مؤيد داود البصام: ما يشبه الأثر لمحمد خضير سلطان.. محاولات سردية لتلمس غير المرئي

هل يمكن ان نتلمس داخلنا غير المرئي؟ ونحفر بقدرة نافذة من التأمل والتفكير من أجل الوصول الي الأعماق.. وهل بإمكاننا الوصول الي معرفة ذاتنا والذوات الاخري من خلال الاشياء الموجودة حولنا؟ وهل يفقد الزمن أهمية التغيير، أثناء وصف الاشياء في المكان؟ كل هذه الاسئلة، وأخري يطرحها محمد سلطان في نصوصه (ما يشبه الأثر) في محاولة يمعن فيها ليجرنا للمشاركة فيما يفكر وفيما ينظر، يطرح السؤال ويركض ثم يتباطأ، ليجعلنا ندركه، مستخدما اللغة بأبعادها، ضمن حركة انثيال بوعي ولا وعي. جاعلا للسرد قوة التحكم في الخطاب، ومن هذا الباب نقول سماها قصصا او نسميها نصوصا، فأن الجنس هنا يضيع استبيانه، كما أراد ان يضيعنا في متاهة الأثر او ما يشيه الأثر، لأن الاحاطة بالجنس تعني ان نقسم أشكالنا الي مثلثات ومربعات ومسدسات، ونستتبع كل وجه كحالة، ولهذا فإننا نفترض أنها قصص او نصوص، لأنها هي الاخري تستمر في طرح أسئلتها، وتدعونا للتأمل (أيها الرماد ليتني لا أغادر حاملي، حتي أكتشف رحلتي الثانية) انه يلامس السطح ولا يخدش الأعماق، لأنه يخرج لنا من الأعماق يستتبع مسارا لاكتشاف الأثر، ثم الاحاطة بوجوده من خلال الآخر، وان اندرس وتغيرت المعالم، فهو يبحث ليصل الي الحقيقة.فالمتغير هو المكان، والحالة نسبية، ممكن ان يكون حدوث التغيير في ثانية او مئة عام، لأن المتغير قد حدث، والشكل اختلف، فأين الاختلاف؟ الاختلاف في الرؤيا، أنا أري وأنت تري، ولك واحد منا فهم وادراك للرؤيا، وهذا الاختلاف في الرؤيا تحدده منطلقات فكرية واجتماعية وتأثيرات متعددة، لا حصر لها، تحدد قيمة كل معلومة يستلمها المتلقي من زاويته، قد تتطابق بنسبة معينة مع منطلقات المؤلف، وقد تختلف معه كليا، محمد سلطان شاهد (من تلك الأعالي السمنتية الهائلة!! وهذا الضجيج القديم الذي يملأ الشارع الطويل والحزن العابر لموت يمامة وكل الاشياء في خطوط العين) وفي المقابل أنا شاهدت من الموقع نفسه وفي الوقت عينه (من تلك الأعالي السمنتية المخيفة!! هدوءاً مريباً يملأ الشارع بحس الموت او الفناء، وبنغمة حزينة طارت يمامة، كانت تقف علي أسلاك الكهرباء، ولكنها سقطت ميتة) وستكون عندئذٍ مشاهدات محمد سلطان في مقطع آخر (عند الرصيف تقف سيارة صغيرة، حذاء بائع سجائر ذي وجه أشيب.. يومئ السائق بهدوء مريب، فينهض الرجل، تستقر علي راحتيه علب الدخان ويدس جذعه في فتحة النافذة) وستقول أنت، أنني شاهدت في نفس الوقت وعين المكان (عند الرصيف قفز رجل عجوز أشيب من وراء الخشبة، التي يضع عليها علب السجائر.. حينما وقفت سيارة صغيرة، ونظر السائق بريبة ووجل وخوف لحركة العجوز، تقدم بسيارته الي الأمام، وظل الرجل الأشيب منكسرا لأنه أخطأ في الاستنتاج، وظن أن النقود في يده وقد باع علب السجائر) وهكذا تستمر الدالة تولد دالة حتي تضحي دالات، نتخاطب فيها علي امتداد تصفح وقراءة النصوص.
في بداية القراءة لمثل هذا النوع من القصص، يطفو احساس، أننا نقرأ مجرد لغو وكتابة مشوشة، ولكن حين نلامس قعر الذات، نبدأ في السؤال تلو السؤال، من الذي يتغير نحن أم الاشياء؟ (ان مدركات العقل تتحدد عندما يكون المقصود بالشيء ما يرتبط بالشيء نفسه، فتعرف صورته المادية والبنيوية (كهيأة) والمعنوية (كهاجس)). وهو العملية التي تبدأ فيها عمل المخيلة، ليتسع الفضاء ضمن حيز فكري محدد، وهذه تقودنا الي تتبع الأثر لايجاد الوهم والمخادعة في رؤيانا أم في رؤي المقابل، وبها لن نتمكن من التوقف لأننا سنستمر في ملاحقة الدالات، وهو ما يشغل المخيلة ويحرك فعل تعويق إستمرار اللحظات الزمنية، والعملية بمجملها لا تقطع المحاورة من أجل ادراك العالم المحيط بنا، واكتشاف ماهية الأشياء، وحركة التغيير فيها وأثرها، وهنا يختفي الأثر في طيات السرد، ولا يظهر لدينا كما كنا نعرفه في الأعمال الابداعية لما قبل نهاية القرن التاسع عشر، وانما الأثر معرفته واكتشافه من خلال ما يشغل المخيلة لدي المتلقي.. وهذه الحالة هي تمثيل للعصر الذي نعيشه… فقوة الشد في أعمال بلزاك أنها تمنحنا الاحساس بادراك واقع المجتمع الذي صوره من خلال أبطاله، وهي ما يمكن ادراكها في اعمال ستندل لأنها امتداد لروحية العصر الذي عاشه ستندال، حيث كلما اقترب الشكل الاجتماعي والفكري من مجتمع ستندال يقترب أعجابنا او الشد اكثر فاكثر، وبنفس الحالة نتحاور مع فلوبير الذي عاش واقعه الاجتماعي بسلوك أبطاله. والتقاطنا يكون من خلال تتبع تصرفات أبطاله، فالواقع الاجتماعي بكل ثقله الاقتصادي والاجتماعي والثقافي، هو الذي يوحي بشكل وآخر باظهار النص، وتحديد الدلالات وشكل الخطاب. آيديولوجيا. اجتماعيا. اقتصاديا. أما المعالجة في الشكل الذي اتخذت مسارات متعددة، فأنها تتوافق مع تبيان الخيط الذي يربط بين الشكل والمضمون، فلا يمكن ان نصف علاقة حب لكاتب في القرن التاسع عشر كما نصفها الآن فالشكل يصب في حركة المجتمع كما هو المضمون، ويعبران عنه ذاتيا وموضوعيا وكما يشخصها د. عناد غزوان (النص الذي يفتقر الي الانتماء الي مدلول ثقافي معين يحدد أبعاده الفنية والجمالية، او اذا شئنا يحدد دلالته النصية التي يفترض بها ان تكون معبرة عن مدلول ثقافي) وهو ما يحدد الاهمية في الاعمال الحقيقية التي تمتلك ثقافتها وخاصيتها واصالتها، فأعمال دستويفسكي علي الرغم من أنها تمثل حالة وضع اجتماعي محدد بمكان وزمان معينين، إلاّ أنها تشكل بعداً إنسانياً يتعمق ويغوص في النفس البشرية، ليستخرج من أعماقها ما يتطابق مع كل المجتمعات المتماثلة وان اختلفت أشكالها والحياة الاجتماعية فيها، إلاّ أنها تتطابق في آفاق الحياة، لإمتلاكها الأصالة حيث يقول لوفيف (الحكي هو -كل خطاب- يدفعنا الي استدعاء عالم مدرك كواقع مادي أو روحي، وهذا العالم يقع في مكان وزمان محددين، وهو يعكس غالبا فكراً محدداً لشخص او مجموعة من الاشخاص بما فيهم الراوي).
إذاً لو أردنا أخذ المسألة بشكلها الذاتي والموضوعي، فسوف تشكل الحداثة التغيرات الحاصلة علي الحياة، لأن الجوهر واحد في بحث الانسان عن (السعادة والحرية) اللتين هما مبعث جهاد ونضال الإنسان علي الصعيد الذاتي او علي الصعيد الاجتماعي في معركة إخضاع الإنسان للطبيعة، أما أشكال النضال فهي مختلفة بإختلاف العصور والنظم والمجتمعات، وكذلك ظلم الإنسان للإنسان واحد وإن اختلفت أشكاله، والحرب مفهومها واحد، وان اختلفت أشكالها بتطور قوة تدميرها، ولكن في المحطة الأخيرة ان نضال الإنسان من أجل الحرية والحياة الكريمة، هو موضوع واحد وان اختلفت أشكاله، ولفرط حساسية بعض الأشخاص، تظهر الإبداعات كنفثات يستخلص منها ثيمة يضعها في القالب الذي يتناسب وعصره، ولكنه قد يخرج عن النمط السائد في الحركة الفكرية، ضمن رؤي فكرية تحمل أصالتها وبناءها الثقافي وجذورها الاجتماعية والتاريخية فمثلاً رواية (عودة الطائر الي البحر) لحليم بركات، طرحت نصاً يمثل رؤيا تشكلت علي ضوء حدث محدد وزمن محدد، بقضية لا حدود لها، ولكن تطور السرد داخل حركة الزمن، حيث جعل من عنصري الزمان والمكان المحددين، عنصرين لا محدودين، تحرك فيهما في دمج المتن والمبني الحكائي، ليشكل عملا طليعيا في وقته متجاوزا واقع القصة العربية الي آفاق جديدة، وقدم شكلا حداثويا في بناء الرواية، وهو ما ينقلنا للنظر الي أعمال محمد خضير وبالأخص روايته (كراسة كانون) التي تقودنا الي نفس الرؤية في حداثة البناء والخطاب.. كلاهما انطلق من قضية وتحرك ضمن مساحة محددة وزمن محدد، ولكنه بناء بإسلوب جمالي رشيق، يحاكي القدرات الحسية والعقلية والمراجع المعرفية للمتلقي، قد تكون (عودة الطائر الي البحر) و(كراسة كانون) فيهما من خروقات لقدرة المتلقي المعرفية وانهما خاطبتا متلقٍ وبشكل خاص (كراسة كانون).
الا ان (عودة الطائر الي البحر) منحتنا رؤيا مازالت متجذرة، حيث شكلت إختراقا لزمن ظهورها، وهو خرق لمفاهيم سائدة في الواقع الثقافي. ولكنها بما تحمله من أصالة استطاعت ان توجد حيزا لفضائها، وهي نفس الدلالات التي أحدثتها رواية (كراسة كانون) من حيث كونها رواية معرفة وسلطة اكتشاف ما ورائية، من خلال إتساع الرؤيا لإشتغال المخلية، في فهم حركة الكاميرا علي سطح الأشياء، وبناء الألفة من الداخل اللامرئي بشعرية لمتابعة الأثر الذي غاص في ضبابيته وعتمته.
وهذا ما يعيدنا للقول، أننا إزاء واقع جديد، ومستجدات وتحولات علي كل الأصعدة الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، والفرد في داخل هذه المستجدات يعيش حيرة وجوده، بين عصر الايديولوجيات التي انهارت، لتحل مكانها قوي غاشمة تتربع علي كرسي القرار الدولي، في حركة سريعة ومتواصلة، وهو ما يجعل انسان العالم الثالث في مواجهة تحكم قوي الظلم والاضطهاد التي تهيمن علي مقدرات العالم مع تراجع عصر المبادئ والقيم، وأمام ضربات الوحش الذي يلتهم كل شيء (فيأتي هنا عدم اتساق الكون بما في ذلك الانسان) مما ألجأ المبدعين للتحدث بلغة جديدة وعلاقات في الرؤيا جديدة وعلاقات في الرؤيا مختلفة باختلاف حركة الوجود، فكان تحطيم العلاقات المنطقية بين الاشياء، كرد علي لا منطقية الاحداث، والغاء الزمن، ومن ثم تفكيك سلسلة الاحداث، التي توصلنا الي إلغاء الشخصية، ولكون اللغة تشكل عنصر الرابطة الاساسية، فان مرحلة تفتيت روابط اللغة، لايجاد علاقة الواقع بالاعماق.. ان التحولات الشكلية لبنائية النصوص، تقدمتها منهجية الوصف البحث للظاهرة، الذي وضعه هوسرل، وشكل حضورا في خطاب الابداع في عالم القصة والرواية وكما يقول آلن روب غرييه (هو الشخصية التي ليس لها ماض ولا قدر ولا أعماق، ولكنها شيء في سبيل الاكتشاف لا يتكون الا في رأس القارئ بوصفه الشخصية الحية في الكتاب) وفي هذه المحاولة لتغيير مسار السرد من أنماطه واشكاله التي ترتكز علي الزمن وتحولاته للتأثير من المجتمع علي الفرد وبالعكس، او من العلائق المترسخة في عقله لواقع حياته في داخل المجموعة، كما في روايات التحليل النفسي او تيار الوعي واللاوعي.هي اعادة صياغة الخطاب، وبناء تركيبة يتحكم فيها الوصف بدل السرد، بالغاء عنصر الزمن واحلال عنصر المكان (في بعض الاحيان نعتقد أننا نعرف انفسنا من خلال الزمن، في حين كل ما نعرفه هو تتابع تثبيتات في أماكن استقرار الكائن الانساني).

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *