خضر عواد الخزاعي : موت في ساعة متأخرة

khudr alkhozaeiتلقفتني ظلمة الزقاق، ينغمر جسدي بالهواء الحار،  كأن  سياطاً من حريق تلهب وجهي،  الأرض تحت قدمي  تتشقق عن براكين من نار، تتلضى الحرائق  تتسلق ساقيّ  تتسرب الى دمي.
ظلام  كثيف يغشى عينيَّ فلا أكاد أبصر الطريق، حرائق تندلع بين قدميَّ، ظلام على الجدران.
أين ولى القمر في هذه الساعة كيف نضب الهواء؟
في اللحظة التي غادرت بها الدار، سقطت فريسة هذه العتمة الساخنة التي  تنبعث من هوتها أبخرة ملتهبة.
قبل ساعات  أطلَّ الليل برؤوسه السود الكبيرة، وعيونه الحُمْرُ الجاحظة،  وفمه الكبير يبتلع الأزقة والناس والبيوت المتهالكة.
تلاشت الجدران، اضمحلت بين طيات الغبار الأسود، تحولت الى ضباب هلامي. صارت تسبح في فضاء داكن حالك السواد، اختفى الطريق وتبخر الناس، العالم من حولي في سكون عميق.
من تراه ابتكر هذه الهندسة اللعينة، في بناء السطوح بهذه الشناشيل الخشبية المقيتة، التي تغيّب شعاع الشمس نهاراً،  وضياء القمر ليلاً،  تلك الكرة المشعة التي انزوت خلف الجدران والسطوح  هرباً من العتمة المتحجرة.
مازلت بأول الطريق، بدأ الأعياء يقلقني، يثقلُ  خطواتي.
آه ياأمي، آه ياأبي ماذا كان يضيركم، لو تفضلتم عليّ بسنتين من صبركم، حتى أكمل دراستي في  معهد المعلمات، سنتان فقط وأصبح معلمة، مالذي كنت سأضيفه إلى تعاستكم، نفس الشقاء ونفس الكد ياأبي، لم أكن لأكلفكم من شيء، سأكتفي بأثواب المدرسة وسأذهب وأعود الى المعهد ماشية.
أبوس أيدچ ماما لاتكسرين بخاطري.
لكنّها بكت.
نظرت صوب والدي الذي كان يعطي وجهه للجدار، وبين أصابعة احترقت ربما السيجارة العاشرة.
هكذا هو على الدوام، يُدمن الصمت والسجائر، لم نكن أنا وأخواتي نتجرأ أن  نكلمه أو حتى نقترب منه، أمي وحدها فقط تستطيع فعل ذلك، نظرتُ إلى أبي وبكيت، يأست، فأبي أبعد ما يكون أن يُلبي رجاءاً مثل هذا، لقد هدًته السنين، لم يعد كما كان، تلاشت الأبوة من ملامحه، وغادرت الإبتسامة شفتيه منذ اعتقال أخي كامل قبل الحرب بسنة، منذ ذلك اليوم أكفهرَّ وجهه، ولم تفارق السيجارة شفتيه أبداً.
حبات العرق، فوق جبهتي خلف أذني، تحوّلت إلى سيول صغيرة تنساب فوق عيني، تنحدر على شفتيّ، تسبح حول عنقي، تنساح على جلدي، أشعر بها باردة بين صدري، تهرول نازلة أسفل ظهري، تحولت العباءة إلى تنور أخذ يسجر عظامي، يحوّلني إلى سمكة شواء، أتحسّس الطريق بيديّ وهما تتجولان فوق الجدران المتاكلة، وأخشى ما أخشى هذا العواء البعيد.
أمسك المفتاح الصدأ بيدي، مفتاح الحظ، مفتاح النجاة، وأتركه يغفو بجيبي آمناً من وحشة الطريق، يكاد يلتصق بيدي خوفاً.
لاتخف ستعود سالماً، سأحرص عليك كما أحرص على روحي، فأنت لست كباقي المفاتيح القديمة، التي امتلكتها ذات يوم بلا فائدة.
مفتاح غرفة العرس، مفتاح خزانة الملابس، مفتاح صندوق أمي، كلها جربتها ولم أخرج منها بشيء يُذكر، كانت تفتح على كراكيب بالية،  أواني وصحون قديمة، عفش متهريء، ولم تكن تشبع من جوع، لأننا كل ليلة أنا وأخواتي الثلاث وأخي كامل، كنا ننام ونحن نلوك الحسرة، ونمضغ سراب الروائح المتسربة من شقوق الجدران والشوارع.
أمي المتعبة تلوّح فوق رؤوسنا، بالمهفّة، تعتصر جوعنا سلسبيلاً من الخرافة والأساطير الغابرة، عن جنيَّات الليل المحلقات بالدروب، يبحثن  عن الأشقياء والمساكين من تعساء الحظ، يحملّنهم  بأجنحة من ضياء إلى ملكوت الرب، حيث لا جوع ولا عطش، وتترقرق كلماتها كأنها فيض نبع بارد.
ألله كريم، راح تكبرون وكل وحده يجيها نصيب، يارب يكون أحسن من هذا الحال، وتتزوّجون وكل وحده يصير عدها  بيت وأطفال، ورجّال شهم مثل أبوكم أبد مايفرط بيكم  وتصير الدنيا غير دنيا.
وتختم تلك الأمنيات المستحيلة بدعائها المحبب كل يوم:
يارب يامقسم الأرزاق إرزقنا بالستر، وارزق بناتي بأولاد الحلال يارب.
ونغفوا على ترانيم ذاك الدعاء، وعلى ما يصلنا من نفحات المهفة الصغيرة، نحلم بالجنيّات البيض بأجنحة من غيوم،  يحملنَّ عُلب الحلوى وأكياس مليئة بالثياب المزركشة وأساور من ذهب، وشرائط من حرير، نغفوا تعلو شفاهنا ابتسامة فرح يذوب مع أطلالة شمس الصباح. ليحل محله الوجوم والصمت.
في فسحة ضيقة بين زقاقين، أطل القمر شاحبا رمادياً تتخلل صفحته أشكال غائمة دكناء، أضاء جزءاً من الطريق المتعرج الذي توسطته البرك الآسنة  تفوح منها رائحة المجاري النتنة، تتصاعد بالبخار الثقيل الحاد الرائحة، ومع كل خطوة أخطوها كان الجو يزداد سخونة، وكأن الجدران تحوَّلت إلى أسياخ ملتهبة.
الهواء الذي ابتلعته العتمة، الظلام الذي ضاع في متاهات الحر، القيظ الذي يخنق أنفاسي، كأن قوى الطبيعة تحولت إلى براكين حاقدة، تنفث النار على الوجوه، حول  الطريق.
ولأول مرة رأيت ظلي الذي فارقني منذ غادرت البيت، كتلة سوداء هشة قصيرة، تغلفها عباءة سوداء، ظل منكسر على أرض ملئتها الحفر والسواقي العفنة، ومرة أخرى ترافقني  أمي.
كانت تضبط العباءة فوق رأسي، وتعلمني كيف أمسك طرفيها حين كانت تصطحبني معها لزيارة الأولياء والصالحين، لتدعو أللّه أن يٌرجع أخي كامل سالماً وأن يرزقنا أولاد الحلال.
بنتي ما وصيچ بعد لا تتركين العباية، ألزميها زين، سمعت؟
وأسير إلى جوارها، أتعثر بخطواتي الصغيرة.
سّمّي باسم الله، بنتي وأنت ما تتعثرين.
وأٌسمّي عشرات المرات وأتعثر وأنا أختلس النظرات إلى أمي وهي تراقبني بحرص، وأعود فأنظر إلى يديّ،  وهما تمسكان العباءة بشدة.
فلم أكن تعودت لبسها بعد، كنت حينها طالبة بالمرحلة المتوسطة، وكنت حين أذهب للمدرسة أرتدي ثوب المدرسة الأزرق الطويل، وأغطي رأسي بملاءة سوداء، لكن حين أكون بصحبة أمي، أنا أو أي واحدة من أخواتي اللواتي يكبرنني بأعوام،  تحتم علينا ارتداء العبائة.
ترى ماذا كانت ستقول لو أنها صادفتني الآن، في هذه الدروب المعتمة.  ستموت أعرفها جيداً، ستشهق بحرقة وتضرب صدرها، وتسقط مغشياً عليها لتموت.
لم تصمد حكمتها، ولا كل  دروسها ولا نصائحها،  أمام هذا السيل الجارف من المحن المتلاحقة، سقطنا جميعاً الواحد تلو الآخر، كأن لعنة كانت تشد بعضنا إلى بعض.
كان أول القرابين التي كان علينا أن نقدمها، لتلك القوة الغاشمة، التي لم نكن قد تعرفنا إلى ملامحها بعد، هو أخي كامل، بسنواته التي ما أكملت العشرين، والذي كان يصغر أختي الكبيرة رابحة بسنتين، ترك المدرسة قبل أن يتم الإعدادية، والتحق يعمل كاتبا عند أحد تجار المدينة، كان وديعاً هادئاً أقرب ما يكون إلى أبي، بسلوكه وشكل ملامحه، ببشرته البيضاء وعينيه الخضراوتين، وشعره الناعم المسرح للوراء، لا أذكر أني سمعت أمي أو والدي صاح به يوما، أو نهره، ولم أراه في أي يوم يطلب من والديّ شيئاً يصعب تحقيقه.
بعد شهور من عمله  أخذ يتغيّر، صار أكثر عزلة، وأخذ يحمل معه بعض الكتب حين رجوعه للبيت ليقرأها، كانت كتباً سميكة، تحمل فوق الغلاف صوراً لرجالٍ ينظرون بنظرات حادة جسورة، ثم أخذ يتردد على الجامع القريب من البيت، ثم فاجأنا بأن أطلق لحيته الشهباء الجميلة، بعدها صار يتأخر بالعودة الى البيت، تكلم معه أبي وهو يلاحظ بعينين مجربتين الخطر، الذي أصبح قريبا من كامل.
أبني كلنا نؤمن باالله والرسول والقران، وكلنا نعبد الله ونصلي، لكن ما نمشي بطريق الخطر، وأنت وليدي هذا الطريق الماشي بيه، طريق تهلكة وعيون السلطة ما مغمضة، تشوف وتراقب، وإذا غضبت  أبد ما ترحم.
لكن صوت أبي الذي كان يرعش الجميع هذه المرة لم يرهبه.
آني ما أسوي شيء غلط، أروح للجامع مثل كل  الناس، وإذا على اللحية  فهذا شيء يخصني، وما أشوف بيها أي خطر.
لكن الخطر كان قريباً ولم نشعر به، ربما أبي وحده كان يعرف ذلك، حيث كانت العين الخفية تراقب خطوات كامل، وتسير خلفه، وتسجل كل ما كان يفعل.
وحين عجز أبي عن ردعه، أو هكذا بدى، تطوعت أمي لهذه المهمة الصعبة.
أمسكت به ذات مساء وهو يهمّ بالخروج:
ما راح تبطّل هاي المشاوير، وين رايح؟
سكت، لم يجبها، نكس رأسه.
شوف أبوك شوفني آني، أخواتك، شنو مصيرنا لو صار عليك شيء، شنو ذنبنا كامل، بطّل من هذا الطريق الخطر، تريد تموّتنا، مالنا حق عليك إبني.
لم يقل  حرفاً واحداً ومضى خارجا.
ليلتها ظلت أمي تبكي طويلاً، وكان أبي يسمعها، نظر إليها، ودخان السيجارة يغطي عينيه، ولم يعلق، وظلت أمي تصلي حتى الفجر، وتتوسل إلى  الله أن يحرسه، ويبعد عنه الشر وعيون السؤ، لكن دون جدوى، لم تمضي سوى أيام قليلة، حتى صار بقبضتهم، أخذوه ولم نعد نراه.
كعادته ذهب إلى عمله، لكنّه تأخر كثيراً، عن موعد رجوعه إلى البيت. وحين ذهب والدي يسأل عنه،  قال له التاجر الذي كان  يعمل عنده، أن  رجال الأمن جائوا بعد الظهر، وأصطحبوه معهم، دون أن يقولوا إلى أين ولماذا.
ولم يعد، ربما ابتلعته ظلمة أخرى مثل هذه، وسراديب ضيقة مثل هذه الأزقة المعتمة، مرضت أمي، ظلت تجلس عند عتبة الباب ساعات طويلة، تنتظر رجوعه، كانت تذهب خلسة دون علم أبي، تسأل عنه أصدقاءه، مراكز الشرطة القريبة، لكنّها لم تعرف طريقه.
زقاق وآخر، وانعطافة وأخرى، والعرق يغسلني، يسبح فوق جلدي، وصار  رأسي قدر زيت يغلي.
الله يسامحك صالحة، ألم تختاري غير هذه الليلة القائضة.
كانت تلحّ عليّ طوال الأيام الماضية، بعد أن تأخرت كعادتي في دفع إيجار الغرفة، التي أسكنها في بيتها، بعد أن أفلست تماماً وفضلّ زوجي حامد البقاء بالمستشفى ليتم علاجه هناك، حتى  يخفف عنّا، أنا وأولاده الثلاثة بعضاً من الشقاء.
لمَّحت لي، حين كانت تمرّ بقربي بصحن الدار، وأنا  ساهية أقلب أوضاعي بلا نتيجة.
هزت كتفي، وجلست إلى جواري، كانت تدخن  سيجارة،  وقدمت لي أخرى، وحين رفضت ضحكت :
لاتخافين ما راح تموتين.
وضحكت من جديد، وبان اصفرار أسنانها الصغيرة المتراصة.
هاي أرحم من هم الدنيا.
تناولتها من بين يديها، بعد أن أشعلتها بجمرة سيجارتها.
أين أنت ياأمي؟
دخِّني على كيفك، مثل طفل صغير يتعلم المشي أول مرة.
وبعد قليل سألت :
ها وصلتِ لنتيجة.
وحين أهز رأسي، وأنا مخدرة برائحة التبغ.
ما وصلتِ لحل؟
وأجيبها من خلال نوبة سعال حادة:
ألله كريم.
تتغير سحنتها.
لكن غير العبد يسعى وألله يسعى معاه.
وأجيبها شاكية:
ياريت أم سعدون دليني اني تعبت.
وهنا التقطت رأس الخيط وابتسمت بمكر.
ليش أنت ناقصك شي، عقل وشباب وجمال وصحة.
ولم أدرك ما تعني.
لكن هاي وين تصرف.
أكو من يثمّن ويقيّم.
فاجأتني حين كشفت لي عن دونيَّتها، رميت السجارة قبل أن أكملها وأنتفظت واقفة بغضب، وأنا أصيح على الصغار أن يدخلوا الحجرة، وقبل أن ندخل  صاحت ورائنا :
فات  اسبوع على دفع الإيجار لاتنسين،  منين راح دفعين.
ها أنا الان أسير برسم خطواتها، بعد أن يَئستُ ولم يعد لي من منفذ.
منذ أن كثرت زيارات حامد إلى المستشفى، بعد أن توقفت أحدى كليتيه ليضاف عبءٌ آخر، إلى معاناتنا، بعد  بتر ساقيه في الحرب، وطال أمد إفلاسنا، وصار رغيف  الخبز المعجون بنشارة الخشب وفضلات الحيوانات حلما عصياً، كم من الليالي بات الصغار يعتصرون بطونهم الخاوية من الجوع.
بعت كل شيء، ولم يتبقى غير الثياب والبساط الذي ننام عليه، وبطانية الفراء التي أهدتها لي  أمي صباح العرس.
كانت  الأثر الوحيد المتبقي من أمي ولن أفرط  به أبداً.
مرة أخرى باغتتني صالحة، وأنا أعود من زيارة حامد مع الصغار، كانت تجلس بباب غرفتها تدخن السجائر كعادتها، سلَّمتُ عليها وأدخلت الصغار إلى الحجرة.
قالت كأنها تكلم نفسها :
شلونه حامد ما صار أحسن.
أجبتها دون أن أنظر إليها:
الحمد للّه يسلم عليچ.
نهضت اقتربت مني نظرت بعينيّ :
انطاچ الإيجار المتأخر.
كنت أعرف إلى أين تريد أن تصل.
تحملينا كم يوم وآني أدبر الإيجار.
قرصتني من خدي مداعبة :
تنتظرين ينزل عليكم  زنبيل من السما، إصحي راح تبقين نايمه، كافي الأطفال يموتون من الجوع شنو ذنبهم، منين خايفه، لا بابه ولا مامه وحامد معاشر المستشفى، عيشي مثل الأوادم.
لم أجبها، صَمَتُّ، كان رأسي مصدعاً وعيناي مشوشتين، نظرت إليها كانت هي تعرف أن تميز بين نظرات النساء.
وكانت أول الخطوات.
هذه المرة لم تُعلِّق، ولم تصرخ بي، تركتني أدخل الحجرة بسلام، وبعثت ورائي بصحن من الرز والمرق، ورغيف خبز للصغار.
كم تراها صارت بعيدة تلك، عمارة البغدادي كما يسمونها، وكم صارالطريق إليها  شاقاً.
الظلام الدامس موحش، مثل أوكار الخفافيش، وعواء الكلاب الضالة المتقطع، الذي يبعث بالنفس خوف قديم، عواء يشبه نداء استغاثة، من مركب غريق وسط بحر عميق.
الصمت، صمت مخيف أين ذهب الناس بهذه الساعة من الليل، من هذا القيض الخانق، فوق السطوح، في باحات البيوت الرطبة، تسربت إلى بطني الجائعة رائحة سمك مشوي، من أحدى النوافذ المطلة على الزقاق.
إستيقظ في روحي جوع أزلي، أقدم من كل مسلّات العدالة المشبعة بالغبار  أقدم من دجلة والفرات، جوع  ينام في أحضان الأطفال، يجوب في أرحام الأمهات، مثل أجنة الحرام التي تأبى السقوط ،ارتعدت من الخوف.
فجأة سقطت فوق رأسي زجاجة فارغة، وتشظت بين قدمي، كانت زجاجة خمر فارغة، رٌميت عليّ من أحد السطوح القريبة، حين كنت أعبر من زقاق إلى آخر قريب، وفي اللحظة التي كنت أتحاشا بها شظايا الزجاج المتكسر، سمعت أحدهم يصيح:
ساقطة، ماعندك رجال يشكمك.
هربت بكل سرعة رغم الألم الذي انفجر برأسي، أمتدت الرؤوس، رؤوس سود حجرية، أطلت كأنها فزاعات خريف بالية، وتحول الزقاق إلى غابة  من الرؤوس الذئبية المتوعدة المؤنبة، تحوّل الزقاق إلى ساحة سيرك. كنت وحدي بطلته. أقف بالوسط تحت بقعة الضوء، برداء المهرج المسكين بأصباغه الحمر والبيض. يشير إليّ الجمهور المتعطش للضحك، إلى هذه الفاجرة التي شقت سكون الليل بوقاحتها وقبحها.
تتخطفني الأضواء تنساح المزالج تحت قدمي، هيلا هوب، ترتفع القبعات وتصفق الآنسات الصغيرات، وتنبهر العجائز، ويفور الدم في شراييّن الرجال، لهذا الجسد الرشيق وهو يتلوى، هيلا هوب.
فجأة تنطفيء أضواء السيرك، غادر الجميع، وظلت المهرجة وحيدة، تنظر إلى يديها الفارغتين.
عدت أرتدي عبائتي وصمتي وخوفي، عبرت الزقاق أتحسس المفتاح اللعين الذي لم يزل بمكانه، إلى جوار علبة السجائر، التي منحتنياها صالحة، قبل أن أخرج.
أين أنت ياأمي؟
وأنت ياأبي ما أسرع لحاقك بأخي، لم تمضي سنة واحدة على فقدان كامل  حتى أصابه الوهن، عافت نفسه كل شيء، حتى الطعام لم يقترب منه أيام طويلة. صار مدمناً على السجائر، تعب من السؤال عن أخي،  ذهب لأكثر من دائرة أمنية، ومركز شرطة، وحمل بجيبه عشرات من أوراق الواسطة ولم تنفع كل محاولاته، وأكثر من مرة كان يعود من العمل، حيث كان يعمل بمصنع للنسيج، يحمله أصحابه بعد أن يسقط مغشياً عليه، رفض الذهاب للطبيب كان يقول :
آني مو مريض حتى أروح للطبيب آني علتي هنا.
وكان يضرب على موضع قلبه.
كنت أنظر إليه وأبكي، أدس رأسي بالوسادة ليلاً , أتذكر كامل بوسامته وهدوئه، أذكر النقود التي كان يدسها بجيبي، أول كل شهر، أتذكره وأبكي وأدعو الله أن يعود، لكنّه لم يعد، مضى طوال تلك  السنين ولم يعد إلى الآن.
وكما توقعتْ أمي عصف رحيله بنا جميعاً، وكان أولنا أبي، حاولت أمي مواساته وتخفيف ألمه، تحملت غضبه، وعسر الحال الذي ألم بنا، بعد فقدان راتب كامل، حيث صرنا من جديد نتعكز على راتب أبي القليل، لكنّه لم يتعافى كان يذبل، وخبا بريق عينيه، ظلت السيجارة رفيقه الوحيد يختنق بالسعال، ولم يتركها، وحين كانت أمي تؤنبه وهي تحاول أبعاد السجائر عنه كان ينظر إليها منكسراً :
خايفه عليَّ فاطمة من الدخان، لاتخافين، الدخان ما يموّت أحد، البشر يموّتون.
ظل ينتظر الموت بهدوء، لكنّه لم يبكي، حتى استيقظت على صراخ أمي  فجراً وهي تجلس عند رأس أبي وتضرب وجهها بكفيها، وظلت صرخاتها دبابيس توخز أذني إلى الآن.
راح أبوكم، مات ابو كامل مات، وينكم يابنات.
نعم رحل أبي، مضى أبو كامل بلا رجعة، مثل ولده، انشقت أرض الفرات الخصبة بأجداث الملايين، الذين أكلتهم سنوات الحرب الثمان، واللحى والأفكار الصغيرة، التي لا يمكن  لأي أحد حتى أن يفهمها.
الموت الرحيب المجنون، الذي يدخل البيت بلا استأذان، يخطف الأحبة  ويحملهم بعيداً، الموت الذي أخذ يتربص بنا، وتصدّت والدتي للمهمة الصعبة, إعالة الأسرة الصغيرة، ثلاث بنات وهي، وفي ذلك الظرف الصعب.
عملت بكل شيء، ولم تسمح لنا بالخروج من البيت لمساعدتها،  كانت تخشى علينا من الشارع والناس، أكثر من خشيتها أن نموت جوعاً، اشتغلت خبازة وغسلت الثياب، وعملت مربية أطفال، كانت مثل عصفور خائف ينط على الأغصان المبللة بالمطر، جربت كل الأعمال، ولم تخجل من عمل لا يمس شرفها.
وحين كنا نأوي ليلا إلى فراشنا كانت تقول:
الواحد يعمل كل شي موعيب، ما دام الناس تحترمنا.
وذات يوم جاءنا الفرج، حفر له في جدارنا كوة للسعادة، انسابت منها خيوط السرور الصفر، خجولة منكسة رؤوسها.
خطبت رابحة وفرحنا لها كثيراً، ونسينا لبعض الوقت تعاستنا، تقدم لها قريب إحدى جاراتنا، وافقت أمي على الفور، واستسلمت رابحة لقدرها.
هل ستبيت الليلة صالحة مع الصغار كما وعدت؟هل ستمضي الليل إلى جوارهم، أم تراها ستغلق عليهم الباب وتنام، لقد فاجأتني، لم أكن أتوقع أن تكون بهذا السؤ، لم ألاحظ ذلك طوال الشهور التي سكنت عندها، لم يبدو عليها ذلك، وان كانت في بعض الأيام تغيب لساعات طويلة، وحين كانت تعود في ساعة متأخرة من الليل، أو في ساعات الصباح الأولى، فإنها كانت  تغلق عليها باب غرفتها وتنام حتى وقت متأخر من ذاك اليوم، وفي بعض المرات يستغرق نومها أو اعتكافها حتى النهار التالي، وحين سألتها يوما عن مشوارها المتعب ذاك،  قالت إنها تذهب إلى بيت أختها في المحمودية لرؤية ابن اختها سعدون، الذي تربى بعض الوقت في أحضانها.
كانت لم تزل فاتنة، رغم أنها شارفت الستين من عمرها، بوجهها الدائري المشرئب بسمرة مشرقة، وعينان سوداوان ناصعتان، تلف رأسها بملائة بيضاء، كانت ترملت قبل سنوات،  ولم تنجب، أما سعدون فهو ابن شقيقتها التي تقول أنها تذهب لزيارتها، ولقد أعطوه لها حين كان عمره اقل من السنتين, حين كان زوجها لم يزل حياً يرزق، وبعد وفاته عادوا وأخذوه منها, لتظل وحيده بعد أن عاش الصغير في أحضانها أربع سنوات قبل أن تفارقه.
لكن تلك الزيارات وخصوصاً الليلية, لم تكن كلها باتجاه المحمودية كما كانت تزعم، بل لابد أنها كانت تراوغ وتشق طريقها في بعض الأحيان, بحثا عن المتعة والمال، وإلا ما كل هذا التعب الذي يحتاج كل هذا الوقت من النوم للخلاص من عنائه.
وبقدر ماكانت طيبة, فإنها في بعض الحالات تصبح مخيفة قاسية،  حيث تنتابها ساعات من الغضب، حينها تتوسط باحة الدار، وبين أصابعها سيجارة مشتعلة, وتأخذ بالسباب والشتائم ولا توفر أحداً، من غضبها, حتى أمها وأبيها وأشقائها. وكنت حينها أتحاشاها، نغلق أنا وصغاري علينا باب الحجرة، حتى تهدأ، حينها تعود لتنهرني، لأنني أحبس الصغار بهذه الحجرة المظلمة كما تقول.
لكنّني لم استطع الفرار من مواجهتها, في واحدة من ساعات غضبها تلك المفاجأة، حاصرتني بالمطبخ الرطب في الدهليز المظلم المؤدي الى حجرتها لابد أنها خططت وانتظرت، وحال دخولي المطبخ, صفقت الباب ورائها ودفعتني إلى الجدار، صكت أسنانها، صفّ نصف دائري من حبات الذرة الصفراء المتراصة وهاجمتني رائحة النيكوتين النفاذة:
إسمعي  زين، بعد صبر ما عندي، وهذا الحال ما عاد يعجبني، صلافة  وقباحة على  شنو.
لكنها لم تكن قباحة ولا صلافة، بل شيء من عزة النفس والخوف، تعلمتهما من أمي.
صرخت بي:
راح انتظر للمغرب،  إذا ما صرتِ آدمية، ماتبقين عندي ساعة وحدة.
ومثل قارب فقد مجاديفه وضاع في لجة بحر عاصف، تقاذفتني أمواج الحيرة طوال ساعات، ماذا عساي أن افعل، خلال هذه الساعات القليلة، لو كنت أملك ولو القليل من المال لبحثت عن مكان آخر, لكنّي لم أكن أملك المال.
وحيدة بلا معين، سقط الزوج في فخ الحرب، وفقدت كل أسرتي، لم يعد من أحد الجأ إليه، حتى أمي التي كانت الملاذ الأخير لي، طوال السنوات الأخيرة التي أعقبت سقوط زوجي، بما كانت تحمله لي من طعام ومال وثياب, حيث  كفلت عيشتنا بعد أن لم يتبقى لها أحد.
رابحة التي تزوجت من ذلك الرجل الضخم، ببشرته السمراء الداكنة وشاربه الغليظ، ورحبت به لتتخلص من النحس الملازم لنا طوال سنوات، لم تستمر فرحتها بهذا الزواج طويلاً، سرعان ما تبددت وتحوَّلت إلى كابوس ثقيل، بعد شهر واحد من زواجها وفي أول زيارة لها إلى بيتنا. احتضنت أمي عند الباب وراحت في موجة من البكاء المرير، وبكينا كلنا معها، وحاولت أمي أن تعرف سبب بكائها، لكنّها فشلت عللت لها البكاء بشدة الشوق والفراق، لكنّي اختليت بها بعد ذهاب أمي إلى السوق لتعد لنا وجبة فاخرة احتفالاً بزيارة رابحة، تحققت منها عن السبب الحقيقي لهذا البكاء، عادت لتبكي من جديد وبمرارة أشد.
احتضنتها وسألتها باكية :
ليش كل هاي الدموع والبچي، رابحة حبيبتي خوفتيني.
ومن بين دموعها سألتني:
ماكو أحد يسمع.
وحكت، حكت بحرقة تغسل وجهها الدموع، وترتجف شفتيها بالألم.
طلع مو آدمي هدية، الله لا يشوفچ العذاب اللي اشوفة كل يوم، رجّال سكير ما عندة كل رحمة, كل يوم يرجع سكران تالي الليل.
وراحت تجهش من جديد، لكن هذه المرة بخجل :
ويكمل عربدته ضرب ورفس وشتايم, يسحلني من شعري للفراش ويبدي ينهش  بجسمي، عض وضرب على  راسي  على وجهي، أوف ربي شنو هذا العذاب، وما يطلع الصبح إلا وآني جثة هامدة، عظامي مكسرة والدم يسيل من كل مكان.
بكيت أكثر منها، بكيت حزنها وأوجاعها.
ليش ما رجعتِ للبيت، شنو اللي مصبرچ عليه.
والناس هدية وأمچ، غير تموت، منو راح يصدگ، هذا حظي أموت ألف موتة كل يوم.
لكنّها ختمت موتاتها, بميتة أخيرة مفجعة، بعد أيام كانت ليلة شتائية باردة ممطرة مظلمة، عاد كعادته مخموراً دفعت به عن طريقها وحملت المدفأة صبت النفط على رأسها وثيابها، وهو ينظر إليها مترنحاً، وأشعلت نفسها وحين حملوها للمستشسفى، كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة، لم نلحق بها لكنّها سبقتنا إلى أبيها وأخيها.
آه صالحة لو أن لك قلباً مثل أمي، قلباً كبيراً يسع كل الجوع والحرمان، لايعرف إلا الرحمة, لما أجبرتيني لتحمل كل هذا العناء.
في تقاطع بين زقاقين يعبر إلى ساحة مطلة على البناية، كان رأسي يكاد ينفجر من الألم، انتصب عملاق ضخم كأن الأرض انشقت ليندفع منها جسداً طويلاً بأطراف غليظة، سدّ عليّ الطريق.
شهقت، تراجعت للوراء، توقفت، خفت أن يطاردني، عدت أمسك العباءة بقوة وخوف، كان يتكأ بنصفه الأيسر على حافة الجدار، يمسك به بكفه الكبيرة والذراع الأخرى تلوح بالهواء.
توسلت به :
فدوة لعينك خليني أروح.
تجشأ بعمق ورمى رأسه للوراء :
غير أول مرة نتعرف على الأسم الكريم.
تراجعت خطوات للوراء حذرة، أمام هذا المارد الماجن، تفوح منه رائحة الخمر.
الله يستر عليك لا تعطلني.
ضحك باستهتار، وابتعد بجسده وذراعه عن الجدار، أخذ الجسد الضخم يترنح على دوي ضحكاته الداعرة، انتهزت سكره وترنحه، وركضت بكل ما أوتيت من قوة، وفي غمرة تمايله وضحكه حاول اللحاق بي، لكن جسده المخدر بالخمرة كان عاجزا عن مطاوعته.
وسمعت صوته المجلجل ورائي :
لو تدرين عندي فلوس ما انهزمتِ، ساقطة.
كان صوته يشبه فحيح الأفاعي، قاسياً مزمجراً، سقطت أكثر من مرة وأنا أحاول الفرار بعيداً.
مع صالحة لم تطاوعني نفسي على الهرب، لم أجريء على حمل أطفالي والرحيل بعيداً عن الزقاق، لأنني لم أكن أعرف أذهب إلى أين، عند المساء حملتني أقدامي الضائعة إلى حجرة صالحة.
كانت ممدة وسط الحجرة، تحت مروحة عتيقة معلقة الى السقف، تتكيء إلى مرفقها الأيمن، تدخن كعادتها، ساهية ببصرها، سعلت، جلست معتدلة استقبلتني بابتسامة فجة تلوح بأمارات الظفر.
تعالي هنا، وأخرجت سيجارة قدمتها لي بعد ان أشعلتها.
أخذي، ما زعلانة عيوني هداوي، آني كل شي ما إلي، غير مصلحتچ ومصلحة الزغار اطفالچ صدگيني.
أجبتها بيأس :
لا تهتمين أم سعدون وتشغلين بالچ متل ما يگلون، كل شي إله نهاية وعلى رأيچ لا مامة ولا دادة، وحامد صار نزيل المستشفيات ماكو وراه رجى.
غيّرت جلستها، أمسكت يدي.
إنت ريِّحي دماغچ، وطلعي هذا الوهواس، من روحچ، كل شي يصير مثل ما تحبين، وراح تعيشين احسن عيشة.
ثم القت يدي، وكأنها تبدي أسفها لحياتي:
هي هاي هم عيشة، حالكم حال المجادية.
خرجت الحروف من فمي مستسلمة.
المهم أم سعدون، المطلوب مني؟
أشرق وجهها بنظراتها الفرحة.
هو هذا الصحيح عيوني هدية، ولو المفروض من زمان.
بعد ذلك تغيّر كل شيء، خرجت منها وجيبي تملؤه الدنانير، وأعفتني مؤقتا من الإيجار، قالت، أنها لن تطالبني به مادمت أسمع كلامها، وطلبتْ مني أن أنتظر حتى الغد لترتب لي موعداً وزبائن جيدين حتى الغد، وها هو الغد.
غدي المحترق، المكفهر بالظلمة والحرارة والجوع، وأنا أغرق برائحة العرق والدم الذي بدأ يسيل من رأسي، وفحيح السموم، أطارد وجه القمر الهارب خلف الجدران والسطوح, أحث الخطى إلى عمارة البغدادي وسط الميدان، كما كانت تؤكد صالحة.
دفعت المفتاح وعلبة السجائر إلى جيبي.
راح تحتاجينها إذا طالت السهرة، أول شقة نهاية الدرج بالطبق الأول، لاتنسين.
لفحني الهواء الحار عند الباب، وغمرتني الظلمة، حتى لم أكد أرى صالحة وأنا التفت لها، بعد بضعة خطوات، قادتني صالحة إلى أول الطريق وتركتني وحيدة، مثلما فعلت أمي قبلها، حين رحلت وتركتني أصارع الحياة لوحدي.
بعد رحيل رابحة بسنوات، تزوجت وأختي لطيفة، التي سبقتني قبل ذلك بشهور، جرى كل شيء بوقت قصير، كانت أمي تصطحب أختي لطيفة في أحدى زياراتها الدائمة إلى أحد الأولياء، حين صادفتها إحدى قريباتنا المنسيات، والتي تعيش في كركوك، التي لم أشاهدها ولا لطيفة من قبل  أعجبتها لطيفة، عادت معهم إلى البيت، وجلست معنا بعض الوقت، بعد أسبوع عادت مع زوجها وإبنها المدرس الجميل، وبسرعة تم كل شيء، تزوجت لطيفة، أخذوها إلى كركوك، ومن يومها لم أرها، ذهبت أمي لزيارتها مرات قليلة وبقيت أنا مع أمي.
هاهي العمارة تبدو من بعيد، على الضوء الخجول الباهت للقمر المتحرر للتو من شرانق الشناشيل والسطوح والأزقة الضيقة، كتلة حجرية تنوءُ تحت الغبار. لم يتبقى لي غير أن أعبر الساحة المتربة المكتظة بأكوام النفايات.
الخطوات الأخيرة للوصول، لكن ماذا ينتظرني هناك، ايّ سهرة، أيّ زبائن؟
لا يهم، خيبة أخرى، وحسرة أخرى، شأنها شأن الاف الخيبات والحسرات التي سبقتها، لكن لا يهم.
تزوجت من حامد, كان يسكن إلى جوارنا ويعمل شريكاً في ورشة نجارة حيث كان يعيش لوحده، بعد أن ماتت أمه،  كان والدي يقول إنهما استأجرا بيتاً صغيراً بالحي بعد أن هربا من إحدى قرى  الجنوب، بعد حادثة قتل راح ضحيتها والد حامد، تطوًع حامد في الجيش نائب ضابط، لكنّه لم يترك الحي كان يأتي كل أجازة يسلم على أبي وأمي وكامل، حتى انتهت الحرب وتسرح مثل غيره، عمل بورشة النجارة، وتقدم لخطبتي، وقبلتْ أمي وقبلتُ أنا مجبرة، فلم أكن أريد أن افارق أمي، وتظل لوحدها.
وأطبق عِقد الثمانينات بسنواته النحسات  بعد أن فرط عقدنا، مات أبي وفقدنا أخي، وماتت أختي رابحة، ورحلت لطيفة إلى المجهول، وتزوجت أنا حامد. واستقبلنا العِقد التاسع بأولى فواجعه.
حين عاد حامد من الحرب الثانية، مبتور الأطراف.
ارتقيت الدرجات التي لوثت مئات الاقدام  الشقية، وعند نهاية السلم دفعت المفتاح إلى الباب.
إفتح ياسمسم النكبات، إفتح ياسمسم المهانات، إفتح ياسمسم الحسرات والجوع.
إنفتح الباب، صدمتني رائحة العفونة، نزعت عبائتي وفوطة الرأس فور دخولي، ورميت بجسدي المعروق والمدمى، إلى السرير الوحيد الذي تسمرت عليه عينيّ، ولم أحتمل الحر، والدماء التي غطت عيني، مسحت وجهي وهرعت إلى النافذة المغلقة أمامي على الجدار المقابل، غمرني الضياء الرمادي اللزج، صافحت النسمات الحارة وجهي، استدرت أتفحص الشقة الصغيرة، اكتشفت أيضاً الطاولة والكرسي الخشبي، إلى جوار النافذة وفرشة بالية وسط الغرفة، وكان هناك في نهاية الجدار البعيد باب آخر. فتحته, كان حمَّام مظلم، غسلت وجهي وصدري وقدمي، وأشعلت سيجارة. كان الألم يشتد برأسي، مثل دبابيس كبيرة تنغرز بمكان الجرح، بعد لحظات عاد الموج الكثيف من الحر، كأن الجدران صفائح مشتعلة, كم الساعة الان لا أدري , أين زبائنك يا صالحة.
قالت قبل أن تودعني :
لا تخافين ولا ترجعين خايبة، صيري شاطرة، أخذي المال قبل كل شي ومن كل واحد، ولا تنطين نفسچ بسهولة، وكل مرة يريدون أكثر، أخذي أكثر، وتمتعي وإذا قدمولچ كاس شراب لا ترجعيه، شربة زغيرة ما تأثر يحبون تشاركهم المرة مزاجهم، راح يحبونچ وتحصلين فلوس.
لكن أين هم الآن، هل نام الصغار؟
هل استرحت بقبرك يا أمي؟
قالت جارتنا أم محمد:
كنت أجلس إلى جوارها عصر ذلك اليوم، حتى اذان المغرب، حيث تركتها كانت حزينة مقبوضة الصدر، تذكرت كامل ورابحة، وكانت تبكي دون أن تتكلم.
وبعد ساعة، جاء أبني محمد يصرخ، أن أم كامل سقطت بلا حراك، وحين ركضنا للبيت وجدناها مستلقية على سجادة الصلاة ميتة، استراحت وتركت لي الشقاء.
من بعيد عاودت الكلاب أناشيدها الليلية المتقطعة، شعرت بالنار والألم يفترسان جسدي، كان العواء يشق طريقه إلى رأسي، طنين من  الطبول. لاينقطع، طبول ليلية، تخرج من أعماق غابات الروح السوداء، مسحت عيني من العرق والدم والدموع.
متى يصلون؟
أين مالهم الذي سأشتري به الحياة الجديدة, حياة أخرى بلا منغصات بلا جوع، بلا تهديد، الحرائق تشتعل في جوفي الخاوي، إلا من الماء, أعمدة من الدخان الأبيض، دخان كثيف يتلوى مثل أفعى, يطارد عربات الرحيل عربات القطار المنفلتة من سكون المحطات الرتيب، لترحل بعيداً، تقطع السهوب الجرداء، تولول بأغنيات الرحيل، للأيدي التي  تلوح من بعيد. للسراب، للخطوات المُظلِّلة  والعيون التي تمتد مع انسياح القضبان الزاحفة بلا نهاية، مواويل حزينة، تنزلق مع الظلمة، لانتظار الأكف، تلطم صدور الأمهات، وهي ترقب التوابيت تحمل ما تبقى من أفئدة جريحة،  تنحدر مع السفوح، تنوء بالإغتراب المر، تمسح الغبار عن قبور الغائبين، تبكي، تنوح وعلى هدير العجلات الحديدية، تحرق العجائز بقايا الحرمل، تسمع دعاء المحرومين.
أصرخ بجزع أين أنتم؟
أين أنتِ ياأمي؟
أين ذهبوا بكامل؟
هل نام الصغار؟
اشعر بروحي تندلق، نهراً دافئاً من القيء الأصفر المزرق،  تحوَّلت الحجرة الصغيرة إلى بركة من السوائل الكريهة،  أزحف إلى الحمام  فوق رطوبة  القيء اللزج، أسمع خطوات تحت النافذة، عدت بكل ماتبقى لدي من قوة تشبثت بحافة النافذة، ابتعد الصوت وغابت الخطوات، ابتلعتها الظلمة سقطت تحت النافذة, الحر والوجع، يقرضان جسدي، مشرط حاد يقطع أحشائي، أشم رائحة الحريق، من بين أسناني تنبعث السنة اللهب، من عينيّ. آه، آه، أسقط، أزحف. آه، الهواء، الظلام، القبور، التصق السائل المر على صفحة خدي.
وينك كامل، وينچ يمّه، الموت ربي، الرحمة.

بغداد 1993    

شاهد أيضاً

عدنان عادل: طيران

أُدجّجُ أطرافي بريش التَسكّع أنثى السحابة تغريني كي أطير. * ها هوذا يسير بمحاذاة الجثث …

من ادب المهجر:
إغترابات الليالي في ذاكرة مدينة
بدل رفو غراتس \ النمسا

وطنٌ معلق بأهداب السماء .. وافق يُحدق في ايادٍ شعب مخضبة بأوجاعٍ إلهية..! فقراء يسيرون …

~ نصوص من جواهر ( 12 ) ~
بقلم محمد الناصر شيخاوي/تونس

■ إطلالة على الحرف لا غير ؛ ملامسة جمالية فحسب ● القراءة النقدية بأدواتها المعرفية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *