إستبرق العزاوي : القاص عبد السادة جبار يحّول وقائعه الذاتية الى حالة موضوعية في أولى محاولاته القصصية ( ولادة في جدار )

estabrak 2في مجموعته القصصية الاولى التي تحمل العنوان ( ولادة في جدار ) يجنح الأديب المسرحي والقصصي عبد السادة جبار نحو تحويل الوقائع التي مر بها الى حالة موضوعية تحمل مضمونها الفكري والفلسفي ، حيث يروي لنا بضعة حكايات إمتزج فيها الواقع بمساحته الكبيرة مع بعض مخرجات خياله ليعطي لنا تشكيلة قصصية مختلفة الموضوعات بين ما هو إنساني وإجتماعي وفلسفي فالقاص إستل من معين ذاكرته بعض الوقائع التي مرت عليه في فترات زمنية معينة لينسجها بلغة سردية واقعية تأرجحت بين اللغة التقليدية التي لا تحتاج الى جهد لفك طلاسمها وبين محاولات لإنتاج سياق لغوي فيه من إستخدامات النثر الحديث من مجاز وتكثيف وتفعيل لطاقة اللغة وإنتاج مزيد من الدلالات اللغوية وتعميقها ، لتجسيد الفكرة بنسق من شأنه أن يجذب القارئ لمعرفة ما ستسفر عنه الاحداث ، فهو إبن ذلك الواقع المليئ بالتناقضات وهو المعبر عبر وسائله التعبيرية عن ديالكتيك ذلك الواقع المأزوم وعلاقاته الداخلية المتشابكة ويحمل تطلعات الذات الناقمة على ما هو سائد في ذلك الواقع لذا نجد في قصصه دعوات مبطنة لرفض الكثير من المسلمات المتعارف عليها لدى المجتمع لاسيما المجتمعات العشائرية كما في قصة (الضفة الأخرى ) ودعوته للتعايش والمحبة ونبذ الفرقة بين أبناء المجتمع الواحد ولعل تلك الدعوة لها أهميتها في هذا الوقت بالذات نظرا ً لما فعلته السياسة والمشتغلين بها في زرع بذور الفتنة بين أبناء المجتمع الواحد كما في قصة ( ولادة في جدار) فضلا عن مضامين إنسانية جميلة ، وقد عالج القاص عبد السادة جبار الذي عرفناه كاتبا ً مسرحيا ً kh abdulsada jabbarعالج نصوصه ضمن آلية تنويع للطرائق الاسلوبية التي اعتمدها تنويعا ً ينسجم مع قواعد الاسلوب العربي القديم في أحيان كثيرة ويكتب لنقد الواقع في بعض مواضعه متبنيا ً نسقا ً سرديا ً مألوفا ً يحتكم بداية ووسط ونهاية حيث تأخذ القصة شكل الحدوتة التي نترقب مفاجآتها ولكن كما هو معروف أن فضا ء القصة لا يتيح للقاص مساحة نصية للمناورة بين النصوص وبين المعجم اللغوي للقاص الذي بدى في هذه المجموعة في أشكال متباينة تبعا ً لطبيعة الفكرة المطروحة ضمن فضاء النص ولعل حضور البعد الواقعي في المتن القصصي يعكس هيمنة الرؤية الواقعية الحاضرة في هذه المجموعة ويمكن تلمس العوامل التي تعلل تلك الهيمنة التي فرضتها الرؤية الواقعية على المتن السردي لهذه المجموعة في ملابسات السياق الثقافي والاجتماعي الذي أحاط بتشكيلها الكاتب الذي ارتبط بجانب كبير منه بفترة التغيير في العراق التي أعقبت العام 2003 وما أفرزته من أحداث جديدة ، فحملت بعض النصوص شحنة شاعرية زادت في تعمية الدلالة لتتمظهر بجمال يتخفى خلف ضباب الكلمات ومن الملاحظ ايضا في هذه المجموعة ان ثمة إنسجام بين العناوين المختارة وبين نهاياتها ، ومما يجدر ذكره في النهاية ان هذه المجموعة تمثل دعوة لإعادة قراءة بعض المفاهيم الخاطئة السائدة في مجتمع القاص وإعادة إنتاج مفاهيم صحيحة تتساوق مع السياق المنطقي للاشياء وهي دعوة لإطلاق العنان للتفكير والارتكان الى المعرفة من خلال حبكات حكائية مضغوطة ومكثفة ومحدودة الشخوص ، ويمكن القول أن الكاتب عبد السادة جبار وهو يجتاز حاجز النار في محاولته القصصية الاولى قد نجح في تمرير رسائله الفكرية بما فيها إعادة النظر في قضايا الموروثات الشعبية ذات البعد الديني كما في قصته (عاشوراء في حزيران ) يذكر أن مجموعة ( ولادة في جدار ) صدرت مؤخرا ً عن مكتبة عدنان في بغداد وتقع في 107 وهي من القطع المتوسط .

إستبرق العزاوي

شاهد أيضاً

شوقي كريم حسن: عبد العظيم فنجان… الشعر حين يمتهن الجمال!!

*محنة الشعر الشعر العراقي منذ بداياته الانشائية الاولى ارتباطه الوثيق بالمؤدلجات التي امتهنت التبشير واذابت …

أنشطارات السرد في(1958) للروائي ضياء الخالدي
مقداد مسعود

الرواية لا تنتظم في حيز عنوانها بل تنفتح على مديات من تاريخنا العراقي ويرافق الانفتاح …

العزف الكوني في (ثمة عزف في السماء) للشاعرة ليلى عبد الامير
قراءة انطباعية ذوقية
بقلم طالب عمران المعموري

بين يدي مجموعة شعرية بعنوان (ثمة عزف في السماء ) للشاعرة ليلى عبد الامير الصادرة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *