الرئيسية » ادب عامي » مظفر النواب : (25) الحداثة الشعبية..هذا المركب العجيب

مظفر النواب : (25) الحداثة الشعبية..هذا المركب العجيب

hussein 7حسين سرمك حسن
بغداد المحروسة – 2015

(( أمِسْ .. طشّيتك على الأيام
صَمّ نسيانْ
سمّيتكْ حِزِنْ
وصّيت نفسي
مِنْ معزْتَكْ تِنْسَه إسمكْ
تترك السبّورة سوده
مثل امِسْ
تمحيلي رَسْمِكْ .. ))
( مظفر النواب )
من قصيدة ( مِتِتْ )

(( ألا يتساوى الأمير والفقير في حضرة الردى ؟ ))
( ملحمة جلجامش – اللوح الحادي عشر)

إن العنف الذي أدخله مظفر النواب إلى القصيدة العامية هو من نوع ( العنف المُحبّب ) أو ( العنف الآسر ) الذي يختلف جذريا عن ( العنف الدموي ) الذي أدخله الجواهري إلى القصيدة العراقية الفصحى ، والذي امتدت عدواه إلى روّاد قصيدة التفعيلة . يقول الجواهري في قصيدة ( أخي جعفر – 1948) :
أتعلم أنّ جراح الشهيد – تظل عن الثأر تستفهمُ
أتعلم أنّ جراح الشهيد – من الجوع تهضم ما تلهمُ
تمصّ دماً ثم تبغي دماً – وتبقى تلحُّ وتستطعمُ
………………………………………………..
mothaffar 9أخي جعفرا يا رواء الربيع – إلى عفن بارد يُسْلَمُ
لثمت جراحك في ( فتحة ) – هي المصحف الطاهرُ إذ يلثمُ
وقبلت صدرك حيث الصميم – من القلب منخرقا يُخرمُ
وحيث تلوذ طيور المنى – به فهي ، مفزعة ، حوّمُ
أرى أفقا بنجيع الدماء – تنوّر واختفت الأنجمُ
ويقول أيضا في قصيدة ( أطبق دجى – 1941) :
أطبق دجى ، أطبق ضبابُ – أطبق جهاما ياسحابُ
أطبق دخانُ من الضمير – محرّقاَ أطبق عذابُ
أطبق دمارُ على حماة دمارهم ، أطبق تبابُ
أطبق جزاءُ على بناة قبورهم ، أطبق عِقابُ
أطبق نعيب يُجب صداك البوم ، أطبق يا خرابُ
أطبق على متبلّدين شكا خمولهم الذبابُ
لم يعرفوا لون السماء – فرط ما انحنت الرقابُ
ولفرط ما ديست رؤوسهم كما ديس الترابُ
أطبق على هذي المسوخ – تعاف عيشتها الكلابُ
في كل جارحةٍ يلوح – لجارح ظفر ونابُ
يجري الصديدُ من الهوان كأنه مسك ملابُ
هذا العنف الجواهري الدموي بحدّته المروّعة ، وإيقاعاته الصاخبة ، ومفرداته الوحشية ، هو الذي تشظّى في أرواح فرسان الحركة الشعرية الثورية الجديدة ، وانسرب في نصوصهم ، سواء أكانت من نمط التفعيلة أم من نمط العمود . يقول السيّاب في قصيدته ( رؤيا في عام 1956) :
حطّت الرؤيا على عيني صقرا من لهيب :
إنها تنقض ، تجتث السواد
تقطع الأعصاب تمتص القذى من كل
جفنٍ ، فالمغيب
عاد منها توأماً للصبحِ – أنهار المداد
ليس تطفيء غلّة الرؤيا : صحارى من نحيب
من جحور تلفظ الأشلاء ، هل جاء المعاد ؟
أهو بعثٌ ، أهو موتٌ ، أهي نارٌ أم رماد ؟
ويقول في قصيدة ( بورسعيد – 1956 ) :
يا حاصد النار من أشلاء قتلانا
منك الضحايا وإن كانوا ضحايانا
كم من ردىً في حياة وانخذال ردىً
في ميتةٍ وانتصار جاء خذلانا
إن العيون التي أطفأتَ أنجمها
عجّلنَ بالشمس أن تختار دنيانا
وامتدّ كالنور في أعماق تربتنا
عرسٌ لنا من دم واخضل موتانا
kh mothaffar 1ولاحظ الفارق الشاسع بين عنف الجواهري والبنية الفنية واللغوية والجمالية لقصيدته ، وبنية قصيدة السياب العمودية التي لاترقى إليها وتبقى تابعة لمنجز الجواهري ، شكلا ومضمونا وقدرة تصويرية . لكن ما يهمنا هنا هو أن العنف الجواهري الوحشي عنفٌ معدٍ أصاب بعدواه شعراء الحركة الجديدة الذين امتدت في نصوصهم مفردات الجواهري : الدم ، الجثث ، الجراح ، الموت ، العاصفة ، الخراب ، الصديد ، الجيف …..إلخ .
أمّا العنف النوابي فهو العنف المحبّب – العنف الآسر ، العنف الناجم عن تشابك إرادتي الموت والحياة في وحدة جدلية خلّاقة :
زِلِمنه تخوض مَيْ تشرين .. حَدْرِ البردي تتنطّرْ
زلمنه تغني والخنجر .. يِشِگ الروح ، ( عالميمر )
لَوَنْ كل الگصب .. غنّه .. بحنيني لْشوفِتَك .. يا اسمرْ
يِسِل الگُصَبْ سِلّ أصفر
واظِنّ الماي يِتْمرمَر
وأظن حتى النجم يطفي زراگه .. ولا بَعَدْ يِسهَرْ
واظن أكثرْ
وللشاعر (جعفر الأديب النجفي) قصيدة استثمر فيها أهزوجة من أهازيج ثورة العشرين هي ( يردس حيل الموضايگها ) يقول فيها :
لو هب عج الشرجي وكبّر – اوسفّانچ يمهيله اتحيّر
انخي الضاگ المر وتمرمر – للدفّه بشوگ ايعانگها
يردس حيل الموضايگها
ملّاح اللي فج ابحرها – لو مر ابخورة ايدبّرها
لو شِلْهَتْ بمتونه ايجرها – اومن جزره لجزره ايعبّرها
مو مثل اللي مو خابرها – يرگص عالصاري اوغرگها
يردس حيل الموضايگها
ويقول مظفر في قصيدة ( مامِشْ مايِل ) :
يلعابر مَيْنه بليل ازرگ .. والشهگه اتحطك وتشيلك
وگلادة مهرك تتشامر .. عا لليل ..نجوم تضوّيلك
يمشرّد بزبون الزفّة .. شموع الزفّة اتطرز اشليلك
گِلْ للعايل .. ما مِشْ مايل .. إلّا ويغرگ
وإذا كان في عيّنة القصيدة الكلاسيكية التي اخترناها للشاعر جعفر الأديب النجفي شيء من الحركية ، فإن الثورة النوابية قد دشّنت مرحلة الإنتقال النهائي في القصيدة العامية العراقية من المرحلة ( الفوتوغرافية ) إلى المرحلة ( السينمائية ) إذا جاز الوصف . في قصيدة مظفر حركية محسوبة يفرضها الإحساس باحتدام المشهد الصوري الشعري والحاجة التعبيرية لتجسيد تفصيلاته الصراعية . انتبه إلى هذا المشهد :
مُهْرَك يتجادح بالحُنطة .. ويِعْلِگها امناثر لعگالك ..
إن هذه المشهدية السينمائية قد فرضتها ثقافة الشاعر . ولنقل بلا تردّد أن شعراء العامية الذين سبقوا مظفر لم يكونوا مثقفين ، وهم معذورون بسبب طبيعة المرحلة التاريخية التي عاشوها . كانوا مثقفي فطرة .. وثقافة الفطرة قد تُدهِش أحيانا من ناحية الإلتقاط التلقائي ( العذري ) لتململات الطبيعة ، لكنها (لا تخلق) ؛بمعنى أنها لا تستطيع تشكيل حركة شعرية من الحركة الطبيعية التلقائية ؛ أي أنها عاجزة عن الإنتقال من حالة (الرصد) الفوتوغرافي إلى مرحلة (التجسيد) السينمائي المشهدي العريض الذي ابتكره النواب ( سنُغني كل الأطروحات السابقة بتطبيقات تحليلية نفسية لغوية لنماذج كثيرة من نصوص الشاعر ) .
وثقافة مظفر – أيضا – هي المسؤولة عن إدخال الحس التشكيلي ( اللّوني خصوصا ) في عوالم القصيدة العامية بريادة مؤصلة . سنجد الدم الأحمر الذي يحزم سواد الليل .. والسل الأصفر الذي يصيب القصب الأصفر.. والدم الذي يحنّي الشلب.. وبرد الصباح الأزرق المرصع بالشذر .. وغيرها مما سنعرض له لاحقا ، وهي لوحات تشكيلية رائعة تنمّ عن إحساس تشكيلي لوني عال (ومظفر كما هو معروف رسّام مقتدر) .
وعلى ذكر الثقافة فإن روّاد الحركة الشعرية التجديدية الثورية قد حصلوا على معين معرفي هائل من خلال الإطلاع على التجارب المترجمة لإليوت وإديث ستويل وغيرهما .. فمن يترجم لمظفر؟..
صحيح أن مظفر يعلن دائما في لقاءاته أنه في حياته العاصفة التي أمضاها في الأهوار أو في منفاه الذي قرض حياته وصحته بعيدا عن بغداد المحروسة أن وجدانه قد تشرّب وأُتخِم بالموروث الشعبي العراقي .. بزهيريات الحاج زاير .. وأبوذيات ملّا منفي وعبود غفلة .. وبنحيب جبير الكون على إيقاعات صبا زمزم .. وتمزّقات روح ( جويسم ) حين يصدح بالمحمداوي .. صحيح أن هذا الرافد هو معين ثقافة مظفر الأساس والذي لا ينضب ، إلّا أنه لا يفسّر – لوحده – ظاهرة الثورة النوابية ولا يفسّرها – أيضا – تأثره الحتمي بإنجازات الحركة السيابية الثورية التي سبقته زمنيا . (هناك عوامل مضافة جذرية سنعالجها لاحقا ) .
ولو عدنا إلى قصيدة (مامش مايل) سنجد أنها تُروى أيضا بضمير المتكلم المؤنث. وهي بادرة غريبة على الطابع السكوني الذي وسم مسار القصيدة العامية العراقية. ومثلما كان الحبيب الثائر المُخاطَب في القصيدة السابقة – قصيدة (سفن غيلان ازيرج) – هو (غيلان) الإنسان البسيط الذي لا نعرف له سابقة وطنية أو شخصية ، ولم نسمع باسمه من قبل ، لكن مُظفّراً هو الذي خلق منه أسطورة دارت على كل لسان ، فإن المخاطب هنا ، في قصيدة ( ما مش مايل ) هو ( لعيبي ) .. وفي قصائد أخرى هو حمد ، أو سعود ، أو صويحب ، أو حڇام أو … إلخ . وباستثناء ( حسين ) شقيق روح ( فدعة ) – خنساء العراق – التي دفعها تثبيتها النفسي عليه – من حيث لا تدري – إلى إبداع أعظم مرثية طويلة وقفت من أجلها حياة كاملة وسبقت بها مراثي النواب المتفرّدة التي سنقوم بتحليلها ، لن نجد فعلا شعريا صارخا يصر على الإعلان عن اسم بطل شعبي مُفترض والانتصار له بعزم وانحياز لا هوادة فيه ( ستجد ذلك في تحليلنا لقصيدة – أو ملحمة- حڇّام البريس )..
خلق مظفر من أسماء ( شعرية ) مجازية – وقد تكون حقيقية – حقائق يتداولها العراقيون بمختلف شرائحهم . والأهم من بين هذه الشرائح هو الناس البسطاء : باعة الخضر ببلل أيديهم الدائم المنعش .. وسوّاق (النيرن) و (التاتا) الذين تعط رائحة البنزين من دشاديشهم .. طلّاب المتوسطة الذين يلمّعون شعرهم بزيت الطعام .. الفلاحون ذوو الأرجل المفطّرة المباركة .. عمّال البناء ذوو الأيدي الخشنة المقدّسة .. الحرّاس الليليون الذين يطردون لصوص آخر الليل بسعال صدورهم المدوّي .. أصحاب البسطيات في كراج النهضة الذي أكل أعمارنا سنوات الحرب .. الجنود المقاتلون الذين كانوا يضعون قصائده مع أدعية الأمهات وحروز الحبيبات قبل أن يلتهمهم المُثكل مع القصائد.. هؤلاء هم أحباء مظفر .. لأول مرّة يظهر في العراق شاعر تقرأه شرائح الشعب كلّه . هذا ما لم يحققه السياب وبقية فرسان الحركة الشعرية الثورية الجديدة الذين بقى انتاجهم “نخبويا” إذا جاز التعبير لايستوعبه جدّيا إلّا من يمتلك على الأقل درجة جيدة من التعليم ( المرحلة الإعدادية على الأقل ) ، في حين ينتقل تراث مظفر شفاهيا بين الأجيال مثل رسالة مقدّسة . شاهدتُ أناسا أمّيين يحفظون مقاطع من ( وتريات ).. بين جمهور مظفر قطاع واسع من العجائز مهدّمات الأسنان والروح اللائي ابيضّت أعينهن وهن ينتظرن ( الغائب العراقي المنتظر الذي قد يكون غيلان أو لعيبي أو سعود أو جابر البيلسان ) بلا رجاء .. وبلا نهاية قريبة تمسك بيد الأمل البيضاء وتُنهي لعبة الإنتظار المديد التي ابتُلِي بها العراقي منذ فجر تأريخه ..
ما أريد قوله هو : إنّ الحداثة في كل مكان من العالم نخبوية .. سواء في أوربا التي صدّرتها إلينا أو في الوطن العربي الذي يحاول مستميتا أن يرقّع لها دشداشة عربية حداثية منذ أكثر من قرن ونصف ..
والحداثة الشعرية العربية تتدهور مع بداية الألفية الثالثة لتتحول إلى (حداثة نخبة النخبة) حيث أصبح القاريء متوسط الثقافة – خريج الكلية مثلا – عاجزاعن فك مغاليق النص الشعري الذي صار طلّسما يتداوله سحرة الحداثة ومابعد الحداثة من النقاد والشعراء ..
إلّا (مظفر النواب) .. فقد جاء “حداثيا” ، لكنه جاء “شعبيّاً في الوقت نفسه .. وهي لعمري معادلة غريبة جدا .. لكن لها حديث طويل مقبل .. فكونوا معنا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *