حوار مع جان – ماري لوكليزيو الحائز على جائزة نوبل للآداب لسنة 2008
ترجمة: علي عبد الأمير صالح

((اللغة الفرنسية هي بلدي الحقيقي الوحيد))
جان ماري لوكليزيو

يحتل جان – ماري غوستاف لوكليزيو موقعاً فريداً في المشهد الأدبي الفرنسي، على حافة الجماعات، المدارس والأنماط. كونه فرنسياً وموريشيوسياً، نشأ لوكليزيو في الثقافة الفرنسية وبوصفه خبيراً شديد البراعة في الأدب الإنجلو – سكسوني، يزعم هذا الروائي غير التقليدي أنه لا يستقي إلهامه من لوتريامون وزولا فقط بل من ستيفنسون وجويس أيضاً. الواقع، منذ روايته الأولى (المحضر الرسمي) (1963) التي جعلته ينال جائزة رنودو ذات المقام الرفيع وهو في سن الثالثة والعشرين، على غرار موضوعه، تغيرت كتابته إلى حدٍ بعيد.
يعكس نتاجه، الذي يضم الآن ما يزيد على ثلاثين كتاباً (روايات، مقالات، مجموعات قصصية وأعمال مترجمة)إهتماماته البيئية، تمرده على تعصب الفكر العقلاني الغربي، إفتتانه بعالم الهنود الأمريكيين الذي إكتشفه في عمر مبكر جداً، والذي كان (أي العالم) : ((تجربة غيّرت حياتي كلها))، كما كتب هو في مقالته الرائعة عن (الطقس الهندي الأمريكي) (دار غاليمار،1997) ((غيرت أفكاري المتعلقة بالعالم وبالفن، الطريقة التي أروي بها للناس الآخرين، الطريقة التي أمشي بها، أتناول الطعام، أنام، أحب، وحتى الطريقة التي أحلم بها.)) في صحيفة (ليبل فرانس) يخبرنا لوكليزيو بقصة هذا اللقاء غير المتوقع، ويتحدث عن جذوره الموريشيوسية، أفكاره في ما يتعلق بالعلاقات ما بين الأعراق، رأيه في الرواية والأدب – في الحوار أدناه.

ليبل فرانس : نُعتَ نتاجك بكونه صوفياً، فلسفياً وحتى بيئياً! هل تتعرف على نفسكَ في هذه الأوصاف؟
لوكليزيو : يصعب عليَّ أن أصف ما فعلتَه أنت نفسك. إذا وجب عليّ أن أحدد أهمية كتبي فعليّ أن أقول أنها تشبهني كثيراً. بكلمات أخرى، بالنسبة لي لا يهمني كثيراً أن أصف الأفكار بقدر إهتمامي بوصف ما أنا عليه وما أؤمن به. حين أكتب أحاول في المقام الأول أن أفسر علاقتي مع الحياة اليومية، مع الأحداث. نحن نحيا في عهد مليء بالمشاكل تتقاذفنا فيه تشوشات كاملة من الأفكار والصور. إن دور الأدب في يومنا هذا، في الأرجح، أن يرجّع صدى هذه التشوشات.
ليبل فرانس :هل يستطيع الأدب أن يؤثر في هذه التشوشات، أن يحوّلها من حالٍ إلى حال؟

لوكليزيو : لم نعدْ نملك الجرأة على الإيمان، كما دأب الناس في زمن سارتر، بأن الرواية تستطيع أن تغير العالم. اليوم، بوسع الكتاب أن يسجلوا فقط عقمهم السياسي. حين تقرأ سارتر، كامو، دوس باسوس أو شتاينيك يمكنك أن ترى بجلاء أن هؤلاء الكتاب المتورطين العظام كانوا يثقون ثقةً لا محدودة بمستقبل الجنس البشري وبقوة الكلمة المكتوبة. أتذكر أنني حين كنتُ في سن الثامنة عشر، قرأتُ افتتاحيات كتبها سارتر، كامبو ومورياك في صحيفة (الاكسبرس). كانت تلك مقالات متورطة أنارت الدرب. هل يستطيع المرء في يومنا هذا أن يتخيل بصورةٍ ممكن تخيلها أن افتتاحيةً ما في صحيفة بوسعها أن تساعد في حل المشاكل التي تفيض بها حيواتنا؟ الأدب المعاصر هو أدب اليأس.
ليبل فرانس : إذا ظن الناس أنك كاتب عصي علي التصنيف، فربما يرجع ذلك إلى أن فرنسا لم تعد المنبع الوحيد للإلهام. رواياتكَ جزء من عالم متخيل معولم. إنها تشبه بصورة قليلة نتاج رامبو أو سيجالين، وهما مؤلفان يجد نقاد الأدب الفرنسيون صعوبةً في تصنيفهما.
لوكليزيو : أولاً، يلزمني أن أقول أنني لا أنزعج البتة من كوني عصياً على التصنيف. في اعتقادي أن الصفة الرئيسة للرواية هي أنها غير قابلة للتصنيف، بمعنى آخر إنها جنس أدبي متعدد الأشكال هو جزء من تهجينٍ ما، شراب مخمر من الأفكار، هو في نهاية الأمر، إنعكاس لعالمنا متعدد الأقطاب.
أعني أنني على غرارك أعتقد أن المؤسسة الأدبية الفرنسية وريثة ما يسمى بالأفكار الكونية للموسوعات، كان لها دوماً ميل باعث على الأسى في أن تهمش أي أفكار من مكان آخر من خلال وصفها بأنها ((دخيلة)) .. رامبو وسيجالين دفعا الثمن في زمنهما. حتى اليوم، الكتاب الذين ينتمون إلى البلدان (الجنوبية) تطبع نتاجاتهم فقط إذا وافقوا على أن يُصنفوا ضمن فئة ((الدخلاء)). المثال الذي يحضرني الآن هو الكاتبة الموشيوسية، أناندا ديفي، التي دافعتُ عن عملها حين كانت ضمن هيئة قراء دار (غاليمار). كان رد فعلهم أن مخطوطتها لم تكن دخيلةً بدرجة كافية!
ليبل فرانس : لماذا أنتَ مفتون جداً بالثقافات الأخرى؟
لوكليزيو : أصبحت الثقافة الغربية متكشفةً بدرجة شديدة عن وحدة متراصة وتناغم كلي. إنها تضع التوكيد الأكبر الممكن على جانبها المديني والتقني مانعةً بذلك نشوء أشكال أخرى من التعبير : الورع والمشاعر، في سبيل المثال. الجانب غير المعلوم تماماً من الإنسان تم حجبه باسم العقلانية. إن وعيي بهذا الأمر دفعني صوب حضارات أخرى .
ليبل فرانس : في هذا المكان الآخر بحثتَ، المكسيك بخاصة والعالم الهندي الأمريكي عموماً يحتلان مكاناً سائداً. كيف استطعت أن تفهم ما يتعلق بالمكسيك؟
لوكليزيو : أرسلوني إلى المكسيك لأداء خدمتي العسكرية. في أثناء السنتين اللتين أمضيتهما في هذا البلد أتيح لي أن أسافر. بالأخص، سافرتُ إلى بنما حيث التقيت (الأمبيراس). أمضيت أربع سنوات (1970 – 1974) مع هؤلاء الهنود الذين يحيون في غابة. كانت تجربةً ذات تأثير عميق، لأنني اكتشفتُ طريقة حياة ليس لها أي صلة مع ما كنتُ قادراً على أن أجربه في أوروبا. الأمبيراس يعيشون في تناغم مع الطبيعة، مع بيئتهم ومع أنفسهم من دون أن يحتاجوا لأن يشيروا إلى أي نوع من السلطة الشرعية أو الدينية. وجدتُ ذلك مربكاً وحينما أردتُ، في أثناء عودتي، أن أتكلم عن التلاحم الاجتماعي لهذا المجتمع، إتهمني النقاد بكوني ساذجاً، مفرطاً في التبسيط ومخدوعاً بأسطورة ((البدائي النبيل))، مع أن هذا لم يكن أبداً ما أعنيه على وجه الدقة. لا أستطيع أن أقول عن هؤلاء القوم الذين عشتُ معهم أنهم كانوا بدائيين، أو أنهم كانوا نبلاء. إنهم يعيشون على وفق معيار آخر وقيم أخرى.
ليبل فرانس : في الوقت الراهن، أنتَ تقسم حياتك بين البوكوريكو، في نيومكسيكو، موريشيوس، حيث تحدّرت عائلتك ونيس حيث نشأتَ وحيث ما زالت والدتك تسكن. على غرارك، الشخصيات في روايتك ممزقة بين القارات. في سبيل المثال، مجموعتك (فؤاد محترق ورومانسيات أخرى) تجري بعض أحداثها في المكسيك. القطعة الأولى في هذه المجموعة تروي لنا قصة شابتين أقامتا في ذلك البلد حين كانتا صغيرتين. كانت طفولةً مؤذيةً، جارحةً. يبدو أن ماضيهما قد أقلقهما وهيمن على تفكيرهما. هل يمكننا القول أن كلتا الأختين هما ضحيتان من ضحايا حياة بدوية؟
لوكليزيو : هما ضحيتا الانتماء إلى ثقافتين مختلفتين في الوقت نفسه. إنه شيء شاق جداً بالنسبة للأطفال أن تكون لهم صلة مع ثقافتين مختلفتين كالثقافة المكسيكية، وهي بدرجة أكبر ثقافة فورية، ثقافة الشارع، ثقافة الخارج، والثقافة الأوروبية المستندة إلى قواعد المنزل، المبنى، والمدرسة. صدام الثقافات هو ما وددتُ أن أسرده .
ليبل فرانس : لماذا ، إذاً، استخدمتَ كلمة ((رومانس))؟
لوكليزيو : كانت تلك كلمة ساخرة نوعاً كي أصف بها بعض المواقف التراجيدية. يتألف الكتاب من سبع قصص قصيرة كئيبة. في القصة الخيالية الرومانسية يكون للإحساس أسبقية على الحقيقة الاجتماعية. في اعتقادي إن دور القصة الخيالية هو أن تلقي ضوءاً قوياً على هذا الانزلاق الدائم بين العاطفة والعالم الاجتماعي، الواقعي. من الناحية الأخرى، كل القصص في هذه المجموعة استندت إلى وقائع حقيقية قمت بتكييفها. هي إذاً قصص واقعية. إنها تملك عنصراً من عناصر ((العاطفية)) والذي يمكنك أن تجده كذلك في صفحات ((أخبار مختصرة)) في الجرائد.
ليبل فرانس : في كتبكَ بدتْ الحدود بين الأنواع الأدبية ضبابية. إنها بعيدة جداً عن السرد الروائي التقليدي. هل تؤمن بأن الرواية، بوصفها نوعاً أدبياً ورثناه من القرن التاسع عشر، ما تزال معلّمةً بصورةٍ قويةٍ جداً بأصولها البورجوازية وإنها، بحد ذاتها، غير قادرة على أن تعكس تعقيد العالم ما بعد الحداثي، ما بعد الكولونيالي ؟
لوكليزيو: الرواية هي فعلاً جنس أدبي بورجوازي. عبر سنوات القرن التاسع عشر جسدتْ بصورة جوهرية الأقدار السعيدة والمنحوسة للعالم البورجوازي. وبعدئذ وصلت السينما. سرقت منها دورها النجومي وبرهنت على كونها طريقة أكثر فاعلية في تمثيل العالم. لذا شرع الكتاب يسعون الى توسيع مجال جنس الرواية من خلال جعلها تقريباً تصف الأفكار والمشاعر. ومن ثم أدركوا حقاً كم هو طيّع ومرن هذا الجنس الأدبي، معيراً نفسه بيسر للتجريب الشكلي. منذ ذلك الحين كل جيل من الأجيال، جدد الرواية ونقحها، أعاد اكتشافها من خلال جلب عناصر جديدة إليها. إنني أفكر الآن بالروائي المورشيوسي، أبهيمانيو أونوث، الذي اكتشفته مؤخراً حين نُشرت ترجمة حديثة لكتابه (لال باسينا). هذه الرواية تذكرك نوعاً ما بـ يوجين سو. يستخدم أونوث شكل الرواية التقليدي لكنه أحسن صنيعاً بإدخاله عناصر ملحمية، أغانٍ وإيقاع تنتمي كلها للشعرية الهندية. كانت النتيجة أن تتم زيارة (اليهودي التائه) و (أسرار باريس)، و(رامايانا) ثانيةً!
ليبل فرانس : رواياتك أيضاً لها جانب سيريذاتي. هل لديك الانطباع بكونك أمين أرشيف تاريخك الشخصي، تجربتك الشخصية في الحياة؟
لوكليزيو : الروائيان المفضلان لدي هما ستيفنسون وجويس. استقيا إلهامهما من سنوات حياتيهما الأولى. من خلال الكتابة عاشا من جديد ماضييهما وحاولا أن يفهما ((الأسباب)) و((الكيفيات)) العائدة له. حين تقرأ ((يوليسيس)) جويس يكون لديك حقيقةً الانطباع أن جويس لم يكن هدفه أن يروي قصة لحظته الحالية، بل أن يعبر عن كل ما في داخله، عن كل شيء جعله على ما كان عليه. لقد نبش أتفه أصوات الشارع، وبعث نتف الحوارات، العقوبة الجسدية التي عانى منها في المدرسة والتي ما تزال تلازمه كهاجس. نايبول، كذلك، يعود بخياله إلى سنوات تعليمه الأولى. يكون الأدب قوياً فقط حين يستطيع أن يصف الأحاسيس الأولى، التجارب الأولى، الأفكار الأولى، الخيبات الأولى.
ليبل فرانس : حين يقرأ المرء نتاجك الأدبي يكون لديه الإنطباع بأن شخصياتك، بحسب تصورك، تتطلع إلى وطن يمتد وراء المفهوم التقليدي والضيق نوعاً للأمة. يتحدث سلمان رشدي عن ((أوطان متخيلة)) حين يصف العلاقة الجديدة التي يحاول أن يؤسسها الكاتب المنفي مع البلد الذي أقبل منه. كيف يبدو وطنك المتخيل؟
لوكليزيو : أعد نفسي منفياً لأن عائلتي مورشيوسية تماماً. على مدى أجيال عدة تغذينا على الفولكلور المورشيوسي، الطعام، الأساطير والثقافة المورشيوسية. إنها ثقافة مختلفة جداً، إنصهار الهند، مع أفريقيا وأوربا. ولدتُ في فرنسا ونشأتُ في فرنسا مع ثقافة هذا البلد. طيلة سنوات نموي كنتُ أحدث نفسي قائلاً أن هناك شيئاً آخر جسّد وطني الحقيقي. سأذهب يوماً ما إلى هناك وسأعرف ما كان عليه. لذا في فرنسا حسبتُ نفسي دوماً ((دخيلاً)) إلى حدٍ ما. من الناحية الأخرى، أحب اللغة الفرنسية التي هي في الأرجح بلدي الحقيقي! أما ما يتعلق بفرنسا بوصفها أمةً، ينبغي لي القول إنني نادراً ما ميزتها بكونها ذات أسبقيات.
ليبل فرانس : كان أسلافك فرنسيين، على ما أعتقد ؟
لوكليزيو : الواقع إن آل لوكليزيو ينحدرون من موربيهان، في بريتاني. في زمن (الثورة)، أحد أجدادي الذي رفض أن ينضم إلى الجيش الثوري لأنهم أصروا على أن يحلق شعره الطويل، أرغم على الهرب من فرنسا. وصل مع كل أفراد أسرته على سطح مركب عاقداً العزم على الذهاب إلى الهند. إنما حين رسا المركب عند مورشيوس، تخلى عن الفكرة لأن زوجته تنتمي إلى الجزيرة التي ما زال فيها أفراد أسرتها. الفرع المورشيوسي من عائلة لوكليزو انحدرت من هذا الجد المغامر والمتمرد. الواقع، إنه بطل روايتي القادمة (يقصد الكاتب رواية [الأفريقي] م.) في هذه اللحظة حصراً أنا منشغل في عملية كتابة قصة كيفية إقامته على أرض جزيرة مورشيوس. أشعر أنني قريب من هذا الرجل الذي نُفي إلى الطرف الآخر من العالم كي يهرب من شيء ما. أشعر أنني أفهمه.
ليبل فرانس : يقال انكَ حائز محتمل لجائزة نوبل . دعنا نتصور أنكَ مُنحتَ جائزة الآداب غداً. ماذا تحب أن تقول لمناسبة احتفال منح الجائزة؟
لوكليزيو : هذا سؤال افتراضي ! لا أعرف شيئاً عن جائزة نوبل لكنني أعرف ما أريد أن أقوله أمام الجمهور. أود أن أتحدث عن الحرب التي تقتل الأطفال. هذا الأمر، في نظري هو أفظع الأشياء في عصرنا. الأدب أيضاً وسيلة من وسائل تذكير الناس بهذه المأساة وإعادتها إلى وسط المسرح. في باريس، مؤخراً، غُطيت تماثيل للنساء كي يتم إدانة الحقيقة القائلة أن النساء في أفغانستان محرومات من الحرية. هذا شيء جيد جداً. بالطريقة ذاتها ، علينا أن نعلّم كل تماثيل الأطفال ببقعة حمراء كبيرة في موضع القلب كي نذكّر الناس بما يجري في كل لحظة، في مكانٍ ما في فلسطين، أمريكا الجنوبية، أو أفريقيا، ثمة طفل يُقتل بالعيارات النارية. الناس لا يتحدثون عن ذلك!

أجرى الحوار : تيرثانكر شاندا، أكاديمي ومشارك في تحرير (ماغازين ليترير).
المصدر : شبكة الانترنت .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حوار بين الأديبين عبد الله المتقي وحسن سالمي .

بداية ماذا تقول عن حسن سالمي ساردا تونسيّا؟     قبل كلّ شيء أقدّم لك جزيل شكري …

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.