سعد الدغمان : شيئيات محمد صالح عبد الرضا مَثَل شعره الحياة وأحاط الأشياء بمفردات مؤطرة بجوانب فنية

saad aldugmanأحال الجمود بشعره الى صور متحركة
يعمد محمد صالح عبد الرضا بوصفه أديباً وشاعراً وإعلامياً في معظم كتباته ونصوصه الى تكريس ما يراه وصفاً إنسانياً لمعظم الأشياء التي يتناولها في نصوصه، متخذاً من الحياة منهجاً يكرسها في ما يكتب،محاولاً الخروج قدر ما استطاع من حالة الجمود التي يتخذها بعض الأدباء في توصيفهم لما يتناولونه من مواضيع حياتية أو ما يستخدمه الإنسان من وسائل تعنيه على ممارسة حياته اليومية ، لذلك نرى إن الجمود يلف الكثير من النصوص الأدبية ( شعراً ونثراً) بينما تأتي معظم كتابات عبد الرضا حيوية تحمل طابعها الإنساني في التوصيف ما يقربها من المتلقي بدرجات.
معتبراً إن الإبداع يقاس بإثراء التجربة وتعميق أثرها في ما حولها من ممارسات، كونها تنقل القارىء أو المتتبع من الجمود المحيط بالأشياء الى عوالم أخرى تؤطرها الجوانب الفنية التي تعطيها الذائقة المرجوة لدى القارىء.
ومن هذا التصور سجل محمد صالح عبد الرضا عبر شعره ، حياةً نابضة تحملها أبياته لتمنحها الخلود عبر الحركة التي تمتاز بها من بين الكثير من النصوص التي توصف بالجمود والرتابة، فحين يتناول (مفارق الدروب) في رباعيات شيئية ، وهي صيغة جمود واضح ، تراها مليئة بالحركة والأحاسيس عبر تفخيمها بمفردة ( سأملأ ، بالشجن) ، وهو وصف يأخذ القارىء الى منطقة الإحساس الإنساني المعبر عن التأسي واللوعة ليملئ به شاعرنا سكون تلك المفارق التي تعودها القارىء أن تكون ( جامدة)، ليستقر في بيته الثاني في مراعي ، وهي أيضاً تعبيراً عن سكون بمساحات واسعة خضراء أو صفراء لكنها جامدة ن وقد لا تكون المراعي دائما تحتوي حركة القطيع أو البشر ، وربما لها فترات بعينها تكون صاخبة ، لكنها بالمطلق ( ساكنة، جامدة) لكن عبد الرضا يحركها كيف يشاء بحرفية الشاعر العارف بكنه عقلية المتتبع أو القارىء ، ليضفي عليها مزيجاً من الذكريات والزمن ن ليعود ويدس في قصيدته مشهداً حركياً أخر شخوصه الخراف ن لكنه يحدد حركة البيت بخرافه قائلاً ( كلما ألم بي وجدي، وارتجل النغم) ، أي ناغم أو مزج حركة خرافه لضرورة أو صيرورة حالة الوجد ، معللاً ذلك الوصف الحركي للأشياء من حوله بارتجال النغم، وهي حالة ليست بالمؤكدة أو التي سبق وأن تم التخطيط لها ، لكنها تنبئ بحركية الأشياء وفق تخيلات الصورة التي باتت متحركة لا جامدة عبر أبيات محمد صالح.
mohammad saleh abdulreda 3رباعيات شيئية
ناي
سأملأ مفارق الدروب بالشجن
وأستقر في المراعي والذكريات البعيدة
أعاشر الخراف كلما ألم بي وجدي
وارتجل النغم
رباعيات شيئية
27زورق
تهاديت والشط لا يكف عن روعته
يقاسمني بهجة طافحة
ليس لي قدرة الفراق عن نوار سه
منذ التقينا في اللوح المحفوظ
16جرس
في الكنائس يعاشرني الحمام
في المنزل أتمنى ضيفا خفيفا
في الدراجة الهوائية أذهب مع الريح
في الهاتف برن معي القلب
2غابة
كل أشجاري تصلح للشيخوخة
كل الأيائل تركض مني وتصول
هاجمتني الرياح قدر ما تستطيع
لكنني لا ألبي للانحناء
4حمامة
هديلي يحتاج الموسيقى
أقضم لحم الأيام
أنام على أسطح الفقراء
وعلى جناحي لم يعد دخان المعامل
أعتمد محمد صالح عبد الرضا أسلوب التكرار الذي أشار له أكثر عن نافد لشعره لا لكونه أسلوبا يؤخذ على الشاعر ، بل كونه اعتمد هذا النهج لتركيز البنية التكميلية للمعنى الضمني في قصائده ، نحو خلق تناظر واضح مابين سكون الكلمة وحركة النص، بحيث جاء نصه عميقاً مبنياً على صيغة الدلالة في اختيار تكرار المعنى لا النص أو الكلمة، ما يوقع الدلالة التي يذهب إليها عبد الرضا على مسمع القارىء ويثبتها ثم يمنحها صفة الثبات والتأثير ، وهذه كما قلنا تحسب للشاعر لا عليه ن وهو أسلوب ربما لم يألفه القارىء في شعر الكثير من الشعراء أو حتى في الأدب،وهي ميزة محمد صالح عبد الرضا الذي أجاد أيما إجادة في تكريس أسلوب التكرار كحالة رمزية تدفع للاهتمام بالنص الشعري عند الشاعر .
عمل محمد صالح عبد الرضا على المكان في معظم نصوصه ، واشتملت أمكنته على تصوير احتضان الأشياء بكل تفاصيلها دون فقدان معاني الأمكنة التي تناولها بكتاباته ، حتى باتت كحالة واحدة في ضمير الشاعر، أو ربما في مخيلته تعبيراً عن مكان حقيقي تشكلت صورته في ذهن عبد الرضا فعكسه صورة مرئية عبر أبياته أو ما يكتب رمزاً ليوحي للقارئ عبره مكانية الحدث.
محمد صالح شاعر مجدد أصر على توظيف صيغ التعبير الواقعية عبر استخدامه المناورة في تبديل الأماكن ، واختيار الوصف الدقيق لكل مكان جديد يتناوله في أبياته كدلالة ، كما استخدامه للكلمات والأفعال الدالة على تجدد الحالة وعدم حصر الصورة الشعرية بنمطية ، أو التزامه بمكانية محددة أو حتى بابتعاده عن الظرفية في اللغة، فكانت جمله سلسة متراصة مقيدة بالمعنى والمعنى الضمني ، ناهيك عن التصوير الصحيح للصورة الشعرية المبطنة في ثنايا كلماته، ما أضاف لشعره رونقاً براقاً وعكس تجدد المعنى في سطوره وأدواته الشعرية.

ويمضي إلى حافة هجرها الأصدقاء
ويمضي على مضض الذكرى
يصادفه برد لا ينصف
وينبري له غيم مسكون بالآهات

حاول محمد صالح عبد الرضا الولوج الى عوالم المجهول مرات عدة ونجح في محاولاته، رسم حدود آبياته مابين المرارة والذكرى فنتجت عنها قصائد ، اقل ما يقال فيها إنها تحمل روعة المعنى ولمعان الكلمة الدالة على أكثر من معنى ، تاركاً للقارئ حرية التصور والتجلي والإبحار في شواطئ أبياته التي حملت وجع البصرة عبر العصور ، ليحاكي الرواد من الشعراء الذين تعنوا بالبصرة وخلدوها بشعرهم ، كالسياب الذي اطر البصرة ومدن أخرى فيها منها جيكور بقصائد قل نظيرها ، بل بتحف فنية جاوزت الوصف وتعدت حدوده.
وهو ما نراه متجسد أيضا في قصائد عبد الرضا الذي جسد تلك المعاني في آبياته الجميلة التي قال فيها:

يا لها من مرارة تصبغ اللحظات
ينفذ منها غبار الذكرى
تتحرى نهاياتها عند تخوم الغياب
لتطل على البصرة
ولا تغتبط بأي شيء.
كم عنيدة هذه الذكرى
لا تمنح تجربة للقراءة
فالصومعة فارغة
والفنار غاب عن حارسه
حمل محمد صالح قصائده معان أخرى كثيرة منها الإصرار والثبات ، وملازمة الحالة وعدم تجاوزها، ما يجعله واقعياً رغم أن الشعراء نادراً ما يلزمون هذه الصفة بل أكثرهم حالمون تائهون في ملكوت الشعر لا يفارقونه ، أصر عبد الرضا على تكريس الثبات عبر كلماته ، وهو مبدأ ألتزم به الشاعر في أغلب قصائده التي مزج فيها مابين الذكرى والحاضر بمفارقة جميلة قال عنها ( أذعنت ذكرياته بالقرب منه) ما يربط بين فترتين في شعره ماضية وحاضرة ، ليخرج منها بخلاصة واقعية تقول وبصراحة ما ظل منها سوى ربيع آفل .

ها أنا الآن لا أنسحب من ذاكرتي
هكذا الذكريات أذعنت بالقرب مني
حزمت أمرها لتحسن التأويل
وتسأل عن سرها
وما ظل منها سوى ربيع آفل.

شاهد أيضاً

حِدَة التَرقب والتَهكم المُنفعل
تأمل في مجموعة “أنتظرُ شُحوبَ الوقتِ” لـ جميل الجميل
عدنان أبو أندلس

عبر مجموعتهِ المنوه عنها ، والصَادرة عن دار نون للنشر والطباعة والتوزيع – نينوى 2016 …

وليد الأسطل: سينما باراديزو

من أفضل الأفلام الّتي شاهدتها في حياتي، فيلم cinéma paradiso، يناقش الفيلم أشياءَ كثيرة، لعلِّي …

صرخة الروح وحبيب الروح الشاعر عصمت دوسكي بين الصرخة والحبيب
بقلم الأديب أنيس ميرو

* هل نحن في زمن الصم والبكم والعم ؟ * ومنهم لا يملك لقمة عيش …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *