والتقينا ألف مرة
أنتِ لي يا حلوة الدفء، رفيقة
بغداد 1966
على ضفاف ’’ﮔول ﮔول‘‘*
ووجهكِ كان البحيرة
وسرّاً وراء البحيرة
وكان غنائي إليك
حنيناً إليكِ
إلى لمسةٍ من يديكِ
إلى قبلةٍ تائهة
وكنتِ خيالاً تراقص فوق البحيرة
وحبّاً ودفءا
وهمساً وضوءا
وكنتِ ترشين ضوء النجومْ
على الضفة الحالمة
بنشوة طفلٍ أضاع الطريقْ
ليسمع في ليلةٍ غائمة
خطى أمّه
فينثال في روحه الهائمة
ربيع الحياةِ ودفقُ المطر
– – –
ويا روحيَ الهائمة
لديكِ الينابيعُ من كلّ لون
وهذي بحيرتكِ الهادئة
متى يرتوي ظمأ العاشقينْ
ويسكر في القلب حتى التعب؟
حبيبتي الحلوة الدافئة
حنيني إليك
إلى لمسةٍ من يديكِ
إلى قبلةٍ تائهة
– – –
ونقرأ في السرّ سرّ البحيرة

     أذربيجان
            1971
* ’’ﮔول ﮔول‘‘ بحيرة في أذربيجان

 وُلدتْ في أكتوبر
في أكتوبرْ
تولد القصائد بلا كلماتْ
الشجرة الماثلة عند عمود الضوء
في زاوية الشارع
تُسقِط ورقتها الأخيرة
تعبث بها الريح فوق الإسفلتِ
لا تستقرّ على حالٍ من القلقِ
قصيدةً بلا كلمات!
وها هي تحملُ كتبها الجامعية
برفقٍ أرقَّ من الرفقِ
تنقلُ خطاها
تخشى أن تمسّ اللونَ المرهف
ينام على خدّ الأرضِ
قصيدةً من غير كلمات!
نهرُ ’’جوردان‘‘* يخطّ على الصخر
كلماته من غير كلمات!
تتكسر الأضواء على أضواء الماء
فتتمرّد على شفتيها الكلمات
من غير كلمات!
وُلدتْ في أكتوبر
وفي أكتوبر
تولد القصائد بلا كلمات!

كوربس كريستي
                1-10-2003
* ’’جوردان‘‘ نهرٌ صغير في البلدة الجامعية ’’بلومنغتن‘‘ بولاية إنديانا، الولايات المتحدة

 هي سبعٌ
هي سبع
أم هي سبعون
تساوت لديكِ السنون
هي الذاكرة
جمرة تنطفي
رويداً
كما العشب تذبله الهاجرة!
– – –
هي الضحكة الباكية
هي الدمعة الهانية
هي القفز فوق موج البحارْ
هي الصورة تأبى أسار الإطارْ
آهِ، ما أروع الانتظارْ!
ولكننا كلّما ولجنا المحطة
فرّ عنها القطار!
– – –
وكم مرةً أعدنا قراءة هذا الكتاب
وذاك الكتاب
سطوراً سطوراً
وما بين سطرٍ وسطر
ولم ندرِ أنا نعيد قراءة ذات الكتاب
– – –
ويا طالما قطعنا الدروب
درباً فدربا
ولم ندرِ أنّ كل الدروب
’’زقاق المدَق‘‘!
– – –
وأنى اتجهنا رأينا الجبل
ومن حوله صحارى
تغيبُ وراء حدود البصرْ
هو الجبل الصخرُ
والسهلُ والمنحدَرْ
والريح والرمل
والواحة النائية
هو الصخبُ الصمتُ
والعزلة النافرة
هو أنت أيتها الساحرة
– – –
أرأيتِ الساحر
يقلّب تلك الصَفَحاتْ
هي بيضاء حيناً
وسوداء حيناً
وحمراء حيناً
ويخلع عن رأسه القبّعة
ليولد طفل يرفّ عليه جناح السلامْ
يقول: ’’سلاماً
على الأرض والناس ظلّ السلام‘‘
ويا ليت الساحر يخدعنا
ليقول لنا:
’’إن السبعين هي سبعٌ
وهي سبع مئات
وإن العمر هو الآتي
وما مرّ بنا صفحاتٌ
قرأناها، وطويناها في ذاكرة الأيام!‘‘
 كوربس كريستي
                3-10-2006

    في لحظةٍ هادئة
في لحظةٍ هادئةٍ من زمنٍ مضى
توقفت الأرض عن دورتها
خلعت قشرتها
تنزّت
وتعرّت كما تعرّت من قبل
لحواء وآدم
وطفقت تكسو جسدها
بالزهر البري
حين رأتها السماء
تخلّت عن وجهها المتغضّن
وطوّقت كتفيها بألوان قوس قزح
وفي ابتسامة خجلى
تسرّبت من شفتين ناعمتين
همسة ’’نَعَمْ‘‘
وانهمرت القبلات!
– – –
وكلما شقّت دمعة الأسى
أُخدودها على وجنة الأرض
ووضعت السماء على وجهها
قناع الغيمة الكاذبة
رفّت على أجنحة الذكريات
تلك اللحظة الهادئة من زمنٍ مضى
وهمسة ’’نَعَمْ‘‘
وأصداء من تلك القبلات
 كوربس كريستي
            كانون الأول 2007

شاهد أيضاً

قراءة الروائي المصري الراحل “فؤاد قنديل” لرواية “الحياة لحظة” لسلام إبراهيم (ملف/147)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

محمود الورداني: الرقـص عــلي أنغــام الميلـودرامــــا (ملف/146)

إشارة: مثل قلّة لامعة من الروائيين العالميين كإرنست همنغواي وإريك ريمارك وغيرهما خطّ الروائي العراقي …

(خارج نطاق الانتماء)
قراءة سريعة في رواية (سيدي قنصل بابل) للروائي العراقي المقيم في المغرب (نبيل نوري)
عبد السادة البصري (ملف/5)

كم هو صعبٌ ، وثقيل الوطء على روحك ، حين تشعر أنكَ غريبٌ اينما حللت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *