د. علي القاسمي : محاولة في النقد الأدبي المقارن ؛ صورة المدينة في الأدب العربي والآداب الغربية

ali alkasimiكنتُ قد ترجمتُ قصة “المدينة” للكاتب الأمريكي جون أبدايك. ثم انتبهتُ إلى أنني كنتُ قد كتبتُ قصة قصيرة بعنوان ” المدينة” كذلك. ورأيتُ أن أقوم بمقارنة بين القصتين تتناول الشكل والمضمون. وانتهيتُ إلى هذه الدراسة وهي مجرد محاولة في النقد الأدبي المقارن.
سأعرض أولا القصتين، ثم الدراسة.
علي القاسمي

القصة الأولى
المدينة

قصة: جون أبدايك
ترجمة : علي القاسمي
( يُعدّ الروائيّ القصّاص الشاعر الناقد الرسّام جون أبدايك John Updike أشهر أدباء أمريكا المعاصرين، وأغزرهم إنتاجاً، وأكثرهم حصداً للجوائز والأوسمة الأدبيّة، حتّى أنَّ مجلة (تايم) نشرتْ صورته على غلافها مرّتَين عامَي 1968 و 1982، وأَنّه نال أرفع جائزة أدبيّة أمريكيّة، البوليتزر، مرَّتَين، عامي 1982 و 1991.

فجون أبدايك أديب مكثر ذو قلم سيّال، كما يقولون؛ فقد نشر حتّى الآن 22 رواية وأكثر من 12 مجموعة قصصيّة إضافة إلى مئات من القصائد والقصص القصيرة والمقالات النقدية التي نشرها في جريدة ” النيويوركي” منذ منتصف القرن العشرين. وعلى الرغم من غزارة إنتاجه، فالمعروف عنه أنّه يبذل عناية كبيرة في تجويد أسلوبه، ووصف شخوصه، وتطوير الأحداث بمهارة. يشبّهه النقّاد تارة بالقصّاص البولندي البريطاني جوزيف كونراد من حيث مزاوجته بين المثاليّ والواقعيّ وبين الخياليّ والحقيقيّ بخفّة فائقة. وعلى الرغم من أن لكونراد قدرةً متميِّزة على السخريّة، فقد كان يعوزه حسّ الفكاهة والدعابة الذي يمتلكه أبدايك. ويشبهونه تارةً أُخرى بالروائيّ الفرنسيّ غوستاف فلوبير الذي يسحر القارئ بأسلوبه السلس الأخّاذ، ولكن فلوبير كانت تعوزه الثروة اللفظيّة الهائلة التي يتوافّر عليها أبدايك، وتنقصه كذلك دقّته المتناهية في استعمال المفردات واستثمارها في إنتاج الأثر المرغوب في المتلقّي. ويرى النقّاد أنه تأثَّر بعدد من عمالقة الأدب العالمي مثل فيودور ديستيوفسكي، وجيمس جويس، وفرانز كافكا، وفلاديمير نوبوكوف، ووليم شكسبير.

john updikeولد أبدايك في بلدة ردنك في ولاية بنسلفانيا عام 1932، وكان أبوه مدرِّساً وجده قسّاً. وتخرّج في مدرسته الثانويّة وترتيبه الأوّل فنال منحةً للدراسة في جامعة هارفرد. وعندما تخرّج فيها عام 1954 التحق بمدرسةٍ للرسم في مدينة أكسفورد. وبعد عامٍ واحد اشتغل محرِّراً في مجلّة (النيويوركي) مدّةَ عامَين، ثم تفرَّغ للكتابة.

كان أوّل كتابٍ نُشِر له مجموعة شعريّة عام 1958، وفي العام التالي أصدر روايته الأولى بعنوان “معرض ملجأ الفقراء”، ثم توالت إصداراته المتنوِّعة. ولعلَّ أشهر رواياته “ربيت الغني” و “ربيت المرتاح”. وفي عام 1999، اختير أبدايك لتحرير كتاب “أحسن القصص الأمريكيّة في القرن العشرين” الذي يضمّ أروع ما أنتجه قصاصو أمريكا في ذلك القرن، والذي أفدتُ منه في إعداد كتابي ” مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية المعاصرة” (بيروت/الدار البيضاء: إفريقيا الشرق، 2003.

توفي أبدايك أوائل سنة 2009. )

المدينة

أخذتْ بطنه توجعه في الطائرة عندما غيّرت المحرِّكات سرعتها للهبوط في هذه المدينة. ألقى كارسون اللوم في بداية الأمر على الفستق المُملَّح المُعبَّأ في كيس صغير من الورق القصديريّ الفضيّ الذي قدَّمته له المضيفة مع الويسكي في الساعة العاشرة من صباح ذلك اليوم. لم يكُن كارسون يعدّ نفسه من شاربي الكحول، ولكنَّ الشابَّين المرتديَّين بذلتي رجال أعمال رماديّتَين واللذين كانا يجلسان إلى جانبيه في الصف الثلاثي المقاعد، طلب كلٌّ منهما مشروباً كحوليّاً، وبدا له أنّه ينبغي عليه من باب المحافظة على مكانته في عين المُضيفة، أن يطلب هو الآخر مشروباً كحوليّاً. فقد كانت المضيفة ـ على خلاف أغلبيّة المضيفات هذه الأيام ـ شابةً وجميلة. فكثيرٌ من المضيفات، على شاكلة كارسون نفسه، يقمن بهذا العمل بوصفه مهنةً ثانية، فهنَّ من ضحايا قلق منتصف العمرـ بعد أن شبَّ أطفالهن عن الطوق، وأخذن في الهبوط الطويل.

كان كارسون يعمل مدرِّسَ رياضيّات في مدرسةٍ لإدارة الأعمال؛ أمّا الآن، وبعد طلاقه، فإنّه أصبح وكيل مبيعات لمصنعٍ في نيوجرسي متخصِّص في الحواسيب الصغيرة وأنظمة معالجة المعلومات. وبعد أن أمضى عقوداً من السنين في قيادة سيّارته في شوارع الضواحي ذاهباً من منزله إلى مدرسته وبالعكس، صار الآن، وهو في الخمسين من عمره، ذوّاقة للمُدن، وأحيائها المركزيّة النامية، وأحزمتها الصناعيّة المتضخِّمة، وسككها الحديديّة الصدئة، وأبنيتها الزجاجيّة الجديدة، وفنادقها المكسوة أرضيتها بالزرابي ذات اللون البرتقاليّ، وحاناتها التي تقلِّد الأكواخ الإنجليزيّة في زخرفتها الداخليّة. ولكلِّ مدينةٍ لهجةٌ خاصَّة بها، وزيٌّ نسائيٌّ محلّيٌّ، وحيٌّ قديمٌ تاريخيٌّ متميِّز، وناطحةُ سحابٍ ذات شكلٍ غريب، ومتحفٌ يضمّ لوحةً لسيزان، أو قُلْ، لونسلو هومر، لا تجد مثيلاً لها في أيِّ مكانٍ آخر. ولم يكُن كارسون قد زار من قبل المدينة التي ينزل فيها هذه المرَّة. وربَّما أدّى تخوُّفه وتوتُّره من اللقاءات الجديدة التي يتحتّم عليه إجراؤها، والإقناع الذي يتوجَّب عليه القيام به، إلى بذر الألم في وسط معدته، فوق السُّرَّة بالضبط.

وظلَّ يُلقي اللوم على الفستق. فلم تكتفِ المضيفة الشابَّة الجذّابة، التي كانت ترتدي ربطةً رقيقة حول عنقها المغطَّى بمسحوق التجميل، بإعطائه كيساً واحداً من ذلك الفستق بل كيسَين، وقد أكلَ ما في كليهما. وكان لمحرِّك الطائرة 747، الذي يحيط به قوس قزح من البخار الغاضب في وسطِ أشعةِ الشمس، القادم من الشرق حينما اتّجهت الطائرة غرباً، ضجيجٌ قد أثَّر في معدته كذلك. ثمُّ هنالك الويسكي نفسه، وضَغْطُ الوقت الذي تعرَّض له ساعةَ المغادرة، إضافةً إلى مضايقة المرفقَين على مسندَي المقعد من كلا الجانبَين، فقد وصل إلى المطار متأخِّراً بحيث لم يتمكَّن من الحصول على مقعدٍ بجانب الشباك أو على الممرِّ. وشباب اليوم، كما بدا له، مكتنزو الأجسام وعريضو المناكب، ويعود هذا النمو البدنيّ المتصاعد إلى مزيجٍ من مزاولة التمارين الرياضيّة والإدمان على شربِ البيرة. وكان كلُّ واحد من الشابَّين اللذَين يحيطان به، يضع منديلاً حريريّاً في جيب الصدر بسترته، وله شاربٌ محدَّد فوق فمه الشاحب المُطبَق. وعندما تريد أن تتبادل بضع كلمات معهما فإنك ستسمع أصواتاً لا تفهم منها شيئاً، وتبدو كأنّها صادرة من صندوق صفيح أشبه ما يكون بأرخص أجهزة التلفاز.

وضع كارسون جانباً الأوراقَ التي كان منكبّاً عليها ـ وهي تتعلَّق بالأنظمة المعلوماتيّة، والمطاريف، والطابعات ذات العجلات الدائريّة، ومولِّد الخطوط البيانيّة الاختياريّة التي لا تقاوم مع الإخراج اللائق ـ كلُّ ذلك لفائدةِ مصنعٍ صغيرٍ مزدهرٍ للمُعينات الإلكترونيّة، وألقى نظرةً أخيرةً على أسباب تداعي صحَّته، الفستق، الويسكي، الازدحام. وبالإضافة إلى كلِّ شيءٍ آخر، تأكَّدَ له أنَّه كان مُتعَباً، مُتعَباً من الأرقام، مُتعَباً من السفر، ومن الطعام، ومن تدقيقِ الحسابات، ومُتعَباً حتّى من العناية بنفسه ـ الاستحمام وحلاقة الذقن في الصباح، ووضْع نفسه في ملابسه ثمَّ، بعد ستَ عشرةَ ساعةً، إخراج نفسه منها. وازداد الألم تدريجيّاً، وتخيَّل كارسون هذا الألم على شكل فقاعةٍ كرويّةِ الشكل، ساخنةٍ، بطيئةِ الحركة، ستنفجر لو استطاع أن يركِّز عليها أشعةَ التفكير الصحيح الليزريّة.

وفي طابور انتظار سيّارات الأجرة، شعر كارسون بأنّه أكثر ارتياحاً إنْ وقف وهو مُنحنٍ قليلاً. وكان هواء الخريف البارد ينفذ إلى جلده من خلال ملابسه. لا بدّ أنّه يبدو مريضاً، فقد كان يجتذب إليه نظرات زوار المدينة الآخرين. أما الشابّان اللذان حاصراه بكتفيهما مدةَ ثلاث ساعات في الطائرة، فقد ذابا في الزحام مع الكثيرين من أمثالهم من الشبّان الذين يحملون حقائبهم اليدويّة ويرتدون الأحذية ذات الأشرطة المعقودة.

لم يُعطِ كارسون سائقَ سيارة الأجرة عنوان صاحب مصنع أجهزة التصغير والتمارين، وإنّما أعطاه عنوان الفندق الذي حجز غرفةً فيه، فقد هبطتْ عليه موجةٌ مفاجئةٌ من الغثيان، مثل هبوط طائرة الـ 747، جعلتْه يتّخذ قراره ذاك. وبينما كان يسير خلف خادم الفندق المُتَّشح ببذلةٍ قرمزيّة اللون في الممرِّ المغطَّى بسجادٍ برتقاليِّ اللون، أثارت الألوان اشمئزازه، وبدت له الجدران وأرضيّة الممرِّ منبعجةً وملتويةً، وكأنَّ ذلك الألم الذي لم ينتهِ قد مسخه إلى مجموعة من الأجزاء الجديدة بلمسةٍ من إصبع أحدهم على مطراف الحاسوب. وهاتفَ شركة التمارين من غرفته بالفندق، شارحاً حالته للفتاة التي ردّت عليه، وطالباً موعداً جديداً في صباح الغد، قبيل موعدٍ آخر مضروبٍ له مع رئيسِ محاسبي شركةٍ صغيرةٍ مزدهرةٍ أُخرى، مُتخصِّصة في إنتاجِ ” الضوضاء البيضاء” لحماية النوم في المدينة. لقد انزعج كارسون من جدول المواعيد المزدحمة، ولكنَّه انزعاج غير مباشر، لأنَّ جميع هذه المواعيد سيهتمُّ بها شخصٌ آخر مختلفٌ تماماً ـ هو نفسه بعد أن يُشفى ويستعيد نشاطه. وكانت الكاتبة التي تحدَّث معها هاتفيّاً متعاطفة معه وتتكلَّم بلهجةٍ مريحة وغريبة ـ تطيل بعض المقاطع وتقصِّر بعضها الآخرـ وأوصتْه بتناول حبوب مالوكس. وكان في الإمكان، طبقا للأفلام السينمائيّة التي كثيراً ما شاهدها في طفولته وطبقاً للحياة المثاليّة التي كان يتخيّلها، أن يُرسل شخصاً ما لجلب الدواء له، ولكن في جميع تنقلاته في سنواته الأخيرة، من فندق إلى آخر، لم يرَ ذلك يحصل أبداً، لقلّة الخدم العاملين في تلك الفنادق؛ ولهذا فقد نزل بنفسه إلى صيدليّة الفندق. وفي طريقه إليها، أرعبتْه إحدى المرايا في صالون الفندق، إذ رأى فيها صورةَ رجلٍ نحيفٍ في كُمّي قميص وهو يعرج في مشيته وله كرشٌ وفمٌ لا لون له مشدود إلى الأسفل في جانبٍ منه، مثل فمِ رجلٍ ميّت.

كان للدواء مذاقٌ كلسيٌّ وفيه مثل بقايا الحصى، وقد أعطى هذا الدواء، بعد فترةٍ من التردُّد، بُعداً جديداً للألم مثل نتوءٍ رمليٍّ صغير. وكانت أرضيّة غرفته في الفندق مكسوَّة كذلك بالسجّاد البرتقاليّ اللون، ولها ستائر أرجوانيّة اللون، قام كارسون بإسدالها بعد أن ألقى نظرةً على ساحةٍ مكشوفة في حديقةٍ عامّة كان يلعب فيها مجموعة من الأولاد كرةَ القدم وسطَ الأوراق المتساقطة من الأشجار، وصرخاتهم تمزِّق طبلةَ الأُذن. وفتح جهاز التلفزيون، ولكنّه هو الآخر يصمُّ السمع. واستلقى على أحد السريرَين الموجودَين في الغرفة وأخذ يحدّق في السقف ويتردّد على المرحاض، تاركاً الظهيرة تحترق في المساء، وفكَّرَ كيفَ تكون التعاسة نفسها نوعاً من السَّكَن. وكان سقف الغرفة مغطّى بالجبس على شكل حلقات بعضها فوق بعض مثل حراشف سمكة كبيرة بيضاء. ومن أجل أن يغيّر كارسون وضعيَّته، مدَّد نفسه فوق أرضيّة الحمام الباردة وهو يتأمَّل المكان والجوانب الداخليّة للقطع الخزفيّة المعلَّقة على الجدران، ويُلقي نظرةً على الأشعة البعيدة المعينيّة الشكل الصادرة عن مرآةٍ مصغَّرة.

ولم يستطِع الدواء المُسهل الذي تناوله مراراً تخليصه من هذا الألم الطارئ، بل لم يعُد ذلك الشيء الرمليّ الذي كان يحسّ به في معدته كرويّ الشكل، وإنَّما أصبح مُستطيلاً متَّسعاً. وعندما بدأ كارسون التقيؤ أخذ الأمل يراوده. ولكنَّ هذا الأمل تلاشى مع اختفاء ضوء النهار. فقد أصبح الألم رفيقاً ثابتاً لم يستطِع التخلُّص منه على الرغم من محاولاته المتعدِّدة، ودقيقة بعد أخرى لم يزدد الألم سوءاً ولكنَّه لم يتوقَّف. وتبادر إلى ذهنه أن حالته تدعو إلى الصلاة، ولكنّه لم يكُن متديّناً، ولهذا كان بإمكانه إعفاء نفسه من ذلك العذاب الإضافيّ.

وألقى ضوءُ النهار المودِّع هالاتٍ بُنيّةَ اللون ريشيّةَ الشكل على الأسطح المنحنية لأثاث الغرفة، وعلى قوائم الطاولة وصحون المصابيح. وتخيَّلَ كارسون أنّه لو دقّ جرس الهاتف لتهشَّم ألمه. وبينما كان متكوِّراً على جانبه، أخذته غفوةٌ قصيرة ثم استفاق على الألم، فوجدَ الغرفة غارقةً في الظلام، ما عدا بصيصاً شاحباً من ضوء الشارع على الشبّاك، وقد اختفى لاعبو كُرة القدم. وتساءلَ عمَّن يكون هناك في الخارج خلف الظلام يمكنه الاتصال به لمساعدته. زوجته السابقة قد تزوَّجت من جديد، وأحد أولاده، ابنه، كان في رحلة إلى المكسيك، والبنت نبذتْ والدها. وكان عندما استلم رسالتها التي تتبرأ فيها منه، قد حاول الاتّصال بها هاتفياًّ، فأخبره الرجل الذي كانت تعيش معه، أنّها هجرته وانتقلت لتعيش في نُزلٍ نسائيٍّ مشترك.

اتّصلَ بمكتب الاستقبال في الفندق طالباً نصيحتهم. فردَّ عليه صوتُ رجُلٍ في مقتبل العمر، يبدو من انشراحه أنّه بدأ نوبته في العمل لتوّه، واقترح عليه أن يذهب إلى عيادة الطوارئ في مستشفى المدينة. وبأصابع مرتعشة، ربط خيوط حذائه بصعوبة، وابتسم إذ وجد نفسه بطل مسرحيّة مأساويّة بلا جمهور ولا مشاهدين، وارتدى ملابسه وأخرج جسمه المتوجِّع برفقٍ إلى الهواء الطلق. وكان طابور من سيّارات الأجرة ينتظر تحت أضواء الشارع الصفراء الحادّة التوهُّج. ورأى الإعلانات المخطوطة بمصابيح النيون، وأسماء المحلات المُضاءة، وإشارات المرور الضوئيّة الحمراء والخضراء ـ وهذه لمحات من مدينة كان من المعتاد أن يتجوّل في شوارعها في مثل هذا الوقت بعد انتهاء عمله اليوميّ، باحثاً عن مطعمٍ أو حانةٍ أو محادثةٍ عابرةٍ أو لقاءٍ ممكن مع إحدى مضيفات المدينة غير الرسميّات، بمكياج عينيها الأخضر، وفستانها القصير، وحذائها العالي، وركبتَيها المكشوفتَين. فقد اكتسب ولعاً بهذا النوع من النساء، حتّى عندما لا يتمكَّن من عقد صفقةٍ تجاريّةٍ في عمله، إذ كانت ملاحظاتهن التمهيديّة المفاجئة تثيره، وكذلك مناوراتهن المكشوفة.

كان المستشفى يقع على مسافة بعيدة من الفندق، ويتكوَّن من بنايةٍ ضخمةٍ متوهجةِ الأضواء يتّصل بها عدد من الملاحق الحديثة، تقبع في نهاية ممرٍّ منحرفٍ يخترق حديقة عامّة مظلمة ومجموعة من الدور المنخفضة. وكان كارسون يتوقَّع أن يسلِّم عبءَ جسمه كليّاً حالَ وصوله إلى المستشفى، ولكنّه بدلاً من ذلك وجد نفسه مضطراً لحمل ذلك العبء خلال سلسلة من الجهود الجديدة التي كان عليه أن يبذلها ـ استمارات يجب عليه تعبئتها، وأدلّة ثبوتيّة على قدرته الماليّة تؤهلّه ليكون مريضاً ينبغي عليه تقديمها، وسلسلة من فترات الانتظار كان عليه تحمُّلها على مصاطب مزدحمة وكراسي مبطَّنة، في حين كانت عيناه تقيسان المسافة إلى دورة المياه المخصَّصة للرجال، وهو يحسب الوقت الذي تستغرقه مشيته العرجاء إليها وفتح باب أحد المراحيض وإفراغ ذلك الزائر الغاضب من جوفه.

وبدا أوّل طبيب سُمح لكارسون أخيراً برؤيته، شاباً ليّنا مراوغاً مثل ابنه المسافر نصف المنسي. فكلاهما له شعر أشقر جدّاً بحيث يبدو وكأنّه شعر اصطناعيّ. ولمّح هذا الطبيب إلى أنَّ زوجته تنظِّم حفل عشاء تلك الليلة في الجانب الآخر من المدينة وقد تأخَّر عن الموعد. ومع ذلك فإنَّ هذا الطبيب الشابّ أجرى الفحص عليه بلطف. واعترف الطبيب أنَّ حالة كارسون تحيّره، فالألم يبدو غير مستقرّ في مكانٍ واحدٍ ليتمكَّن من تشخيصه بالتهابِ الزائدةِ الدوديّة، الذي هو، علاوة على ذلك، ليس اعتياديّاً لرجلٍ في مثل سنِّ كارسون.

فقال كارسون: “لعلّني أنمو ببطءٍ.” وكان كلُّ مقطعٍ من كلامه مثل شخير استهجان بسبب الألم الذي كان يقاسيه.

وتلا ذلك فترةُ انتظارٍ أُخرى تخللّها وخزُ إبرٍ لإجراء فحوص الدم، وهذرُ ممرِّضات اعتدن على المهنة. ثم وجد نفسه عارياً أمام خزانة ملابس، لكي يتمكَّن من الانتظار مع عدد من الرجال الآخرين وهم يرتدون محارم بالية لأخذِ صورٍ بالأشعة. وكان تقنيُّ التصوير بالأشعة رجلاً قوي البنية، وله شاربٌ كث، وطلعةٌ مُفرِحة مثل رافع أثقال أو زير نساء (أو رجال). وقال: ” الذقن هنا. والكتفان إلى الأمام. نَفَس عميق. احبسه. أحسنتَ!” وارتدى كارسون ملابسه مرّةً أُخرى ببطء، وبدت له كلُّ قطعةٍ من ملابسه رثةً باليةً بحيث يصعب التصديق بأنّها ملابسه. وخطر له أنَّ الإنسان قد يموت في المستشفى أثناء تلك الإجراءات البطيئة.

وكان جميع الذين من حوله، على المصاطب وفي المساحات العارية من قاعات المستشفى المتعدِّدة وعليهم هيئة التضرُّع، هم من أهالي المدينة وأغلبهم من السود، وكلّهم مثالٌ للاصطبار الهادئ، فحاول أن يقلِّدهم على الرغم من صعوبة الجلوس باستقامةٍ وقد أخذتْ حنجرته تؤلمه من الكبت.

وكانت نتائج فحوصه تتقاطر من مصادرها. ولا بُدَّ أنَّ الطبيب الشابّ أشقر الشعر في حفلته الآن. وتخيَّل كارسون صليلَ الملاعق، والشموع، والنساء عاريات الأكتاف ـ عالم الولائم المنزليّة الذي غادره منذ وقت طويل.
إلى هنا

وقبيل منتصف الليل سُمح له أن يخلع ملابسه مرَّة أُخرى، ويأوي إلى فراشٍ في قسمٍ أشبه ما يكون بقسمِ حفظِ الحالات الطارئة في المستشفى. وكانت تحيط به ستائر بيضاء، ولكن ليس بدون ضوضاء. ورقد، في السريرَين المحيطَين به من الجانبين، رجلان تجمعهما أشياء مشتركة كثيرة على ما يبدو، إذ كانا يئنان ويغنيّان أغنيات لا لحن لها. وعندما يزورهما الأطباء كانا يتوسّلان إليهم للسماح لهما بالخروج من المستشفى ويعِدان بأن يكونا مستقيمَين من الآن فصاعداً. وبعد وهلةٍ جاء من أحد جانبيه صوتُ تقيؤ دافق، مثل تقيؤ قطّة بعد أن أكلت طيراً بعظامه وبأكمله، وفي الجانب الآخر كان الأطباء يحاولون إدخالَ أنبوبٍ في أنف الرجل. أما هو فكان يخضع للفحص في فتراتٍ متباعدة. وطمأنتْ هذه التحرُّكات كارسون إلى أنّه استطاع الدخول في شلّة المعترف بهم من الرجال المحطَّمين. وهدَجَ نحوه طبيبٌ شابٌّ آخر، لا يذكّره بابنه، وإنّما يذكّره أكثر بمساعد المحامي الماكر، الذي كان يعيش مع ابنته، والذي يشكّ كارسون في أنّه هو الذي أوحى لابنته بكتابة تلك الرسالة التي تتبرَّأ فيها منه وإرسالها إليه بالبريد. وبعد أن وخز الطبيب الجديد بطنه بإصبعه بضع مرّات، هزَّ كتفيه وانصرف. ثم أتته طبيبةٌ لها شعر أسود في الأربعينيّات من عمرها، وحدقت في وجهه بتسلية عميقة. وكانت تتحدَّث بلهجة أجنبيّة، أقرب ما تكون إلى اللغة السلافيّة، وقالت: ” أنت لا تحتمل كثيراً؟”
فقال ناعقاً: “أحتمل؟” وأدرك لماذا يلجأ العبيد إلى التهريج.

وضغطتْ بإصبعها على بطنه بشدّة في عدّة مواضع. وقالـت: ” يجب أن أكون قادرة على أن أفعل ذلك. وأنتَ يجب أن تقفز إلى السقف.” ولم يفهم المقصود من كلامها بسبب لهجتها. فأخبرها قائلاً: “إنّ ذلك يؤلمني فعلاً.” فقالت: “ليس بما فيه الكفاية.” وحدّقت بصورةٍ حادّةٍ في عينيه، وكانت عيناها تغطيهما الظلال، وأضافت: ” أظنُّ أننا سنجري فحوص دم أُخرى.”

ومع ذلك، فقد شعر كارسون أنّها إنّما تؤجِّل فعلَ شيءٍ ما كسباً للوقت. فقد تملَّكه إحساسٌ تسرَّبَ إليه، من وراء الستائر البيضاء، في أصواتِ الممرضات ورجال الشرطة وأقارب المرضى المزعجين، مفاده أنَّ شيئاً ما على وشكِ الوقوع بصدد حالته، ربّما زيارة هامّة. وأغمض عينَيه لما تخيّله مجرّد لحظة. وعندما فتحهما فوجئ برجُلٍ طويلٍ ينحني عليه ـ رجل طويل له هيئة أستاذ جامعيّ ويرتدي سترة صوفيّة غليظة مرقَّعة عند المرفقَين، وقميصاً مفتوح الأزرار، ونظّارة طبيّة بلا إطار تبدو أقلّ التصاقاً في وجهه من علامات الرأفة البادية عليه. وكان شعره قصيراً وممشَّطاً ومحفوفاً بالشيب بشكلٍ رائعٍ وفي وسطه فَرقٌ طبقاً لما كان شائعا أيام موضة كاميلوت. وبخلاف ما فعله الأطباء السابقون، فقد جلس هذا الرجل على حافة السرير الضيِّق، وكان صوته حنوناً ولمساته رفيقة. وقد شرح لكارسون وهو يجسُّ يده أنَّ الزائدة الدوديّة لديه قد تحرَّكت وتغيَّر مكانها فأصبحتْ خلف الأمعاء الغليظة، ولهذا يمكن أن تلتهب تماماً دون ردِّ الفعل الطبيعيّ الذي يصدر عن الزوائد الدوديّة الملتهبة.

وتساءل كارسون في نفسه عمّا إذا كان هذا الطبيب قد أُخرِج من وليمةِ عشاء في هذه الساعة التي تجاوزت منتصف الليل، وهو يرتدي سترته وربطة عنقه اللتين يلبسهما في جميع الأوقات. وتمنّى كارسون أن يردَّ الجميل لهذا الطبيب، ولكنّه لا يستطيع ذلك وهو في وضعه السيئ، مستلقياً على ظهره شبه عارٍ. وتأمَّلَ الطبيبُ، وعلى شفتَيه ابتسامة خفيفة، وجهَ كارسون كما لو كان يحاول فكَّ لغزه، فحملق كارسون في الطبيب وعلى وجهه توسُّلٌ وأملٌ عاجز، وظلَّ صامتاً مثل كلبٍ لا يمكنه إلا أن يعوي أو ينشج. لقد كان مرهقاً بسبب حالته الطارئة والألم في أحشائه، كما كان مُتعَباً خلال الاثنتي عشرة ساعة التي سبقت ذلك.

ـ “أود أن أجري لك عملية.” قالها الطبيب بلطف، كما لو كان يتقدَّم باقتراح قد يرفضه كارسون.

قال كارسون: ” آه! نعم، تفضَّل. ومتى؟” وكان مدركاً أنَّ هذا الطبيب في صحّة جيدة ولا بُدَّ أنَّ له منزلاً يليق به وأسرة وحياة اعتياديّة على الرغم من الاضطرار للعمل في أوقات مزعجة وبيئة مؤلمة، وقد اعتاد على ذلك.

ـ” متى؟ الآن حالاً.” هكذا كان جواب هذا الطبيب في لهجة استغراب، ثمَّ وقف وخلع سترته، كما لو كان سيشترك بصورةٍ مفاجئةٍ في حدثٍ رياضيٍّ مبتكرٍ ممتع.

لعلَّ كارسون تصوَّر حركة الطبيب فقط، لعلَّه فكّر في كلمة (الرحمة)، أو أنّه فاه بها فعلاً، فقد سارت الأمور بسرعة بعد ذلك. وعاد الطبيب الماكر الذي يشبه مساعد المحامي وقد أصبح الآن أكثر رِفقاً بعد أن حاز كارسون على ترقيةٍ في مكانته، وطلبَ منه أن يستدير على أحد جنبَيه، ثمَّ غرز إبرة في وركه. ثم تولّى ممرضان خلاسيان نقله برفقٍ من السرير إلى طاولة طويلة متحرِّكة على عجلاتٍ ناعمة، وراحت الستائر البيضاء، والوجوه، والأضواء، وعوارض الأبواب المعدنيّة تجري أمام ناظرَيه. وأُدخِل كارسون، بدءاً برجلَيه، في غرفةٍ متوهجة الأضواء عَرف أنّها غرفة العملياّت لكثرة ما رأى مثيلاتها في الأفلام. وكانت فيها مجموعة من الشبّان الملثَّمين، وهم يدردشون كما لو كانوا في حفلةٍ من الحفلات. وقال كارسون في نفسه متعجّباَ: “ما أكثركم!” وكان سعيداً جداً، إذ توقََّف ألمه لتوّه. ونقلوه من الطاولة المتحرِّكة إلى منضدةٍ مبطَّنة ضيّقة وعالية، وأُفرجت يداه على مسندي المنضدة ورُبطتا بإحكامٍ إليهما، ونُغِزت معصماه. ووضِعت قطعة من المطاط المنفوخ على وجهه كما لو كانوا يجربون ملاءمتها له. وحاول أن يُطمئِن الفريق الطبيّ الملثَّم ويقول إنّه غير خائف، وينتزع إعجابهم بـ “الفتى الشهم” الذي هو هو، وأن يطلب من شخصٍ ما أن يلغي مواعيده ليومِ غد.

ومن مكانٍ يكتنفه الغموض وفي لحظةٍ غير محدَّدة ، ظهر الطبيب الجراح نفسه، ولم يعُد مرتدياً سترة الصوف الغليظة وإنّما مريلة المستشفى ذات اللون الأخضر النباتيّ، وانحنى عليه بوجهٍ بشوش، ورفع إصبعاً صغيراً معقوفاً من إحدى يديه أمام عيني كارسون اللتين لم يستطيعا التركيز. وقال بصوتٍ يخرج مع أنفاسه:
” بغلظ هذه الإصبع.”
فسأل كارسون، وهو يدرك أنّهم يتحدثون عن زائدته الدوديّة: ” وما هو الحجم الذي ينبغي أن تكون عليه؟”
وجاء الجواب المصحوب بموجة من الارتياح: ” ليس أغلظ من قلم الرصاص.”
فسأل كارسون : “ولكن متى كبرتْ؟” ولكنّه لم يتلقَّ جواباً، لأنّه دخل في مجال الأمور الشخصيّة.

وقبل ذلك، كان كارسون قد وجد نفسه في غرفةٍ تحت الأرض تحتوي على عدَّة أعمدةٍ صاعدة. وسمع شاباً ضخماً يناديه: ” ها، بوب! أفِق يا بوب. ابتسم لنا قليلاً. هذا هو الفتى، بوب!” كان هنالك آخرون ممددون إلى جانبه في سرداب الموتى، الذي تتدلّى من سقفه أنابيب شفّافة. وتلك كانت الأعمدة الصاعدة. وعلى بُعد ذراعٍ منه رجلٌ آخر ممدّد بلا حراك مثل تمثال أحد فرسان القرون الوسطى منحوت من الحجر على شكل صليب على قبر. وأدرك كارسون أنه حُشِر في نفق ـ وذراعه مشدودة بشريط المطاط المنتفخ ـ وأنّه خرج من نهاية النفق الأُخرى. ” ها، يا بوب! أسرع، أعطنا ابتسامة، هكذا.” وشعر بحاجة ملحة للتبوُّل، وكان سائل يتقاطر في ذراعه.

ولاحقاً، وبعد أن تبادل كارسون بضع كلمات رقيقة مع الجراح، وجد نفسه في غرفة مستشفىً عاديّة. وكان رجل قصير ذو وجهٍ ضيّق متكدِّر يستلقي في الفراش الذي بجانبه وهو يدخّن ويحدِّق في جهاز التلفاز. وعلى الرغم من أنّ الصورة متموّجة على شاشة التلفاز، فإنّه لم يسمع صوتاً صادراً منه. وقال كارسون للرجل: “مرحباً” وهو يشعر بخجل وتوجُّس كما لو كان في أحلامه قد عُقد قرانه على هذا الرجل.

وردَّ الرجل الآخر قائلا: “أهلا.” دون أن يرفع عينيه من جهاز التلفاز، وسحب نَفَساً من سيجارته بصوتٍ مسموع، وقد بدا عليه الضجر واللامبالاة، وهما خصلتان من أزعج خصال زوجة كارسون السابقة له.
وعندما أفاق كارسون مرّةً أُخرى عند الغسق، وجد نفسه في غرفة أُخرى، غرفة خاصّة به وحده، وقد أخذت بطنه تؤلمه، وصار رأسه أخفّ مما كان. وأطلّ هلال صغير بارد في السماء من خلال الشبابيك المربّعة الموجودة في هذا الجناح الآخر من المستشفى، وبدا له الآن أنَّ وضعه في العالَم وفي الكون أصبح واضحاً بما فيه الكفاية. لقد بدأتْ فترة النقاهة.

وكان، في الأيام الخمسة التالية، غالباً ما يتساءل عن سرّ شعوره بالسعادة. لقد كان كارسون يخاف دائماً من الزائدة الدوديّة منذ طفولته، بعدما رأى عدداً من رفاقه في المدرسة يُحمَلون بسرعةٍ إلى المستشفى ثم يعودون وعلى الجزء الأسفل من بطونهم ندبة صغيرة. وأخيراً وقع المحذور وهو في العقد السادس من عمره، وشعر بأنّه قد تصرَّف بشجاعة وهدوء لا بأس بهما.

لم تكُن ندبته ذلك الشقّ الجانبيّ الصغير الذي كان يكشف عنه له رفاقه في المدرسة، وإنّما جرح كبير ملطَّخ بالدم ويمتدُ من السُّرّة إلى أسفل، لقد شقّوا في بطنه شقّاً واسعاً، كما شرحوا له، لأنّ مرضه، وهو في مثل ذلك العمر، يحتمل أن يكون أيّ شيء من القرحة إلى السرطان. وقد جعله عمق الفتحة التي شُقَّت في جسمه يرتجف دون أن يشعر. وتمَّ الكشف عن مستوراته أثناء العملية كذلك. فقد جرى “التعامل” مع خصيتَيه في إحدى مراحل العلاج، كما شرح له الطبيب بلطف. وحاول كارسون أن يتصور هذا “التعامل” : كلآّب وكفوف مطاطية بيضاء وشيء أرجواني ثقيل، وكانت زائدته الدوديّة مرتدّة حقّاً ـ وتشكِّل حالته واحدة من الـ 10% فقط من الحالات التي ينطبق عليها هذا التشخيص. وقد أظهر الفحص المكروسكوبيّ أنّها أخذت تتشقق. وقلَّصتْ هذه الشروح اللاحقة ذلك الشيطان الموجِع الذي كان يحمله كارسون إلى مجرّد حقائقَ باردةٍ جعلته يشعر بالبراءة مما حصل، فقد كان قبل ذلك يشعر بشيءٍ من الذنب بسبب مرضه.

وتخلّى الجرّاح ذو الهيئة الأكاديميّة عن تلك الأُلفة المبالغ فيها التي لازمته عندما انحنى على كارسون وهو في ألمه وقرّر أن يتفحّص خصيتيه. إذ أخذ يمرّ عليه خلال قيامه بجولاته مروراً عابرا ليزوّده بتعليماته عن الأكل والمشي والذهاب إلى المرحاض ـ جميع الأشياء التي يحتاج كارسون إلى تعلُّمها من جديد. وظهر الأطباء الآخرون. فرجعت الطبيبة السلافيّة المبتهجة قليلاً، لتغيّر له الضمادات، وشعر كارسون أنّها تجذب اللفافات بحدّة لا لزوم لها. ووبخته قائلة بتهكم: “كنتَ شجاعاً بصورة خارقة” وهي تلومه على تلك الليلة التي أرادت فيها أن تأخذ منه دماً إضافيا لمزيد من الفحوص. ورجع الطبيب الشابّ المتهدج في مشيته الذي رآه في تلك الليلة، ولم يعُد فيه أي شبه بذلك المحامي الذي هجرتْه ابنة كارسون مفضِّلة عليه بنات جنسها. ثم رجع الطبيب الأشقر جدّاً، وتبيَّن وجود مجموعة من الأخصائيِّين في قسم التشريح الذي حلَّ به كارسون، ولهذا شعر بالأهمّيّة، مثل جيلفر الذي استقرّ في ليلبيت بغرض الاستطلاع. لقد قام جميعُ أولئك الأطباء بزيارته بصورة اعتياديّة وسارّة ـ مجرد مرّوا عليه مروراً عابراً ـ ولهذا فقد دُهِش كارسون ـ بعد أشهر ـ عندما وجد أنّ كلّ زيارة من تلك الزيارات قد سُجِّلت بتاريخها وساعتها في فاتورة خدمات المستشفى التي ُطبِعت على ورق بطابعة من نوع سنترونكس 739 القديمة، كما هو بادٍ للعيان.

لقد جعلته حياة المستشفى نفسها بتفاصيلها يشعر بالارتياح. فهناك السرير الأبيض المشدود الذي له ذراعا تحكُّم لرفع مرتبة الفراش وطيّها في أوضاع مريحة متعدِّدة. وهناك جهاز التلفاز المثبت في مكانٍ عالٍ أمامه، الذي يستجيب لمجموعة من الأزرار موضوعة في كفِّه مثل بندقيّة أثيريّة بريئة، فيستطيع ـ بدون أن يبذل أيَّ جهد ـ التجوُّل ذهاباً وإياباً في برامج الأخبار الصباحيّة، وبرامج المسابقات في الضحى، وآخر الأخبار ظُهراً، وبرامج المقابلات بعد الظهر، والأفلام الكلاسيكيّة التي يعاد عرضها مثل كارول بيرنت وأبطال هوغان في الليل. وعندما يغادر الزوّار القاعات ويعود الهدوء إلى المستشفى، يصير جهاز التلفاز ، بألوانه الراقصة وإشعاعه المتموِّج، رفيقاً أكثر مودّةً ودفئاً.

وقد شاهد كارسون، في أوّل أُمسية أمضاها في هذه الغرفة الغالية وهو ما يزال يترنَّح من أثر التخدير، شاهد شخصاً صغيراً أبيض، يسدِّد رمية كرة، كما لو كان يقوم بغرز إبرة بصورةٍ مفاجئة، ثم ينطلق جارياً في خطٍّ منحنٍ كبير نحو الهدف في الملعب الأمريكيّ، وتمثل له دخول الكرة في المرمى لذيذاً كأنّها تنفذ إلى أعماق نفسه. وضغط على الزر الذي يطفئ التلفاز في آلة التحكُّم الصغيرة، واستعمل زراً آخر ليعدّل من ميلان السرير، واستغرق في النوم ببساطةٍ مثل طفلٍ صغير.

كان يفضّل، في العادة، أن يتغطّى بأغطيةٍ كثيرة، أمّا هنا فإنّ غطاءً واحداً خفيفاً يكفي تماماً. ولم يكن يستطيع أن ينام على ظهره عادة، أمّا هنا، وبحكم الضرورة، فإنّه لا يمكنه أن ينام بوضعٍ آخر، فهو ينام على ظهره مع ميلان الجسم قليلاً لتخفيف الألم العموديّ في بطنه، في حين تظلّ ذراعه اليسرى إلى جانبه لتتلقّى السوائل المغذِّية (المصل) من أنبوب طوال الليل. كانت المصابيح مضاءة دائماً، وهمهمة الأصوات مستمرّة في القاعة، فالناس في هذا المكان لا يستريحون أكثر من الوالدَين بالقرب من مهدِ طفلٍ حديث الولادة.

وفي أغوار تلك الليلة التي حدثتْ فيها انطلاقة اللاعب نحو الهدف، أفاق كارسون على إثر لمسة على الجزء العلويّ من ذراعه اليمنى. فتح عينيْه، ووجد هناك، في طرف المكان، حيث توجد رافعة التلفاز المربَّعة، وجهاً أسودَ ناعماً يبتسم له، تلك هي الممرِّضة المكلَّفة بقياس ضغط الدم، ولمّا كان مصباح القراءة لم يُطفَأ في غرفته، فقد كان وجهها المستطيل الشكل مضاءً بصورةٍ غير مباشرة فقط، وهذا النوع من الإضاءة يشبه، من بعيد، إضاءة قطع الأثاث في غرفته في الفندق. ودون أن ينظر إلى العقارب المشعّة في ساعةِ يده الموضوعة على المنضدة الجانبيّة، عرف أن الوقت كان ساعة متأخرة من الليل حيث يزور اليأس الرجال، وحين يتقلّب الأرق في بحرٍ من الصمت، وحين يريد العاطلون عن العمل والمفلسون أن يصرخوا ليحطّموا حساباتهم الملحّة، وحين يتقلّب العشّاق المُحبَطون من أحلامٍ غراميّة إلى ملاءاتِ فُرشٍ خالية، وحين يستفيق الجنود فجأةً على الطعم المرّ للمعركة الوشيكة الوقوع. أيقظتْه الممرضة بلمستها في ساعة الخلوة النهائيّة تلك. ولم يكُن هناك سوى غطاءٍ خفيفٍ يغطّي جسده في الغرفة الدافئة الخافتة الضوء. ونفخت الممرضة أنبوباً بلاستيكيّا حول ذراعه، ثم فشّته، ثم نفخته مرةً أُخرى. ووضعتْ في فم كارسون واحداً من القُطع البلاستيكيّة التي صارت تعوّض المحرار الزجاجيّ، وبينما كانت في انتظار تسجيل درجة حرارته بأرقام إلكترونيّة على آلةٍ مربوطة في خصرها، أخذتْ تدندن بلحنٍ غنائيٍّ صغير، كما لو كانت تُخفي جمالها بطريقةٍ مرحة، ذلك الجمال الذي أصبحت النساء اليوم يعتبرنه عدوّاً، وعبئاً، وسبباً في جلب التحرُّشات. وفكّر كارسون في ابنته.

وعلى الرغم من أنّ ممرِّضاتٍ عديدات اعتنين به، وتمكَّن من تجاذب أطراف الحديث معهن حتّى في الساعة الرابعة صباحاً بعد أن استعاد قوَّته، فإنّ هذه الممرِّضة بعينها، وبوجهها التامِّ السواد المتناسق الملامح مثل شمسٍ تحيط بها هالةٌ بعد أن أصابها الكسوف، لم تعُد إليه بتاتاً.

وحثَّ الطبيبُ الجراحُ كارسون على المشي قائلاً: ” انهضْ وامشِ حالما تستطِع ذلك. حرّكْ جسدكَ، فقد اتّضح أنّه ليس المرض الذي يقتل كثيراً من الناس في المستشفيات، وإنّما الاضطجاع في السرير وترك الرئتَين تمتلئان بالسوائل.”

كان المشي يقتضي أن يقوم كارسون بدفع حامل أنبوب المصل المغذِّي وما يرافق ذلك من خشخشةٍ وإرباكٍ بسبب طول الأنبوب. ويحتاج ذلك إلى مهارة خاصّة لتمرير عجلات الحامل على العقبات المعدنيّة المرتفعة في أرضيّة المَمرّ المُغطاة، وذلك بأن يضع اليد اليسرى على نقطة التوازن التي بدت له مثل خصر المرأة ثم يديرها بعيداً عن طريق مريض آخر يتنزّه مع رفيقته المعدنيّة الطويلة. وتعلَّم كارسون عن طريق ملاحظة المرضى الآخرين حيلةَ انتزاع كيس المصل المغذِّي ثم إعادته بإدخاله تحت كُمّه وتعليقه في مكانه، لكي يستطيع إحكامَ إغلاقِ مريلته. وكانت خطواته الأولى بنعله الإسفنجيّ الطحلبيّ الخضرة الذي زوَّده به المستشفى، محدودة وهشّة، ولكن بمرور الأيام ازدادت مشياته طولاً: حتّى نهاية الممرّ حيث تطلُّ شبابيك غرفة الانتظار على وسط المدينة البعيد، وهناك يوجد سُلّمٌ، مبنيٌّ من الإسمنت والحديد، يكاد يكون جديداً لم يُستعمل. ويقود هذا السلَّم بعد الهبوط فيه أربعة طوابق إلى السرداب، كما يؤدّي صعوداً ستة طوابق إلى السطح ذي الباب المقفل، ثم العودة هبوطاً طابقَين إلى غرفته. وكان كارسون مطيعاً للتعليمات ويسحب رِجلَيه وهو لابس رداءَ الحمّام ونعله الإسفنجيّ الذي أصبح الآن بالياً.

وكان يشعر بالسعادة الخالصة في هذا الجناح من المستشفى الذي يخلو من الناس والذي يردِّد الصدى، إذ لا يراه ولا يعرفه أحدٌ هناك. وأخذ جرس الهاتف يرنُّ في غرفته. لقد رجع رئيس الشركة إلى نيوجرسي، واتَّصل هاتفياً مراراً، ليواسيه أوّلاً، ثم ليخطِّط لتعويض المقابلات التي فاتت كارسون بطريقةٍ لا تؤدّي إلى إنفاقِ مصروفاتِ رحلةٍ إضافيّة. وهكذا كان كارسون جالساً في فراشه الذي يمكن التحكُّم في وضعيّته، وهو يقوم باتصالاتٍ هاتفيّة بالموظَّفين المعنيِّين، متحدِّثاً بنبرةٍ لا يُستَشَفُّ منها الضعف. لقد أعربتْ شركة مكافحة التلوُّث عن اهتمامها بجهاز التخطيط الملوَّن، فبعث إليهم كارسون بالمطويّة البرّاقة التي أصدرتها شركته عن أحدثِ نظامٍ أنتجته (درجة ثبات تصل إلى 640 نقطة في السطر الواحد، و 536،65 لوناً متجانساً، وذاكرة صوريّة تصل إلى 256 كيلو بايت). وحضرت لزيارته الكاتبة من الشركة الأخرى التي كانت قد اتصلتْ به هاتفيّاً قبل خمسة أيام وتحدَّثت معه بتعاطف واضح. وتبيّن أنَّ لها ملاحة وجه نافرة، وشعراً مجعّداً مصبوغاً، وبقايا سمرة خلّفها تلويح الشمس لها على المسبح، وساقَين نشيطتين واظبتْ على وضع إحداهما فوق الأُخرى في حين كانت تروي قصّة طلاقها ـ النقود، والأطفال، والعودة إلى العمل بعد سنوات من الاسترخاء في منزلها في ضواحي المدينة. ” دعني أقول لكَ إنّني لم أستطع أن أكون واحدة منهنَّ، أولئك النسوة اللواتي يتغنّين بمباهج الانضمام إلى القوى العاملة. هنيئا لهنَّ بذلك.” وكانت هذه المرأة تدخِّن كثيراً جدّاً، وتنفث الدخان من منخرَيها، وتطفئ عِقب كلِّ سيجارة في غطاء علبة جلبته معها في كتاب الجيب الذي كانت تحمله. لقد نظَّم كارسون وقته بعد الظهر بعناية، فقسَّمه إلى أقسام متساوية، كلُّ قسم منها لمدّة نصف ساعة: السلّم ثلاث مرّات صعوداً وهبوطاً، وزيارة صالة الانتظار حيث يتسلّى في حلّ الكلمات المتقاطعة، ثمَّ الذهاب إلى المرحاض عندما تسمح بذلك خصيتاه اللتان عولجتا، وأخيراً التلذُّذ بالانهماك في قراءة العدد الأخير من مجلة (بايت) الشهريّة، وآخر الأهداف التي سُجلت في لعبتي الكركيت والبيسبول يوم الأحد. ولكنَّ هذه الزائرة قضت على جميع تلك الخطط ذلك اليوم كما قضت على العديد من السجائر. ثم اتّصلتْ به زوجته السابقة هاتفيّاً، وعلى الرغم من أن هذه المرأة قد أصبحت مرحة وتزوَّجت مرَّة أُخرى، فإنَّ صوتها وهي تخاطبه كان يحمل نبرة السخريّة منه واللوم، كما لو كان هبوطه في مدينة غريبة والتهاب زائدته الدوديّة مثالاً آخر على حماقته المقصودة، تماماً مثل تركه لها أو توقُّفه عن تدريس الرياضيات في مدرسة إدارة الأعمال ـ وجميع تلك الاتهامات المملّة. واتّصل به هاتفيّاً، وعلى حسابه هو، ابنه من المكسيك يوم الأحد، وكان صوته يبدو قريباً وكلامه تتخلَّله فتراتُ صمتٍ بصورة تنذر بالشرّ، وكانت فتراتُ الصمت الطويلة المربكة بين الأب وابنه في هذه المكالمة الهاتفيّة تأكل الدولارات أكلاً. ولم تهاتفه ابنته أبداً، وهذا يدلّ على شهامتها وحبّها له. فهي وكارسون يعرفان أنّ ليس ثمة طريقة تمكِّننا من تمويه شعورنا العميق بالوحدة.

وجدَ أنّه بعد أن أمضى ساعةً في غرفته وفراشه انتابه الحنين إلى السُّلّم. في البداية كانت الطوابق جميعها متماثلة، ولكنّه اكتشف الآن وجود اختلافاتٍ خفيّةٍ بينها ـ أثر قديم لأصباغ أُريقت على درجات السلّم في أحد الطوابق، ومجموعة أرقام كتبها أحد العمال بالطباشير على جدارٍ في طابقٍ آخر، وبقع مائيّة وشقوق في مساحة من الجبس الأصفر في طابق ثالث وليس في بقيّة الطوابق. وفي الأسفل، هنالك سلّة مهملات بلاستيكيّة وباب أحمر كُتِب عليه بخطٍّ كبير تحذيرات تنبّه إلى عدم ضغط الزرّ إلا في حالة الخطر فقط. وفي الأعلى يوجد باب حديديّ عاديّ، بلا مقبض ولا شباك، يحول دون الدخول . وكانت الأبواب في الطوابق الوسطى تطلّ على مدخل غريب، مثل منصّة معلَّقة خارج الباب، يؤدّي إلى أقسام المستشفى الفعليّة، وهنالك حواجز إسمنتيّة تمنع القفز فوقها أو السقوط منها كما تمنع الرؤية الكاملة، ولكنّها تسمح بمرور الهواء البارد وتتيح رؤية جزئيّة للمدينة تحتها.

أما الأرض المجاورة للمستشفى فإنّها منبسطة وعاديّة ـ ربع فدان من منازل فسيحة بُنيت منذ زمنٍ بعيدٍ يكفي لذهاب نضارتها، ولتحلّ محلّها علامات التداعي والانقراض. وكان حائط المستشفى يمتدُّ إلى ما وراء السلَّم المطلّ على تلك المنازل ويحجبها ما عدا فسحة من الأرض تشتمل على ساحات في إحداها درّاجة ثلاثيّة العجلات ملقاة في أحد جوانب الساحة، وفي الأُخرى تمثال مصبوغ للعذراء وجدران من الباستيل بحاجة إلى صباغة، كما تظهر سطوح منخفضة مغطّاة بالحصى ـ كلُّ ذلك يُشكِّل لعيني كارسون نوعاً متهرئاً من منظر بلدة صغيرة، ولكنّها هنا ضمن حدود المدينة. لم يرَ أبداً شخصاً يسير على الأرصفة العريضة للشوارع، وثمّة قليل من السيّارات التي تتحرَّك في الشارع حتّى في وقتِ عودةِ الموظَّفين إلى منازلهم. وكان الأقرب والأبرز إلى نظره كومةٌ من ألواحٍ خشبيّة بالية، وأنابيب صدئة، ومستودع مغطَّى بغبار أبيض ومملوء بالجبس والمعدّات ما ينمّ على مرحلةٍ جديدةٍ من البناء نتيجةً لتوسُّع المستشفى. وكان بعض الرجال يأتي أحياناً لإضافة أشياء إلى القمامة أو إلقاء ألواح خشبيّة بصوت عالٍ، وكانت تلك الأشغال تبدو غير منظَّمة، وتتوقَّف أيام العطل الأسبوعيّة.

إنّ المنطقة السكنيّة الكالحة اللون، والأنقاض المتجمِّعة التي رآها كارسون من خلال أسياخ السياج الإسمنتي والتي لم تكُن تسمح له برؤية عريضة، أعطته، مع ذلك، الانطباع بوجود واقعٍ حقيقيّ واضح، زاخر، رطب، داكن. الحياة كانت هي الحياة. والعالَم، هذا هو العالم. وعندما كان لا يزال غير قادر على صعود السلّم وكان يصطحب حامل المصل بجانبه ـ جاء أوّلاً إلى هذا الطابق، وكان مجرّد فتْح الباب يتطلَّب منه جهداً. وكان الهواء الخارجي يتسرَّب إلى جهازه التنفسيّ، الذي كان ما يزال تحت تأثير الأدوية، مثل قُبلة عنيفة كاسحة، كان ذلك الهواء هواءَ مطلع الخريف الذي يمزج الصيف بالشتاء، الكرة المستطيلة بكرة البيسبول، هواء ناشف بارد ومع ذلك فيه كدر وليس نقيّاً بسبب التوسُّع. وقد سمع كارسون ذات مرّة ضوضاء تصله من بعيد صادرة من آلة قطع الخشب. وحتّى اليوم الذي سُمح له بمغادرة المستشفى، كان يأتي إلى هنا في الظلام ويتكئ على الحاجز الإسمنتيّ ويتنفّس، محاولاً أن يستوعب في أعماقه معجزة العالَم؛ ومحاولاً أن يُعيد برمجة نفسه كسابق عهدها لتندمج بالحياة مرّةً أُخرى ـ وكان يحسّ بالهواء البارد على مرفقَيه المكشوفتَين، ويرى نفَسه يخرج كالبخار المرئيّ، ويشعر بخصيتَيه تستقرّان بجوارِ ألمِ النقاهة.

واستقلَّ سيّارة أجرة إلى المطار مباشرة، ولم يرَ من المدينة إلا معالمها التي لاحت له عن بُعد حين مرّ بالطريق السيّار وبتقاطع الطُّرق الزاخر بالسيّارات. وبعد إقلاع الطائرة انتشرتْ تحته المدينةُ مثل خريطةٍ ثمَّ اختفتْ. ومع ذلك فإنّه عندما فكَّر في أصوات المزارعين، وناطحات السحاب البعيدة، وزيارات الممرِّضات الليليّة، والأطباء، والمنازل الملطَّخة التي لا تثير أيَّ انتباه، وعشرات الوجوه التي ارتفعت مع الألم إلى سطح مُخيَّلته، بدا له أنّه توصل إلى معرفة المدينة عن كثب. كانت المدينة مثل امرأةٍ التقى بها في حانةٍ خلال إحدى رحلاته الأُخرى، ودفع لها، فوهبت نفسها دون أيِّ حديثٍ تمهيديّ.

القصة الثانية

المدينة
قصة : علي القاسمي

دخلتُ المدينةَ أوَّلَ مرَّةٍ عندما كنتُ فتًى يافعًا غريرًا، وعالَمي يقتصر على فضاء قريتنا الإنسانيّ البسيط. بيوتٌ طينيَّةٌ قليلةٌ متواضعة، تحيط بها حقولٌ شاسعةٌ خضراء، وتُظلّها سماءٌ صافيةُ الزرقة معظم أيام السنة، وتتغلغل أشعة الشمس الذهبيَّة في كلِّ مكان: في المزارع والأزقَّة والمنازل والقلوب، تحمل معها الدفء والحنان، وتُشعِل الألوان زاهية في المراعي والحقول والبساتين، وتبعث البريق في العيون. وفي الليل غالبًا ما ننام على سطوح المنازل أو في باحاتها المشرعة على السماء، فتبدو النجوم لنا كبيرةً قريبةً في متناول اليد. وعدد أهالي القرية لا يتعدّى العشرات ويعرف بعضهم بعضًا، وتربط بينهم أواصر القرابة والصداقة والعمل، ويوحِّد مصيرَهم الحرثُ والسقي والحصاد وأحوالُ الزرع والمحصول. البسمة على الشفاه، والطيبة في الأفئدة.

غادرتُ قريتي متوجِّهًا إلى المدينة باحثًا عن عمل. فقد بهرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنَّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنَّ مساكنها فاخرة ذات مرافقٍ مريحةٍ تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنَّ غُرفها مجهَّزة بمكيِّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بِحَرٍّ ولا برد، بل بهواءٍ ربيعيٍّ دائم. قالوا إنَّ أحياءَها تتوفَّر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات. وقالوا إنَّ العمل ميسور بأجورٍ سخيّة لمَن يرغب، وإنَّ المرء يعود إلى قريته غنيًّا بعد فترةٍ وجيزة.

أقبلتُ على المدينة فبدتْ لي من بعيد كتلةً متراصّةً من أبنيةٍ شاهقةٍ بُنِّيَّة اللون. وكلَّما اقتربتُ منها تلاشتِ المزارع والخضرة من حولي، وخفتتْ أصوات الطيور، وطغى ضجيجُ المعامل المنتشرة في أطراف المدينة، واتَّشحتْ زرقة السماء بدخانٍ أسودَ يتصاعد من مداخن المصانع.

كاد أوَّل شارع ولجته في أطراف المدينة يخلو من المارة. أردتُ أن أسأل أحدهم عن نُزُلٍ أسكن فيه. ولكنِّي لم أجد أيَّ فرد في ذلك الشارع سوى بعض السيّارات التي كانت تمرق مسرعةً بجانبي وتوشك أن تُلقي بي أرضًا. سرتُ طويلاً قبل أن أصلَ تقاطع الطرق. وهناك رأيتً شرطيًّا ببزَّته الخاكيَّة، يقف على منصّة في وسط الساحة، وهو يرفع يدَيه يمينًا وشمالاً لتنظيم حركة مرور السيّارات. وأقعى إلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثةِ حسبتُه واحدًا من تلك الكلاب البوليسيّة التي سمعت عن عجائبها. لم أجرؤ على الاقتراب من الشرطيّ أو طلب مساعدته، لأنَّه لم يأبه بي، ربَّما بسبب انهماكه في عمله.

الشارع خالٍ تقريبًا من المارة، والسيّاراتُ فيه نادرة. واصلتُ سيري وأنا أحرص على المشي على الرصيف خوفًا من السيّارات التي قد تنطلق في وسط الشارع. وعندما سمعتُ ضوضاءَ قادمةً من الخلف تُنْبئ بقدوم إحدى هذه السيّارات، أدرتُ وجهي إليها فلمحت رجلاً يقود سيّارته، وعلى المقعد المجاور له كلبٌ يُقعي على رجليْه ويطلُّ برأسه من النافذة الجانبيّة نصف المفتوحة.

شاهدتُ على الرصيف امرأةً تسير في اتّجاهي وهي تدفع عربةً أمامها، لا شكَّ أنَّها تحمل رضيعها في تلك العربة. وعزمتُ على أن أرجو منها أن تدلَّني على نُزُلٍ قريب. وعندما اقتربتْ مني رأيتُ في العربة كلبًا صغيرًا ذا شعر طويل أشبه ما يكون بالقطَّة، وقد أراح رأسه على الوسادة داخل العربة، وغطّ في إغفاءة هنيئة. غلبتني الدهشة وهلةً، وعندما أردتُ أن أتوجّه بسؤالي إلى السيدة، كانت قد ابتعدت بعربتها، ولم يعُد من اللائق أن أتبعها، لألقي عليها بسؤالي.

أقْبلَ رجلٌ وهو يقود كلبًا متوسطَ الحجم بسلسلةٍ تنتهي بطوقٍ جلديٍّ على عُنق الكلب. ألقيتُ السلام على الرجل، وتوقفتُ لأرجوه أن يدلَّني على نُزُلٍ قريب أستطيع أن أقيم فيه. ولكنَّ الرجل لم يردّ التحية، ونظر إليّ باستغراب، ومضى في سبيله دون أن يتيح لي فرصة السؤال.

واصلتُ سيري وأنا أتطلَّع إلى المنازل المُمتدَّة على جانبَي الشارع، وهي موصدة الأبواب. ولكنَّ بعض نوافذها مفتوحةٌ ومحميَّةٌ بمُشبَّكٍ حديديّ. ودفعني حبُّ الاستطلاع إلى إلقاء نظرةٍ على بعض تلك النوافذ المشرَعة. فرأيتُ من خلال إحداها صالةً مؤثَّثةً بمجموعةٍ من الأرائك الفاخرة، وقد استلقى على إحداها كلبٌ ضخمٌ أسودُ أفطسُ الأنف، وما إنْ التقتْ نظراتنا حتّى اكفهر وجهه، وكشّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم عليّ. ابتعدتُ مُسرِعًا عن النافذة بقلبٍ خافق.

لم أستطِع مقاومةَ حبِّ الاستطلاع في داخلي، وأخذتُ أنظر إلى النوافذ المطلَّة على الشارع. فألفيتُ معظم الغرف فارغةً لا أحد فيها. ولكنَّني رأيتُ، في داخل إحدى هذه النوافذ المفتوحة، كلبًا يستحمُّ في المغطس، وقد انهمكت امرأة في غسله بالصابون والماء، ورائحة العطور تفوح عبر النافذة.

وتوقَّفتُ أمام واجهة زجاجية كبيرة لإحدى المحلات التجاريّة وقد عُرض فيها عددٌ من الجِراء ( صغار الكلاب )، وهي تلعب مع بعضها، أو تأكل طعامها، أو تَلِغ في آنية الماء الموضوعة بعنايةٍ في زاويةِ مكانِ العرض. كانت كلُّها نظيفةً لامعةَ الشَّعر.

واصلتُ سيري في الشارع، وكلَّما اقتربتُ من وسط المدينة، ازداد عدد المارَّة وكثرتِ المحلات التجاريّة. بَيْدَ أنَّني لم أفلح في التحدُّث إلى أيِّ واحدٍ من الناس، رجلاً كان أو امرأة. فكلُّ واحدٍ من أولئك المارَّة، كان يصطحب كلبًا يُشغله عن أيِّ شيءٍ آخر. بعضهم يجرُّه وراءَه بسلسلة، وبعضهم الآخر استغنى عن السلسلة وراح كلبه يتبعه أو يسير إلى جانبه أو أمامه. أبادرهم بالسَّلام فلا يردّون عليَّ، بل ينظرون إليَّ بشيءٍ من الاستغراب، ثمَّ يمضون مبتعدين عنّي.

وأخيراً تأكَّد لي أنَّ أحدًا لن يتحدَّث معي. ولا بُدَّ لي من الاعتماد على نفسي ومحاولة قراءة اللوحات المعلَّقة على البنايات لَعلّي أعثر على نُزُل. لم أقرأ منذ مُدّة طويلة، وأخذتُ أنسى ما تعلمتُه من القراءة في المدرسة الأوَّليّة في قريتي، وصار التمييز بين الحروف المتشابهة أمرًا عسيرًا عليَّ. فرحتُ أتوقَّف بين الفينة والفينة لأفكَّ رموزَ لوحةٍ من اللوحات.

وبينما كنتُ أقرأ إحدى هذه اللوحات في الجانب الآخر من الشارع، جذب انتباهي كلبٌ أوقف صاحبَه على الرصيف المقابل وأخذ ينظر إلى الرصيف الذي كنتُ أسير عليه. ظننته أوَّل الأمر ينظر إليّ. ولكنَّني وجدت رجلاً يسير خلفي مباشرة ومعه كلبه. وقد أوقف هذا الكلبُ صاحبَه كذلك، وراح ينظر إلى الكلب الآخر على الرصيف المقابل. ثمَّ أخذ الكلبان بجرِ صاحبَيهما متَّجهَيْن أحدهما نحو الآخر حتّى التقيا وسط الشارع. وهناك، شرع الكلبان في تبادل النظرات، وصدرت منهما همهمة خافتة، ثمَّ أخذا بشمِّ أحدهما الآخر، وانغمرا في عناق طويل، في حين وقف صاحباهما كلٌّ في مكانه من دون أن يتبادلا كلمة. وتوقَّفتْ حركة المرور في الشارع، وانتظرتِ السيّارات من الجهتيْن حتّى انتهى لقاء الكلبيْن.

وبعد جهدٍ، قرأتُ كلمة النُزُل في لوحةٍ من اللوحات وهي تشير إلى شارع جانبيّ. توجهتُ إلى ذلك الشارع الفرعيّ. كان الطريق مُوحِشًا والأبواب موصدة. وسرتُ حتّى رأيت بناءً كبيرًا له بابٌ واسع مفتوح على مصراعَيه، فدخلتُ منه. امتدَّ أمامي ممرّ طويل وعلى جانبيه أقفاص حديديّة متراصَّة لها أبواب تُفضي إلى الممرّ. وفي كلِّ قفصٍ منها كلبٌ وأمامه إناءُ ماءٍ وصحنُ طعام. كانت الكلاب من أنواع متعدِّدة، وذات ألوان مختلفة، ولها أحجام متباينة.

لمحتُ في آخر الممرِّ مكتبًا، يتوسَّطه رجلٌ بَدينٌ يجلس على كرسيٍّ وثيرٍ، وأمامه منضدةٌ كبيرةٌ عليها سجلات وأقلام، وهو يدوّن شيئًا في تلك السجلات. نظر إليَّ الرجل وبادرني بالكلام قبل أن ألقي عليه التحية:

ـ هل تريد أن تحجز مكانًا لكلبك في النُزُل؟
ـ ما عندي كلب.
ـ إذن ، ترغب في شراء كلب؟
ـ لا، ولكن..
فقاطعني قائلاً بنبرة صارمة لا تقبل الردّ: إذن، لا أستطيع أن أفعل شيئًا لك.
وصرف نظره إلى سجلِّه يدّون شيئًا فيه.

خرجتُ من المكان، ورحتُ أحدّق في اللوحة المعلَّقة على بابه، وأكملتُ قراءتها ففهمتُ أنَّه نُزُلٌ للكلاب. وعدتُ إلى شوارع المدينة أبحث عن نُزُل للبشر. وبعد لأي عثرتُ عليه.

دخلتُ البناية فوجدت ساحةً فسيحةً وفي أرجائها الأربعة انتظمت الغرف. وكان بعض أبوابها مفتوحًا، بحيث كنتُ أستطيع أن أرى مَن فيها وما فيها. رأيت،ُ مثلاً، رجلاً وكلبًا مستلقييْن على سريريْن منفصليْن في إحدى هذه الغرف. وفي غرفةٍ أُخرى، رأيتُ امرأةً تداعب كلبًا صغيرًا وترمي بدُميةٍ إليه. وتوجَّهتُ إلى مكتب الاستقبال في النُزُل، حيث يجلس رجلٌ كهلٌ على كرسيٍّ مرتفعٍ، وإلى جانبه كلبٌ ضخمُ الجثّة.
نظر إليَّ بشيءٍ ظاهرٍ من الاستغراب. سلَّمتُ عليه فلم يردّ السلام. قلتُ:
ـ أريد غرفةً صغيرة .
ـ لماذا؟
ـ لأنَّني أنوي البحث عن عملٍ لي في هذه المدينة.
ـ ولكن أين كلبك؟
ـ لا كلب لديّ.
في تلك اللحظة ارتسمتْ على مُحيّا الرجل أماراتُ الدهشة الممزوجة بشيءٍ من الخوف والاشمئزاز، وقال:
ـ إذن، لا يمكنك البقاء في النُزُل.
كنتُ على وشك أن أسأل عن السبب، عندما أضاف بعدوانيَّةٍ جليَّةٍ قائلاً:
ـ بل لا يمكنك البقاء في هذه المدينة، ولا العمل فيها.

اعترتني الدهشة وداخلتني الحيرة، ووقفتُ مرتبكًا أنظر إلى الرجل باحثًا عن تفسير لقوله. حدّق الرجل في وجهي بحدّة، وأخذت عيناه تحمران شيئًا فشيئًا، وأرنبتا أنفه تخفقان ، وشفتاه ترتعشان بشدّة. وصدر منه صوت خافت سرعان ما علا حتّى أصبح أقرب إلى العواء منه إلى الصوت البشري، وراح الزَّبد يخرج من شدقيه، وكشَّر عن أنيابٍ حادة، واستطال فكاه إلى الأمام حتّى أصبحتا مثل فكَّي الكلب، وانتصبت أذناه، وازداد عواؤه حتّى تحوَّل إلى نباح، وقفز من وراء المنضدة وكاد يقع عليَّ لولا أنَّني تراجعت القهقرى، واستوى على أطرافه الأربعة على الأرض أمامي، وقد تجرّد من ملابسه ونبتَ لجسمه شعرٌ قصير، ونمت لقوائمه الأربعة مخالبٌ بارزة، ومُسِخَ كلبًا نبّاحًا ضخم الصوت كبير الخطر، فما كان منّي إلا أن أولّي هاربًا من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيَّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعتُ في اتّجاه القرية.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
الدراسة
صورة المدينة في الأدب العربي والآداب الغربية
بقلم: علي القاسمي

القرية والمدينة في التقاليد الأدبية:
نشأت المدينة نتيجةَ نضال البشريّة من أجل السيطرة على الطبيعة والتحكُّم فيها، بوصفها ملاذاً للإنسان يجد فيه الطمأنينة والأمان. وتحمل المدينةُ، في مكوِّناتها وعمارتها، نظرةّ جديدة للكون والحياة والمجتمع والإنسان، وتنظيماً مُستحدَثاً للعلاقات بين هذه العناصر الأربعة، خاصة العلاقة بين الإنسان ومجتمعه.
وعندما نشأت المدينة، ظهرت إلى الوجود ثنائية القرية والمدينة، وبدأت علاقة جدليّة بين الإنسان المفكِّر والمدينة، يطبعها شعور هو مزيج من الرغبة والنفور، والحبّ والكره، والوصال والهجر. وحينما يغلب الشعور بكره المدينة على الإنسان المفكِّر، يحلم هذا الإنسان المبدع بمدينة أخرى تستجيب إلى تصوراته وطموحاته: مدينة أسطوريًة، أو مدينة طوباويًة، أو مدينة مسحورة. ولكنّ المدينة تبقى هي المدينة.
الشائعُ أنّ التقاليد الأدبيّة والفنيّة، عربيّة كانت أو غربيّة، تمجِّد القريةَ وتتغنى بطبيعتها الأخّاذة، على حين تنال من المدينة وتذمّ أحياءها الصناعية القذرة. فالريف في معظم الأعمال الشعريّة والنثريّة يمثّل منشأ الحياة البشريّة القريبة من الطبيعة حيث الهواء النقي، والمياه العذبة، والخضرة الشاسعة، والمناظر الخلابة، والعلاقات الإنسانيّة الحميمة؛ فالريف هو أصل الحكمة، وموطن البراءة، وواهب الصحة والجمال والسعادة.
وفي المقابل، يسلِّط جلُّ القصص والقصائد وبقية الأعمال الفنيّة الضوءَ على مساوئ المدينة المتمثِّلة أساساً في هوائها الملوُّث، وضوضائها المضرّة، وازدحامها بوسائط النقل، وإفرازها تشوّهات حضاريّة نتيجةَ الثورة الصناعيّة التي أرادت ربط الإنسان بالآلة في المصنع، وحاولت نزع أحاسيسه ومشاعره ليكون شبيهاً بالآلة في أدائها ودقّتها وسرعتها. ومن هنا طغت الماديّة على المدينة واضمحلّت فيها القيم الإنسانيّة (1)
وقد انعكست محبّة الكُتّاب للقرية وبُغضهم للمدينة على اللغة المُستعمَلة. ولا أدلّ على ذلك من الفرق الدلاليّ بين إيجابية النعت ” طبيعيّ ” وسلبيّة مقابله ” اصطناعيّ”.
ولكنْ، هنالك من المفكِّرين والأدباء مَن اشتهروا بحبّهم للمدينة وتفضيلها على القرية. فإذا كان الشاعر الرومانسيّ الإنجليزيّ وليم وردزورث لم يحتمل العيش في لندن وفضّل العودة إلى منتجعه في منطقة البحيرات الجميلة التي كانت تلهمه روائع أشعاره، فإنّ معاصره الأديب الإنجليزيّ الدكتور صموئيل جونسون، مصنّف أول معجم إنجليزيّ متكامل، اشتهر بعشقه الذي لا حدّ له لمدينة لندن، ونُقلت عنه مقولته ” إذا ملّ الإنسان مدينة لندن، فقد ملّ الحياة”، لأن المدينة تستطيع أن تعطيك كلَّ ما يمكن للحياة إعطاؤه(2). ويشاركه في هذا الرأي في المدينة الفيلسوفُ الفرنسيّ فولتير . وفي الأدب العربيّ الحديث نجد الروائي نجيب محفوظ يعبِّر عن عشقه للقاهرة في روايته الثلاثية الشهيرة، وكذلك الروائي عبد الرحمن منيف الذي تجلّى حبّه للمدن في أعماله مثل روايته الثلاثية ” أرض السواد”، التي أعلن فيها حبَّه لمدينة بغداد، وفي كتابه ” سيرة مدينة ” الذي خصّصه لمدينة عَمّان حيث ترعرع.
وتكمن محاسن المدينة في اتساعها وضخامتها, وقوّتها، وتنوّع أماكنها، وتخصّصها، وكثرة مواردها البشريّة والماديّة. وتؤدّي هذه المحاسن إلى شعور الإنسان بالحريّة المتمثِّلة في تعدد اختياراته، والتحرر والتخلُّص من القيود الاجتماعيّة التي تفرضها عليه القرية بسبب ضيقها، وعلاقاتها البشريّة الملتحمة، وتمسّكها بالأعراف والتقاليد.
بَيد أنّ هذه الحرّيّة التي تُعدّ حسنة المدينة هي، في الوقت ذاته، مصدر سيّئتها الأساسيّة التي يجسّدها الشعور بالعزلة والوحدة والغربة والضياع. فخصائص المدينة، من اتساع وضخامة وقسوة وجفاف ووتيرة عمل سريعة، تُضعِف العلاقات الإنسانيّة وتجعل كلَّ فرد منشغلاً بذاته عن الآخرين.

المدينة في نظر الكتّاب العرب والغربيين:
في هذه الورقة سنتناول نظرةَ بعض الكُتّاب العرب والغربيّين إلى المدينة، من خلال قصتين تحملان كلتاهما عنوان ” المدينة”، أحداهما للكاتب الأمريكي الأشهر جون أبدايك (3) والأخرى للكاتب العراقي المقيم في المغرب علي القاسمي (4).
قصة ” المدينة ” لجون أبدايك:
تدور قصة ” المدينة ” لجون أبدايك (5) حول وكيلِ مبيعاتٍ لمصنعٍ متخصّص في الحواسيب الصغيرة وأنظمة معالجة المعلومات، اسمه كارسون، وهو في منتصف العمر ومطلّق من زوجته وله ابن يعيش في المكسيك وابنة أعلنت رسميّاً تخلّيها عن أبوته وسجّلت ذلك في المحكمة. يسافر كارسون بالطائرة إلى إحدى المدن لتسويق مبيعاته. وكان يجلس إلى جانبيه، في الطائرة، شابان من رجال الأعمال لكلّ منهما ” شارب محدّد فوق فمه الشاحب المُطبَق”. “وعندما تريد أن تتبادل بضع كلمات معهما فإنك ستسمع أصواتاً لا تفهم منها شيئاً وتبدو كأنّها صادرة من صندوق صفيح أشبه ما يكون بأرخص أجهزة التلفزيون”. وحينما كان كارسون في موقف سيارات الأجرة في مطار الوصول لم يرَ الشابين، ” فقد ذابا في الزحام مع الكثيرين من أمثالهم من الشبان.”
وقبل هبوط الطائرة، يشعر كارسون بمغصٍ معويّ، يحتمله بتجلُّد. وفي الفندق يزداد ألمه. ولعدم وجود مَن يساعده في جلب الدواء، ينزل كارسون إلى الصيدليّة لجلب الدواء. ولكن الألم يزداد تلك الليلة، فينصحه موظف الاستقبال في الفندق بالذهاب إلى عيادة الطوارئ في مستشفى المدينة. وهناك يتوجَّب عليه أن يمرّ بإجراءات طويلة ويملأ استمارات عديدة يثبت فيها قدرته الماليّة على تسديد مصاريف المستشفى. ” وخطر له أنّ الإنسان قد يموت في المستشفى أثناء تلك الإجراءات البطيئة.” وأخيراً فحصه طبيب شاب ولكنّه لم يكن متأكِّداً من تشخيص المرض. ولهذا أُخذت عَيِّنات من دمه لإجراء فحوص مختبريّة إضافيّة عليها. وكان على كارسون أن ينتظر في سريرٍ في غرفة يشغلها مريضان آخران، كانا “يئنان ويغنيان أغنيات لا لحن لها، وعندما يزورهما الأطباء ، كانا يتوسلان إليهم للسماح لهما بالخروج من المستشفى ويعِدان بأن يكونا مستقيمين من الآن فصاعداً” .
وبعد إجراء فحوصات متعدَّدة لكارسون من قِبَل أطباء مختلفين، استُدعي طبيب متخصص أُخرِج من حفلة خاصة. وقرّر هذا الطبيب إجراء عملية جراحيّة لإزالة الزائدة الدوديّة التي تحرّكت من موضعها. وأثناء العملية الجراحيّة، يحلم كارسون، وهو تحت التخدير، بأنّه حُشر في نفق مظلم. ثم وجد نفسه في غرفة عاديّة في المستشفى. “وكان إلى جانبه رجل قصير ذو وجه ضيق مُتكدِّر يستلقي في الفراش الذي بجانبه وهو يدخّن ويحدّق في جهاز التلفزيون.”
وفي فترة النقاهة، نُقل كارسون إلى غرفة أخرى خاصة به وحده. ” وكان يشعر بالسعادة الخالصة في هذا الجناح من المستشفى الذي يخلو من الناس إذ لا يراه ولا يعرفه أحد هناك.”

وعندما انتهت فترة النقاهة وخرج كارسون من المستشفى ” استقلّ سيّارة أجرة إلى المطار مباشرة، ولم يرَ من المدينة إلا معالمها التي لاحت له عن بُعد حين مرّ بالطريق السيّار وبتقاطع الطرق الزاخرة بالسيّارات. وبعد إقلاع الطائرة انتشرت تحته المدينةُ مثل خريطة ثم اختفت. ومع ذلك، فإنّه عندما فكّر في أصوات المزارعين، وناطحات السحاب البعيدة، وزيارات الممرضات الليليّة، والأطباء، والمنازل الملطّخة التي لا تثير أيّ انتباه، وعشرات الوجوه التي ارتفعت مع الألم إلى سطح مُخيّلته، بدا له أنّه توصَّل إلى معرفة المدينة عن كثب. كانت المدينة مثل امرأة التقى بها في حانة، خلال إحدى رحلاته الأخرى، ودفع لها فأسلمت جسدها إليه دون أيّ حديث تمهيديّ”
قراءة قصة جون أبدايك:
في هذه القصة القصيرة التي تُعدّ من أروع قصص جون أبدايك، نجد أنّ السارد يحكي الأحداث بضمير الغائب فهو يتحدّث عن كارسون وما وقع له في المدينة. وهذا يمنح السارد أو الكاتب الذي يروي الأحداث أن يعلّق عليها من مخزون معارفه، فيعرّفنا بأهم معالِم المدينة الأمريكيّة التي تميزها عن القرية، فيقول:
” صار الآن (أي كارسون)، وهو في الخمسين من عمره، ذوّاقة للمدن، وأحيائها المركزيّة النامية، وأحزمتها الصناعية المتضخّمة، وسككها الحديديّة الصدئة، وأبنيتها الزجاجيّة الجديدة، وفنادقها المكسوة أرضيتها بالزرابي ذات اللون البرتقاليّ، وحاناتها التي تقلّد الأكواخ الإنجليزيّة في زخرفتها الداخليّة؛ ولكلّ مدينة لهجة خاصة بها، وزي نسائيّ محليّ، وحيّ قديم تاريخيّ متميز، وناطحة سحاب ذات شكل غريب، ومتحف يضمّ لوحة لسيزان، أو قُل لونسلو هومر، لا تجد مثيلاً لها في أيّ مكان آخر.”
في هذه الفقرة التي تصف المدينة تتتابع الجمل والعبارات تتابعاً سريعاً ويتعالق بعضها ببعض تعالقاً وثيقاً، وكأن الكاتب أراد أن يعطي القارئ انطباعاً إضافيّاً علاوة على المعلومات التي تضمَّنتها تلك الجمل والعبارات. ويتعلَّق هذا الانطباع بخصيصتَين من خصائص المدينة هما: ازدحام المدينة بالبنايات ووسائط النقل والناس، والوتيرة السريعة التي تجري بها الأحداث والأعمال. فالازدحام يبرز على مستويَين: مكانيّ وزمانيّ. وهذا الازدحام يُحيل على الزحام الذي ذاب فيه الشابّان بعد وصولهما إلى المدينة. وكأنّ شخصيّة الفرد تذوب وتنعدم في المدينة بسبب ضخامتها وازدحامها.
ونلاحظ أنّ ذلك الوصف الشامل ينصبّ أساساً على معالمها الخارجيّة، ويغيّب، بصورة مُتعمَّدة، الخصائص الداخليّة في العلاقات الاجتماعيّة بين الأشخاص في المنازل والمصانع والحانات والفنادق ومحطات السكك الحديديّة، إشارة إلى عدم وجود تلك الوشائج الإنسانيّة بين سكان المدينة أو ضعفها. إنّ الشعور بالعزلة والوَحدة والضياع هو الذي يغلب على كلّ فرد هناك.
وإذا كانت اللغة هي أداة التواصل والتفاهم بين الناطقين بها، وهي التي تنسج العلاقات الاجتماعيّة بين الناس وتوثّق أواصر التعاطف بينهم، فإنّ اللغة مغيَّبة في هذه القصة على مستويين مترابطين:
الأول، مستوى الشكل، كما تصوغه التقنيّات السرديّة. فالقاصُّ لا يستخدم الحوار في هذه القصة، على الرغم من تمكُّنه منه واستخدامه له في معظم قصصه القصيرة الأخرى ورواياته العديدة. إنّه يعمد إلى السرد والوصف هنا. وإذا نطق أحد شخوص القصة، كما في حالة إخبار الطبيب المريضَ بنتيجة الفحوص، فإنّ كلامه مبتسر لا يتعدى مفردتين أو ثلاث، في شكل خبر أو أمر لا يقبل الأخذ والرد، ويبقى كارسون ” صامتاً مثل كلب لا يمكنه إلا أنْ يعوي أو ينشج.” على حدّ قول السارد.
الثاني، مستوى المضمون، فالشخوص صامتون لا يجيدون الكلام، فجارا كارسون في الطائرة ” لهما فمٌ مطبق” ، وإذا أراد أن يتبادل معهما بضع كلمات، جاء جوابهما بلغة غير مفهومة وبصورة آليّة مثل جهاز تلفزيون اختلّ فيه الصوت. وجاره في ردهة المستشفى يشاهد التلفزيون ولا يتبادل الكلام معه. والطبيبة التي فحصته تتكلم برطانة أجنبيّة لا يستطيع فهمها، وهكذا. فالعلاقات الإنسانية مقطوعة، ويرمز النصّ لهذا الانقطاع، كذلك، بطلاق كارسون من زوجته، وتخلّي ابنتُه عن أبوّته، وبُعد ابنه مكانيّاً.
إذن، فالشعور بالعزلة والوحدة هو الغالب على سكان المدينة. الإنسان يعيش في مدينة ولكنه في حقيقة الأمر محاط بصحراء قاحلة من العواطف الإنسانيّة. ويرمز الكاتب لهذه العزلة بالغرفة التي أمضى فيها كارسون فترة النقاهة وحده لا يشاركه فيها مريض آخر. ومع ذلك، فقد شعر “بالسعادة الخالصة”، لأنّه اعتاد حياة العزلة وأصبح يتضايق من وجود الناس حوله. وهذا يذكّرنا بذلك الشاعر الصعلوك الذي اعتاد الوحدة في الصحراء وقال:
عوى الذئبُ فاستأنستُ إذ عوى وصوَّتَ إنسانٌ فكدتُ أطيرُ

ويَصِم السارد المدينةَ بسيّئة أخرى هي طغيان المادة على القِيَم، واضمحلال الخصال الروحيّة واختفاؤها. وقد أبرز السارد ذلك بطريقتين:
الأولى، الإكثار من ذكر المعطيات الماديّة في المدينة وإغفال أيّ ذكر لقِيَم أو مُثُل أو عقائد، أو ما يمثّلها من أماكن ومؤسسات. فالقصة تزخر بالطائرات في المطارات، والسيارات المزدحمة في الشوارع وتقاطعاتها، والدرّاجات، وناطحات السحاب، والأجهزة والمعدّات والآلات، وغيرها من المنتجات الصناعيّة. ولكنها تخلو من ذكر المدارس أو أماكن العبادة، كما أنّنا لم نسمع أيّة صلوات أو أدعية يتلوها مريض ما في المستشفى. على العكس من ذلك، أبرز السارد مريضَين كانا يُعالجان من الإدمان على الخمور أو المخدِّرات وكانا يدندنان بأغانٍ لا لحن لها ولا معنى. اللغة هنا مؤلَّفة من مادة الأصوات ولكنها مفرغة من المعاني التي تمثّل روحها.
الثانية، يتجلى طغيان المادة على سكان المدينة في رغبتهم في الحصول على المال بأيّة طريقة مشروعة أو غير مشروعة. إذ تسعى بائعات الهوى في الحانات إلى الحصول على المال ببيع أجسادهن؛ ويسعى الأطباء في المستشفى إلى الحصول على المال بالكذب والتزوير، فلم تكن زياراتهم المتكرّرة لكارسون والتي لا لزوم لها ، أثناء فترة النقاهة، بدافع من مهنتهم الإنسانيّة أو لمواساته، وإنّما من أجل إدراج تلك الزيارات في سِجّل المريض، وقبض ثمنها بعد ذلك.
ولعل وصف السارد للاتصال الهاتفي الذي جرى بين كارسون وابنه، يمثّل انقطاعَ التواصل الإنساني الحاصل في المدينة، وغَـلَبَةَ الروح الماديّة عليها في آن واحد. يقول السارد:
” واتّصل به هاتفيّاً، وعلى حسابه (حساب كارسون)، ابنُه من المكسيك يوم الأحد، وكان صوته يبدو قريباً، وكلامه تتخلّله فترات صمت بصورة تُنذر بالشرّ، وكانت فترات الصمت الطويلة المُربكة بين الأب وابنه، في هذه المكالمة الهاتفيّة، تأكل الدولارات أكلاً.”
بل إن طغيان الروح الماديّة على المدينة، وانقطاع العلاقات الإنسانيّة، وانعدام التواصل البشريّ فيها، تلخِّصه الجملة الختاميّة الرائعة:
“كانت المدينة مثل امرأة التقى بها في حانة خلال إحدى رحلاته الأخرى ودفع لها فأسلمتْ جسدها إليه دون أيّ حديث تمهيديّ.”
وتذكّرنا هذه العبارة الختامية بالشاعر الفرنسي بودلير صاحب ” أزهار الألم ” الذي شبّه المدينة بالعاهرة.

قصة ” المدينة” لعلي القاسمي :
أما قصة ” المدينة ” لعلي القاسمي (6)، فتتحدّث عن شابٍّ قرويّ بَهرته أخبار المدينة وتوفرُّها على فرصٍ للعمل يغنم الإنسان منها أجراً سخيّاً ويعود بعد مدة إلى قريته رجلاً ميسور الحالً؛ فيتوجّه هذا الشابّ إلى المدينة. يلج أوّل شارع في أطرافها باحثاً عمَّن يدله على نُزُل يحلّ فيه، فلا يجد إلا السيارات التي تمرق مسرعة بجانبه، فيواصل سيره حتّى يصل تقاطعَ طرق يقف في وسطه شرطي ببزته العسكريّة وهو ينظِّم السير وإلى جانبه يُقعي كلبٌ ضخم الجثة، فلم يجرؤ الشابّ على مخاطبة الشرطيّ وتوجيه السؤال إليه. فيواصل السير ماشياً على الرصيف خوفاً من السيارات المنطلقة. ثم يلمح رجلاً يقود سيارته وبجانبه كلب يُطلّ برأسه من نافذة السيارة. وبعد ذلك يشاهد امرأة تسير على الرصيف وهي تدفع عربة صغيرة ينام في داخلها كلب صغير. وبينما كان يشاهد هذا المنظر الغريب بالنسبة إليه، تبتعد المرأة عنه فلم يَعُدْ من اللائق ملاحقتها وإلقاء السؤال عليها عن النُزُل. وبعد قليل يُقبل رجلٌ يقود كلباً بسلسلة، فيلقي عليه الشابّ القرويّ السلامَ، ولكن الرجل لم يرد التحية، بل ينظر إلى الشابّ باستغراب.
ويواصل الشابّ القرويّ سيره في الشارع فيرى من خلال إحدى نوافذ المنازل المفتوحة المحميّة بمُشبّك حديديّ، كلباً ضخماً أسود أفطس الأنف، وما إن التقت نظراتهما حتّى اكفهرّ وجه الكلب وكشَّر عن أنيابه، وتأهَّب للنباح والهجوم، فيبتعد الشابّ مسرعاً، ولكنّه يواصل النظر من خلال النوافذ حذراً وبدافع من حبِّ الاستطلاع، فيرى، مثلاً، في حمام أحد المنازل، كلباً يستحمّ في المغطس وتتولى امرأة غسله بالماء والصابون المُعطَّر.
ولمّا تأكد للشابّ أن لا أحد في تلك المدينة يدلّه على نُزُل، اعتمد على نفسه وأخذ يتهجّى لوحات المحلات بصعوبة بحثاً عن نُزُل. وعندما يقرأ كلمة ” نُزل ” في أوّل إحدى اللوحات، يسارع في دخول المحلّ، ولكن يتبين له أنّه نُزُل خاصٌّ بالكلاب. فيواصل البحث حتّى يجد نُزُلاً للبشر. ولكنّ صاحب النُزُل يسأل الشاب قبل كلّ شيء عن كلبه، وعندما يقول الشاب إنّه لا كلب لديه، تظهر أمارات الدهشة والاستغراب على وجه صاحب النُزُل ويطلب منه مغادرة المكان في الحال. وحينما يُبدي الشاب دهشته لذلك، يحدّق صاحب النُزُل فيه بحدّة، وتأخذ عيناه بالاحمرار، وأرنبتا أنفه بالخفقان، وشفتاه بالارتعاش الشديد، ويصدر منه صوت خافت سرعان ما يعلو حتى يصير أقرب إلى العواء، ويروح الزَبَد يخرج من شدقيه، ويكشّر عن أنياب حادّة، ويستطيل فكاه إلى الأمام حتّى يُصبحا مثل فكَّي الكلب، وتنتصب أذناه، ويزداد عواؤه حتّى يتحوّل إلى نباح، ويقفز من وراء المنضدة إلى الأرض، ويستوي على أطرافه الأربعة، وقد نبت لجسمه شعر قصير، ونمت لقوائمه الأربع مخالب بارزة، ومُسِخ كلباً نبّاحاً ضخم الصوت كبير الخطر. فما كان من الشاب إلا أن يولّى هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيه خلفه، جارياً بأقصى ما يستطيع في اتجاه القرية.
قراءة قصة “المدينة” لعلي القاسمي:
عندما نقارن قصة “المدينة” لجون أبدايك بقصة “المدينة” لعلي القاسمي ، نجد أنهما يختلفان من حيث الطول (الأولى 20 صفحة والثانية 7 صفحات)، ومن حيث اللغة والأسلوب، ومن حيث المضمون، ومن حيث الطريقة أو المدرسة السرديّة التي تنتمي كلّ قصة إليها. ولكنّهما تتفقان من حيث تلميحهما إلى مساوئ المدينة.
فالسارد في قصة علي القاسمي يتحدّث بضمير المتكلِّم، فهو يحكي ما حدث له شخصيّاً، وهذا يوحي بشيء من الثقة وبنوع من التصديق. وتزداد ثقة القارئ بالسارد وتصديقه له في بداية القصة حين يبدأ السارد بوصف قريته أولاً بكلمات بسيطة صادقة وبأسلوب إخباريّ مباشر، وكأن القصّاص قد سقط في التقريريّة والمباشريّة، غير أنه سقوط مقصود. يقول السارد في افتتاحية القصة:
دخلتُ المدينة أوّل مرّة عندما كنتُ فتىً يافعاً غريراً…”
ومما يزيد القارئ ثقة وتصديقاً موضوعيةُ السارد في وصف المدينة وتعداد محاسنها. يقول السارد:

