الرئيسية » نصوص » عادل علي عبيد : كتاب الحوارات ؛ بقايا الأثر (2)

عادل علي عبيد : كتاب الحوارات ؛ بقايا الأثر (2)

adel ali obaid1-    (حوار الزمان)

ين القول والرواية ينتصف الزمان ، وهو يتمايل بين الترجيع والقطع ، بين الجزم والتأويل ، آلاف من السنين والقرون التي تذوب مع الأحداث والانعطافات ، الأخباروالأسفار والرحلات والرواة والمؤرخون الذين تتضارب بهم النزعات ، وتعصف بهم سيول الانحيازات..الشروق والمغيب والزوال والحتوف ، الرجع والصدى الذي يعاود النشيد .. ستة آلاف ويزيدون ، لعله ضرب من الحلم الأزلي من عهد اليهود والمجوس والنصارى واليونانيين ، من عهد آدم الأول ، وامتدادا للأدمة القادمة ، ومرورا بملك الأقاليم السبعة واستقرار المدائن .. ما زالت تلك يا صاحبي إشكالية التاريخ
ولبس الحقائق .. الأسفار والكتب والألواح تتحاشى الخوض في الأذكاروالأنام . .. عندما قطعت الشمس والقمر درجات الفلك جاء الوقت ، فحل الليل يسبق النهار كعادته ، إذ كان مخاض النهار معززا من نور الشمس وهو يعاود وجوده بعد غروبها ، ولكن العذر هنا أن يحل النهار سابقا الليل ، لأن من صنع النهار هو النور ، ولا يمكن للنور أن يحيد على الظلمة ، إنما الظلمة قد رادفت ذلك النور فكانت نتاجه .وجاءت الشمس وحل القمر ، ولم يبق ثبوت تألقهما بعد غزو الحلول فكان الكسوف والخسوف .وتمضي الأرض بزخرفها ونظامها وتألقها المتجدد تتحين أعمالنا ، وترصد كل يوم نشاط
أفعالنا .. تتكالب على مساحاتها المترامية نياتنا ، تلك التي تسهم في حركتها ، وتمنح الدفء والعافية .. وهكذا الفصول التي تمنحنا ونمنحها القناعة .. على طول امتداد القرون ، يلد الإنسان هذه الفصول وتتجلى أرقى صورها بأفعاله .
2- (حوار البدء الأول )
يكاد القلم واللوح المحفوظ يعلن كعادته فاتحة الخلق ، فيخط حروف الكينونة الأولى .. وجاء النور ، وحلت الظلمة تزاحم وهج الحروف ، وتدرأ الحقائق ، وتنسخ التوثيق ..ثم جاء الهواء ، وثبت العرش على امتداد الماء الغمام ، ونصب الكرسي فكانت سبع سماوات مادتها الدخان .. وصيرت صورا لمعنى الأيام بما تحمل من حقائق وابهامات ، فجاءالأحد والاثنين الذي ابتدأ بهما الخلق والارضين ، وابتدأ الخلق في السبت ، والخلق والرواسي في الثلاثاء ، والسماوات استكملت صورتها في الخميس والجمعة التي ثبت فيها آدم وحدد قيام الساعة ..وخلقت الأرض قبل أن يدحوها بأقواتهابعد أن
كانت هلاما مزدحما يصطدم بظله ولا يعبأ بعواقبه ، والسماوات بامتداداتها وصورها الغريبة ..ويبس الماء فكانت الأرض وفتقت فكانت سبع ارضين ، فتزلزلت الأرض فكانت الجبال التي حققت صورة شهادة السماء التي ترصد الأرض بعيون مفتوحة .
3- (حوار التحدي)
لم تكن الصورة الأحادية المتجسدة بإبليس هي الصورة الثابتة ، وأي كبر ينطلي على ثبوت الوحدانية وهي ترصد الخلق الواهن ..إنها يا صاحبي حوارية البقاء والفناء .. كان غلو إبليس ينسخ صورة الوجود الآخر أمام الجن وسكان الأرض الذين أذهلتهم حالة البدائل ، فوسوس إبليس لنفسه قبل أن يوسوس للعالمين ، فغلى وكبر وأنوى وتكبر وعزف وتجبر ، وتحققت إشكالية التضاد بين النار والطين ، فالفخار يعلن تمرده الأزلي على الأديم والملح ، وسرعان ما يوغل في أطياف اللون ليجسد سمرة الطين التي تنطلي على سحنته ، وهو يعلن الندم من جديد ..فكان آدم من أدمةالأرضومن طينها
وملحها ، وكانت السحنة والوجوه من لازب الطين وصلصاله ليكون بفعل النيات حمأ مسنونا ، ونفخ الروح في الطين الناطق بالقدرة ، وكانت حوارية التحدي ، وحلت لعنة الإله على العاصين .
4- (حوار الوعد والوعيد)
بانفتاح الأفق على اليباب الأصم ، كانت الأرض تجهل مفردات الخطيئة ، ومع استفحال روح التمرد ، وتجبر المعصية وغلو الكبر والغي ، كان إبليس يوغل في الإغواء، ويكثر من مجالسة القانطين ، القول القطع الذي نشره في النفوس كاد أن يصيب الجميع لولا تصدي العقل وبيان الحقيقة ، لكن الإغواء ارتبط بالشهوة ، والإيمانبسط كف الجد ، فلم تستبن حلاوة الشهوة إلا بالكشف البعيد ..وهكذا هو الجد وطلب العلا ، وشتان بين الطالبين .. الشهوة قصيرة مباحة لا تحتاج إلىالطواف والرحيل ، لكن طلب العلا قوامه الكد والتسخير ونيل الصعاب .. نعم فما زال إبليسإلى هذه اللحظات
يمتلك اكبر الجيوش واعتى الأمم ، وما زالت ساحاته عامرة بالجنود المدججين بسلاح الإغواء ، اعتقد أنهامعادلة غير عادلة بين الطالبين .فالرجم واللعنة لا يتحققان ما دام الطلاب يتكالبون على تلك المملكة المتلألئة العامرة بالنشوة .. فالفردوس المفقود هو نيل وقتي وزمن مبدد تبقى ذاكرته وزمانه ينوف على حقيقته ، قد يفلح الإغواء المتمثل بالوجوه الصديقة او صورة الحيوان ..فمفارقة الجنان طبع جبل عليه ابن آدم وهو يودع الفردوس تلو الآخر ، وتبقى صورة اليباب تزاحم وجوده الذي يتوق إلىأصله .
5-(حوار الخطيئةالأولى)
هابيل الشهيد خط الخطيئة الأولى في سفر الوجود ، وركز قابيل فعل الطغاة بنكاية ابتدأت بقمع خيط الإخوة ، وسن شريعة القتل والإلغاء ولوحة الانتقام والتنكيل ،وقبالة اختصاص هابيل بالأرض والماشية ورعيها لقابيل حلت الخطيئة التي يحتضنها الندم ، فسبب النساء كان بداية اختلاف النزعات .. المجنزرات والنفاثات وقاذفات اللهب ، والصاعقات والبارجات والفرقاطات ، ومصانع القتل ومعاهد التفخيخ وجامعات الحروب ما زالت عامرة بمناهج الخطيئة التي تعتمر لبوس السياسة .. الخطيئة المتجذرة فينا قد تتلبسنا وتعلن عن موت البراءة في ربوعنا ..
5- (حوار الألباب )
حينما تتخطى الألباب حدود الزمن ، وتحلق خارج الأشياء والموجودات خلف دائرة الوجود ، ندرك أن العقل ثمرة مخاض الحقيقة ، وجلاء وجهها الناصع البراق ، من دون لبس او تورية او تدليس.وانه الوصي الأساس لمدركات وأهداف الحضارة والثقافة ،ونزوع الأخلاق والمعرفة.. فالعقل هو خلاصة ممارسات وتجارب ورؤى متعددة ومزدحمة ، استقرت بتعزيز قيم الصواب والمنطق ، وصورته متوجة بممارسات التفكير ، والتفكر ضمن وضع الخطى السليمة على جادة الصواب..فقيمه وأهدافه وسلطته تنطلق من مخاض استقر ضمن دلالة التشخيص التي جعلته في منزلة الرقيب بالمعرفة والحصيف بالتجربة ،
والواعي بالممارسة ..ومنظومة العقل تصنعها المكتسبات والمقارنات ، والخوض في الوقائع ومسبباتها ، وإسقاط الغريب ورصده وتحليله ، والوقوف على غرابته ، مقارنة مع الفته ومصاهرته مع المألوف المقبول . . ولا تتحصن هذه المنظومة بالتفكير الجاهز والرصد البديهي والمعاينة التقليدية ،إنما تتكامل بالصناعة وتكالب الحواس على نشيد الحقيقة ، وإصابة مفاصلها .. إن طبيعة العقل أن ينفتح ويهاجر ويتلاقح مع المدن القريبة ، وهو لا يتحدد ضمن نظرية المكان الواحد ،إنما يقفز مماحكا ومعارضا المدن الأخرى ، يجتاز مساحته التقليدية ، وينتفض على دائرته المغلقة ،
ويشق عباب منزلته ، ويفتق مربعه الأحادي ، لينفتح ويتوزع ..هكذا هو العقل في طبيعته وان كان منغلقا على عقلنته ..إن انفتاح العقل دليل قاطع على أن لهذه المنظومة السامية نتاجا وفعالية لا يمكن لها أن تبقى ترصد فقط ، او تذعن لانغلاقها ، إنما ترصد وتبصر وتعي لتتولد عن هذه الفعاليات فعاليات اكبر وأكثفوأعظم وأوسع .. ولا عجب في ذلك ، فان البناء الطبيعي للعقل يتم من خلال هذه الخلايا الخزنية المتحسسة ، والتي تتحرك بغائية بامتداد كل الأشياء ، وتدرك كل الأشكال والصور . فالعقل هو المحطة الراصدةلتطلعات النفس ، فهو يرسم لها صواب المسار ويكشف
اعوجاجه ، وكذلك منطق القول من بيان أضداده.. ويرسم الطريق الحق بين الفعل والانفعال .. ولو وقفت كل المسافات ، وأشهرت رايات الضنى عن ديمومة مساراتها لأنطلق العقل مستكملا لتلك الأشواط التي لا تعرف النهايات ، ولا تتحدد ضمن امتداد ما .. إن العقل لا يحد بحدود وان كانت وهمية ، فان منظومته الفتية تتوزع على طول امتداد الحركة ، ولا تنتهي حتى بالاستكانة .
6- (حوار الصمت)
قد تنتهي حدود التفكير بغياب الصمت ، فالصمت محفز لاصطياد الأفكار ، وهو الحضن الكبير الذي تذعن إليهانثيالات الرصد والتأمل.. قد يتحول الصمت إلى كلام ، في حين يصبح الكلام صمتا .. ويتمخض عن لغة جديدة لم تألفها عقولنا المتواضعة ..ولعل الصمت في حالات كثيرة يكون ابلغ من الكلام ، بل أكثرإتحافاوإيفاء للمعنى ..الصمت لغة محفوظة تؤلف مستودعا أميناللأفكار والرؤى .. ولا يمكن لهذا الصمت أن يكون كلاما إذاكان محرك الصمت ساذجا هائما في عالم لا يعطي لهذا الصمت وزنا ، ولا يقيم لعالمه الضاج بالشخوص والكلمات مكانة … قد تكون المشاهد التي نبصرها بين
متحاورين تتعمد بالصمت المكرور ، الصمت المتعمد ، ذلك أن هذا الصمت يؤلف مضمارا للحجج والقناعات ، وعاملا مساعدا لاستكمال المعاني .. انه زاد المعنى ومكمل إرهاصاته وشفيع أبعاده .. الصمت فلسفة العارفين ، وأنيسالأنبياء والصالحين ، وموسيقى الفنانين والأدباء ، وملهم الشعراء .. ولكن عالم الصمت عالم صعوب يحتاج إلى مطية جريئة كيما تخترق عبابه الثقيل ، وتكشف الحجب السود عن ليله الاليل .. إن فترة ماقبل ميلاد الأفكار والنظريات قابعة في حاضنة دافئة أمينة اسمها الصمت ، كانت هذه الحاضنة حريصة مخلصةعلى رعاية تلك الأفكار والنظريات ، وهي تعمل بقوة
على بقاء تلك الأفكار ضمن عوالم وطقوس تشجعها تمهيدا وتحثها على الانبثاق .. إن حدود الصمت حدودا واهنة لطالما تكون مهددة بالاختراق وفض البكارة المقدسة لذلك العالم الساكن الغريب ، الذي تضج به الحياة قبل هياجها .. إن معامل ومصانع الصمت تتكفل بفيض الكلام وسموه قبل أن يخرج إلى دائرة السامعين ، إن لغة الصمت هي لغة العارفين الفقهاء الذين يمتطون دلالات التأمل وصولا لصومعة عمادها الصمت ، ومصهر قوامه التأمل .. فمع الصمت الذي ينتهي بالكلام لا محالة يكون الظلام الذي يتكلل بالنور لا محالة ، ولا يمكن أن يبقى الصمت صمتا والظلام ظلاما .. نعم ،إنها
سنة بديهية لا مفر من الإقرار بها . لا يستسلم الصمت لسطوة الكلام ، لأنه يعرف أبعاد هذا الكلام ، ويفقه أبعاده وبديهياته .. ولا يذعن عالم الصمت لكل النظريات التي تخاف هيبته وتخشى تورياته ..نعم فالصمت دم النطق ومحور الفكر ..قد يحيلك الصمت إلى استحضار العدم ، وعليه فقد اثبت عالم الصمت بأنه أرقى من عالم الحركة ، لذلك تاق الأدباءإليه ، وسافر العارفون نحو مدنه ، وتسابق الفلاسفة ينهلون من سكونه ، وحج البلغاء إليه يعتمدونه غذاء لأفكارهموخمرا لنظرياتهم، وآثر الشعراء الحج إلى وديانه .. قد نتجاهل الصمت لأنه يحيلنا إلى الاستكانة وانتهاء الحركة
، ويقودنا إلى الموت بعد الهزيمة ، لكن الصمت بحقيقته يؤلف نصف حياتنا ، ولكننا لا نجرؤ أن نذكره حتى في مذكراتنا وثقافتنا .. اعتقد أن حالة من التأنيب الطبيعي للتفكير لا تشجعنا على ذكر الصمت ، ولا يمكن أن يكون ضمن أولويات تفكيرنا .. نعم فالكلام الذي يرسم للآخرين صورنا ومكانتنا قد خرج من عالم الصمت واستأذن ، ليكون واحدا من بنياته ،او حالة من منتجاته . لعل سذاجتنا تحيلنا إلىأن نخلط بين الصمت والفراغ .. ففي مصهر الصمت تشمخ عوالم وصور كثيرة ومتعددة ، في حين تترنح هذه الأشكال وهي تسبح في عالم الفراغ .. لان الفراغ هنا ضرب من الشطحات غير المبررة
، في حين يتجلى الصمت عن حذاقة في البناء والتكوين والإنتاج . اعتقد انك في عالم الصمت تصبح الفارس الوحيد الذي يتسيد مائدة الأشراف ، لذا يشجعك عالمه على ارتجال ابلغ الخطب العصماء ، وخوض كبرى المنازلات ، وقبول كل التحديات .. ولا عجب فالصمت هو من يتكفل بالتالي بصورنا الجميلة والبشعة ايضا .

7- (حوار الغبش)
في زحمة النفس والآخر تزدحم الروح بالشخوص والأحداث ، وتتوالى الفصول المعاندة والصديقة وهي ترسم خيوط الأمل والعمل .. خيوط الموت والأجل .. تمر من تحت جنح الليل ، تداهم الأرض الجرداء ، وتحرق حصاد السنين لتستقر في زوايا الذات البهماء ، متحدية الأصوات الزعيق والليل الطويل البطيء ، وهو يوغل في عوالم الظلام المكتظة بالحلكة الموغلة ، التي تخفي تحت سترها أنين الفقراء .. وتخلف ليلا جديدا في العوالم المنسية .. هناك حيث تحط رحيلك في قرارة الاطمئنان ، لتلتقي من جديد بجمهرة أشباحكوهي تقف على قارعة السبل المتعرجة كأيامك ، وتنصب شخوصها المتلهفة
لمعرفة مصيرك المخفي .. هناك في مطافات التفكير وفي زحمة الأسئلةالذاعنة لسطوة فلسفتك الفارغة ، يستقر غبش النفس . نعم هي سيول من آمال لطالما عششت فيك وانسابت بظلها خلف طيفكالهلامي ، لتنتشي بك مثلما تنتشي أنت بعالمك البعيد الساكن .. قد يستوقفك النخيل وهو يعلن عن صخبه حتى في غمرات السكون ، يستوقفك ، لتبصره شامخا أمامك على الرغم من عزلته الواضحة المجنونة وهو ينأى خلف تعرجات النياسم المتشابكة كزحف الأفاعيوهي تتحدى أسطورة الجفاف .. قد تستوقفك بيوتات الطين ومجمعات القصب وأكوام البردي وهي تختبئ خلف جبال البيادر المذهبة والتي تشاكس
ببريقها زحف الخيوط الشمسية الخجلة .. تستوقفك وهي تمر على الدراكيل الحزينة ومجمعات الرمل التي لا تعرف قرارا ، والتي تذعن لسطوة العصف المتجدد .. قد يستوقفك الجفاف الذي ودع ملحمة الانغمار وهو يعلن عن بزوغ فجر مترف بنهرين كانا يتحديان جريان النياغرا .. الانغمار الذي فاض يوما ليبان اخضراره عن سقوفنا الطينية .. إنها يا صاحبي سكنات ما برحنا نسمع أنينها المفضوح ، ترانيم السعف ، فللسعف أهزوجة مثلما لعربات القطار سمفونية تلقائية تنشدها النفوس الغرثى .

8- (حوار المصادفة)
الشخوص التي تمر بها قوافلنا الوجلة ، والحوادث التي تنسجها ملاحمنا الهزيلة ، والأيام التي كتبت تاريخ هزائمنا ، ضروب من نزعات الدهر الذي يرصد أعمالنا .. الصحارى الواجمة التي تلتف جدائلها من حولنا ،والتي تحيطنا ربما تغلفها الخضرة الجديدة وهجرة الأنهار التي تخترق بقسرها مساحاتها ، قد تحسبها تتحدى بسطوتها فتخبئ لنا من يقتص من أحلامنا .. نعم ، هي تريد منا حياة عامرة متحفة بالفطرة ، من دون أن تمد لنا أياد مبعثرة تقلب خرائطها وتكشف غريب انبعاثها .. قد تحسب أن بصمات الحضارة عبثا يكشف عوراتها ، فتضمر لنا العداء كما الجمال والأفاعي الجائعة
.. قد تكون لحوارية الألواح التي أيقنتأن نصوص الطبيعة عامرة بتلقائيتها ، فلا غائية او تورية تعطل أبجديتها.. قد نلتقي بتلك الشخوص التي التقيناها في الوهم ، قد نحسبهم من مسلمات بنيات أفكارنا ، او ممن نعرفهم ولم نلتقي بهم ، قد نسمع أصواتهم ، ونرصد ظلهم ، ونعقد حلبات طويلة عريضة من الجدل والجدال ، والتضادد والسجال .. قد نستحضرهم في الحلم .. في الحقيقة … نجوب شعابهم ، ويقيمون لياليهم بمضاربنا .. قد نطرب لأصواتهم ، ونشجو لأغنياتهم ، وتصبح أناشيدهم رافدا لنا في الحروب والهزائم .. بل نقيم لهم الولائم ونحتفي بأسمائهم .. ولكننا لم نلتقيهم !

9- (حوار النخل)
(من فضلة طينة آدم جاء النخل)
( إن قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فان استطاع أن لا يقوم حتى يغرسها فليغرسها )
حينما يزدحم التأريخ بأحداثه ، ويتخبط بظله ، تتكالب مواطن النخل بأعقاب السعوف والكرب والعذوق والنورات والطلع والأزاهير ، التي تتدور وتنطوي ،لتتشعب حكايتها وتتوه في زحمة النباتات التي تسيدت بعدها ،وأهملت دورها ومكانتها .. وحاولت أن تجعلها ضربا من الماضي التليد .. لكنها مازالت على الرغم من أساطير الجفاف قائمة شاخصة ، تنشر ذراعيها للحب ، وترتل قصيدة الحياة بأناشيد رعاة الصباح ، وتدرأ ثنائية الموت القادمة .. إذ تسمو حقيقتها وهي تطلع وتبلح وتبسر وتمعن وترطب ثم تثمر … هذه هي حقيقة دورة الحياة التي تقتدي بها شواخص الطبيعة ، ويعتمدها
طلاب الجمال ، وكل أساسيات الكون .. وهو ما يعيد حكاية أهل جهينة بعدما اتخذوا التمر إلهافأكلوه !! .. وهكذا يشاكس التمر ويتحدى حتى صافي العسل .. كانت حقيقة النخل معقودة بباسقات أشكالها ، فاعتدالها وقوام جذعها الفارع المديد السامق الهيف ، وخبزها الوافر ، جعلها لا تحيد عن دورها في العدل والقوام .. فهي رمز الجمال وربة الحسن وسيدة أحسن الخصال ، وقوتها من الثمار السبعة المعتمدة في الأسفاروالكتب والألواح.. وهي التي تذرف دموعها * عند غيابنا وموتنا ، وتنشر جدائلها ضاحكة مبتشرة غناء عندما نحيطها في المساءات… وهكذا يتكفل النخل بسر وظل بني آدم ،
ويؤمن له قوته ، ويكون له شرابا وعسلا ، ويصبح جريده وخوصه عدة وملبسا ، وبساطا ودرعاوأثاثا ، ووقودا وسقفا وحطبا ، وعمدا وإنتاجا وزينة .. وشعارا للنصر لدى النصارى ، وطوطما وشعارا ووردا للآشوريين والكلدانيين .. وحصنا ودرعا لأهل الفراتين ، وبقي شامخا يرصد صنائع إبليس وهمزات الشياطين وهو يزاحمه في عقر داره ، ونسائجه وحبائله التي تقيم الليل والنهار أملا بموته … ولكنه في كل صباح ينهض ليكسر ويبدد ثنائية الموت ، ويلبس لبوس الخلود .

10 (حوار الاغتراب )
بانتشار الضياع ، وتقادم تقليعة الغياب ، يأتي الاغتراب كحالة عبثية ،تستكمل سوح التخبط في أرضه التي أثبتتأنها من أروجأسواق الهزيمة في عصور ما بعد السطوة ..فالغربة المتجددة في الوطن المولد تسمو وتتألق بهذا الاغتراب .. بعد أن سوقت جحافل الشيطان بضائع القتل المشاعي ، وأججت داخل الطين الطري ثورة لطالما أثير اشتعالها وأحدث أجيجهامع مجيء جحافل الموت التي تتوالد بعدها مشاعر الخوف والنكوص والإحباط .. الأحداث والشخوص وظاهرة الوجوم التي تتسيد على كل الأشياء ، العيون الغائرة ، والعقول الهائمة التي توغل في البعيد ، وتبحث في البعيد ، والفكر
الذي لا يلتقي بمثابة ، والآفاق التي لا تصل لمستوى المثول .. الأقلام التي انتصبت ، الأمل الذي لم يعود ، وكتابات الحكماء والعرفاء التي أوغلتبتقصي الغريب ، وهجرة الأفكارإلى عوالمها المنسية .. في مملكة الضياع البابلي لن تجد بارقة الأمل التي تحيلك إلى ذاتك ، فالوجوه الأقنعة راحت توغل في ذلك الغمام المنسي بعد أن حسبوه عالما من ذكرى العزاء .. تموت الذات بانتقال صيرورتها إلى عالم الفناء ، ويتألق الأفق الداكن متحديا مساحة البياض ،لتوغل الألوان في عالم رمادي يؤلف لوحة أحادية يتيمة تتسيد لون خرائط الروح .

10- (حوار المنفى)
في المنافي تمتد الصحارى لتعانق الأفقالأبكم المدخن ، وتسمو صلاتها في العدم .. هناك تغدو كل الأشياءوالمشاهد الواجمة جزءا من مملكة السكون .. الغيوم بتشكيلاتها الطفولية التي تفقدها عذريتها ، وهي تتربع على عوالمها التي تفقدها البراءة وتدرأ عنها دلالة الرتابة ، والمطر الذي يسح غزيرا لينسج أسطورة الصمود وصورة الثبوت .. الأوراق الخضر المتراعشة التي تنثر ما تبقى من حبيبات سويقها وما لحق ببعض هيبتها ، حتى الحقول الغناء تحدث صريرا يتمازج مع سمفونية الهفاف المستحي والذي يخاتل تموسق الطبيعة وتغريدها الخجل … فالطيور قد أغلقت مناقيرها
وراحت تنوح على ما تبقى من المروج الحزينة .. الفلاحون الذين اعتمروا قللهم وراحوا يبحثون عن بقايا القش المتيبس وهو يعيد لهم أغنيات ضياعهم التي تبثها أقدامهم الجامحة .. الشجر الذي لبس حلة المآتم وراح ينتصب في قارعات السبل يبشر الخانعين باللاعودة .. الرعاة الذين يودعون الشموس يعودون بأناشيدهم التي تتحدى عودة الفجر ، ويرسمون لوحة لضياع جديد .

• أشار الصديقان الشاعران عبد العزيز عسير وحسين فالح إلى(دمع النخل) في قصائد نشرت لهما

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *