راسم المرواني: العودة الى البداية..

rasem_almrwaneمسرحية من فصل واحد

الشخصيات
1.    رجل ….
2.    شجرة / مرأة …
3.    شاة / فتاة …

المسرح فراغ .. شجرة تتوسط المسرح .. وفي العمق ثمة شجرة بعيدة اخرى .. رجل
مستلق على جانبه الايسر .. وجهه باتجاه النظارة .. والى جانبه شاة
مربوطة الىالشجرة،  تباشير الفجر تلوح في الافق .. ثمة ترانيم واصوات
قرع اجراس مخلوطة بصوت مؤذن ات من بعيد .. الاصوات مختلطة ببعضها لدرجة
انها غير قابلة للتمييز بسهولة .. الاصوات تتعالى تارة .. وتخبو تارة
اخرى ..
الشجرة قدوس سبوح .. رب الملائكة والروح ..
الشاة (تستيقظ ..تقف على رجليها)

قدوس سبوح .. رب الملائكة والروح ..

الحجر يامن دلع لسان الصبح بنور تبلجه ..

(يخبو صوت الترانيم .. يسمع صوت صياح ديك بعيد)

يامن دل على ذاته بذاته ..

الرجل (يستيقظ من نومه.يسعل..يستوي واقفاً. يرفع يداه بالقنوت .. ينظر الى
السماء)يامن دل على ذاته بذاته .. وتنزه عن مجانسة مخلوقاته ..

(يعود صوت الترانيم .. ويخبو صوت صباح الديك)

يامن هو واحد لابعدد .. ودائم لا بأمد ..

(يمسح بكفيه على وجهه ..ويحاول فك الحبل عن الشجرة ليقتاد الشاة)

الشجرة تريث ايها الرجل .. لقد آذيتني ..

(الرجل يلتفت يميناً وشمالاً بفزع)

هيه !!

انت ايها البدائي ..

الرجل (يدور بحثاً عن مصدر الصوت)

من هناك ؟…

من يحدثني في هذا الغراء ؟..

انت ايها الناطق .. اني اعوذ بالرحمن منك ان كنت تقياً..

(مازال الرجل يدور بحثاً عن مصدر الصوت)

الشجرة انت ايها الانسان …
الرجل (مخاطباً الشجرة)

من .. انا ؟..

الشجرة نعم انت
الرجل (مرتجفاً)

ماذا ..؟ من يناديني ؟..

الشجرة أنا أناديك
  على مهلك قليلاً .. لقد اذيتني بهذا الحبل المسكين
الرجل اروحُ هذه التي تناديني ؟ ام جسد يستنطقه الذي انطق كل شيء .؟.
الشجرة بل روح في جسد ايها البدائي ..
الرجل (يتراجع الى الوراء ..خائفاً)

الشجرة من يتحدث الي؟.

الشجرة نعم.. انا الشجرة ..

عمتك ..او خالتك ..او ربما جدتك..

الرجل من ذوات الارواح؟
الشجرة بل من ذوات الخطايا..
الرجل (يدور حول الشجرة ..ينظر اليها بتفحص)

اعوذ بالله منك ايتها الروح الخاطئة ..

اعوذ بالله من كل شيطان مارد..

اعوذ بالله ..

الشجرة (تقاطعه)

لاتستعذ بالله مني ايها الرجل …فانا لست انا …

الرجل ومن انت ..؟.
الشجرة انا جزء من المشيئة العليا
الرجل (مستغرباً)

سبحان الذي انطق كل شيء ..

الشجرة انت قلت ..

نعم ..

سبحان الذي انطق كل شيء..

ولكن لاتستعذ بالله مني فتزيدني رهقاً على رهقي ..ولا تخف مني ..

الرجل (يتمتم مع نفسه ..ثم يخاطب الشجرة)

وكيف لااخاف منك ايتها اللا اعرف من تكون ..؟

الشجرة لقد قلت لك ..اني لست انا .. ولكني خالتك ربما .. او عمتك ربما .. او
واحدة من جداتك العوالي .. رغم اني حقاً لا اعرف من انا ..ولكن يقيناً
وقلقاً ينتابني حين اشعر انني لست انا ..
الرجل اي هراء هذا ..؟.

انما انت شجرة جامدة ينطق الجن من جوفها ..

وربما انت متكأً للعفاريت تلقي همزاتها من خلالك ..

ولكني لن اخشاك .. فانا في كنف المقتدر ..

الشجرة اعجبني هذا القلب العامر بالقوة ..

اعجبتني هذه الروح التي لم يخالطها الخوف ساعة الدهشة .. ولكني لست
كائناً ينطق العفاريت من جوفي .. ولست متكأً للجن .. انما انا انا ..
رغم اني لست أن

الرجل اي احجية هذه ؟
الشجرة ليست احجية .. انما يتداركني شيءٌ من مصير ..
الرجل فان لم تكوني شجرة .. فماذا تكونين ؟
الشجرة قلت لك لا أعرف .

ولكن ثمة رؤى تزورني بين الفينة والفينة ، ورسائل كالوميض ، وهلوسات
اعيشها توحي إلي بحديث لست متأكدة منه .. ولم يثبت لدي حتى الساعة
..اخرها رؤى الليلة الماضية .

الرجل ورؤى ايضاً ايتها الشجرة ..؟.
الشجرة ولم لا ..؟.
الرجل لا .. لأنك جماد .. محض سكون ..قطعة من موت .
الشجرة وماذا بعد ؟.
الرجل لا اعرف .. ولكني اعرف انك جذع جامد .. تتناثر الاغصان من حوله بين
اصابع الخريف ..وتحركه نشوة الربيع كي يكتسي بأوراق الحياة من جديد..
الشجرة انت قلتها ..اوراق الحياة .. وموت الخريف .. وفيما بينهما حكايا من
الالم والحزن والرؤى..
الرجل الرؤى .. الحزن ..الالم ..الخوف..اشياء تكتتر بها الروح ..يبلورها
العقل .. ويمنيها الاحساس .. وأنا اشك ان ثمة روح وعقل وإحساس تكمن في
هذا الموجود الساكن الجامد..
الشجرة انا جزء من الموجودات..أتنكر هذا..؟.
الرجل لا..
الشجرة كل الموجودات تُسبِّح ..أتشك بذلك ..؟.
الرجل لا اشك ..
الشجرة فكيف يُسبِّح من لاعقل له ولا روح ..؟.
الرجل روح ربما ..ولكن العقل لا..
الشجرة لو تنزلت قليلاً ..لعرفت بأنك لست بأعقل مني ..او من اختي الشاة او اخي
الحبل ..او قريبي الحجر الراسخ هناك ..
الرجل (يتلفت)

ماذا ؟.. عقول وأرواح..؟ أي حلم هذا؟..

الشاة نعم ..عقول وأرواح وتسابيح..
الحجر ولأنكم بدائيون فأنكم لن تفقهوا تسبيحنا ..ولن تسمعوه..
الرجل ولكني أسمع الان ..
الحجر لأنك لست انت .. ربما أنت نسخ من نسخ ..
الرجل انا …؟
الشاة نعم انت ..فأنت تمتلك حاسة سمع تتجاوز حدود الذبذبات الضيقة ..
الحجر الانبياء كانوا كذلك ..
الشجرة وغيرهم من البشر الموهوبين ..
الرجل ولكني لست نبي
الشجرة الانبياء بشر… لم يكونوا انبياء ابتداءً..فهم كانوا بشراً ..خطّائين
فماتوا ..فولدوا ..فماتوا.. فولدوا..وتركوا بدائيتهم هناك..وتطهروا
بالألم ..فكانوا أنبياء..
الشاة انهم يملكون صنع الاشياء بالرياضة..بالتناغم مع الفيض..
الحجر انتم تسمونها المعجزات ..
الرجل وماذا تسمونها انتم ..؟
الحجر نسميها الاستحقاق ..القدرة الكامنة ..القابلية على الفعل..
الرجل (يشير الى شجرة بعيدة)

تلك الشجرة ..لا اسمعها ..

(يشير الى حجر بعيد آخر)

وذلك الحجر ..لا اسمع منه شيئاً ..لا اسمع منه غير السكون

ولا اسمع من الذئب غير العواء ..لا اسمع من الشاة غير الثغاء..

لا اسمع من الكلب غير النباح ..لا اسمع من الطير سوى الغناء ..

مالي اسمع هذا ولا اسمع ذاك ..؟

الحجر اللغات تختلف ..وكذلك القابلية على السماع ..
الشاة رياضتك ليست كاملة ..تحتاج الى الكثير لتفهم ..وربما تحتاج الى ولادة
اخرى لتكتمل ..
الشجرة تلك الشجرة تسبّح بلغة بعيدة عن زمن ولادتك ..

ولم تستوجها بعد في زمن امتحانك .. انها تسبح بلغة بابلية ميتة بالنسبة
اليك ..

الرجل بابلية ..؟.
الحجر نعم ..بابلية ..
الرجل ولماذا البابلية ..؟..
الشجرة لانها امرأة بابلية ..كانت امرأة بابلية
الرجل أوّاه .. شجرة وامرأة في نفس المكان والزمان ..؟.
الحجر ليس كما تتصور..
الشجرة ليس كما تظن..

لقد ولدتْ اولاً كامرأة .. وعاشت اختبارها في بابل ..ففُسِخَتْ ..وصارت
شجرة كما ترى..

الحجر بل الادق.. انها بعد ان خانت زوجها .. وبعد ان ارتحلت عن جسدها
..بالموت طبعاً ..مُسِخَت اولاً على هيئة كلب .. ولّما لم تكتمل دورتها
.. فُسِخَت الى شجرة .. هي اخبرتني بذلك ..
الرجل امرأة .. خانت زوجها .. نُسختْ .. مُسختْ .. فُسختْ .. لا أكاد أفهم
شيئاً ..
الشاة انا مثلاً ..

كنت راقصة من راقصات معبد أيكال ــ ماخ ،

وبعد أن صحوت الصحوة الاولى ..

الحجر (يقاطعها)

وبعد ان كشف عنها غطائها .. واصبح بصرها كالحديد ..

الشاة نُسِختُ..

وكنت امرأة أخرى .. بولادة أخرى .. ولكني لم أكن أتذكر الولادة الاولى
.. كنت أحدى فتيات العُزّاب .. بائعة للهوى .. فلم تكتمل دورتي ..

الشجرة (تقاطعها)

وعندما صحت صحوتها الثانية .. وجدت نفسها شاة ً..

الشاة (تقاطع الشجرة)

لا …

لقد صحوت قبلها لأجدني جرذاً..

وحتى عندما كنت جرذاً فان دورتي لم تكتمل .. ولم اطهر نفسي .. حتى
بادرني الطاعون وأعادني مسخاً جديداً .

الرجل (للشجرة)

والحبل المسكين؟.

الشجرة شاب أحمق ..

ولدته أم مومس .. وأب يملك خّمارة في أحد موانئ الشمال ..

كان قوّاداً صغيراً يعرض بضاعته على التجارة .. فأصبح سارقاً .. ثم
قاتلاً..

الرجل وماذا بعد …
الشجرة لقد كانت الرسائل تأتيه بين الحين والحين .. ولكنه لم ينتبه لها .

فقد عاش بين سوء البيئة وسوء التفكير ..

الحجر كان لابد له من فرصة اخرى ..

فنُسخ رجلاً اخر .. في مكان أخر .. في زمان أخر..

ولكنه أساء استخدام عودته .. وبدا اكثر سوءً .. فلم تكتمل دورته ..

ورُسخ حبلاً كما ترى ..

الشاة بعد ان نسخ ثلاثاً .. ومسخ اثنتان ..

رجلاً .. ثم رجلاً ثم رجلاً .. فقطة.. ثم أفعى .. ثم حبلاً ..

الشجرة العائدون من جديد .. قد يحملون ملامحاً من حياتهم السابقة .

وقد يشبهون شكلهم في الصيرورة الاخيرة

الرجل (مخاطبا الحجر)

وانت ايها الحجر ..

الحجر طاغية من الطواغيت .. عمري مليون عام ونصف المليون ..
الرجل (بانتباهه شديدة)

هَيْ .. انتظر ….

لقد عرفت الآن أنكم مردة من الجن توحون إليّ زخرف الحديث .

الشجرة كيف أيها الانسان ؟.
الرجل إن الذي بيننا وبين ادم لايتجاوز العشرة الاف عام ..

فمن اين لك بعمر يتجاوز المليون ..

الشجرة أي ادم تقصد ؟.
الرجل أدم ..

أبونا أدم ..

الحجر هو أبوكم ..ليس أبانا ..
الشاة أيها الرجل أنت تعني أدم الاخير ..
الشجرة أدم الذي تعنيه كان بالأمس القريب ..
الحجر وهناك ألف ألف أدم سبقوه ..كلهم عمّروا الارض .. وعاثوا فيها فساداً ..
وسفكوا الدماء ..
الشجرة ولكن أدمكم الأخير هو الخليفة … وهو ختام الخليقة ..
الحجر ألم تسمع خوف الملائكة من خلق أدم جديد على الأرض ؟

ألم تر خوف الملائكة من خلق ٍ يفسد فيها ويسفك الدماء ؟

الرجل (متسائلاً)

ألف ألف أدم ..؟ ترى أين ذهبوا ؟. أين أثارهم ؟

الشجرة هنا ..

هناك ..

حشائش على الارض .. سنابل في الحقول .. جراد منشر .. طيور تهاجر ..
قطعان الذئاب.. ضفادع تسقط من السماء ..

إنهم هنا ..

الكثير منهم مازالوا هنا .. يُمسخون ويُفسخون ويُرسخون .. حتى تكتمل
دورات بعضهم ..

الرجل بم أصابهم ذلك ..؟.
الحجر بما كسبت ايديهم …
الرجل فهو الاستحقاق إذاً.. العدالة المطلقة ..
الشجرة بل الرحمة هي ..
الحجر حذار من العدل .. لاترجوا العدل فتهلك ..
الرجل أنا أرجو عدل العادل المطلق ..
الشاة اياك ايها الانسان ..
]الشجرة صحيح ان عدل العادل خير .. ولكن رحمته افضل ..
الشاة ولذا . كتب على نفسه الرحمة ..
الحجر باب الرهان مفتوح .. فراهن على الرحمة .. واحذر ان تراهن على نفسك ..
فانت خطاء ..
الرجل وخير الخطائين التواب ..
الشجرة ولاتراهن على توبتك .. بل راهن على سرعة الرضا .

فكل بني أدم خطاء .. ولكن ثمة اخطاء تسمى جرائم ..

وأشدها جريمة ظلم الكائن للكائن .. او ظلم المخلوق للمخلوق ..

الرجل ظلم الانسان للانسان اعرفه .. ولكن ايمكن للانسان ان يظلم شجرة .. او
حجراً .. او عصفوراً ..
الشجرة نعم .. يظلمنا بالعبث ..
الحجر إرم بي نحو الظالم .. ولا ترم بي نحو بيوت الأمنين ..
الشجرة احرق أغصاني لدفئك .. ولاتحرق بأغصاني حقول الفلاحين ..
الشاة اجعل لحمي طعاماً للفقراء .. ولاتتخذني رشوة للقضاة .
الرجل فأنتم إذاً اخوة لي .. متكافئون .. تشملنا عدالة السماء كما تشمل الزمن
الكون ..
الشجرة الرحمة تشملنا .. والعدالة تضرنا ..
الرجل استغفر الله ..

هل يمكن لعدل الله ان يكون ضاراً ..؟؟

الحجر سيضرك عدل الله من حيث انت انت .. وليس من حيث هو هو .
الرجل لم افهم ..
الحجر لو عاملنا العادل بعدله .. لهلكنا من حيث نحن نحن .
الشجرة أنظر كم أخذت .. وكم أعطيت
الشاة أنظر ممن أخذت .. ولمن أعطيت ..
الحجر العدل مهلكة .. لاترجوه ابدا..
الرجل فماذا أرجو..؟.
الشجرة الرحمة ..
الشاة الرحمة في العقاب .. والرحمة في الثواب.
الرجل حسناً أيها الاخوة..
الشاة (تقاطعه)

لسنا اخوتك ..

الشجرة هي تعني أننا كنا يوماً أخوتك .. ولكنا سبقناك ..
الحجر كنا بشراً مثلك ..

فقيل لنا كونوا حجارة او حديداً .. فكنا .. وقيل لآخرين .. كونوا قردة
خاسئين..

الرجل فأنا آيل نحو نفس المصير ..
الشجرة ليس بالظرورة ..
الشاة هاك رهان أخر ..
الرجل هاته ..
الشاة انه الصيرورة ..

يمكنك ان تراهن على الصيرورة ..يمكنك أن تراهن على الوجود ..

الرجل كيف ..؟؟
الشاة تجاوز صيرورتك الماضية ..راهن على أنّية الوجود ..إغتنم كل شيء
للصيرورة الاتية ..
الرجل أنّى لي أن اعرف أنني سأنجح ؟ من يضمن لي الفوز بالاختبار ..؟..

يا ويلاه ..

مَن يمنحني لذة الفناء ؟.

الشجرة لا فناء..
الحجر نحن دائمون.. كل الاشياء دائمة..
الشجرة الذي يأتي من الدائم، فهو دائم.. انظر من اين أتينا..
الشاة نحن جزء من الديمومة..ولسنا طوارئ عليها ..وهذه الصيرورات جزء من
كل..نحن ايها الانسان خالدون..
الرجل في الدنيا..؟
الشاة في دائرة عالم الامكان ..

ملتصقون مع عالم الوجوب.. محيط بمحيط

الحجر انظر الى النجوم.. الى الكواكب..هم أخوة لنا..محبوسون مثلنا..

جرائمهم تتساقط عنهم كأوراق الخريف.. سنلتقي يوما.. حين تبدل السماء
غير السماء..والارض كذلك..

الشجرة هي الرحمة.. الرحمة التي لا تحدها حدود..
الرجل العقوبة الحاضرة..؟
الشاة البرزخ ايها البدائي..
الرجل وماذا بعد البرزخ..؟
الشاة الرحيل الى عالم الملكوت..حيث لا جسد ولا ألم ولا شهوات..
الرجل ولكن البرزخ هو القبر.. هكذا حدثني من حدثني..
الشجرة قبر..

قبور..تحت الارض..

في العراء..في قاع البحر..في بطن الحوت.. في امعاء الذئاب..

انها ليست قبورا… القبر هو الجسد..

نحن موتى ومقبورون قبل ان نولد..نحمل قبورنا حيث نذهب ونجيء..بانتظار
ان نولد من جديد..

الرجل وارواحنا..؟
الحجر تنتقل من موت الى موت..من قبر الى قبر.. تنتقل بين العوالم..

تدور في البرزخ حتى يحين الاوان..

الشجرة ندور في عالم البرزخ من سجن لآخر.. من الدائم أتينا.. ومن العقل

الاول خلقنا .. ثم تشظينا من نفس واحدة..

الرجل من عالم الوجوب أتينا؟..
الشجرة من أعلى نقطة في دائرة عالم الامكان..

لم نكن شيئا..

ثم كنا جزء من الديمومة..

الحجر فنزلنا الى عالم العقل الاول. ثم نزلنا الى عالم النفس الواحدة.
الشاة وتشظينا..

ونزلنا الى عالم الروح.. فاصبحنا أرواحا..

الشجرة الدنيا..

أوطأ نقطة في الدائرة..

الدنيا.. السفلى..

وصلناها بعد ان ركبت لنا قبورمتحركة تارة..وراسخة تارة..

الحجر لا بد للروح من جسد كي تعبر الحضيض.. ولابد من الخلاص من هذا الجسد كي
نصعد من جديد..
الشاة نريد ان نصل هناك.. الى عالم الملكوت..
الشجرة والمسرعون الى عالم اللاهوت يصلون اولاً..كل حسب طاقته..
الشاة وكما بدأنا نعود.. اليه راجعون.. فالغاية هي العودة للبداية..
الرجل أ ملزم انا ان أنسخ اوأمسخ او أفسخ اوأرسخ..؟
الشجرة لا.. لست ملزما.. أنت مخير بين العودة واللاعودة..

كل ما عليك هو ان تختار.. ثم تلقي بأحمالك كي تعبر..

الزورق لا يحتمل الكثير..

ارحل وحدك..

لا تحمل معك تبعات الآخرين..

الرجل الخشية والهلع لا يفارقانني..

أخاف أن أمسخ..

الحجر ربما فات زمن خوفك.. من يدري..؟

ربما هي صيرورتك الثانية او الثالثة.. من يعرف الاجابة؟.

الشجرة ربما انت الاول.. او الاخير..ولكن راهن على ان تكون في الجسد الاخير.

واعمل على ان تكون على الجسر الاخيرلتعبر

الرجل فماذا علي ان أصنع؟
الشجرة أرض بعذاباتك..تطهر مثلنا..هيئ نفسك لحياة أخرى..
الرجل ما زلت أفعل..

أتطهر..

أشرب كؤوس الالم كأنها كؤوس اللبن والعسل.

رغم أني..محاط بالملاحم..مثقل بالأسى..مستهدف بسهام الرزاي

تقتنصني الصدفة بشباك الهموم..

الحجر لا صدفة.. المخلوق لا يخلق شيئا..بل هي المشيئة العليا..
الشاة هو التطهير..فالبقاء في عالم البرزخ..او الرحيل..
الرجل (يطرق قليلا)

ليتني مت قبل هذا..

ليتني لم أخضع للتجربة..

أين كان الموت عندما كنت صغيرا..؟.

الشجرة تعني أن تموت كما مات ولدك الرضيع؟.
الرجل نعم..

لقد بادرته العلة طفلا..

وقضت عليه قبل ان يركب صهوة الذنوب

..بدأت أحسده..

الحجر هل رأيته يتعذب..؟
الرجل نعم..

لقد رايته يجود بنفسه تحت سياط الألم..

كان يبكي..يتخذ من الليل بيتا للوعته..والنهار مسرحا لعذاباته..

الحجر ثم ماذا..؟
الرجل ثم مات..
الحجر وهل عدل الحاكم او رحمته أن يعذب الابرياء..؟
الشجرة أ من العدل أن يتعذب طفل لجريمة لم يقترفها ..؟
الرجل كان طفلي يتطهر..أظنه كان يتطهر..
الشاة مم كان يتطهر ؟
الرجل لا اعرف.. رغم اني أعرف أن ثمة ذنوب ينبغي غسلها بالألم.
الشجرة الآن جئت بالمفيد

أيها الانسان ..

لقد كان طفلك رجلا صالحا قبل ان تلده زوجك

كان عمله في الصيرورة الاولى مشوبا بذنوب تحتاج الى التطهير..
فعاد..وتطهر..ثم رحل الى الملكوت..

الشاة وتطهرت انت ايضا..
الرجل كيف؟
الشاة حزنك عليه كان كالماء والبَرَد الذي غسل لك الكثير من خطاياك..

فأنظر أية رحمة هذه..؟

الشجرة وابنتك الصغيرة التي قتلها اللصوص.
الرجل نعم..

ابنتي الرقيقة الناعمة..

الشجرة لم تكن ناعمة ولا رقيقة..

فقد كانت في صيرورتها السابقة امرأة قاتلة..فعادت لتقتل..ولتطهر بها…

الحجر وهذه رحمة اخرى..
الشاة من النقاءجئنا..فلوثتنا الاجساد..وما زلنا نبحث عن العودة..
الرجل كلنا..؟
الشاة لا.. ليس كلنا..

فهناك من ينزلون الى الاسفل ويصعدون دون ان تفرملهم الدنيا..

وبعضهم يفرمل نفسه في هذا العالم ليأخذ المزيد..

وعند الفشل في الصعود..يبدأ النسخ.. فقد ينسخ بشرا أخر كي

يتطهر بالصبر على البلاء..

الشجرة وقد يفسخ ليكون شجرة مثلي..تقطعه الفؤوس،وتحرق أغصانه المواقد

وتنخر الأرضة جذوعه..ويشح عليه الماء..ولكنه يظل ناشرا ظله

للآخرين..مرددا مع نفسه التسابيح.

الشاة وقد يمسخه الله شاة مثلي..ينتظر سطوة الجزار في صبيحة عيد،ليردد

لحظة مرور السكين على اوداجه كلمات ينزه بها الخالق..فيطهر..او يجزع
فيكفر..

الحجر او يكون رسخا مثلي ..حجرا تسحقه معادن البنائين..وتدوسه اقدام
العابرين..او يرميه الاطفال دون سبب نحو الماء فيغرق..او يرصه الفقراء
في جدار المواقد ليحترق كل ليلة.فيصبر.. ويطهر.. او يجزع فيكفر..
الشجرة وهكذا.. حتى تكتمل دورة الخلاص.. وتعود أنت أنت..
الرجل فأنا اذن لست أنا..
الشجرة كل شئ جائز.. فربما أنت أنت..وربما لست أنت..وربما انت هو..
الرجل وكيف أتيقن؟

كيف أعرف من كنت قبل أن أكون؟.

الشجرة ليس مهما من كنت .. المهم أن تكون..
الرجل ولكني اريد ان اعرف.. هل من سبيل كي اعرف؟
الشجرة حسنا…

ابحث عن قرينك.. هو سيخبرك كل شئ.

الرجل وأين أجد هذا القرين؟

أأجوب صحراء الليل بحثا عنه؟ أم أدور في المدائن منادي

(ينادي)

أيها القرين.. أين أنت أيها الــ  تعرف من أكون.. تعال ودلني عليَّ
أرجوك..

الشجرة لا تناده.. انه معك.. ونداءك العالي لن يستفزه للحضور
الرجل أين هو.. كيف أجده؟.
الشجرة لو استلقيت على قفاك أيها الانسان…

استلق فقط.. هيا أستلق

(يسلتقي الرجل على قفاه)

حدق في النجوم بهدوء..

أغمض عينيك عن هذا الوجود الصاخب..

سيأتيك…

أنت نائم الآن.. أنت تغط في نوم عميق.. سبات يشبه الموت..

الشاة جسدك ثقيل كالجبل.. وأجفانك كالرصاص المسكوب.. ورأسك يدور

في الفراغ..

(تنبعث أصوات تراتيل وغمغمة غير مفهومة.. وأصوات نواقيس)

الحجر أنت تراه الآن.. هو يتجلى لك بوضوح..الضباب يتلاشى..قلبك

يبصر كعيون الصقر.. أنظر اليه بقلبك.. انه آت من الباطن.

الشجرة سله الآن.. سله أيها البدائي من تكون..
الرجل ( يتحرك حركة متذبذبة.. وعنيفة ..ثم يصرخ عاليا)

لا…

الطوفان..

أنقذوني…

أبتاه..أبتاه.. الماء يرتفع..

انه يسد على أفق أنفاسي ويخنقني

انني أغرق

عد يا أبتاه…

لا تتركني على هذا الجبل..

الماء .. الطوفان..

الشجرة ارجع قليلا.. ارجع الى الوراء.. قليلا الى الوراء
الرجل ( تهدا حركته… يضحك ضحكة عالية)

أذهب يا أبتاه..

لا حاجة لي بك..

سآوي الى جبل يعصمني من الماء..ولتذهب انت حيث تشاء..

الشجرة والآن عد الى الوراء..كثيرا.. أسرع خطواتك…
الرجل لقد تعبت من حملك على ظهري يا هابيل…

الدود الذي يخرج من منخريك يمشي كالعلق على جسدي..

أين أذهب بك الآن تحت هذه الشمس الوقحة..؟

من يخلصني من رائحة الموت التي تسير معي حيث أسير؟

الشجرة كفى أيها الانسان.. أفتح عينيك.. عد الى هنا..أعبر بوابة عقلك
الباطن..الى هنا أيها الانسان.
الرجل يا حماة الصليب..أحرقوها..لا تبقوا أحدا من هؤلاء البربر..

دعوني أشم رائحة شواء أجسادهم..اقتلوهم جميعا..

الشجرة هيه .. أنت.. عد الى هنا..أرجع الى زمنك…
الشجرة (بصوت عال)

هي .. أنت..

الرجل (يستيقظ فزعا)

ماذا هناك؟..

هل كنت نائما..؟ كم مر علي من الوقت وأنا نائم؟

أريد ماءا.. أشعر بعطش شديد.

الشاة ماذا رأيت في حلمك؟..
الرجل حلمي؟..

أبدا.. لم اكن احلم..

( تضحك منه الشجرة والحجر والشاة..)

لماذا تضحكون..؟.

أريد ماء…

الشجرة ولكن تذكر..

انت تشرب أخاك الماء..

وتقضم أخاك الرغيف..

فأنتم الثلاثة .. ونحن.. خلقنا من نفس واحدة.

الرجل والشاة أيضا..

هذه التي كنت أريد بيعها في السوق؟؟

الشاة والتمر..والسمك..كلنا أخوة لك معذبون.
الرجل يا الهي..

أية مكاشفة هذه؟..

(يلتفت للشجرة)

أ تعنين أن كل سنابل الارض..وطيورها.. ونخيلها..وفراشها..و..و..و..

كلهم أخوة لي..

الشجرة كانوا نظراء لك في الخلق.. ولكنهم سبقوك الى التطور..او سبقوك الى
التدهور.
الرجل (يجلس القرفصاء..يصمت..ينوء برقبته متململا)

أية حيرة..؟؟

أنا جائع..

عطشان حد الهلاك..

الشجرة كل أخاك القمح..وأشرب أخاك الماء..وامضغ لحم اختك الشاة..
الرجل أآكل أخوتي..؟

أي منطق هذا..؟.

الشجرة لا تخف..
الشاة سأكون سعيدة ان تطهرني بألم السكين على أوداجي..

سأسبح المهيمن لحظة الخلاص..

ولكن ..

لا تنس ان تدفع ضريبة محنتي..

الرجل كيف؟.
الشاة لعل الألم ينسيني ذكره..فاذكره وانت تذبحني.. أذكره بصوت مسموع ، كي
أتذكر…
الشجرة أذكره وانت تقضم تمره..كي تتذكر..

أذكره وانت تقطف تينة

أذكره وانت تخرج الجنين من بطن أمه

الألم قد ينسينا ذكره..فذكرنا به ساعة الخلاص

سبحه وانت تمنحنا الخلاص كي نسبح معك

الرجل وهل سيكون لزاما علي ان آكل أخوتي؟

أي بلاء هذا..

الحجر هو البلاء ..

ولكن البلاء هو اللطف بعينه ..

الرجل او هو القدر والقضاء..
الشاة لا..

ليس كما تظن..

ليس كما تزعم..

الحجر هو حسن الاختيار ..او سوء الاختيار..

ان لك عليه كرامة ..

لقد جئتَ من الحب .. وسيعينك على اختيارك ..

قل له ماذا تريد ..

قل لمن احبك ماذا تريد .. سيدلك .. او سيزيدك ..

الشاة سيدلك على الطريق ..

فان هويت فباختيارك .. وان سموت فبما دلك عليه ..

ولن يعاتبك دون ان يمنحك المزيد من الفرص ..

الشجرة يميتك اثنتين .. ويحييك اثنتين .. ولديه مزيد ..
الحجر يريد لك ان تطهر من قبر شهوتك .. يريد لك ان تتسامى عن خسة اللذة ..
يريدك روحاً.. متألقاً ..
الشجرة لتصل الى عالم الملكوت ..

(لحظة من الصمت)

والآن أيها البدائي .. أما آن لك أن تأكل .؟؟.

الرجل لا..

لا أظن ..

فليس الجوع والعطش سوى كلمة ..

الحجر ستموت جوعاً..
الرجل وليكن ..
الشاة ستموت عطشاً ..
الرجل وليكن ..
الشجرة فهو الانتحار إذاً…
الرجل سمه ما شئت يا أختاه ..
الشاة أنا أسميه الانانية ..
الحجر الُجبن عن ان تمنح الخلاص لنفسك .. وللآخرين ..

العجز عن فعل شيء إزاء الديمومة والحياة..

الرجل ان اكثر ما يمكنني فعله .. هو ان استظل تحت اغصانك ايتها الاخت

المعذبة .. وارقب بعيني اخوتي في السماء .. واترقب الذين يحترقون .

الشجرة ثم ماذا ..؟
الرجل اصلي من اجل الارواح المعذبة ..
الشجرة ثم ماذا ..؟
الرجل انتظر الرحيل الى عالم الملكوت ..
الشاة ومن سيمنحنا الخلاص ..؟.
الحجر الا نستحق منك ان تمنحنا الخلاص ..؟.

هيا يا رجل .. تشجَّع قليلاً …

الرجل بودي أن أمنحكم الخلاص .. ولكني لا اعرف كيف ..؟
الشاة خذ من أغصان أختك الشجرة وقوداً ..

ثم أقدح هذا الحجر المسكين بقوة ..

وأجعل أشلائي تتقلب على النار ..ثم اجعل ..

الرجل (يقاطعها)

لا .. لن افعل ذلك .. ابداً ابداً .. لن افعل ذلك ..

الشجرة وماذا ستفعل إذاً..؟.
الرجل هكذا

(يستلقي تحت الشجرة .. ووجهة نحو السماء)

هكذا …
مثلكم .. مثل الجميع ..

سأنتظر الخلاص ..

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.