” غادرتُ قريتي متوجهاً إلى المدينة باحثاً عن عمل. فقد بَهَرتني أخبار المدينة قبل أن أرحل إليها. سمعتُ أنّ شوارعها فسيحة نظيفة، وأنّ مساكنها فاخرة ذات مرافق مريحة تُضاء ليلاً بالكهرباء، وأنّ غرفها مُجهَّزَة بِمكيّفات الهواء فلا يشعر الإنسان فيها بحرّ ولا برد، بل بهواء ربيعيّ دائم. قالوا إنّ أحياءها تتوفر على مدارس يتعلَّم فيها الصغار والكبار، وتنتشر فيها عيادات الأطباء والمصحّات والمستشفيات، وقالوا إنّ العمل ميسور بأجور سخيّة لمن يرغب، وإنّ المرء يعود إلى قريته غنيّاً بعد فترة وجيزة.”
هذه البداية الواقعيّة التقريريّة في القصّة هي من مستلزمات الأدب العجائبيّ (أو الفنتازي) الذي تنتمي إليه هذه القصة، بحيث يُفاجَأ القارئ بالأحداث العجائبيّة التي تقع في آخر القصة. وهذا أسلوب حذق فيه الكاتب الأمريكي دونالد بارتلم، الملقّب بأبي قصة ” ما بعد الحداثة “، والمشهور بقصصه المُكثَّفة ذات الفضاءات العجائبيّة، والأحداث السورياليّة، والشخوص الكاركاتورية. فإذا كانت القصص الواقعيّة العاديّة تقوم على خلق مواقف يتخللها صراع ينتهي بنوع من الحلّ أو التوافق فيشعر القارئ بالارتياح، فإنّ القصص من هذا النوع تبدأ بصورة طبيعية معقولة ولكنها تنتهي بالقارئ إلى الصراع والقلق، وقد تثير فينا أحداثُها أو شخوصُها الضحكَ ولكنه ضحك ممزوج بالألم أو الاستغراب الذي يدفعنا إلى البحث عن حلّ أو إعادة تركيب الأحداث أو تأويلها من جديد.(7) وهذا ما حصل في قصة علي القاسمي. فمزجُها بين الممكن والمستحيل، والواقعيّ والمُتخيَّل، والحقيقيّ والأسطوريّ، يوسّع مدار التخييل لدى المُتلقّي، ويمكّنه من تأويل القصة على مستويات متعددة
ويمكن قراءة قصة علي القاسمي على مستويات رئيسية ثلاثة:
المستوى الأول، هو مستوى منطوق النص، أو المستوى الظاهر للقصة، الذي ينصبّ على تفشِّي عادة اقتناء الكلاب بين أهل المدن. فما من رجل أو امرأة التقى به أو بها الساردُ إلا وكان رفقة كلب، راجلاً، أو راكباً في سيارة أو عربة. وهذه عادة راسخة مستحكمة في المجتمعات المدينيّة الغربيّة ولها تقاليدها وأصولها وأخذت تنتشر في المدن العربية. ولكن السارد هو قروي اعتاد على أنّ الكلاب قد تساعد في الحراسة أو الرعي، ولكنه لم يتوقّع يوماً أن يرى الكلاب تمتطي السيّارات، وتنام في العربات، وتستحم في مغاطس الحمامات في المنازل.
المستوى الثاني للقراءة هو مفهوم النص الذي يتضمَّنه المنطوق. فتربية الكلاب تنم على الشعور بالوَحدة الذي يعانيه ساكن المدينة. وهنا تتفق هذه القصة مع قصة جون أبدايك في مسألة انحسار العلاقات الإنسانيّة في المدينة. وإذا كان انعدام الحوار هو المؤشِّر إلى ظاهرة العزلة في قصة أبدايك، فإنّ تربية الكلاب في قصة القاسمي هي وسيلة أهل المدن للتخلُّص من الشعور بالعزلة. إضافة إلى أنّ بعض تلك الكلاب هي كلاب حراسة ما يدل على فقدان الأمن وعدم الثقة بالآخرين. ويعزِّز ذلك ” الأبواب الموصدة” و ” النوافذ المَحميّة بمُشبَّك حديديّ”، وعدم تحدّث أهل المدينة إلى غريب حتّى لو ألقى عليهم التحية وخاطبهم. وقد عرفوا الشاب غريباً ليس من هيئته فحسب بل من عدم اصطحابه كلباً كذلك.
أما المستوى الثالث للقراءة فهو تأويل النص، الذي يُفصح عنه الحدث العجائبيّ المتمثِّل في أنّ صاحب النُزُل مُسِخ أو تحوَّل إلى كلب نبّاح، وهذه إشارة إلى فقدان الإنسان إنسانيّتَه في المدينة. وخاصية الإنسان الجوهرية التي تميّزه عن الحيوان في هذه القصة، لا تكمن في النطق، كما حددها أرسطو، فللحيوان لغته كذلك، وإنّما في القيم والمُثل التي تُهذِّب سلوكه وترتفع به عن سلوك الحيوان الغريزي وتخلّصه من شريعة الغاب. فالمدينة فيها جميع مظاهر القوة ولكنها تخلو من قِيَم القرية التي ذكرها السارد في أوّل القصّة كالمروءة والتعاون والتسامح ومساعدة الضعيف والعطف على المحتاج وإعانة الغريب، وهكذا أصبحت المدينة تتصف بالقسوة والجفاف لخلوها من تلك القيم الإنسانية.
وكما تضمّنت قصة جون أبدايك في خاتمتها تلميحاً لتشبيه بودلير المدينة بالعاهرة، فإن الجملة الختاميّة في قصة القاسمي، هي الأخرى، تتضمن تلميحاً. يقول السارد بعد أن رأى صاحب النُزل وقد مُسخ كلباً:
” فما كان منّي إلا أن أولّي هارباً من النُزُل والمدينة، تاركاً نعلَيّ خلفي، لأجري بأقصى ما استطعت في اتجاه القرية.”
وتتضمّن هذه الجملة تلميحاً إلى قصة الزاهد أبي نصر بشر ابن الحارث الذي نزل إلى أحد أسواق بغداد، فصُعق بما رأى، فخلع نعليه ووضعهما تحت إبطه، وجرى حافياً في اتجاه البادية، فعُرف بعد هذه الحادثة بـ ” بشر الحافي”.

الخلاصة:
إنّ صورةَ المدينة في الأدب العربيّ وفي الآداب الغربيّة المعاصرة صورةٌ يشوبها كثير من التشوّهات والبقع والخطوط السوداء. ونتساءل ما إذا كان ذلك نتيجة لحنين الإنسان لموطنه الأوّل في الطبيعة ذات الهواء النقي والخضرة الشاسعة والمناظر الخلابة، التي كان يتجوّل فيها بحرية وطلاقة ملايين السنين قبل أن توجد المدينة منذ بضعة آلاف من الأعوام.
هل يعبّر الإنسان المثقّف عن كرهه للمدينة لأنّها حرمته من حريته الحقيقية ومنحته محلها حرية زائفة؟ أخذته المدينة من رحاب الطبيعة الواسعة الرائعة لتجعله أسير أسوارها العالية وجدرانها السميكة وشققها الضيّقة، ولِتُسمِّمه بتلوثها البيئيّ والأخلاقيّ. حرمته من استنشاق الهواء النقيّ لتخنقه بهواء مُلوَّث بدخان المصانع وعوادم السيّارات وبقايا المزابل. منعته من سماع تغريد البلابل وزقزقة العصافير وهديل الحمائم وخرير الجداول لتصمّ أذنيه بصخب دراجاتها الناريّة وسيّاراتها وقطاراتها وطائراتها، وهدير مصانعها وآلاتها، ودويّ إذاعاتها وفضائيّاتها، وضجيج ساحاتها وأسواقها المزدحمة.
هل يمكن أن نعدّ رفض الإنسان المُثقَّف للمدينة نوعاً من رفضه للمدنيّة الحديثة وقِيمها المُغرِقة في الماديّة التي حرمته من ممارسة إنسانيّته: لغةً ومشاعرَ وأحاسيس واحتياجات اجتماعيّة؟
لعل الحقيقة تكمن في شيء من هذا وذاك.

الهوامش:
مختار علي أبو غالي، المدينة في الشعر العربي المعاصر (الكويت: عالم المعرفة 196، 1995)

1. Robert Drewe (ed.) The City (London: Penguin Books, 1998),P.4

1. جون أبدايك ( 1932 ـ 2009 ) شاعر ورسّام وقصّاص وروائي وناقد. يعدّ أشهر أدباء أمريكا المعاصرين، وأغزرهم إنتاجاً، ونال جائزة البوليتزر مرتين. ولد في بلدةٍ في ولاية بنسلفانيا، ودرس الأدب في جامعة هارفرد الأمريكية، ودرس الرسم في مدينة أكسفورد. وعمل في جريدة ” النيويوركي ” مدة سنتين قبل أن يتفرغ للكتابة.
1. علي القاسمي ( 1942 ـ ) كاتب عراقي مقيم في المغرب. تلقى تعليمه العالي في جامعاتٍ في بغداد وبيروت وأكسفورد وباريس وتكساس، وحصل على إجازة في الآداب وليسانس في الحقوق وماجستير في التربية ودكتوراه الفلسفة في علم اللغة التطبيقي. عمل في التعليم الجامعي والمنظمات الدولية ثلاثين عاماً قبل أن يتفرغ للكتابة.

1. قصة ” المدينة ” لجون أبدايك مترجمة في:
على القاسمي، مرافئ على الشاطئ الآخر: روائع القصص الأمريكية (بيروت/ الدار البيضاء : إفريقيا الشرق، 2002) ص 109ـ130.
1. قصة المدينة لعلي القاسمي موجودة في:
علي القاسمي، دوائر الأحزان ـ قصص قصيرة ـ (القاهرة: دار ميريت، 2005) ص 81ـ 88؛ الطبعة الثانية: (الدار البيضاء: دار الثقافة، 2009).
1. على القاسمي، مرافئ على الشاطئ الآخر، مرجع سابق، ص 141.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| مهند النابلسي : سينما ارتجالية وشهرة مجانية وشخصيات سطحية:وصف دقيق لتحفة ترفو”الليلة الأمريكية”-1973/الفيلم الفائز باوسكار أفضل فيلم أجنبي لعام:1974 .

*يلعب Truffaut نفسه دور مخرج سينمائي يُدعى Ferrand ، الذي يكافح ضد كل الصعاب لمحاولة …

| عبدالمجيب رحمون : كيف نتواصل بالحكي؟ أو الرواية والحياة عن رواية “عقد المانوليا”

لماذا نقرأ؟ وكيف نقرأ؟ هذان السؤالان الإشكاليان اللذان طرحهما الناقد الأمريكي “هارولد بلوم” لم يكن …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *